الثلاثاء، 19 مايو 2026

طبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد بقلم مجدى صادق One divine nature of Christ, the Incarnate Word

طبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد

 

One divine nature of Christ, the Incarnate Word

 

بقلم

مجدى صادق

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

"حققت مؤلفاته مبيعات تزيد عن 300 ألف نسخة على جوجل بلاي وحدها"

 

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

المـــــؤلف          :  مجـــدى صــادق راغب

الطـــــبعة           :  الأولى   8  أغسطس 2005

الطـــــبعة           :  العاشرة  1   مايو    2026   

الموقع على النت  :                      https://magdysadek.blogspot.com

البريد الالكتروني  :                               L.magdysadek@gmail.com

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف




  

 

              طبيعة واحدة إلهية للمسيح            الكلمة المتجسد

 

 

 

 

الفهرس

5

 

تمهيد

 

9

 

القسم الأول

طبيعة المسيح

 

15

الفصـل الأول        :  

المقصـــــود بالطبيعـــة

17

 أولا   :

الطبائع الروحية العاقلة (  Physis)

18

 ثانيا  :

الطبائع المادية غير العاقلة ( فيزيق  Physik)    

21

 

أهمية معرفة معانى المصطلحات اللاهوتية في  الحوار اللاهوتى

23

الفصـل الثانـى       :

المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية

26

الفصـل الثالـث       :

عقيدة الكنيسة الأولى في  طبيعة المسيح

33

 أولا   :

البراهين الكتابية على أن روح المسيح إلهية

35

 ثانيا  :

البراهين الآبائية للتعليم بأن روح المسيح إلهية

44

الفصـل الرابـع        :

أصل الخلاف بين أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين

54

أولا   :

نتائج فهم التجسد من منظور ثلاثية تكوين الإنسان

59

ثانيا  :

نتائج فهم التجسد من منظور ثنائية تكوين الإنسان

61

 

فساد بدع اصحاب الطبيعتين

64

الفصـل الخامس     :

عقيدة نسـطور في  طبيعة المسـيح

67

الفصـل السادس     :

عقيدة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية في  طبيعة المسـيح

78

أولا   :

بدعة ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى

78

ثانيا  :

بدعة مجمع خلقيدونية في  طبيعة المسيح هى عين بدعة ثيؤدورت

85

الفصـل السابع       :

عقيدة ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى في  طبيعة المسيح

91

الفصـل الثامن       :

الفرق بين المســيح والمؤمنين

107

 المبحث الأول      : 

الفرق بين المسيح والمؤمنين في  المعتقد الأرثوذكسى

107

 المبحث الثانى      :

الفرق بين المسيح والمؤمنين في  المعتقد النسـطورى

113

 المبحث الثالث      :

الفرق بين المسيح والمؤمنين في  المعتقد الخلقيدونـى

119

 

 المبحث الرابع       :

الفرق بين المسيح والمؤمنين في  المعتقد الأنطاكى واليعقوبــى

123

 

 



القسم الثانى

روح واحدة إلهية للمسيح المتجسد

 



125

 

الفصـل الأول      :  

روح واحدة إلهية للمسيح الذى جاء في الجسد

127

 

   المبحث الأول  :  

معتقد الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح هو المعتقد الأرثوذكسى

133

 

   المبحث الثانى :  

روح المسيح  وفقا للاسفار المقدسة إلهية

146

 

الفصـل الثانى     :  

هل تجسد الكلمة أم تأنس ؟

152

 

الفصـل الثالث     :  

هل للمسيح طبيعة واحدة إلهية أم طبيعة من طبيعتين لا جنس لها ؟

159

 

الفصل الرابع     :

العقيدة الأرثوذكسية هل هي الأبولينارية أم أحد مذاهب أصحاب الطبيعتين ؟

162

 

الفصل الخامس :

الفرق بين الطبيعة الواحدة والطبيعة من طبيعتين

167

 

 

هل كان أوطيخا من أصحاب الطبيعة الواحدة أم الطبيعة من طبيعتين

171

 

 

العقل البشرى المتألم وحده في جميع المذاهب النسطورية

171

 

 

البساطة التي في المسيح ومذهب الطبيعة الواحدة اللاهوتية

173

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم الثالث

المناظرات حول ماهية روح المسيح

 

 

177

الفصـل الأول          :

هل صدر حكم الموت ضد النفس الحية أم ضد الروح؟

179

الفصـل الثانى         :

هل نرث الخطية وشوكة الموت من خلال الدم أم الروح؟

181

الفصـل الثالث         :

ما الذى اتحد به الكلمة ليخلصه من الموت. الجسد أم الروح ؟

188

الفصـل الرابع          :

هل خرجت روح المسيح من جسده أم أودعها في  يدى الآب؟

193

الفصـل الخامس       :

تفنيد الإعتراض على تجسد الكلمة واشتراكه معنا في اللحم والدم

198

الفصـل السادس       :

تفنيد الإعتراض على أن الكلمة ولد من العذراء

201

الفصـل السابع          :

تفنيد الإعتراضات على أن روح المسيح إلهية وليست إنسانية

207

    الإعتراض الأول     : 

على حلول الروح القدس على الابن في الأردن

207

    الإعتراض الثانى     : 

على تقديس المسيح لذاته بروحه الإلهية

208

    الإعتراض الثالث     : 

على أن روح المسيح هو الروح القدس

210

الفصـل الثامن           :

هل صورة ابن الإنسان هي صورة إلوهيم؟

213

الفصـل التاسع        :

هل المسيح هو الكلمة أم أنه انسان تأنس به الكلمة؟

217

الفصـل العاشر        :

هل يوجد في المسيح ابنان واحد يعرف الأزمنة والآخر لا يعرفها ؟

228

الفصـل الحادى عشر  :

إذا كان المسيح عبد بالطبيعة فما هو الإخلاء الذى حققه؟

230

الفصـل الثانى عشر   :

هل للمسيح روح إنسانية مشخصة بالكلمة؟

234

الفصـل الثالث عشر   :

هل المسيح واحد مع الآب في الجوهر أم أنه واحد معه بالمحبة والوفاق؟

235

الفصـل الرابع عشر    :

هل كان الخلاف حول طبيعة المسيح لفظيا أم جوهريا

239

 

أهم المراجع

243

 

صدر للمؤلف

247

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 














تمهيد

     إن الغاية من كتاب " الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد " هو التصدى لبدع أصحاب الطبيعتين الذين يزعمون ايمانهم بالمسيح الكلمة المتجسد في حين يؤمنون بمسيح آخر مخلوق اتحد به الكلمة حسب زعمهم فاتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق المبارك إلي الأبد آمين, وقد سقطوا في بدع أصحاب الطبيعتين بسبب تتلمذهم علي كتب النساطرة بمختلف مدارسها المنتشرة منسوبة للقديسيين مثل كتابي ثيؤدورت الذين هاجم فيهم القديس كيرلس عمود الدين ومقررات مجمع أفسس الأول عندما كان علي المذهب النسطوري ونشرهما  تحت عنوان " تجسد الرب " و" لاهوت الثالوث المقدس المحيى " وتم نشرهما في العربية تحت عنوان : " تجسد ربنا يسوع المسيح " و" ظهـور المسيح المحيى " منسوبين زورا للقديس اثناسيوس الرسولى, ونظرا لأن هذين الكتابين يتضمنان معتقد نسطور في الطبيعتين القائمتين كل بعقلها الخاص في وحدانية اسم المسيح, فقد نسبنا الإقتباسات المأخوذة من هذين الكتابين لنسطور, ذلك أن الكتاب الثالث لثيؤدورت يتضمن المعتقد الذي ابتدعه سنة 445 ميلادية في مؤلفه الذي نشره تحت عنوان " الجامع للطبيعتين " وتبناه مجمع خلقيديونية سنة 451 ميلادية والقائم علي أساس أن أقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبعتين في المسيح والمنشور في العربية تحت عنوان " كمال البرهان علي حقيقة الإيمان " منسوب أيضا للقديس أثناسيوس الرسولي.

     وجدير بالذكر أن هذه الكتب الثلاثة المتقدم بيانها لم يرد ذكرها فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات القديس أثناسيوس الرسولى, بل على العكس ثبت أن هذه الكتب الثلاث وردت فى فهارس الكتب المنسوبة لثيؤدورت أسقف قورش, حيث ورد فى هذه الفهارس أنه وضع كتابين ضد مجمع أفسس الأول وضد القديس كيرلس عمود الدين وضد أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد.

      كما ثبت أن كتاب : " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " المنسوب زورا للقديس اثناسيوس الرسولى يتضمن أيضا كتابين لثيؤدورت أسقف قورش الكتاب الأول " الجامع للطبيعتين " والكتاب الثانى " برهان القياس " وقد ورد ذكر هذين الكتابين فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات ثيؤدورت أسقف قورش ( تاريخ كنيسة أنطاكية ص 469 ) فخدع بها  الكثيرين من حملة لواء التعليم حتى صار الكثير منهم  بسبب اعتناقهم تعاليم أصحاب الطبيعتين يعتقدون أنها تمثل الأرثوذكسية رغم أن بعضها علي مذهب نسطور وبعضها علي مذه خلقيدونية , والنتيجة أن بدأ البعض يتسآلون هل كان نسطور نسطوريا ؟ وربما أنه من أجل هذا إضافة إلى أسباب أخرى مؤدية للإرتداد بانكار لاهوت المسيح والاعتقاد بحسب معتقد أصحاب الطبيعتين بأن العذراء ولدت انسانا مثلنا يدعي يسوع المسيح له روح انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة, قيل : " متى جاء ابن الإنسان ، ألعله يجد الإيمان على الأرض " ( لوقا 18 : 8 ).

     لهذا فقد صار من الضرورى العمل على تفنيد بدع أصحاب الطبيعتين المتنوعة التي ليس لها أي سند كتابى صحيح والتى تمثل بالحق تعليم ضد المسيح كما هو مكتوب :

     كل روح لا يعترف بيسوع المسيح ( إسم إلوهيم ) أنه قد جاء في  الجسد . فليس من إلوهيم, وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) لأنه عظيم هو سر التقوى ( العبادة ) إلوهيم ( يسوع المسيح ) ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ( يوحنا الأولى 5  : 20 ).

     لهذا رأيت بنعمة إلوهيم أن أكتب ببراهين كثيرة مفندا للنسطورية بكافة مذاهبها وبدعها الخبيثة مظهرا وكاشفا عوارها وتعارضها مع صورة التعاليم المستقيمة التى بحسب الحق الكتابى وأولها إظهار أن اسم يسوع  المسيح هو اسم إلوهيم الذى نعتمد باسمه ( أعمال 2 : 38 ) أى باسم الآب والابن والروح القدس ( متى 28 : 19 ) وأنه صورة إلوهيم غير المنظور بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته, وانه مسح مسيحا منذ الأزل , وأنه خلقنا على صورته الإنسانية كشبهه, وأن نفس انوفنا مصدره المسيح الرب ( مراثى أرميا 4 : 20 ).

     لهذا قال لتلاميذه : فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا ( يوحنا 6 : 62 ).

    لهذا عندما نزل إلينا متجسدا هيأ جسده على صورة مجده, لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) والذى يرانى يرى الذى أرسلنى ( يوحنا 12 : 45 ).

      مثبتا بذلك أن ابن الإنسان ( أي صورته كإنسان ) هي ذات صورة الآب الكائن بها منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) بهاء مجده ورسم جوهره, وأنه سيصعد إلى حيث كان أولا بجسده الذى جعله على ذات صورة مجده معلنا سر يفوق أذهان البشر بقوله تبارك اسمه :

     وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء.

    أي أنه رغم نزوله من السماء في صورته كابن انسان وتجسده, إلا أنه كائن في السماء على عرشه فوق مركبة الكروبيم بذات صورته التى رأه بها حزقيال النبى ووصفه قائلا :  بأنه نظر شبه كمنظر إنسان عليه من فوق , ورغم أنه نظر انسان إلا انه قال عنه بانه نظر مجد إله إسرائيل عليه من فوق ( حزقيال 1 : 26 + 10 : 19 -20 ) ( إشعياء 6 : 1 , 5 ).

     وها معناه أن صورة المسيح كإبن انسان هى بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره.

     هذا السر المكتوم الذى لم يعلم به أجيال من البشر بأن صورة السيد المسيح الإنسانية هي ذات صورة إلوهيم غير المنظور أعلنه بولس الرسول بقوله :

     إلوهيم بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في  هذه الأيام الأخيرة في  ابنه ( أى صورته ) الذى جعله وارثا لكل شىء الذى به أيضا عمل العالمين. الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في  يمين العظمة في  الأعالى ..  وعن الملائكـة يقـول الصـانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار, وأما عن الابن ( صورة الآب ) كرسيك يا إلوهيم إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك .. من أجل ذلك مسحك إلوهيم إلهك ( أى الروح القدس روح المسيح ) بزيت الإبتهاج ( العبرانيين الأصحاح الأول ) أى أن مسحته أزلية ( أمثال  8 : 2, 23 ).

     هكذا نرى أن الذى هو بالحقيقة صورة إلوهيم غير المنظور بهاء مجده ورسم جوهره الذى به عمل العالمين. الذى كرسيه إلى دهر الدهور هو الذى جاء واشترك معنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 4 ) مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى ( غلاطية 4 : 5 ). 

     هذا هو سر المسيح الذى قال عنه بولس رسول الأمم العظيم :

     أنه بإعلان عرفنى بالسر .. الذى بحسبه حينمـا تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتى بسر المسيح الذى في  أجيال أخر لم يعرف بـه بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح .. لى أنا أصغر جميع القديسين أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم بغنى المسيح الذى لا يستقصى وأنير الجميع في  ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في  إلوهيم خالق الجميع بيسوع المسيح. لكى يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين .. بواسـطة الكنيســة ( أفسس 3 : 3 – 10 ).

    من ذلك يتضح ان صورة المسيح الإنسانية كإبن إنسان هي صورة إلوهيم الذى خلقنا على صورته منذ البدء وهو الذى نفخ في أنف آدم نفس الحياة الذى هو علة حياة أجساد جميع البشر.

    فالمسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) من حيث الجوهر, وإنما ظهر في  الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 - 8 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) الذى هيأه أي جسده ( العبرانيين 10 : 5 ) على صورة مجده ببرهان قوله: الذى رآنى فقد رآى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) لكى بروحه الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الذى هو روح المسيح الناطق في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) يقدم دمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 ) فداءا عنا. مماتا به في  الجسد ولكن محيى ( أي الجسد ) في  الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 50 ) الذى به أيضا ( أي بروح  الحياة الذى فيه ) سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 ,  9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

      ورغم أن أكثر الذين تسممت أفكارهم بتعاليم أصحاب الطبيعتين المنحرفة ليس فقط لا يقبلون التعاليم الصحيحة بل ويقاومونها أيضا كما في  خلقيدونية إلا أنى عالم ومتيقن أن ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس ( كورنثوس الأولى 12 : 3 ).

    لذلك فإن كل من يقول أن ابن إلوهيم ليس هو يسوع المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 15 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) بحسب الحق الكتابى, ويزعم بحسب روح ضد المسيح. بأن ابن إلوهيم جاء إلى انسان يدعى يسوع المسيح, وأن إلوهيم حل في روح هذا الإنسان بكل ملء لاهوته واحتجب بها دون أن يبطل عقلها, وأنه جعل هذا الإنسان واحدا معه في مجد اللاهوت بحسب نسطور, أو قال بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية بأن الكلمة بحلوله في روح المسيح الإنسانية شخصها مبطلا عقلها البشرى, وبهذا صار كلمة إلوهيم هو المشخص لروح المسيح الإنسانية التي كمل جوهرها بتشخيص كلمة إلوهيم لها ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ك 1 ق 3  ف 4  ص 51 -52 ) أو قال بأن للمسيح طبيعة من طبيعتين مشخصة بالكلمة بحسب ساويرس الأنطاكى, أو مشخصة بكلمة من كلمتين بحسب يعقوب البرادعى, ولم يستحسن أن يعترف حسب الحق الكتابى المعلن بأن إلوهيم الذى ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) هو يسوع المسيح الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 – 3 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وأن روحه إلهية ( متى 12 : 28 ) ( أعمال 16 : 7 ) ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 2 ) ناطقة في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) وأنه صورة إلوهيم الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد ( فيلبى 2 : 5 – 11 ) فلا يلومن إلا نفسه دمه على رأسه. لأن يسوع المسيح المولود من مريم هو بالحقيقة ابن إلوهيم الوحيد المرسل إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) الذى ليس بأحد غيره الخلاص.

      لهذا فإن كل من يأتي ولا يأتى بهذا التعليم هو تحت الحرم الرسولي القائل:

     " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. ليس هو آخر. غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح, ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن ملعونا .. وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته. بل بإعلان (  أى وحى ) يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 6 - 12 ).

      وعن هذا الإيمان المسلم للقديسين يقول بولس الرسول:

      " احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة إلوهيم التى اقتناها بدمه " ( أعمال 20 : 26 - 28 ).

     لأن كل من يحسب أن دم المسيح دم إنسان ذى روح انسانية عاقلة أو مشخصة بالكلمة, أو ذى روح من روحين مشخصة بالكلمة أو بابن من ابنين, ولم يعترف حسب الحق الكتابى بأن دم المسيح هو دم إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا. فإنه يصير كمن أزدرى بروح النعمة روح القيامة والحياة الذى هو روح المسيح الرب المحيى.

     إن هؤلاء الذين أعمى إله هذا الدهر أذهانهم لئلا تضىء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4 : 3 - 4 ) لم يدركوا أن المسيح ليس إنسانا ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) بل هو حكمة إلوهيم الممسوح مسيحا منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 - 30 ) وأنه الكائن في  صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 - 8 ).   

     الرب قادر أن يجعل من هذا الكتاب بركة تؤول لخلاص كثيرين بالنعمة لمجد إلوهيم مخلصنا.

                                                                                     مجدى صادق

 

 

 


 

القسم الأول

طبيعة المسيح

The nature of Christ

 

 

الفصل الأول

المقصود بالطبيعة

 

     يقصد بالطبيعة طبع الشىء أى كنهه, والطبائع في اليونانية نوعين : فيزيس "Physis  " أي طبيعة روحية عاقلة, وفيزيق " Physik " أي طبيعة مادية غير عاقلة.

     وقد استخدم أباء الكنيسة الأولى المصطلح " فيزيس "  Physis  ومعناها طبيعة روحية عاقلة. للدلالة على الروح العاقلة.

    فكلمة فيزيسPhysis   في اليونانية تعنى تحديدا الطبيعة العاقلة سواء كانت روح إلوهيم أم روح إنسان أم ملاك.

     أما الطبيعة غير العاقلة في اليونانية فيعبر عنها بكلمة فيزيق Physik وتعنى تحديدا الطبيعة المادية غير العاقلة سواء كانت حية بالدم كأجساد البشر والحيوانات أو حية بمادة الكلوروفيل  كالأ شجار والنباتات أو كانت مادة عادمة الحياة كالجمادات مثل الذرة والعناصر الصلبة كالحديد والنحاس والذهب وخلافه.  

     لهذا فإن دراسة الطبيعة المادية غير العاقلة أى الفيزيقا Physika  تشمل دراسة الأحياء المادية كأجساد البشر والحيوانات والنبات. كما تشمل دراسة المادة الجامدة كالذرة والعناصر الصلبة والكون, وباختصار دراسة كل ما هو مادى وغير عاقل.

     وبالتالي فلا يجوز استخدام كلمة فيزيس Physis  وتعنى طبيعة روحية عاقلة للدلالة بحال من الأحوال على الطبيعة المادية غير العاقلة كالجسد سواء كان بشريا أو حيوانيا. كما لا يجوز استخدامها للدلالة على النفس الحية أو الحيوانية التي هي الدم.

   وبالتالي فإن من يترجم المصلح " ديو فيزيس "  ومعناه طبيعتين عاقلتين إلى العربية بمعنى أن الديو فيزيس تعنى الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية المركبة من طبيعة روحية عاقلة ( فيزيس ) وطبيعة جسدانية غير عاقلة ( فيزيق ) هو جاهل بالمصلطحات اليونانية.

    وعلى هذا تنقسم الطبائع إلى نوعين طبائع روحية عاقلة ( فيزيس ) وطبائع مادية غير عاقلة ( فيزيق ) ونعرض لهما فيا يلى :

 

أولا   : الطبائع الروحية العاقلة (  Physis

  

     يقصد بالطبائع الروحية العاقلة أو الناطقة أو الكلمانية (  Physis) الروح أى الجوهر الروحانى العاقل الخالد الذى لا يفنى ولا يموت.

 

     والطبائع العاقلة ثلاثة إلهية وبشرية وملائكية.

 

     1  -  الطبيعة الإلهية

      يقصد بالطبيعة الإلهية ( بطرس الثانية 1 : 4 ) الروح القدس ( كورنثوس الثانية 13 : 14 ) روح يسوع ( أعمال 16 : 7 الترجمات الكاثوليكية والتفسيرية والمشتركة والمبسطة والبولسية ) ( القديس كيرلس " شرح إنجيل يوحنا " ك 2 ف 1 ص 170 ) روح الحياة الذي في  المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 ) روح المسيح ( رومية 8 : 9 ) الروح الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الروح المحيي ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) روح المسيح الناطق في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ).

      فالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب ( يوحنا 15 : 26 )  كطبيعـة هو الوحيد الذى له القدرة على إقامة الأجساد وإحياءها لأنه وحده روح القيامة والحياة القادر على إبطال ناموس الموت العامل في  أعضائنا ( رومية 8 : 2 ).

     وكما أن إلوهيم الآب وحده هو الذى له الحياة في  ذاته وله القدرة أن يقيم الأموات هكذا الابن أيضا إذ هو صورة الآب له الحياة في  ذاته وله ذات القدرة في  أن يقيم من يشاء ( يوحنا 5 : 21 , 26 ) وهذه الحياة الذاتية للآب والابن هى بالروح القدس الذى يحيى ( يوحنا 6 : 63 ) الذى به نحيا ونتحرك ونوجد ( أعمال 17 : 28 ).  

      فالطبيعة الإلهية موجودة دائما ومكتفية بذاتها أى لها حياة في  ذاتها ومحيية أي باعثة للحياة للأجساد العادمة الحياة سواء كانت مصنوعة من التراب كاجساد البشر أومن  لهيب النار كأجساد الملائكة وتشمل مركبات الكروبيم والسرافيم.

 

2  -  الطبيعة الإنسانية

     ويقصد بها الروح الإنسانية التى يخلقها إلوهيم داخل كل إنسان ( زكريا 12 : 1 ) وهى جوهر روحانى عاقل خالد لا يفنى ولا يموت ( لوقا 23 : 43 ) وهى كطبيعة غير مكتفية بذاتها إذ تحصل على وجودها وحياتها ليس من ذاتها بل من إلوهيم . وبالتالي فهى غير محيية أى ليس لها القدرة على أن تهب الحياة للمادة العادمة الحياة أي لجسدها المائت لتقيمه من الموت ولا أن تحييه.

    ومع ذلك فإنها كوجود محدث بغيرها أي بإلوهيم. لها عقل وحياة محمولان على وجودها وجودا وعدما.

     والروح المحدثة لها ذاتيتها وهي بسيطة في ذاتها بمعنى أنها وإن كانت تحيا وتتحرك وتوجد بإرادة إلوهيم إلا انها بسيطة في خلقتها أي لا يوجد فيها تركيب أو تعقيد وبالتالى لا تقبل الإضافة أو النقص أو التركيب.

     والروح الإنسانية تسكن الجسد الحيوانى الحى بالدم. لا بالروح العاقلة التي تحكم الجسد وتوجهه دون أن تحييه . لأن روح الإنسان كما قدمنا غير محيية وليس لها حياة في  ذاتها لأن جسدها الخاص الذى تشخصه يحيا بالدم . لذلك فإنها بموت الجسد الحيوانى أي الحى بالدم تمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) أى تحبس فيه إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ) لأن أجرة الخطية موت أبدى.   

     لهذا ومن أجل خلاصنا وإقامة أجسادنا من الموت جاء المسيح آدم الثانى الرب من السماء بروح محيى ( أي روح قادر على إقامة أجسادنا من الموت ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ليبطل موتنا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :11 ) الذى به نصير خليقة جديدة ( كورنثوس الثانية 5 : 17 ) روحانية أى خليقة حية أو مقامة من الموت ليس بالدم الذى فنى بل بروح المسيح المحيى.

 

3  -  الطبيعة الملائكية

     ويقصـد بها الروح الملائكية وهى كأرواح البشر غير مكتفية بذاتها وغير محيية وقد صورها إلوهيم داخل أجسـادها المصنوعة من رياح نارية ملتهبة كما هـو مكتوب الصـانع ملائكتـه رياحـا وخدامـه لهيب نار ( مزمـور 104 : 4 ) وأجساد الملائكة روحانية أى محيية بالروح القدس المحيى الساكن فيها.

     وقد خلقت الملائكة بنوعيها السرافيم والكروبيم في  صورة مركبات أو سفن طائرة ولها مظهر السحب.

     وعن الأخيرة قيل ركب على كروب وطار وهف على أجنحة الرياح ( مزمور 18 :10 ) الجاعل السحاب مركبته الماشى على أجنحة الريح ( مزمور 104 : 3 ) وعلى متن إحدى هذه المركبات صعد إيليا إلى السماء ( الملوك الثانى 2 : 11 ) كما حنوك ( أخنوخ ) أيضا ( بن سيراخ 44 : 16 ) وعلى متنها أيضا سيعودان إلى السماء بعد أن يتمما شهادتهما ( رؤيا 11 : 12 ).

    ونظرا لأن أجساد الملائكة روحانية أى محيية بالروح القدس المحيى ( لوقا 20 : 34 – 36 ) ( رسائل أثناسيوس الرسولى عن الروح القدس ص 77  ) لذلك فإن الملائكة الذين أخطأوا وسقطوا من الروح القدس لا يمكن تجديدهم أى لا يمكن إحياءهم بالروح القدس مجددا بعد أن ينزع منهم في  يوم القضاء العظيم.

    أما البشر الذين يحسبون أهلا للقيامة من الأموات فيصيرون مثل الملائكة وهم أبنـاء إلوهيم إذ هم أبناء القيامة ( لوقا 20 : 36 ) بسبب روح التبنى الذى هو روح المسيح الساكن فيهم ( رومية 8 : 15 ).

     بمعنى أن البشر الذين سيحسبون أهلا للقيامة من الأموات سوف يصيرون مثل الملائكة أحياء بالروح القدس الذى هو روح القيامة والحياة.

   

ثانيا   :  الطبائع المادية غير العاقلة ( فيزيق  Physik)    

 

          تنقسم الطبائع المادية غير العاقلة إلى قسمين :

 

( 1 )  : طبيعة مادية غير حية أي جماد

     هذه الطبيعة المادية الجامدة تشمل جميع الأجسام العادمة الحياة كالذرة والعناصر المادية والأجرام السماوية , ورغم أن هذه الأجسام عادمة الحياة كما قدمنا. إلا أن الثابت علميا أن للجمادات عموما تنظيم ذاتى سيبرنتيكى وأن لذرات العناصر ذاكرة تنظم حركتها وتعطيها تميزها وتجعلها تتعرف على الذرات المشابهة لها وتتحد بها دون غيرها مكونة عنصر معين أو مادة معينة.

 

( 2 )  : طبيعة مادية حية أي ذات نفس حية أو حياة متنفسة

       هذه الطبيعة المادية الحية تشمل جميع الأجسام الحية المتنفسة مثل أجساد البشر والحيوانات الحية بالدم الذى هو نفس حية أو حيوانية, كما تشمل جميع الأجسام النباتية الحية بمادة الكلوروفيل سواء كانت أشجار ام نباتات. فالمادة الحية هي مادة ذات صبغة تنفسية هى علة الحياة المتنفسة للحيوان والنبات.

    وقد ثبت أن للمادة الحية المتنفسة تنظيم ذاتى سيبرنتيكى وأن لها ذاكرة تفاعلية مثبتة فيها أكثر رقيا تنظم حركتها وتضبط العمليات الحيوية في  الجسم كالحرارة والضغط والتنفس وما إلى غير ذلك وهى غير ناطقة أي غير عاقلة وهى قابلة للموت والفناء.

     وطبيعة النفس الحية أو الحياة النفسانية أو المتنفسة نوعان حيوانية ونباتية.

 

     ا  -  الطبيعة الحيوانية أو النفسانية

     يقصد بالطبيعة الحيوانية أو النفسانية الحياة المتنفسة كما هو مكتوب نفس الجسد دمه هو بنفسه بمعني أن القدرة التنفسية للجسد هي في الدم, فالدم ما هو إلا مادة حياة متنفسة هي علة حياة الجسد وقد صار آدم نفسا حية بنفخة المسيح في أنفه كما هو مكتوب : نفس انوفنا مسيح الرب ( مراثي إرميا 4 : 20 ).

    فالنفس الحية أى الدم ( تثنية 12: 23 ) هى علة حياة الجسد الحيوانى ( لاويين 17 : 11 - 14 ) أي الحي بالدم الذي هو مادة حية متنفسة بطريقة أوتوماتيكية سيبرنتيكية تتم بمجرد تلقى النفخة الأولى أو النسمة الأولى ( تكوين 2 : 7 ) دون أى تدخل من العقل أو الإرادة البشرية.

     لذلك فالأجساد الحيوانية أى الحية بالدم هى أنفس حية ( تكوين 2 : 7 ) ( تكوين 1 : 24 ) هذه الأنفس الحية لسبب طبيعتها المادية وصبغتها التنفسية قابلة لسبب ضعفها للموت إذا ما أصابها عارض, أو إذا تدنست بأكل شيء يفسد الدم ويستنزفه بحيث يجعله غير قادر علي تجديد خلاياه إلي مالا نهاية بما يؤدى لشيخوخة الخلية وموتها في النهاية.

      والطبيعة الحيوانية أى النفس الحية لها ذاكرة تفاعلية أى غريزيـة مثبتة فيها أكثر رقيا من تلك التى للنفس النباتية, وهى علة حياة أجساد البشر ( تكوين 2 : 7 ) والحيوانات ( تكوين 1 : 24 ) باعتبارهم جميعا من ذوات الأنفس الحية ( لاوييين 17 : 11 ). 

 

     ب  -  الطبيعة النباتية

     يقصد بالطبيعة النباتية النفس الحية النباتية التى هى مادة الكلوروفيل من حيث كونهـا مـادة حية ذات صبغة تنفسـية هى علة الحياة النباتية وهى كالدم من حيث كونها حياة نفسانية غير ناطقة وبائدة أى قابلة للموت والفناء.

 

أهمية معرفة معانى المصطلحات اللاهوتية في  الحوار اللاهوتى

     استخدم أباء الكنيسة الأولى كما قدمنا المصطلح " فيزيس " ( Physis ) في اليونانية ويعنى تحديدا " طبيعة عاقلة " للدلالة على الروح العاقلة سواء كانت إلهية أو إنسانية.

    أما كلمة فيزيق في اليونانية فكانت تستخدم للدلالة على الطبيعة المادية سواء كانت مادة حية كالدم الذي هو علة حياة أجساد البشر والحيوانات. أو كانت مادة حية بمادة الكلوروفيل الذي هو علة حياة النباتات والأشجار أو كانت مادة عادمة الحياة كالمواد الخام والعناصر الكونية.

  وترجع أهمية تحديد المقصود بطبيعة المسيح في الحوار الخريستولوجى ( علم المسيح ) هو أن كلمة طبيعة في اللغتين العربية والإنجليزية غير محددة المعنى كما في اليونانية, حيث يمكن أن تعنى الطبيعة الروحية أو المادية.

     لهذا تحتم ضبط المصطلح " طبيعة " في الحوار الكريستولوجى في اللغة العربية أو أي لغة أخري. بتحديد أن المقصود بطبيعة" فيزيس " المسيح في  المصطلح اليونانى طبيعته العاقلة أي الروح, ولا يقصد به الجسد المكون من اللحم والدم الذى يشترك فيه البشر والحيوانات. كما أن الجسد الحي بالدم الذي يشترك فيه البشر والحيوانات لا يعنى انسان كما يزعم النساطرة .

    والواقع أن الحوار الكريستولوجى بين أصحاب الطبيعة الواحدة ( القائلين بروح واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد) وأصحاب الطبيعتين ( القائلين بروحين واحدة إلهية واخري إنسانية متحدتين في المسيح بكيفية مختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين ) هو حوار يدور حول تحديد طبيعة المسيح العاقلة هل هى طبيعة واحدة إلهية مشخصة بالكلمة حسب المعتقد الأرثوذكسى, أم أنها طبيعة إنسانية عاقلة مشخصة بعقلها البشرى احتجب بها اللاهوت دون أن يبطل عقلها البشري بحسب معتقد نسطور القائل بأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, أم أنها مشخصة بالكلمة الذي احتجب بها حسب نسطور إلا أنه نحي عقلها البشري وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسنية بحسب المعتقد الخلقيدونى, أو أنها طبيعة من طبيعتين ( روح هي مزيج من الروحين الإلهية والإنسانية ) مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) أو أن هذه الطبيعة من الطبيعتين مشخصة بابن من ابنين بحسب المعتقد اليعقوبى .

    وجدير بالذكر أن المصطلح " من طبيعتين " معناه امتزاج الطبيعتين ونشوء طبيعة ثالثة من الطبيعتين, ولا يجدى القائلين بهذا المصطلح انكار الإمتزاج مع اقرارهم بأن الطبيعة الثالثة تجمع صفات وخواص الطبيعتين.

    وعلى ذلك فإن القول بطبيعة واحدة دون ذكر من طبيعتين يعنى أن هذه الطبيعة الواحدة إلهية, فإن قيل أن هذه الطبيعة الواحدة أو الوحيدة " من طبيعتين " فهى معناه أن هذه الطبيعة الواحدة هى مزيج من الطبيعتين, فإن قيل أن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين إلهية فهذا معناه انها ابتلعت الإنسانية والعكس صحيح, وإن قيل أنها طبيعة خاصة بالمسيح دون تحديد جنسيتها فهذا معناه أن الطبيعتنين امتزجتا ونشأت طبيعة ثالثة ليست إلهية ولا انسانية تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا .

     أيا كان الأمر فقد التبس على البسطاء فهم المقصود بالطبيعة الواحدة , أو بالمقصود بالطبيعتين الإلهية والإنسانية, أو بالمقصود بالطبيعة الواحدة من طبيعتين التى تجمع صفات وخصائص الطبيعتين والتى بها اصبحت حقيقة ( طبيعة ) ثالثة لا يصح أنها إلهية ولا إنسانية ولا هما معا بل هى طبيعة خاصة بالمسيح وحده بحسب معتقد الأنطاكي واليعقوبي, وذلك في الحوار الخريستولوجى, حيث فهم البعض أن المقصود بالطبيعتين الروح والجسد وأن اتحاد الطبيعتين في  المسيح يقصد به اتحاد الطبيعة اللاهوتية بالطبيعة المادية الجسدانية, وهو مفهوم مغاير تماما لمفهوم النساطرة والخلقيدونيين واليعاقبة لمفهوم اتحاد الطبيعتين بأنه اتحاد بين روحين بكيفية مختلف حولها فيما بينهم.

     لهذا يتعين لتحقيق فهم ومعرفة صحيحة دون لبس أو خلط أن نحدد منذ البداية أن المقصود بالمصطلح " فيزيس " في اليونانية الطبيعة العاقلة أى " الروح  " سواء كانت روح إلوهيم أم روح إنسان.

      وأن نحدد أن المقصود بالجسد. بأنه الجسد المكون من لحم ودم , وأن كلمة جسد لا تعنى انسان بروح عاقلة , لأن كلمة جسد تشمل أجساد الحيوانات الحية مثلنا بالدم وبداهة أن أجساد الحيوانات ليست انسانية وليس لها روح عاقلة .

     والواقع ان التعليم بأن الجسد يعنى الإنسان تم حرمه من قبل مجامع خلقيدونية حيث ان استخدامة في  الحوار اللاهوتى يمثل لونا من ألوان التضليل , لهذا لزم التنويه حتى لا يلتبس على أحد المفاهيم النسطورية لمعنى الجسد على الوجه السالف إيضاحه في  صدد الحوار حول طبيعة المسيح.

  


 

الفصل الثانى

المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية

     المحقق أن المصطلح طبيعة ( فيزيس ) في  الجدل المختص بطبيعة المسيح يقصد بها " الروح العاقلة ". أما الطبائع المادية وغير العاقلة فتسمى ( فيزيق).

     والطبيعة العاقلة ( فيزيس ) إذا قيل إنها إلهية فيكون المقصود بها الروح القدس المحيى الذى هو روح إلوهيم الكلمة. أما إن قيل إنها إنسانية فيقصد بها الروح الإنسانية العاقلة أو الناطقة أو الكلمانية.

     وقد استخدم بطرس الرسول تعبير الطبيعة الإلهية للدلالة على الروح القدس بقوله " لكى تصيروا .. شركاء الطبيعة الإلهية " ( بطرس الثانية 1 : 4 ).

     وقـد أوضح بولس الرسول أن الطبيعـة الإلهيـة التى نشترك معها يقصد بهـا الروح القدس الذى هو روح الشـركة بقوله " شـركة الروح القدس مع جميعكـم " ( كورنثوس الثانية 13 : 14 ).

     من ذلك نرى أن " الطبيعة الإلهية " في  المصطلح الكتابى يقصد بها روح إلوهيم أى الروح القدس الذى هو روح الشركة.

     والسؤال المطروح هو كيف نصير شركاء الطبيعة الإلهية؟ وما غاية هذه الشركة ؟

     الواقع أننا نصير شركاء الروح القدس بالمعمودية التى فيها نحصل على الميلاد الثانى فنولد ثانيا ليس من دم يموت كما في  الميلاد الأول بل مما لا يموت بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ) وكلمة إلوهيم الحية تشير إلى روح الكلمة الذى بسكناه فينا ( رومية 8 : 9 ) تصير أجسادنا مسكنا للروح القدس الذى فينا. الذى لنا من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ) ومتى صارت لنا شركة مع الروح القدس تصير لنا شركة أيضا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ( يوحنا الأولى 1 : 3 ) الذى يحيينـا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) فنصير بهذه السكنى أعضاء في  جسد المسيح ( كورنثوس الأولى 6 : 15 ) فنحيا به ويحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ).

     أى أننا بسكنى يسوع المسيح فينا ( كورنثوس الثانية  13 : 5 ) نصير أعضاء حية في  جسده المحيى ( أى المقام من الموت ) الذى هو الكنيسة ( كورنثوس الأولى 12 : 27 ).

     من ذلك يتضح أنه بسكنى يسوع المسيح كلمة الآب في  أجسادنا تصير لنا شركة مع الآب والروح القدس في  الجسد الذى يصير محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى الذى هو روح الآب و المسيح ابن إلوهيم.

     هذا هو مفهوم الشركة وليس كما يحسب قوم أنها شركة في  جوهر اللاهوت لأن هذه الأخيرة قاصرة على أقانيم جوهر إلوهيم.

     أما شركتنا مع الروح القدس فهى شركة في  الجسد الذى به نصير هياكل للروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح.

     أما غاية هذه الشركة فهى أن يقوم الروح القدس المحيى مقام الدم المائت في  إحياء الجسد بتحويله من جسد حيوانى أى جسد حى بالدم إلى جسد روحانى أى جسد مقام من الموت بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح آدم الثانى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

     إذ المولود من الجسد جسد هو, والمولود من الروح هو روح.

     في  الميلاد الأول ولدنا من آدم بالدم فصرنا من ذوى الأجساد الحيوانية أى الحية بالدم. أما في  الميلاد الثانى فقد ولدنا من إلوهيم بالروح القدس فصارت أجسادنا روحانية أى مقامة من الموت بروح إلوهيم المحيى غير المائت ( يوحنا 1 : 13 ) ( يوحنا 3 : 6 ) ( بطرس الأولى 1 : 3 ).

     في  الميلاد الأول ورثنا دم آدم الإنسان الأول المدنس بشوكة الخطية والموت. لأننا جميعنا صنعنا من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

     لأنه صنع من دم واحد ( دم آدم ) كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ).

      من أجل هذا قال داود النبى " بالخطية ( أى بزرع الرجل المدنس بالخطية ) حبلت بى أمى " ( مزمور 51 : 5 ).

     أما في  الميلاد الثانى فنولد ثانيا ليس من دم يفنى بل مما لا يفنى بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد.

     مما تقدم يتضح أن الخطية وشوكة الموت كامنين في  الدم الذى نرثه عن آدم أبا عن جد.

    الوحيد الذى ولد دون أن يتدنس بدم الخطية الفاسد هو المسيح لكونه الوحيد الذى ولد بدون زرع رجل. لهذا صار دم المسيح هو الدم الوحيد الطاهر الذى بلا عيب ولا دنس الأمر الذى أوضحه بطرس الرسول بقوله :

     عالمين أنكم أفتديتم .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 ).

     فالمسيح ولد في  شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) لا في  جسد الخطية إذ ولد من الروح القدس بدون زرع رجل. لهذا لم يرث الخطية الأبوية أو الجدية الكائنة في  الدم والتى تنتقل بالوراثة للأبناء أبا عن جد.

    والواقع أن كون دم المسيح هو الدم الوحيد الذى بلا عيب ولا دنس لكونه الوحيد الذى ولد بدون زرع بشر هو برهان بمفهوم المخالفة لكل ذي فهم أن الخطية كائنة  في الدم وفي  الدم وحده وأنه يورث من خلال زرع الرجل.

    وهذا معناه أيضا أن دم جميع البشر صنع من دم آدم المدنس بالخطية وشوكة الموت ما يعنى أننا نرث الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت من آدم أبا عن جد من خلال الدم الذى يصنع من زرع الرجل المائت.

    لهذا كان دم المسيح وحده هو الدم الوحيد الطاهر القادر على التكفير بدمه عن دمائنا ليحمل في  جسده حكم الموت عنا, وإذ هو إلوهيم فلم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت كسائر البشر لهذا إذ مات بالجسد كإنسان قام بذات الجسد كإله لأنه وحده الذى له عدم الموت. لهذا كان يجب على من يتمم خلاصنا أن يتوافر فيه شرطان جوهريان.

     الشرط الأول :  أن يشترك معنا في  جسد بشريتنا إنما بلا خطية ليكفر بدمه عن دمائنا ويموت عنا.

    الشرط الثانى :  أن يكون ذى روح محيى أى روح قادر على إبطال موت جسده الخاص وأجساد كل الذين ينوب عنهم بموته بإشراكهم معه في  روحه المحيى فيتحولوا فيه إلى حياة عدم الموت, وبهذا يصير أبا جديدا للبشرية التى تولد باسمه في  المعمودية من الروح الذى يصيرهم خليقة جديدة روحانية أى خليقة محيية بروحه المحيى.

     لهذا تحتم على الفادى أن يشترك معنا في  شبه جسد الخطية إنما بلا خطية ليكفر بدمه عن دمائنا ليفتدينا ويموت عنا.

     وتحتم على الفادى أيضا أن يكون ذى روح محيى لأنه أى فائدة تعود عليه أو على البشرية ذاتها أنه بعد أن إفتداها صار هو نفسه تحت حكم الموت عينه. أو أنه بعد أن افتداها عجز عن إحياءها وإبطال موتها. لهذا تحتم أن يكون للفادى في  ذاته قوة حياة محيية قادرة على إحياء جسده الخاص وأجساد كل الذين ينالون الميلاد الثانى باسمه في  المعمودية التى فيها يصيرون خليقة جديدة روحانية أى محيية بالروح القدس المحيى الذى يبطل موتنا.

     والوحيد الذى له الروح المحيى روح القيامة والحياة القادر على أن يأتى بالجسد المائت إلى عدم موت هو المسيح صورة إلوهيم ذاته الذى صنعنا على صورته وشبهه.

     لهذا اقتضى تدبير خلاصنا أن يأتى المسيح الذى هو صورة الآب في  شبه جسد الخطية ليدين الخطية في  الجسد أى ليبطل حكمها في  الجسد.

     وهكذا شاركنا المسيح آدم الأخير الذى هو بالطبيعة روحا محييا في  اللحم والدم إنما بلا خطية حتى متى مات موتنا بموت الدم فقد الموت سلطانه وجبروته ولم يعد له وجود إذ لم يكن ممكنا أن روح المسيح المحيى الذى هو روح القيامة والحياة يمسك في  جسد الموت أو يسوده الموت فيعجز مثلنا عن إحياء جسده وإقامته بل العكس هو الصحيح لأنه وإن مات موتنا بموت الدم إلا أن جسده ظل غير مائت بسبب روحه المحيى لأنه وحده الذى له عدم الموت.

     فروح المسيح المحيية لم تكن إنسانية كأرواحنا لتخضع لحكم الموت وتمسك منه أو تذل لسلطانه إذ هى روح الحياة ذاتها. فإذ صار الجسد جسد روح الحياة ذاتها فماذا نقول؟ لقد بطل الموت عندما إلتقى بجسد هذا الذى به نحيا ونتحرك ونوجد.

     لهذا يقول الكتاب أنه وإن كان قد صلب من ضعف ( أى ضعف الجسد الحي بالدم  القابل الموت ) لكنه حى بقوة إلوهيم ( أى بقوة روح إلوهيم ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) وأيضا مماتا في  الجسد ( أى في  الدم باعتباره مثل اللحم مكون جسدى لهذا يسميان معا أو على إنفراد جسدا ) ولكن محيى ( أى مقام من الموت ) في  الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) وأيضا أن إلوهيم ( الروح القدس ) أقامه ( أى أقام جسد الكلمة ) ناقضا أوجاع الموت إذ لم يكن ممكنا أن يمسك منه ( أى يقبض منه ) ( أعمال 2 : 24 ) لأنه وحده الذى له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى 6 : 16 ).

     وهكذا بالموت أباد الموت وأبطل سلطانه وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح المواليد ) في  اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).

     هكذا أشترك المسيح فيما لنا أى في  الجسد والدم المائت لكى يشركنا فيما له أى روحه لنحيا به ونصير فيه خليقة جديدة روحانية أى خليقة مقامة من الموت بالروح القدس المحيى ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     الخليقة الأولى أو العتيقة نفسانية أى حية بدم أبينا آدم الأول هذا الذى يتوارثه الأبناء عن الآباء أبا عن جد وبمقتضاه كنا ندعى أبناء لآدم. أما الخليقة الجديدة فهى روحانية أى محيية بروح إلوهيم القدوس الذى نلناه في  الميلاد الثانى بالمعمودية وبمقتضاه صرنا أبناء إلوهيم. لأن أبناء إلوهيم كما يقول الكتاب هـم الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة رجل بل من إلوهيم ( يوحنا 1 : 12 - 13 ). 

     وفي  هذا يقول بطرس الرسول :

     مولودين ثانية ليس من زرع يفنى ( يموت ) بل مما لا يفنى بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     لهذا قال رب المجد لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد الذى في  السماوات ( متى 23 : 9 ).

     من ذلك نرى أن الحياة التى تحصلت عليها الخليقة الجديدة بالميلاد الثانى بالمعمودية ليست من دم ولا من إنسان بل من روح المسيح المحيى كى لا نعود نستعبد للخطية والموت.

     وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     " أم تجهلون أننا كل من تعمد ليسوع المسيح تعمد لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في  الحياة الجديدة ( أى في  الحياة التى أخذناها بروح المسيح المحيى ) لأنه إن صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق ( أى الحى بالدم ) قد صلب معه ( أى مات معه ) ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نستعبد أيضا للخطية ( أى للموت الذى بسبب الخطية ) لأن الذى مات قد تبرأ من الخطية ( بموت دم الخطية ) فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضا معه عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضا لا يسود عليه الموت بعد " ( رومية 6 : 3 - 9 ). 

    فالمعمودية هى خلع لجسم الخطية ( أى موت لدم الخطية ) ودفن وقيامة مع المسيح ( كولوسى 2 : 11 - 14 ) وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     إن الذين هم في  الجسد ( أى في  دم الخطية باعتباره مادة جسدانية ) لا يستطيعون أن يرضوا إلوهيم وأما أنتم فلستم في  الجسد بل في  الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر ( أى بر الإيمان الذى بمقتضاه نلنا المعمودية التى فيها أخذنا الروح ) لهذا إن كان روح الذى أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم فالذى أقام المسيح من الأموات سيحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 8 - 11 ).

     من ذلك يتضح أن الذين هم في  الجسد أى الذين يحيون بقوة النفس الحية سيموتون. أما الذين تحصلوا على الروح المحيى أى روح المسيح فسيحيون.

     هكذا مكتوب أيضا صار آدم الأول نفسا حية ( أى ذى حياة نفسانية قابلة للموت والفناء ) وآدم الأخير ( أى المسيح ) روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

     لهذا قيل في  آدم يموت الجميع وفي  المسيح يحيا الجميع ( كورنثوس الأولى 15 : 22 ) لأن روح المسيح المحيى هو الروح الوحيد القادر على إبطال موت الجسد إذ هو وحده المحيى. أما أرواح البشر فليست محيية على الإطلاق ولو كان لأرواحنا هذه القدرة لما أمسكت من الموت.

     لذلك لم يكن ممكنا أن روح المسيح تمسك من الموت كأرواحنا ( أعمال 2 : 24 ) وهذا كان ممكنا أن يحدث لو أن المسيح كان إنسانا مثلنا ( أشعياء 66 : 24 ) أما وأن المسيح ليس إنسانا بل الحكمة في  جسد إنسان. فإنه ما أن إلتقى بالموت في  جسده الخاص حتى لا شاه وأبطله فورا بروحه المحيى. فأبطل الموت بموته لأنه لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت مثلنا, وهكذا في  لحظة في  طرفة عين تغير الجسد الحيوانى بموت الدم إلى جسد روحانى أى جسد محيى أو مقام من الموت بالروح القدس غير المائت. فصارت الكلمة المكتوبة إبتلع الموت إلى غلبة ( كورنثوس الأولى 15 : 42 - 57 ) مماتا ( أي الدم ) في الجسد , ولكن ( أي الجسد ) محيى ( أي مقام من الموت ) في الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) .

     من ذلك نرى أن الروح القدس المحيى هو الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) وبهذه السكنى نصير كما قدمنا شركاء الطبيعة الإلهية أى شركاء الروح القدس ( العبرانيين 6 : 4 ).

 

  

 

الفصل الثالث

عقيدة الكنيسة الأولى في  طبيعة المسيح

     عندما سأل يسوع تلاميذه قائلا من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان؟ سأل ذلك بسبب صورته الإنسانية التى هى أصلا صورة إلوهيم الآب ( يوحنا 14 : 7 ) ( يوحنا 12 : 45 ) حسب إعلان السر المكتوم. فقال له بطرس ما يعتقده الناس فيه. فقال لهم يسوع وأنتم من تقولون إنى أنا؟

     أجابه سمعان بطرس وقال " أنت هو المسيح ابن إلوهيم الحى ".

     فقال له يسوع طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبى الذى في  السماوات, وأنا أقـول لك .. على هذه الصخرة - أى على إقرار الإيمان هـذا - ابنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ( متى 16 : 13 - 18 ).

     أى أن بنيان الكنيسة قائم على صخرة الإيمان بأن يسوع هو المسيح ابن إلوهيم الحى على الدوام الذى وإن ظهر في  صورة ابن إنسان إلا أنه لم يكن إنسان في  جوهره. بل كان في  صورة إلوهيم الآب الحقيقية. الأمر الذى أثبته بولس الرسول بقوله:

     بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 ).

     وأيضا :

     " البشارة التى بشرت بها لم أقبلها من إنسان بل بإعلان يسوع المسيح " ( غلاطية 1 : 12 ).

     ولكن إن كان إنجيلنا مكتوما فهو مكتوم في  الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4:4 ).

     من ذلك نرى أن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم الآب ( يوحنا 17 : 26 ) الذى وإن ظهر في  الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 8 ) إلا أنه لم يكن إنسان. لا من حيث  الجوهر ولا الصورة . لإنه في الصورة كان ( أي منذ الأزل ) في  صورة إلوهيم, وفي  تجسده جعل صورة جسده على صورة مجده, لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب, ومن حيث الجوهر كان مساو لإلوهيم في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 , 6 ) لهذا قال: أنا والآب واحد (  أي أنه واحد مع الآب في الجوهر ) .  

     وفيما يلى نعرض البراهين الكتابية والآبائية في  الكنيسة الأولى التى تكشف عن حقيقة روح المسيح الإلهية وشخصه المبارك.

 

أولا  :  البراهين الكتابية على أن روح المسيح إلهية

     المحقق كتابيا أن روح المسيح وفقا للحق الكتابى إلهية أزلية محيية ناطقة في  الأنبياء فروح المسيح هو الروح القدس روح الحق المعزى,  وفيما يلى نعرض لبعض الآيات التى تثبت ذلك.

 

1  -  روح المسيح هو روح إلوهيم

     قال يسوع " إن كنت أنا بروح إلوهيم اخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت إلوهيم .. لذلك أقول لكم. كل خطية وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس " ( متى 12 : 28 , 31 ).

       وهذا معناه أن روح المسيح هو الروح القدس وكل من يدعى خلاف ذلك هو مجدف على الروح القدس الذى هو روح المسيح.

     وأيضا يقول بولس الرسول عن روح المسيح مثبتا أنها روح إلوهيم بقوله:  

  " أن .. روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من حكم الخطية والموت .. لأنكم لستم في  الجسد بل في  الروح. إن كان روح إلوهيم ( أي روح المسيح ) ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أي روح إلوهيم ) فذلك ليس له ( أى ليس له حياة مع المسيح ) وإن كان المسيح فيكم ( بالروح القدس المحيى ) فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح ( روح المسيح ) فحياة بسبب البر, وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم ( أى الروح القدس ) فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( كولوسى 2 : 12- 13 ).

     ترى هل كان بولس الرسول أبوليناريا لقوله بأن روح المسيح إلهية. أم لعله كان يستخدم مؤلفات ابوليناريوس على أنها ارثوذكسية دون أن يعرف بحسب اتهامات النساطرة لكل من يقول أن روح يسوع المسيح إلهية وليست انسانية, وهذا ما أثبته أيضا القديس كيرلس تفسيرا لهذه الآية بقوله :

     أن الرسول يسمى الروح الساكن فينا روح المسيح , ولذلك يضيف فورا وإن كان المسيح فيكم مقدما بذلك المساواة التامة بين الأبن والروح ( شرح انجيل يوحنا ك 2 ف 1 ص 172 ).

 

2  -  روح المسيح روح أزلى

      يقول بولس الرسول :

     " لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين ، يقدس إلى طهارة الجسد , فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب " ( العبرانيين 9 : 13- 14 ).

     والمعنى أن دم الحيوانات من ذوات الأنفس الحية وإن كان يطهر الجسد إلا أنه لا يستطيع أن يكمل الذين يتقدمون بتخليصهم من حكم الخطية والموت, لأنها تفنى بالموت. لهذا كانت الحاجة إلى ذبائح متكررة حتى يأتى الذبيح الحقيقى الذى بروح أزلى يقدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب ولا دنس .. لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين أى الذين قدسهم بروحه الأزلى, أى بروح الحياة الذى فيه الذى اعتقهم من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) بروحه الساكن فيهم ( رومية 8 : 11 ) .

     وعن أزلية روح المسيح  يقول بولس الرسول أيضا:

     يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ).

     أى أن يسوع المسيح الكائن منذ الأزل غير متغير منذ الأزل وإلى الأبد.

 

3  -  روح المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45  ).

      وفي  يقول بولس الرسول:

     " في  آدم يموت الجميع وفي  المسيح سيحيا الجميع .. آدم الإنسان الأول نفسا حية ( أي حى بالدم. لأن نفس الجسد أى قدرته التنفسية هى في  الدم المدنس بشوكة الخطية والموت ) وآدم الأخير ( المسيح ) روحا محييا ( أي روحا محييا للأجساد المائتة, فروح الحياة - أى روح القيامة والحياة - الذى في  المسيح يسوع قادر على أن يخلصنا من حكم الخطية والموت باقامة أجسادنا المائتة من الموت بروحه الساكن فينا ) .. الإنسان الأول تراب من الأرض. الإنسان الثانى الرب من السماء " ( كورنثوس الأولى 15 : 22 , 45 , 47 ).

     هذه الآية هى المصدر الذى استمد منه قانون الإيمان الرسولى القول: " نزل من السماء " وأيضا القول : " نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى ".

     لأن روح المسيح المحيى هو الروح القدس الرب المحيى. الذى أبطل موت جسد البشرية في جسده الذي به أعتقنا من حكم الخطية والموت بروح الحياة الذى فيه.     

     وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في  " ( أى بروحه المحيى ) ( غلاطية 2 : 20 ) لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

     نخلص مما تقدم أنه إن كان المسيح إنسان مثل آدم الأول بحسب معتقد نسطور فأى رجاء لنا, لأنه ماذا له ليعطينا ولم نأخذه من آدم الأول إلا الموت.

      أما إن كان المسيح آدم الأخير هو الابن الوحيد والرب من السماء فسيكون ذى روح أزلى محيى قادر على أن يحرر جسده وأجسادنا من الموت. لأن روح الحياة التى في  المسيح يسوع قد أعتقتنا ( خلصنا ) من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) وفي  هذا يقول بولس الرسول:

     " أن .. روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من حكم الخطية والموت .. لأنكم لستم في  الجسد بل في  الروح. إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم ( روح إلوهيم يسكن فينا في المعمودية  التي هي شركة صلب ودفن وقيامة مع المسيح ) ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أي روح إلوهيم ) فذلك ليس له ( أى ليس له نصيب مع المسيح ) وإن كان المسيح فيكم ( بروحه المحيى ) فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح ( أى روح المسيح ) فحياة بسبب البر, وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم ( أى الروح القدس الذى هو روح المسيح ) فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( كولوسى 2 : 12- 13 ).

     وفي  ذات المعنى يقول بولس الرسول :  

    إلوهيم قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضا بقوته ( أى بروحه المحيى ) ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح .. أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 14 , 15 , 19 ).

     وأيضا في  ذات المعنى يقول بولس الرسول:

    عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضا بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

     مما تقدم يتضح أن الذى أقام جسد الرب يسوع هو روح يسوع نفسه بدليل قوله " سيقيمنا نحن أيضا بيسوع " أى بروح يسوع المحيى الذى هو الروح القدس.

     وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم إن لم تكونوا مرفوضين " ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

     وأيضا يقول بولس الرسول :

     " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في  " ( أي بروحه المحيى ) ( غلاطية 2 : 20 ).

      وهذا معناه أننا سنحيا بروح المسيح الذى فينا [1]. إن لم نكن مرفوضين ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

     وفي  هذا يقول يوحنا الرسول:

     لأن إلوهيم أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) ليتم المكتوب: " وأجعل روحى فيكم فتحيون " ( حزقيال 37 : 14 ).

      ويقول بطرس الرسول " إن المسيح .. تألم .. مماتا في  الجسد ( أي بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد ) ولكن ( أى الجسد ) محيى ( أى مقام من الموت ) في  الروح " ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

     وواضح أن الذى مات حسب البشر وعاد حيا بالروح هو الجسد. لأن كلمة محيى في الروح . تعنى أن الجسد أقيم من الموت بالروح ( أى بروح إلوهيم ) .

     لذلك فإن المقولة " ولكن محيى في الروح تعود على الجسد, وهذا معناه أن الجسد وإن مات بحسب الدم لكنه كان مقاما بحسب الروح ( والروح معرفا بألف لام هو روح إلوهيم ).

 وهذا ما أوضحه بولس الرسول بقوله:

     لأن المسيح وإن صلب من ضعف ( لسبب قابلية الدم للموت ) لكنه كان حيا ( أى جسد المسيح المصلوب ) بقوة إلوهيم ( أى بالروح القدس ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) لأن الابن الوحيد الذى أتى إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ).

     لأن مخلصنا يسوع المسيح هو الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود ( تيموثاوس الثانية 1 : 10 ).

    لأن .. روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقنا من .. الموت.. وأحيا أجسامنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :  2 , 11 ).

    وفي  هذا يقول أثناسيوس الرسولى:

    إن الكلمة اتخذ لنفسه جسدا .. قابلا للموت ليقدمه للموت عن الجميع .. على أنه كان مستحيلا أن يبقى مائتا إذ صار هيكلا للحياة. لهذا فإذ مات كجسد مائت عاد إلى الحياة بفضل الحياة التى فيه ( تجسد الكلمة 31 : 4 ص 97 - 98 ).

 

4  -  روح يسوع المسيح هو الروح القدس

     يقول يوحنا الرسول :

     " وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء " ( يوحنا14 :16, 17, 26 ).

   وهذا معناه أن الروح القدس سيأتى باسم يسوع المسيح . لأنه روح يسوع المسيح , وفي  هذا يقول بولس الرسول:

     " ليحل المسيح ( أى بالروح القدس ) بالإيمان في قلوبكم " ( أفسس 3 : 17 ).

     " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم ( أي بالروح القدس ) إن لم تكونوا مرفوضين " ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

      ويقول لوقا البشير :

     " وبعد ما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية، منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة في أسيا. فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينية، فلم يدعهم روح يسوع " ( أعمال 16 : 6 , 7  ) ( ترجمة الجسويت ) ( شرح إنجيل يوحنا ك 2 ف 1 ص 170 ).

     و يقول بولس الرسول أيضا :

      " لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاص بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح " ( فيلبى 1 : 19 ).

     ويقول أيضا :

     " البسوا الرب يسوع المسيح " ( رومية 13 : 14 ) وأيضا :

    " لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح " ( غلاطية 3 : 27 ).

     وتفسير ذلك اننا كما لبسنا صورة الترابى ( الحى بالدم المائت ) سنلبس أيضا ( أى في  المعمودية ) صورة السمائى ( أي الرب يسوع المسيح ) الذى هو روحا محييا الذى به نلبس عدم الموت ( كورنثوس الأولى 15 : 45, 49 , 54 ) " فأحيا لا أنا بل المسيح  يحيا في  " ( غلاطية 2 : 20 ) أى بروحه المحيى.

وفي  هذا يقول بولس الرسول:

    عالمين أن الذي أقام الرب يسوع ( أي الروح القدس الذى هو روح يسوع ) سيقيمنا نحن أيضا بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

     مما تقدم يتضح أن الذى أقام جسد الرب يسوع هو روح يسوع نفسه بدليل قوله: " سيقيمنا نحن أيضا بيسوع " أى بروحه المحيى.

    وفي  هذا يقول بولس الرسول:

      مع المسيح صلبت ( أي في المعمودية التي هي شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح بروحه المحيى ) فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في (غلاطية 2 : 20 ).

 

5  -  روح المسيح هو الروح القدس الناطق في  الأنبياء

      " الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها " ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     من هذه الآية يتضح أن روح المسيح هو الروح القدس الناطق في  الأنبياء منذ القديم الذى سبق فشهد بالآلام التى له والأمجاد التى بعدها . 

    لهذا تكلم المسيح في الأنبياء معلنا عن مسحته الأزلية قائلا:

     " أنا الحكمة .. منذ الأزل مسحت منذ البدء .. لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعا " ( الأمثال 8 : 12 , 22 - 30 ).

     وهو نفسه الذى جاء في  الجسد وفي  هذا يقول يوحنا الرسول :

     كل روح لا يعترف بيسوع المسيح ( إسم إلوهيم ) أنه قد جاء في  الجسد . فليس من إلوهيم, وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) فالمسيح الذى جاء في  الجسد هو سر العبادة العظيم وهو ما اوضحه بولس الرسول بقوله :

    عظيم هو سر التقوى. إلوهيم ( أي المسيح ) ظهر فى الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) أو جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 )  فالمسيح حسب الجسد هو الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ( رومية 9 : 5 ) ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ( يوحنا الأولى 5  : 20 ).

     كما أوضح بولس الرسول أن المسيح هو إلوهيم الذى جربه اليهود في  العهد القديم بقوله :

     ولا نجرب المسيح كما جرب أيضا أناس منهم فأهلكتهم الحيات ( كورنثوس الأولى 10 : 9 ).

     من ذلك نرى أن يسوع المسيح الكائن منذ القديم هو نفسه الذى ظهر في  الجسد في  العهد الجديد  وفي  هذا يقول بولس الرسول:

     " أن المسيح يسوع إذ كان ( أى منذ الأزل ) في  صورة إلوهيم .. لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا بل أخلى نفسه أخذا صورة عبد. صائرا في  شبه الناس " ( فيلبى 2 : 5- 8 ).

     من ذلك نرى أن يسوع المسيح الكائن منذ الأزل في  صورة إلوهيم هو نفسه وليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) الذى أخلى نفسه آخذا شكل العبد صائرا في  شبه الناس. أما إن كان يسوع المسيح المولود من مريم إنسان مثلنا كما يزعم أصحاب الطبيعتين فما هو الإخلاء الذى حققه باتخاذه شكل العبد إذا كان هو نفسه عبد بالطبيعة.  

     فيسوع المسيح وإن ظهر في  الهيئة كإنسان إلا أنه لم يكن إنسان في  الجوهر بل كان بحسب الحق الإلهى وقانون الإيمان الرسولى المساوي للآب في  الجوهر ( فيلبى 2 : 6 ) الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

 

6  -  روح المسيح هو روح الحق المعزى

       وهذا ما أعلنه الرب لتلاميذه بقوله :

     أنتم تؤمنون بإلوهيم فآمنوا بى ( يوحنا 14 : 1 ) .. لو كنتم قد عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه .. الذى رآنى فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 7 ) ..  وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر .. روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله. لأنه لا يراه ولا يعرفه, وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ( بصورته ) ويكون فيكم ( بروحه ) ( يوحنا 14 : 16 -  17 ).

      مما تقدم يتضح أن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم. من رآه فقد رأى الآب, لأنه والآب واحد. لهذا قال لهم أنه سيطلب من الآب الواحد معه في الجوهر أن يرسل لهم  معزيا آخر, وقوله معزيا آخر. يعنى أنه هو نفسه عندما كان معهم بالجسد كان معزيا وبعد صعوده سيرسل لهم روحه كمعزى آخر ليمكث معهم إلى الأبد. فالمسيح إذن هو المعزى الأول الكائن بينهم بالجسد, ومتى صعد عنهم جسديا فسيرسل لهم معزيا آخر هو روح الحق أى روحه الذى لا يستطيع العالم أن يقبله. لأنه لا يراه ولا يعرفه. أما التلاميذ فعرفوا روح الحق الذى هو روح المسيح المنبثق من الآب ورأوه. لأن من رأى الإبن فقد رأى الآب والروح القدس أيضا, لأنه ماكث معهم بالجسد ويكون فيهم بروحه الذى هو الروح القدس المعزى .

  

ثانيا  : البراهين الآبائية للتعليم بأن روح المسيح إلهية

 

   يقول القديس أثناسيوس الرسولى :

    أن الروح القدس يدعى روح المسيح ( رسائل أثناسيوس عن الروح القدس الكتاب الأول فصل 11 , 31 ).

     إن الكلمة .. لبس الجسد المخلوق لكى يجدده ( يمنحه حياة جديدة بالروح القدس عوضا عن الدم المائت ) .. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله ( أى يصير غير مائت ) لو أن الكلمة اتحد بمخلوق. أو أن الابن لم يكن إلها حقيقيا, وما كان للإنسان أن يقف في  حضرة إلوهيم. لو لم يكن الذى لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقية ( 2 ضد الأريوسيين ف 21 :70 ص 108 ).

    ويقول القديس كيرلس عمود الدين :

     أن المسيح هو المتكلم في الرسل بالروح القدس الواحد معه في  الجوهر ( تفسير إنجيل لوقا الجزء الثانى عظة 63 ص 120 ) ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

    وقد حرم القديس  كيرلس في  الحرم التاسع كل من لا يعترف بأن روح المسيح إلهية بقوله:

     كل من يقول أن الرب الواحد يسوع المسيح قد مجد من الروح القدس بحيث استمد منه قوة لم تكن قوته الخاصة, واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها العجائب أمام الناس, ولا يعترف أنها كانت روحه هو التى اجترح بها هذه الآيات الإلهية. فليكن محروما ( الحرم التاسع ).

     كما أثبت القديس كيرلس أن روح المسيح ليست إنسانية بل إلهية محيية بقوله  :

     أن المسيح سيحيى أولئك الذين يؤمنون به إذ هو الحياة بالطبيعة وهو يسكن فيهم ( شرح إنجيل يوحنا الجزء الثانى الفصل الرابع فقرة 36 ص 49 ).

     ولو كان الابن ( المسيح ) مخلوقا وهو قادر على أن يحيى الكل. لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيى نفسها, وليست محتاجة بالمرة إلى إلوهيم, ولا يعود في  الطبيعة الإلهية ما يميزها عن الخليقة التى تصير مثل إلوهيم .. ولكن الخليقة لا تقدر أن تحيى نفسها. لذلك هى تأخذ الحياة من الابن لتحيا. لذلك فالابن ليس من الخليقة. لأن المحيى لا يكون مثل من ينال الحياة ( شرح إنجيل يوحنا ك 1 ف 6 فقرة 4 ص 69 , 72 ).

    وأيضا يقول :

    إن الرسول يثبتنا في الإيمان بالتجسد الذى يؤدى إلى حلول المسيح فينا ( أفسس 3 : 14 – 17 ) وهو فينا بالروح ( المسيح واحد ف 9 ص 54 ).

    وبداهة أن الروح الذى يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا. لا يمكن أن تكون روحا إنسانية محدودة هي أعجز من أن تقيم جسدها من الموت لأن أرواح البشر غير محيية . الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس. لأنه وحده روح القيامة والحياة.

    ويقول القديس أمبروسيوس:

     أن بولس الرسول يسمى الروح القدس روح إلوهيم ودعاه أيضا روح المسيح حسبما نقرأ :

     " لأنكم لستم في  الجسد بل في  الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فهو ليس للمسيح. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر " ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( الروح القدس الكتاب الثالث فصل 9 فقرة 54 ص 31 )

      وأيضا :

      أن روح إلوهيم هو روح المسيح ( الروح القدس الكتاب الأول  فصل 4 فقرة 56 ص 29 )

     وأيضا :

     أن هبة الحياة واحدة لأن إلوهيم نفسه يحيى بالروح القدس. فإقامة الموتى هو امتياز خاص بإلوهيم وحده. الآب يقيم الأموات ويحيى هكذا الابن يحيى من يشأ ( يوحنا 5 : 22 ) ولكن الروح القدس هو الذى به يحيى إلوهيم الأموات لأنه مكتوب أنه سوف يحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 9 - 11 ).

     وفي  هذا يقول الرب " فتعلمون أنى أنا الرب عند فتحى قبوركم وإصعادى إياكم من قبوركم يا شعبى وأجعل روحى فيكم فتحيون " ( حزقيال 37 : 14 ) ( القديس أمبروسيوس " الروح القدس " الكتاب الثالث فصل 19 فقرة 149 ص 64 , 65 ).

     كما أثبت كتاب أعمال مجمع خلقيدونية بالعربية إعتراف أوطيخا بالصيغة الإيمانية التى أثبتها المجتمعون في مجمعى أفسس الأول والثانى بقوله :

    " نعترف بالمسيح كلمة إلوهيم في  طبيعة واحدة إلهية " ( أعمال مجمع خلقيدونية بالعربية ص 28 - 33 ) ( البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان ف 6 ص 88 ).

    ويقول المؤرخ الإنجليزى شارب في  الجزء الثانى فصل 20  من تاريخه :

     " أن مذهب أوطيخا كان منطبقا تماما الإنطباق على مذهب الكنيسة المصرية فقام ديوسقوروس أسقف الإسكندرية له منتصرا " ( الخريدة النفيسة في  تاريخ الكنيسة الجزء الأول ص 460 ).

     والواقع أن أوطيخا كان صديقا للقديس كيرلس وكان من الذين ساعدوه في  مجمع أفسس الأول وتلقى منه صورة من قرارات هذا المجمع واستخدم تعبير الطبيعـة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد في  التصدى لأصحاب الطبيعتين, وعلى رأسهم ثيؤدورت أسقف قورش المعتبر من ألد أعداءهما.

    لهذا عندما نشب النزاع بين ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى وأوطيخا, وضع الأول مؤلفا مطولا سنة 447 ميلادية  بعنوان " الشحاذ " أو المتسول يقع في  اربعة أجزاء هاجم فيه أوطيخا متهما إياه بالأبولينارية ( الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية ص 48 ) ( أ. ل. بتشر " الأمة القبطية " م 2 ص 32 ).

     كما سبق لثيؤدورت أن هاجم حرومات القديس كيرلس ضد نسطور بتحريض من يوحنا الأنطاكى سنة 438 ميلادية بقوله أن كيرلس في  الحرم الأول أبطل التدبير الذى صار لأجلنا معلما أن إلوهيم لم يأخذ طبيعة ( روح ) بشرية ( تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية ص 81 - 83 ).

    وهذا ما أعلنه القديس كيرلس أيضا بقوله : أن الكلمة .. لم يتخذ إنسانا كما يعتقد نسطوريوس ( الرسالة رقم 45 فقرة 10 ). 

     وأيضا فند القديس كيرلس معتقد النساطرة في اتحاد الكلمة بإنسان نظيرنا بقوله:

     ألا يصبح هذا الإنسان إلها جديدا له اسم إلوهيم ( أى اسم المسيح ) .. وهو في  الحقيقة له طبيعة ( روح ) مخلوقة ومختلفة وغير مساوية لإلوهيم ( المسيح واحد ف 7 ص 42 – 43 ).

     وأيضا يقول " لو كان المسيح إنسانا حل فيه اللاهوت ( كولوسى 2 : 9 ) فما معنى القول " شاركنا في  اللحم والدم " ( العبرانيين 2 : 14 ) كيف يتحقق هذا لو كان إلوهيم قد حل في  إنسان " ( شرح تجسد الابن الوحيد فقرة 25 ص 41 ).

     وهذا معناه أن القديس كيرلس ينكر وجود الروح الإنسانية في  المسيح بإنكاره اتحاد إلوهيم الكلمة بإنسان, ومفاد ذلك أن المسيح هو الكلمة المتجسد وأن روحه إلهية.

     وهذا ما أثبته كاتب مجمع فلابيانوس بقوله "أن أوطيخا لم يقل اثنين لمن هم اثنان بل هو يسجد لطبيعة واحدة للإله المتجسد".

    ولأن المجتمعين في مجمع فلابيانوس كانوا يعتقدون معتقد ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى القائل: بأن الكلمة بطبيعتين. أي بروحين إنسانية وإلهية مشخصتين بالكلمة.  فقد هدده أسقف سلوقيا قائلا: " ما لم تقل بطبيعتين بعد الإتحاد فإنك تقول بالامتزاج والتلاشى " [2].

   فقال أوطيخا رافضا معتقدهم وما يهددون بنسبته إليه من مفهومهم لقوله بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد لما هو بطبيعتين من وجهة نظرهم بأن هذا معناه وفقا لمفهومهم بأن الروح الإلهية التي يؤمن بأنها وحدها روح المسيح حسب الحق الكتابى قد ابتلعت الروح الإنسانية التى يعتقدون أنها روح المسيح ولاشتها. الأمر الذى لم يحدث ولم يقل به أوطيخا. الأمر الثابت بشهادة كاتب فلابيانوس أن أوطيخا قال :

      " حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87  ).

      فكان أن نسبوا لأوطيخا بدعة القول أن روح المسيح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية ولاشتها, وهو ما لم يقل به أوطيخا ولا ديوسقوروس ولا كيرلس لأنهم جميعا على الإيمان الواحد بأن للمسيح الكلمة المتجسد. روح واحدة إلهية هي الروح القدس الأزلى الناطق في الأنبياء بحسب الحق الكتابى. 

    من ذلك نرى كيف يفهم أصحاب الطبيعتين أي القائلين بروحين في  المسيح  الحق الكتابى والتعليم الآبائى عن الروح الواحدة الإلهية التى للمسيح الكلمة المتجسد.

     فعندما قال لهم القديس كيرلس أن المسيح هو نفسه ابن إلوهيم وليس إنسانا مثلنا, اعتقد نسطور بذهنه العاطل عن الإدراك السليم أن القديس كيرلس يساوى بين المسيح وبين الكلمة ابن إلوهيم باعتباره يقول بإثنين متساويين في الإلوهية, وفي هذا يقول نسطور ردا على القديس كيرلس :

     " كيف لا تخجلون من الأدعاء بأن الجسد ( أي المسيح حسب نسطور لأن الجسد عند النساطرة مركب من جسد حى بالروح الإنسانية وليس بالدم الذى هو نفس حية ) الذى سجل في سلسلة الأنساب من نسل داود يصبح مساويا لجوهر الكلمة " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 9 ).

    والواقع أنه لو كان قد ثبت لمجمع أفسس الثانى صحة ما نسبه أصحاب الطبيعيتن لأوطيخا من القول بطبيعة واحدة إلهية من طبيعتين. بحيث ينتج عن ذلك صحة البدعة المنسوبة إليه من أن الطبيعة اللاهوتية ابتلعت الطبيعة الإنسانية بحسب اتهام فلابيانوس له. لكان قد  قد تم حرمه في مجمع أفسس الثانى مع كل أصحاب الطبيعتين لهرطقته باعتباره من أصحاب الطبيعتين مثلهم, ولكن حيث ثبت لهم من محاضر جلسات مجمع فلابيانوس إقراره بالإيمان المستقيم بطبيعة واحدة لاهوتية للكلمة المتجسد, وهو المعتقد الذى يطلق عليه  النساطرة اسم  بدعة أبوليناريوس, وأن التهمة الموجهة إليه إنما هي نتاج فهم النساطرة لمقولة أن في المسيح طبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد لما هو بطبيعتين حسب معتقدهم الفاسد فاعتقدوا وفقا لمفهومهم أن هذا معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية , وهو ما لم يقل به أوطيخا مطلقا بل نفاه بقوله " حاشا لى أن أقول : أن ربنا من طبيعتين " لهذا برأه القديس ديوسقوروس في مجمع أفسس الثانى وأثبت أرثوذكسيته وحرم الذين حرموه لسقوطهم في  بدعة ثيؤدورت الجديدة التى ابتدعها والثابتة ضدهم بمحاضر جلسات مجمع فلبيانوس نفسه.

      لهذا نحن على إيمان ومعتقد ومقررات مجمع أفسس الثانى الصحيحة التي برأت أوطيخا وحرمت الذين حرموه . لهذا فإن الذين يحرمون أوطيخا استنادا إلى مقررات مجمع خلقيدونية هم اعداء لمجمع أفسس الثانى.

    لهذا نحن مع قرارات مجمع أفسس الثانى ونشجب مقررات ومعتقدات مجمع خلقيدونية التي أدانت أوطيخا بناء على مقرارات مجمع فلابيانوس التي تم إبطالها وإدانتها مع مقرريها في مجمع أفسس الثانى .

      فيسوع المسيح بحسب الحق الكتابى ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) نظيرنا كما يزعم نسطور بل هو صورة إلوهيم الذى أخلى نفسه آخذا صورة ( هيئة ) عبد. صائرا في  شبه الناس ليظهر في  الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) دون أن يتخذ إنسان.

    إن بولس الرسول كان دقيقا في  تعبيراته عما اتخذه يسوع المسيح صورة إلوهيم في  تجسده ليظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 5 -  7 ).

     " إنه شاركنا في  اللحم والدم " ( العبرانيين 2 : 14 ) ولم يشترك في  إنسان, أنه ظهر في  الهيئة كإنسان ولم يظهر في  إنسان, إنه اخذ شكل العبد ولم يتخذ عبدا. أنه صار في  شبه الناس ولم يتخذ واحدا من الناس.

     فلا يخرج علينا أحد بذهن عاطل عن الفهم والإدراك السليم رغم كل ما تقدم ويقول: نعم أن الكلمة لم يتخذ إنسانا, ولكنه اتخذ جسدا ذى نفس إنسانية عاقلة, وكأن الإنسان ليس هو الجسد ذى النفس الإنسانية العاقلة, بحسب سفسطة أصحاب الطبيعتين.

    أو يعترض علينا بأننا إن قلنا بأن روح المسيح إلهية وليست إنسانية فلا يكون المسيح إنسان, لأنه كيف يكون المسيح إنسانا وروحه ليست إنسانية بحسب مفهوم اصحاب الطبيعتين, إلا أن هذا  مردود بأن المسيح هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره وأنه بتجسده باشتراكه معنا في  اللحم والدم أخلى نفسه آخذا شكل العبد ليظهر في الهيئة كإنسان. فالمسيح ليس انسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) ولم يتخذ إنسان وإنما ظهر في  الهيئة كإنسان أما قول النساطرة بأن روح المسيح إنسانية وليست إلهية فهو إنكار للاهوته وتجسده. لأن اتحاد الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح ليس تجسدا بل حلول في إنسان نظيرنا.

     هؤلاء تم فيهم القول أنهم أستبدلوا مجد إلوهيم ( أى المسيح الذى هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره ) الذى لا يفنى. أي الذى لا يمكن أن يمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) بشبه صورة إنسان مائت, يمسك من جسد الموت. مثل سائر البشر. هؤلاء  استبدلوا حق إلوهيم بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين ( رومية 1 : 23 – 25 ).

    لهذا فإن خير لهم أن يعودوا عن ضلال معتقداتهم المضادة للحق الكتابى بقولهم بأن روح المسيح  إنسانية أو أنها روح من اثنين .

     ويقول نقولا امبرازى صاحب كتاب " كنز النفائس في  اتحاد الكنائس " فيما يختص بالكنيسة القبطية ما نصه :

     " أنهم يعتقدون بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبالتالى ينكرون طبيعته ( روحه ) الإنسانية " ( كنز النفائس في  اتحاد الكنائس ص 101 ).

     لهذا رأى أصحاب الطبيعتين في  عبارة كيرلس " طبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد " أنها لأبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى الذى حرمته مجامع أصحاب الطبيعتين كمبتدع لتمسكه بالحق الكتابى.

     والواقع أننا مازلنا حتى اليوم نسمع صدى كلمات نسطور وثيؤدورت ويوحنا الأنطاكى تردد القول بأن القديس كيرلس كان يستخدم مؤلفات أبوليناريوس كما لو كانت لأثناسيوس, وفي  هذا يقول فرند مجاوبا لهذا الصدى بقوله :

    " أن كثير من أفكار كيرلس أخذت مباشرة من الكتابات الأبولينارية التى انتشرت تحت أسماء قادة أرثوذكس مثل أثناسيوس والبابا يوليوس ".

     ويقول ستيفنسون :

     " أن رسالة أثناسيوس إلى يوفينيوم Iovinum هى لأبوليناريوس وقد حسبها كيرلس أنها لأثناسيوس "[3] .

     والواقع أن كل فكر يضاد فكر اصحاب الطبيعتين ( الروحين ) القائلين بأن روح المسيح إنسانية وليست إلهية هو من وجهة نظرهم فكر أبوليناريوس.

    بل أن الأيات الكتابية المتقدم بيانها والتى تثبت لاهوت المسيح وأن روحه إلهية أزلية محيية ناطقة في الأنبياء إن جردناها من شواهدها الكتابية وقدمناها للنساطرة بمختلف مذاهبهم سيتهمونها بالأبولينارية وهذا ما حدث بالفعل.

     والواقع أن حرم أبوليناريوس وأوطيخا هو حرم لأثناسيوس وكيرلس ومقدمة لحرم كل أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد, وهو ما تحقق في  خلقيدونية بحرم كل المعترفين بأن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الكلمة المتجسد وأن روحه إلهية, وأن روحه ليست إنسانية مشخصة بعقلها الخاص حسب نسطور, ولا هي روح إنسانية مشخصة بأقنوم الكلمة بحسب بدعة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية.

     من هذه البراهين سواء بالكتاب المقدس أو بأقوال الأباء الصحيحة المتفقة مع الحق الكتابى. يثبت والبرهان. أن روح المسيح إلهية وليست إنسانية ولا مختلطة أو مركبة من خالق ومخلوق ولا ممتزجة من روحين بحسب ساويرس الأنطاكي ويعقوب البرادعي.

     والآن على أصحاب المذاهب النسطورية الأربعة أن يثبتوا لنا صحة تجاديفهم علي روح المسيح الذي هو الروح القدس بنصوص كتابية صريحة كالتى سقناها. يثبتون بها أن للمسيح روح إنسانية عاقلة. حسب نسطور أو مشخصة بالكلمة حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, أو أنها روح من روحين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو مشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى.

      فإن لم يستطيعوا أن يقدموا آية واحدة صريحة الدلالة تثبت معتقد أى واحد منهم كالأيات الكثيرة التي سقناها والتي تثبت حقيقة أن روح يسوع المسيح إلهية أزلية محيية ناطقة في الأنبياء والتي تعجز تفاسيرهم المنحرفة للحق الإلهي أن تفندها فعليهم أن يثوبوا إلى الرشد ويقبلوا الحق المعلن كتابيا بآيات صريحة بأن روح يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد  إلهية أزلية محيية وليست إنسانية تمسك من جسد الموت كسائر أرواح البشر.

     وبداهة أن الكتاب لا يمكن أن يناقض نفسه ويأتى بآية واحدة يقول فيها أن روح المسيح إنسانية أو أن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة أو أن روح المسيح من روحين إلهية وإنسانية مشخصة بالكلمة أو مشخصة بشخص من شخصين أو ابن من ابنين , أو أن العذراء لم تلد الابن الوحيد بل ولدت انسانا مثلنا اتحد به الكلمة أو تأنس به من الرحم بالمخالفة للحق الكتابي القائل بأن الذي ولد من العذراء هو ابن إلوهيم ( غلاطية 4: 4 ) لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 )  فالمسيح ليس انسان بل هو ابن إلوهيم لهذا فإن كل من يعترف بأن يسوع هو ابن إلوهيم فإلوهيم يثبت فيه ( يوحنا الأولى 4 : 9 )  وكل من لا يعترف بأن يسوع المسيح ( إبن إلوهيم ) أنه جاء في الجسد فليس من إلوهيم ( يوحنا الأولى 4 : 9 )   لهذا قطع بولس الرسول الطريق حتى على الذين يمكن أن يفهموا الآيات بطريقة منحرفة بقوله بجلاء تام :

     " بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح .. وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته. بل بإعلان يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ).

     فالمسيح ليس إنسان وحده الرب بذاته واشركه معه في المجد والكرامة بحيث يسمي باسمه كما يزعم النساطرة , لأن هذه الضلالة مردودة بقول الرب نفسه: أنا الرب هذا اسمى ومجدي لا أعطيه لآخر ( أشعياء 42 : 8 ).

     وأخيرا يقول بولس الرسول:

     إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن محروما ( غلاطية 1 : 8 ).

     نخلص مما تقدم أن المسيح هو صورة إلوهيم وحكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل وهو إنسان من حيث الشكل لا الجوهر وبالتالى فإن روحه إلهية, وليست إنسانية  ولا مختلطة ولا ممتزجة.

      والواقع إن كل من لا يقبل صورة التعليم الصحيح المسلم مرة للقديسين على أساس ما هو مثبت في  الأسفار المقدسة المرجع الأول عند الخلاف سوف يدان كمرفوض ومجدف على روح يسوع المسيح الذى هو الروح القدس الرب المحيى. لأن كل من يقول بأن روح المسيح ليست إلهية بل إنسانية أو مختلطة أو ممتزجة. يفسد سر العبادة العظيم بتحويله لعبادة إنسان أو كائن أسطورى.

     أفيقوا أيها السكارى لأنكم محسوبين ضمن المجدفين على روح المسيح الذى هو الروح القدس بقولكم أنها ليست روح إلوهيم وأنها إنسانية أو مختلطة أو ممتزجة من روحين.

 

  

 

الفصل الرابع

أصل الخلاف بين أصحاب الطبيعة الوحيدة وأصحاب الطبيعتين

     أصل الخلاف بين كنيسة الإسكندرية القائلة بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد, وبين كنيسة أنطاكية القائلة بطبيعتين ( ديوفيزيس ) إنسانية وإلهية في  جسد الإنسان يسوع المسيح. قائم على أساس نظرة كل منهما للعناصر التى يتكون منها الإنسان.

     كانت كنيسة الإسكندرية تعتقد بحسب الحق الكتابى بأن الإنسان مركب من ثلاثة عناصر جسد ونفس ( دم ) وروح ( تسالونيكى الأولى 5 : 23 ).

      وقد اوضح الكتاب المقدس أن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( اللاويين 17 : 14 ) وهذا معناه أن الجسد يحيا بالدم ( تكوين 9 : 4 ) لأن نفس الجسد ( أى قدرته التنفسية ) هى في  الدم ( اللاويين 17 : 11 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) الذى هو علة حياة الأجسام الحيوانية أى الحية بالدم.

       لهذا يقول الكتاب يوجد جسم حيوانى أى حى بالدم الذى هو نفسا حية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 -46 ) ( تكوين 1 : 24 ) ويوجد جسم روحانى أى مقام من الموت بالروح المحيى الذى هو روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ).

     وقد اوضح الكتاب أن موت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل, وأن كل منهما يموت عندما يلفظ  نسمته أى أنفاسه فيعود إلى ترابه, وأنه بموت الدم الذى هو نفس الجسد ( أى قدرته التنفسية ) تمسك الروح الإنسانية من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) في  رقاد أبدى كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( إشعياء 66 : 24 ) لأن حياة الجسد هى بالدم لا بالروح الإنسانية التي يخلقها إلوهيم داخل الإنسان ( زكريا 12 : 1 ) والتى تسجن أو تقبض من جسد الموت ( اعمال 2 : 24 ) بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد الحيوانى أو النفسانى أى ذى النفس الحية أو الحيوانية.

    لهذا فإن الإنسان المائت بموت الدم يحتاج إلى قوة حياة جديدة تخلصه من حكم الخطية والموت وتمنحه قيامة جديدة بالميلاد الثانى الفوقانى فيولد ثانية ليس من دم يموت كما في الميلاد الأول ( يوحنا 1 : 13 ) بل مما لا يموت ( بطرس الأولى 1 : 23 ) بروح الحياة الذى في المسيح يسوع الذى اعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) .. بإقامة اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ).

     لهذا شاركنا المسيح الذى هو روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) في  اللحم والدم ليبيد بموته سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) بقوة روحه المحييى.

     لهذا إذ إلتقى بالموت في جسده الخاص بموت الدم أبطل الموت بقوته ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) أي بالروح المحيى الذى هو الروح القدس. لأن جسده المائت بموت الدم صار محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ) وهكذا ألبس الجسد المائت عدم موت بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) وأعتقنا من حكم الخطية والموت بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ).

      لهذا لم يكن ممكنا للذى هو روح الحياة أن يمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) ( أثناسيوس الرسولى " المقالة الثانية ضد الأريوسيين " ف 15 ف 16 ص 32 )

     وجدير بالذكر أن الكلمة المستخدمة في  مشاركة المسيح في  اللحم والدم تعنى المشاركة الجزئية لأنه أخذ اللحم فقط من العذراء أما الدم فأخذه بعمل الروح القدس الذى اخصب بويضة العذراء بدم طاهر كما من حمل بلا عيب ولا دنس كدم آدم قبل السقوط , لهذا ولد المسيح بطريقة معجزية بدون زرع بشر حتى لا يرث دم الخطية والموت مثل سائر البشر, لكى يكفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بشوكة الخطية والموت, حتى متى مات موتنا بسفك دمه عنا يبيد الموت وسلطانه بروح الحياة الذى فيه ويعتقنا بروحه المحيى من حكم الخطية والموت.

       مما تقدم يتضح أن دم الخطية والموت هو وحده هو الذى يحتاج إلى الفداء, لهذا أخذ المسيح دما كريما بلا عيب ولا دنس بعمل الروح القدس.

     أما كنيسة أنطاكية فرفضت هذا التعليم الكتابى وتمسكت بتعليم أرسطو القائم على ثنائية تركيب الإنسان, واعتقاده أن الإنسان مركب من جسد وروح, وأن الروح هى  النفس الحية التي تحيى أجساد البشر والحيوانات, وبهذا  أنكروا التقسيم الثلاثى لكينونة الإنسان بقولهم أن هذا التعليم ليس تعليما كتابيا وإنما هو تعليم افلاطونى كإسقاط على اتهامهم بالأرسطية.

      وحتى لو نادى افلاطون بهذا التعليم فإن هذا لا ينفي  أن التعليم بثلاثية تكوين الإنسان هو في  الأساس تعليم كتابى ( تسالونيكى الأولى 5 : 23 ) وأن هذا الادعاء هو لون من الإسقاط للرد على اتهامهم باتباع المعتقد الأرسطى القائم على ثنائية تكوين الإنسان من روح وجسد, واعتقادهم الفاسد بأن الروح هي علة حياة الجسد, وليس الدم ( تكوين 9 : 4 ) الذى هو نفس حية ( اللاويين 17 : 14  ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 ).

     فاعتقد الأنطاكيين تبعا لذلك بأن النفس الحية التي يشترك فيها البشر ( تكوين 2 : 7 ) والحيوانات ( تكوين 1 : 23 + 2 : 19 )  والتى نفخها إلوهيم في  أنف أدم هى الروح العاقلة, وأنها هي علة حياة الجسد وليس الدم الذى هو مكون جسدى لا علاقة له بإحياء الجسد حسب معتقدهم المضاد للحق الكتابى.

     لهذا اعتقدوا تبعا لذلك بأن موت الإنسان يتحقق بخروج هذه الروح منه وبعودتها إليه ترده حيا.

     وبداهة أن خروج الروح من الجسد ليس موتا. لأن الروح لا تموت,  وخروجها منه هو تحرر من جسد الموت. والتحرر من جسد الموت ليس عقوبة.

       العقوبة هي أن تحدر الروح مع جسدها المائت إلى الحفرة ( تكوين 37 : 35 ) ( أيوب 33 : 18 ) أي القبر كما في حبس كجثة عادمة الحياة في رقاد أبدى ( اشعياء 66 : 24 ).

    وعلى ذلك فإن العنصر المائت في جسد الإنسان هو الدم الذى هو حياة متنفسة هي علة حياة الجسد الحيوانى, وبموت هذه النفس الحيوانية تمسك الروح الإنسانية من جسد الموت كما في سجن في رقاد أبدى كجثة عادمة الحياة إلى الأبد, الوحيد الذى لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت مثلنا هو المسيح ( أعمال 2 : 24 ) لأنه روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أى روح له القدرة على إحياء جسده وأجسادنا من الموت, لهذا إذ تشارك الأولاد أى أرواح البشر في  اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما لكى بموت الدم يبيد الموت ويبطل سلطانه ( العبرانيين 2 : 14 ) ويمنح الجسد قيامة من الموت بروح الحياة الذى فيه الذى أعتقنا من حكم الخطية والموت .. والذى به سيحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ( بموت الدم ) لكنه حي ( أى أباد الموت ) بقوة إلوهيم ( أي بروح الحياة الذى فيه ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 )( رومية 8 : 2 , 11 ).

    بمعنى أن المسيح وان ذاق موتنا على الصليب بموت الدم إلا أن جسده لم يخضع لسلطان الموت ولا للحظة واحدة لهذا يسمى موت المسيح شبه موت ( أى شبه موتنا ) ( رومية 6 : 5 ) لأنه بمجرد موت الدم صار جسده المائت محييا في  الروح أى مقاما من الموت بقوة الروح القدس الرب المحيى, وهذا ما أعلنه بطرس الرسول أيضا بقوله عن المسيح : بأنه كان مماتا في الجسد ( أي بموت الدم ) ولكن ( أي الجسد ) محيي ( أي مقام من الموت ) في الروح ( الذى هو الروح القدس الرب المحيى ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

     أما كنيسة أنطاكية فلم تفهم أن معنى الموت هو فناء الحياة, وبدأت تفسر التجسد الإلهى والكيفية التى تحققت بها ولادة المسيح وموته وقيامته من منظور التركيب الثنائى للإنسان.

    ومن هذا المنظور يصير جسد الإنسان عند الإنطاكيين مثل جسد الحيوان مركب من عنصرين فقط النفس الحية والجسد, رغم أن جسد الإنسان يتميز عن جسد الحيوان الأعجم بأن فيه الجوهر الروحانى العاقل.

    ومن هذا المنظور الذى يمزج بين النفس الحية التى هى علة حياة الجسد والروح الإنسانية العاقلة التى تميز الإنسان عن الحيوان, يكون التجسد ليس باشتراك الكلمة في  اللحم والدم ( أى مكونات الجسد الحيوانى الحى بالدم المدنس بالخطية وشوكة الموت ) بل باشتراكه في  انسان مركب من جسد وروح , ويكون موت الجسد ليس بموت الدم كسائر الأجساد الحيوانية أى من ذوات الأنفس الحية . بل بموت الروح الإنسانية العاقلة أى فناءها وهو تعليم يترتب عليه نتائج غير منطقية ووخيمة العاقبة إن تتبعنا النتائج المترتبة عليها, لهذا قالوا أن موت  الجسد البشرى يتحقق بخروج الروح الإنسانية العاقلة من الجسد ( إن كان هذا هو الموت فكيف تموت الحيوانات العجماوات؟ ) .

    والواقع أن فساد هذا التعليم وتعارضه مع الحق الكتابى  يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الكلمة لم يشترك أو يحل في انسان نظيرنا ليخلصه بحسب زعم أضداد المسيح الذين يسعون بخبث شديد أو جهل مدقع لتحويل سر عبادتنا العظيم إلى عبادة انسان نظيرنا صار مجرد هيكل لإلوهيم مثلنا, ونال ذات الملء الذى نلناه ( كولوسى 2 : 10 ) ( أفسس 3 : 19 ) .

     والواقع أن التعليم بثنائية تكوين الإنسان من روح وجسد فقط هو تعليم يضاد الحق الكتابى القائل بأن الإنسان مركب من لحم ونفس ( دم ) وروح.

     ولما كان الإنسان وفقا للحق الكتابى مركب من ثلاث عناصر هم اللحم والدم والروح لهذا فإن جميع عقائد الكتاب المقدس بنيت على هذا المكون البشرى.

    اما الأنطاكيين فقد ترتب على اعتقادهم بأن الإنسان مركب من جسد حى بالروح الإنسانية العاقلة أن الكلمة لم يتجسد بل تأنس بإنسان, وبما أن الروح الإنسانية هى المشخصة لجسدها لهذا فإن الكلمة احتجب بروح هذا الإنسان وصار يشترك من خلالها في  جسدها الخاص ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 ص 42 وضعه ثيؤدورت عندما كان على المذهب النسطورى قبل سنة 444 ميلادية هاجم فيه مقررات مجمع أفسس الأول ) ( " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان "  ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 52  وضعه ثيؤدورت نحو سنة 445 ميلادية أثبت فيه بدعته الجديدة التى أخذ بها مجمعى القسطنطينية المحلى سنة 448 ميلادية والخلقيدوني المسكونى سنة 451 ميلادية ).

     وبهذا صار في  جسد الإنسان يسوع المسيح روحان روحه الإنسانية والروح الإلهية الذى احتجبت بروحه الإنسانية وجعلها واحدا مع لاهوته بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, وبسبب هذا الإتحاد صار الكلمة يسمى أيضا باسم المسيح  .

   والواقع أن الروح الإنسانية العاقلة غير محيية للجسد, ولو كان لها هذا القدرة لما مات الإنسان أبدا , الروح الوحيد المحيى هو روح المسيح ابن إلوهيم الوحيد الذى ارسله إلوهيم إلى العالم لكي نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) أما الروح الإنسانية فهى تمسك من جسد الموت بمجرد موت الدم الذى هو نفس حية, ولو كانت الروح الإنسانية محيية للجسد لما احتجنا لروح إلوهيم ليحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     لهذا حاول أصحاب الطبيعتين ( أي القائلين بروحين إنسانية وإلهية في المسيح ) تأويل مفاهيم التجسد القائمة على هذا التركيب الثلاثى لتوافق التركيب الثنائى للإنسان باعتباره يتألف فقط من جسد حى بالروح. فسقطوا في بدع هلاك. أهمها اعتقادهم أن الإنسان هو المخلص لنفسه, وأن روحه الإنسانية هي التي ستقيمه من الموت بعودتها إليه, وليس أنه سيقوم بروح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا. بحسب الحق الكتابى ( رومية 8 : 11 ).

     كما ترتب على هذا المعتقد الفاسد أن قلبوا سر التجسد المؤسس على اشتراك إلوهيم في مالنا أي اللحم والدم بتحويله إلى تقمص إلوهيم لإنسان مولود من مريم يدعى يسوع المسيح فانكروا بذلك لاهوت المسيح, وتجسده وولادته من العذراء بقولهم أنها ولدت الإنسان الذى تأنس به الكلمة فسقطوا بذلك في  عبادة إنسان, واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد أمين,

      وفيما يلى نعرض لنتائج فهم التجسد من منظور مدرستى الإسكندرية وأنطاكية.

 

أولا  :  نتائج فهم التجسد من منظور ثلاثية تكوين الإنسان

      هذا المنظور هو الذى يتفق مع الوحى المقدس القائل : فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح البشر ) في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت (  أى بموت الدم ) .. سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) وبهذا أخذ الذى لنا أى الدم القابل الموت ليموت موتنا, ويعطينا الذى له أى روحه المحيى الذى أبطل موت جسده الخاص وسيبطل موت اجسادنا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 – 11 ).   

     لهذا تألم المسيح .. من أجل خطايانا .. مماتا في  الجسد ( أى في  الدم باعتباره مكون جسدى ) ولكن محيى ( أى الجسد ) في  الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

    لذلك إذ صار الجسد الحى بالدم خاصا بكلمة الحياة بطل الموت لأن الجسد بسبب الكلمة الذى حل فيه بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) صار غير مائت. لأنه بمجرد موت النفس الحية أى الدم. صار الجسد محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى.

     وبهذا تحول الجسد من جسد حيوانى حى بالدم إلى جسد روحانى محيى بالروح القدس الذى هو روح المسيح روح القيامة والحياة ( كورنثوس الأولى 15 : 42 – 55 ) ( رومية 8 : 9 - 11 ).

     وبالتالي فإن موت الإنسان وفقا لثلاثية تكوين الإنسان ( من جسد ونفس وروح ) يكون بموت النفس الحية ( أى الدم ) وليس بخروج الروح من الجسد كما يعتقد النساطرة الذى انكروا الحق الكتابى مفضلين عليه تعليم بشرى غير كتابى قائم على أساس أن الروح هي علة حياة الجسد, وأن الموت معناه ليس فناء هذه الحياة وإنما معناه خروج الروح الإنسانية من الجسد وبعودتها إليه ترده حيا ( نسطور " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 ص 39 ) فأنكر نسطور بذلك الحق الكتابى بأن قيامتنا ليست بروح إنسانية بل بروح إلوهيم ( حزقيال 37 : 14 ) الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

    لأنه إذا كان الدم هو علة حياة الجسد كما هو ثابت علميا وكتابيا فيكون أن حكم الموت قد صدر ضد الدم الذى صار مائتا, وبسبب فساده دخل الموت إلى العالم , وهى حقيقة ملموسة ومحققة علميا وكتابيا.

      لهذا فإن الدم وحده إذ تدنس بشوكة الخطية والموت وصار مائتا فقد صار هو وحده الذى يحتاج إلى كفارة بدم طاهر غير مدنس بشوكة الموت ( كورنثوس الأولى 15 : 56 ) لهذا أعطانا إلوهيم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسنا أي دماءنا ( اللاويين 17 : 11 ) لهذا قيل بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) أما الروح التي يخلقها إلوهيم في داخلنا ( زكريا 12 : 1 ) فلم تفقد خلودها, ولكنها بموت الجسد تمسك منه أي تقبض منه كما في  سجن ( أعمال 2 : 24 ) فيصير الإنسان جثة عادمة الحياة إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ) أى عاجزا بروحه السجينة في  جسد الموت عن تحريكه أو اقامته من رقدته الأبدية.

      لهذا فإن الفداء تم بدم المسيح الذى بروح أزلى - وليس بروح إنسانية – قدم نفسه ( أي  دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) لأن النفس هى الدم      ( لاويين 17 : 14 ) لهذا يقول الكتاب اننا أفتدينا .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ).

 

ثانيا :  نتائج فهم التجسد من منظور ثنائية تكوين الإنسان

     اعتقدت كنيسة أنطاكية وفقا لنسطور بأن الإنسان مركب من عنصرين هما الجسد والروح, وأن الروح هى علة حياة الجسد وبالتالى يكون حكم الموت قد صدر ضد الروح باعتبارها نفس حية.

    واعتقدوا تبعا لذلك بأن الموت ليس هو موت النفس الحية أى الدم حسب الحق الكتابى. بل أن الموت معناه خروج الروح الإنسانية العاقلة من الجسد.

     وبما أن الروح لا تموت, وأنها بخروجها من الجسد يموت . فمن ثم كان من البديهى انه بعودتها للجسد مرة أخرى ترده حيا .

     وبالتالى اعتقدوا أن الروح الإنسانية محيية أى قادرة على إقامة جسدها وتخليصه من الموت ومن ثم لا حاجة لتجسد الكلمة ولا أن يرسل الوهيم ابنه الوحيد لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

     وبتطبيق التكوين الثنائى للإنسان على التجسد الإلهى رأى النساطرة استحالة أن يتخذ الكلمة جسدا مجردا من الروح الإنسانية التي هي علة حياة الجسد حسب معتقدهم وليس الدم.

     لأنه إذا اتخذ الكلمة جسدا بدون الروح الإنسانية ( الجوهر العاقل ) فكيف سيموت موتنا بخروج الروح الإنسانية من الجسد, إلا أن تخرج روحه الإلهية من الجسد فيموت وبعودتها إليه في  اليوم الثالث يقوم من الموت, وهذا معناه من وجهة نظرهم أن اللاهوت قام من الموت عوضا عن النفس الإنسانية, وبذلك يكون قد أعلن ما يشبه قيامة البشر, وبهذا يكون إلوهيم قد خدع البشر ( نسطور " ظهور المسيح المحيى " ف 15, 16 ).

      ويقول نسطور: لو انفصل اللاهوت عن الناسوت، وتم الموت تحت هذا الظرف، فكيف ظل الناسوت بلا فساد وهو منفصل عن اللاهوت ( نسطور " ظهور المسيح المحيى " ف 15 ).

    وما يقوله نسطور مردود عليه بذات القياس بأنه كيف ظل جسد الإنسان يسوع المسيح بلا فساد في  القبر لمدة ثلاثة أيام بعد أن خرجت منه الروح الإنسانية التى تحييه - وليس الكلمة - وهى التى نزلت إلى الجحيم واللاهوت محجوب بها بحسب معتقد نسطور ( نسطور " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 ) ( نسطور " ظهور المسيح المحيى " ف 17 ) ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " ك 1  ق 3 ف 4 ص 51 , 52 ).

     والواقع أن التعليم الذى يجعل من الروح مسكنا وحجابا لروح أخرى هو في حد ذاته خرافة وضلالة تضاد عقيدة التجسد الإلهى والبساطة التى في  المسيح, كما تضاد صورة التعليم الصحيح بأن الروح مسكن لا ساكن وأنها تسكن الجسد وتشخصه ولا تسكن ولا تشخص من غيرها لأنها جوهر روحانى عاقل ومن ثم فهى ليست حجابا ولا جسد ولا مادة حاجبة حتى يحتجب بها غيرها.

    هذه الخرافات التى ليس لها أى سند كتابى لا تصمد أمام الحق الكتابى بأن روح الكلمة أحيت الجسد بمجرد موت الدم كما هو مكتوب :

      مماتا في  الجسد ( أى الدم ) ولكن ( أى الجسد ) محييى في  الروح ( أى مقام من الموت بالروح المحيى الذى هو روح القيامة والحياة ) الذى فيه أيضا ( أى دون أن يفارق الجسد المقام من الموت بالروح المحيى ) ذهب ( من قبل الصليب ) فكرز للأرواح التى في  السجن ( بطرس الأولى 3 : 18 – 19 ).

     فالمسيح ابن إلوهيم الوحيد الذى جاء لنحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) رغم أنه ذاق الموت مثلنا على الصليب بسفك دمه إلا أن جسده صار محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى الذى به أيضا نزل من قبل الصليب دون أن يفارق الجسد المحيى فكرز للأرواح التى في  السجن. لذلك يقول : إذ صعد إلى العلاء ، سبى سبيا ، وأعطى الناس عطايا, وأما أنه صعد ، فما هو إلا إنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى, الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات ، لكي يملأ الكل ( أفسس 4 : 8 – 10 ).

     وبداهة أنه فعل ذلك دون أن يفارق جسده المعلق على الصليب لأن ليس احد صعد إلى السماء الإ الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء ( يوحنا 3 : 13 ).

   فهل في  هذه الآيات أى اشارة لروح إلهية محجوبة بروح إنسانية, وكيف لروح انسانية عادت لجسدها لتحييه في  اليوم الثالث أن تملاء الكل,إن كان جسدها قد خلى منها ثلاثة أيام, وهل هذه الروح الإنسانية المحدودة التى نزلت إلى الجحيم هى التى صعدت فوق جميع السموات لكى تملاء الكل.

     أيا كان الأمر فقد اعتقد نسطور أن إلوهيم حل في  إنسان نظيرنا يدعى يسوع المسيح هو الذى ولد وتألم وصلب ومات بخروج روحه الإتسانية منه وبقى في  الموت إلى اليوم الثالث حتى عادت روحه الإنسانية إليه فقام حيا.

     وهذا معناه أن الروح الإنسانية هى التى خلصت جسد المسيح المائت وأقامته من الموت بعودتها إليه في اليوم الثالث.

     وهكذا ببطل ذهنهم  أبطلوا التجسد وقالوا بتأنس إلوهيم الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية عاقلة مثل أرواحنا, وزعموا أن إلوهيم الكلمة صاحب هذا الإنسان منذ لحظة وجوده في بطن أمه. ليقدمه للموت الذى تحقق بخروج روحه الإنسانية من جسده على خشبة الصليب, وبعودتها إليه في  اليوم الثالث عاد الجسد حيا, وهكذا صارت القيامة بروح إنسانية.

    وزعم نسطور بأن الروحين الإلهية والإنسانية إتحدا معا بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير وأن كل طبيعة قائمة بعقلها الخاص وأن الكلمة صار بسبب الإتحاد يشارك الإنسان اسمه. كما صار الإنسان يشارك الكلمة كرامة الربوبية.

     فقام القديس كيرلس عمود الدين بحرم نسطور وجميع القائلين بشخصين في  المسيح في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

 

فساد مذاهب أصحاب الطبيعتين

     والسؤال هو كيف تكون العذراء أم إلوهيم إذا كانت قد ولدت انسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة حل فيه الكلمة وجعله واحدا معه في اللاهوت بكيفية مختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين. الأمر الذى يحول سر العبادة العظيم إلى عبادة مخلوق حسب نسطور وكائن اسطورى هو مزيج من الإله والإنسان بحسب ثيؤدورت وساويرس الأنطاكى والبرادعى بالمخالفة للحق الكتابى القائل:

     " عظيم هو سر التقوى ( أى العبادة ) إلوهيم ظهر في  الجسد " ولم يقل أنه ظهر في إنسان أو خالط جوهر انسان أو إئتلف بإنسان.

     فإن كان إلوهيم قد حل في انسان واتحد به بصرف النظر عن كيفيته فلا يكون قد ظهر في الجسد.

    ثم كيف يكون سر العبادة عظيم إن تعبدت الخليقة لإنسان نال حلولا إلهيا بحسب نسطور .

      أو كيف نسجد لكلمة صارت روحه إنسانية, وكيف يعقل أن المولود منذ الأزل يصير مولود من مخلوق , كيف يكون عقلا لمخلوق ويحيا بحياته المنبثقة منه .

    والسؤال هو هل يمكن للروح الإنسانية بعد ان تشخصت بالكلمة الأزلى أن تدرك وجودها بكلمة غريب عن جوهرها ؟

    بالطبع لا .. ولا الكلمة يمكن أن يصير عقلا لروح مخلوقة.

   إذ يستحيل أن يصير الابن الأزلى ابنا لمخلوق ولا أن تصير روحه مخلوقة . فهذا تجديف على روح المسيح وعلى جوهر إلوهيم المثلث الأقانيم . بإضافة أقانيم الجوهر البشرى إلى أقانيم الجوهر الإلهى  بعد أن صار الكلمة مشخصا ليس فقط لجوهر إلوهيم بل أيضا لجوهر بشرى مخلوق. بحيث صار الكلمة يستمد حياته من روح إنسانية تستمد وجودها بالإنبثاق من جوهر مخلوق.

     لم يستطع القديس ديوسقوروس أن يحتمل هذا التجديف على طبيعة المسيح الإلهية فما كان منه إلا  أن حرمهم جميعا في  مجمع أفسس الثانى وجدد حرمهم في  مجمع خلقيدونية.

     فقام بعدهم ساويرس الأنطاكى وبعده يعقوب البرادعى ونادوا بتعاليم أكثر جنونا وتطرفا من سابقيهم بالقول بأن للمسيح طبيعة من طبيعتين قال الأنطاكى أنها مشخصة بأقنوم الكلمة وقال البرادعى أنها مشخصة بابن من ابنين , وبهذا صارت طبيعة المسيح الممتزجة من طبيعتين ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا.

     وما قيل في  نقد مذهب نسطور ومجمع خلقيدونية يقال أيضا في  نقد الانطاكى والبرادعى.

     والسؤال هو كيف ندعو العذراء أم إلوهيم  وجوهره ليس إلهيا ولا انسانيا ولا هما معا ؟!

     فإن كانت العذراء هى أم إلوهيم ؟ فأين روح إلوهيم في الطبيعة من طبيعتين.

      ثم ما الذى تفيده البشرية من طبيعة من طبيعتين لا جنس لها لاشت الطبيعتين معا .

     والواقع أن مذهب الطبيعة من طبيعتين وضع القائلين بها في  ورطة لا مخرج منها . لأنه إن كانت روح المسيح التى من روحين ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا. فما هى جنسيتها وكيف يكون جسد المسيح خلوا من الروح القدس ومن الروح الإنسانية ومن العقلين الإلهى والبشرى حسب معتقد يعقوب البرادعى, ومن العقل البشرى وحده حسب معتقد ساويرس الأنطاكى.

     والغريب أن جسد المسيح ذى الروح الممتزجة من روحين, عدمت الروح القدس الذى يسكن فينا ونحن مملؤن منه ( كورنثوس الأولى 6 : 15 , 19 ).

     والواقع أنه إن كان المسيح إنسان متحد بالكلمة بأى كيفية, وكنا نتعمد لموته وقيامته فيجب أن نتعمد باسم أقانيمه, وإلا كانت المعمودية باطلة, وعلى هذا فمعمودية المسيح كإنسان بالنسبة لأصحاب الطبيعتين باطلة لأنها باسم الآب والابن والروح القدس الجوهر الإلهى الواحد , وليست باسم الكلمة المحتجبة في  روح المسيح الإنسانية حسب نسطور, ولا باسم الكلمة المشخصة لروح المسيح الإنسانية والإلهية معا حسب معتقد خلقيدونية, وليست باسم روح ممتزجة من روحين مشخصة بالكلمة بحسب ساويرس الأنطاكى مشخصة بابن من ابنين بحسب يعقوب البرادعى. 

      حقا أنها كارثة أن يحمل لواء التعليم معلمون جهلة يفسرون كلمة الحق بغير استقامة وبالمخالفة للحق الكتابى الواضح والصريح بالقول بأن العذراء لم تلد ابن إلوهيم الوحيد, بل ولدت إنسانا مثلنا يدعى يسوع المسيح بجسد ذى نفس إنسانية عاقلة احتجب بها إلوهيم وتأنس بها وشخصها متكلما من خلالها دون أن يبطل عقها البشرى لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, فلما تم حرم هذه البدعة اختلف النساطرة حول كيفية اتحاد الطبيعتين هل هو بالخلطة والتركيب أم بالإمتزاج والتركيب وإذ هم ينكرون الرب الذى اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سريعا وسيتبع كثيرون تهلكاتهم الذين بسببهم يجدف على طريق الحق ( بطرس الثانية 2 : 1 - 3 ).

     بسبب تعاليمهم الباطقة المضادة للحق الكتابى والمنطق السليم عن الاختلاط والتركيب والإمتزاج بين الجواهر الروحانية العاقلة.

     من ذلك يتضح بطلان جميع مذاهب أصحاب الطبيعتين.

  

 

الفصل الخامس

عقيدة نسطور في  طبيعة المسيح

     إن منشأ النسطورية كبدعة هو قيامها على معتقد خاطىء بأن الإنسـان مركب من جسد تحييه نفـس إنسانية عاقلة هى علة إحياءه لا النفس الحية التى في  الدم, وأن الموت لا يتحقق بموت النفس الحية بل بخروج النفس العاقلة من الجسد.

     ومنشأ هذا المعتقد الخاطىء هو اعتقاد نسطور بأن إلوهيم نفخ في  أنف آدم روح حياة عاقلة هى علة إحياء الجسد. اعتقادا منه أن المقصود بالنفس الحية ليس الدم بل الروح.

     في  حين أن الحق الكتابى المعلن هو أن إلوهيم نفخ في  أنف آدم نسمة حياة فصار آدم نفسا حية أى أن جسده صار جسدا حيوانيا متنفسا كسائر الحيوانات من ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ) وأن موت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما ( الجامعة 3 : 19 - 20 ).

     أما نسطور فاعتقد أن النفس الحية هى الروح وأنها محيية للجسد ومن هنا جاء خطأ النسطورية القاتل الذى أوردهم مورد التهلكة.

     والواقع أن سقطة نسطور هذه سبقه إليها الصدوقيين الذين اعتقدوا معتقده بأن النفس الحية هى الروح ونتج عن ذلك اعتقادهم بموت الروح بعد اصطدامهم بالآية القائلة " النفس التى تخطىء تموت " فانتهوا إلى أنه بما أن الأرواح هى أنفس حية وقد صدر ضدها حكم الموت فلا تكون قيامة ولا روح.

     أما نسطور فلكى لا ينتهى إلى ما انتهى إليه الصدوقيين من القول بموت الأرواح وفناءها قال أن الموت لا يعنى فناء الروح بل يعنى خروج الروح الإنسانية من الجسد الذى يموت بخروجها منه ويحيا بعودتها إليه إذ هى التى تحييه لا الدم.

   وهذه النقطة أى تعريف الموت بأنه خروج النفس الإنسانية العاقلة من الجسد هو برهان النسطورية أو الأساس الباطل الذى ترتب على الاعتقاد في  صحته حتمية أن يتحد الكلمة بإنسان وحتمية القول بالطبيعتين أى بوجود روحين في  المسيح الواحد.

    فلكى يموت إلوهيم الكلمة موتنا حسب المعتقد النسطورى كان لابد أن يتحد بإنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة لكى يقدمها للموت الذى يتحقق بخروجها من الجسد ثم بعودتها للجسد في  اليوم الثالث تقيمه من الموت.

     هكذا صار محتوما حسب الفكر النسطورى أنه حتى يتألم إلوهيم الكلمة ويمـوت موتنا ويقوم من الموت أن يتحد بإنسان مثلنا. حتى متى تألم الإنسان ومات بخروج روحه من جسده. يموت الكلمة موتنا حتى اليوم الثالث عندما تعود إليه الروح الإنسانية وتتحد بالجسد المائت المتحد بإلوهيم في  القبر فتقيمه من الموت, وبهذا تتحقق قيامة الكلمة. ثم بنسبة جميع الأفعال الإنسانية التى وقعت على الإنسان إليه تصير كما لو وقعت على الكلمة. لأنه جعل ما يخص الإنسان المتحد به يخصه, وهكذا ولد الكلمة وصلب وتألم وقام من الموت دون أن يولد أو يتألم أو يقوم فعليا.

    لهذا اقتضى التدبير حسب نسطور أن يتحد إلوهيم الكلمة بالإنسان يسوع المسيح المولود من مريم من نسل داود حتى يصير كل ما يقع على الإنسان من ولادة وصلب وقيامة وكأنها وقعت للكلمة إنسانيا أى بحسب الإنسان المتحد به.

     فالمسيح حسب نسطور ليس إلوهيم الكلمة متجسدا بل إنسان مثلنا تحييه نفس إنسانية عاقلة اتحد به إلوهيم الكلمة بطريقة غير مدركة حسب زعمه ليقدمه للصلب والموت والقيامة.

     وهكذا أنكر نسطور لاهوت المسيح ومجيئه في  الجسد بإنكار تجسد الكلمة بقوله أن الكلمة لم يولد ولم يتجسد بل تأنس أى إتحد بإنسان مثلنا الأمور التى محصلتها إبطال التدبير والسقوط في  عبادة إنسان نظيرنا.

    من ذلك نرى أن إقرار الإيمان النسطورى قائم على أساس الاعتراف بأن إلوهيم الكلمة لم يولد ولم يتجسد من مريم بل تأنس أى إتحد بالإنسان المولود منها دون أن يولد هو منها لأن الكلمة حسب تصوره لا يولد من امرأة.

      وهكذا بالإتحاد بين إلوهيم الكلمة والإنسان يسوع المسيح المولود من مريم صار للكلمة المتأنس حسب نسطور روح إنسانية عاقلة لكى يقدمها للموت الذى يتحقق بخروجها من الجسد ثم بعودتها للجسد في  اليوم الثالث تقيمه من الموت فيحيا.

     وعندما بلغ كيرلس أنباء هذه البدعة الجديدة القائلة بالتأنس والإتحاد بين الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية في  شخص المسيح كتب إليه مثبتا وشارحا الإيمان المستقيم بطبيعة واحدة لاهوتية للكلمة المتجسد.

    ذلك أن معتقد كيرلس مؤسس على الحق الكتابى بأن الكلمة  اشترك في ما نشترك فيه آخذا مالنا أي اللحم والدم القابل الموت ليموت موتنا  حتى يعطينا أو يشركنا في ماله أي روحه المحيى بالمعمودية الذى به صرنا شركاء الطبيعة الإلهية
أي شركاء الروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

     إلا أن نسطور أغلق عليه فهم المعتقد القويم بأن للمسيح الكلمة طبيعة واحدة لاهوتية. وأن الكلمة هو الذى ولد وصلب وقام من الموت. إذ كان يعتقد في  التأنس والإتحاد بين الكلمة وإنسـان يدعى يسوع المسيح. فاستنتج من أقوال كيرلس أنه بما أنه يعلم بطبيعة واحدة لاهوتية لما هو بطبيعتان حسب تصوره. فإن هذا معناه أن الطبيعة اللاهوتية ابتلعت الطبيعة الناسوتية ولاشتها, وأنه بقوله هذا فقد نسب الولادة والآلام والقيامة للكلمة ذاته.

     وفي  هذا يقول نسطور في  مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ردا على كتابات لكيرلس :

    أنتم تقولون أن الكلمة اتخذ جسدا بلا جوهر عقلى ( أى بلا روح إنسانية عاقلة ) وهذا يعنى أنه عند الموت انفصل الكلمة عن الجسد, وأن هذا هو الموت الذى حدث .. وهذا يعنى أن المسيح لم يمت موتنا نحن بل موتا خاص به لو انفصل اللاهـوت عن الجسد .. وحسب رأيكم أيضا فإن الكلمة هو الذى قام من الأموات لأن القيامة يجب أن تتم بقوة معينة فإن لم تكن قد تمت بعودة النفس للجسد المتحد بالكلمة فقد تمت بقيامة الكلمة ذاته وهو ذاته الذى نزل إلى الجحيم حيث الأرواح قد سجنت وهذا مضاد للتعليم الصحيح ( ظهور المسيح المحيى فقرة 16 ص 37 ).

     وتتمة لذلك يقول ثيؤدورت أسقف قورش في  مؤلفه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت مسمى " كمال البرهان على حقيقية الإيمان " والمنسوب أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى ما نصه :

     " هو الذى مات بناسوته المحتمل الموت بمفارقة نفسه المخلوقة جسده المخلوق .. حتى رد لاهوته نفس ناسوته ( أى روحه الإنسانية ) إلى جسده فقام في  اليوم الثالث من الأموات " ( الجامع للطبيعتين ك 1  ق 3  ف 5 ص 66 ).

     فكأن المسيح ما كان ليقوم من الموت لو لم ترجع روحه الإنسانية لجسده لتقيمه من الأموات في  اليوم الثالث.

     لذلك فإن عقيدة نسطور القائلة بأن الكلمة اتحد بجسد تحييه نفس إنسانية عاقلة ( الرسالة رقم 50 : 3 ) هى روح المسيح الإنسانية ( رسالة نسطور رقم 5 : 7 ) هو الدعامة الرئيسية التى ترتكز عليها البدعة النسطورية وتميزها.

     من ذلك يتضح أن قيامة جسد المسيح وفقا لنسطور لم تكن بقوة الروح القدس المحيى الذى أبطل الموت بمجرد أن إلتقى به في  جسده الخاص بل بقوة الروح الإنسانية التى فارقت الجسد فمات ثم بعودتها إلى الجسد في  اليوم الثالث أحيته فقام المسيح من بين الأموات.

     ويقول ثيؤدورت أسقف قورش ما موجزه أن نفس المسيح الإنسية ( أى روحه الإنسانية ) بعد أن فارقت جسدها أنقذت أرواح الصالحين من سجنهم ونقلتهم إلى الفردوس وفعلت ذلك بقوة اللاهوت الساكن فيها لا يفارقها ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 4 ف 1 ص 101 ).

      والواقع أن تلك المقولة تهدم سر التجسد لأن القول أن روح المسيح إنسية  معناه أنه ليس إلوهيم الذى ولد من العذراء. بل إنسان نظيرنا بروح إنسانية. وهذا معناه أن الكلمة لم يتجسد بل سكن إنسانا نظيرنا ما يمثل إنكارا للتجسد والولادة.

     أما قوله أن الروح الإنسانية فعلت ذلك بقوة اللاهوت الساكن فيها فيؤخذ على هذا القول أن الروح لا تسكن روحا ولا تشخصها لأن الروح ليست مسكنا بل الجسد.  

     إذ المحقق نقلا وعقلا أن الروح لا تسكن أخرى. لأن الأرواح لا تسكن بعضها البعض. إذ هى ساكن لا مسكن, وهى لا تشخص بغير عقلها. لأن العقل والروح محمولان على موجود واحد إما أزلى أو محدث, ولا يمكن أن يوجد عقل أزلى وروح محدثة محمولان على موجود محدث. لأن العقل يتولد من الموجود والروح تنبثق منه. فإن كان العقل أزليا فهذا يعنى أنه مولود من موجود أزلى وبالتالى تكون روحه منبثقة من ذات الموجود الأزلى, وعليه فإن القول بأن العقل الأزلى يمكن أن يولد من موجود محدث وأن تكون روحه منبثقة من هذا الموجود المحدث هو باطل نقلا وعقلا, والقول به هو نتاج ذهن عاطل عن إدراك أبسط المسلمات البديهية.

     من ذلك نرى أن تلك التعاليم المضادة للحق الكتابى والمنطق ذاته لا يمكن أن تصدر عن القديس أثناسيوس الرسولى.

      أما عقيدة أثناسيوس الحقيقية في  هذا الصدد فيمكن تبينها من مؤلفه " تجسد الكلمة " والذى نقتبس منه قوله :

     إن الكلمة أخذ جسدا قابلا للموت ولكنه بفضل اتحاده بالكلمة لم يعد خاضعا للفساد ( الموت ) بمقتضى طبيعته بل خرج من دائرة الفساد ( الموت ) بسبب الكلمة الذى أتى وحل فيه.

وهكذا تم عملان عجيبان في  الحال ( أى في  لحظـة في  طرفة عين ) أولهم إتمام موت الجميع في  جسد الرب والثانى القضاء على الموت والفساد كلية بفضل اتحاد الكلمة بالجسد ( تجسد الكلمة 20 : 4 - 6 ص 70 ).

     لأنه إن كان الكلمة قد اتخذ لنفسه جسدا .. فما الذى يصنعه الرب بهذا الجسد ؟ أو ماذا يمكن أن تكون نهاية الجسد إذ حل الكلمة فيه ؟ لأنه لم يكن ممكنا إلا أن يموت إذ هو جسد قابل للموت ليقدم للموت عن الجميع , ولأجل هذه الغاية صوره المخلص لنفسه على أنه كان مستحيلا أن يبقى مائتا إذ صار هيكلا للحياة. لهذا فإذ مات كجسد مائت عاد إلى الحياة بفضل الحياة التى فيه ( تجسد الكلمة 31 : 4 ص 97 - 98 ).

     أما كيرلس عمود الدين فيقول :

     عندما تجسد الكلمة لم يترك جسده خاضعا للموت والفساد كما فعل آدم الذى نقل إلينا عقوبة الخطية. أما المسيح فقد أعطانا جسده الإلهى غير الفاسد ( غير المائت ) والذى فيه صار الجسد غير خاضع للموت والفساد ( المسيح واحد 3 ص 24 ).

     من ذلك نرى أن تعليم كل من أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين خلوا من التعليم بأن روح إنسانية هى التى خرجت من جسد الكلمة فمات موتنا وبعودتها إليه ردته إلى الحياة.

     إن العقيدة الأرثوذكسية قائمة على أساس الإعتقاد بأن الكلمة اتخذ لنفسه جسدا قابلا للموت مثلنا حتى بموته يبطل موتنا بروحه المحيى.

     لهذا فإذ مات كجسد مائت بموت الدم أى النفس الحية عاد إلى الحياة في  الحال بفضل الروح القدس المحيى الذى فيه. 

    فمن هو حكيم في  عين نفسه هذا الذى يظن أن الروح القدس المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا لم يكن قادرا على إحياء جسده الخاص عندما مات موتنا بسفك دمه على خشبة الصليب بل أخضع جبرا لسلطان الموت مثلنا ممسكا من جسد الموت المتحد به في  القبر منتظرا عودة روح إنسانية إليه لتقيمه من الموت في  اليوم الثالث.

     إن الموت بمجرد أن إلتقى بجسد الحياة فقد سلطانه ولم يعد له وجود. فالكلمـة لم يكن في  حاجة إلى مخلوق ليعيد إليه حياته بل نحن الذى نحتاج إليه ليقيم أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     فهل لو أن الروح الإنسانية كانت محيية أى قادرة على إبطال موت الجسد الحيوانى هل كنا نحتاج إلى الروح القدس المحيى ليقيم أجسادنا من الموت.

     الواقع أن الروح الإنسانية العاقلة ليست محيية كروح إلوهيم لأنه وحده الرب المحيى ولو كانت أرواحنا محيية وقادرة على إقامة أجسادها من الموت لما مات الإنسان أبدا لأن الروح لا تفنى ولا تفسد ولا تموت.

     كما أن خروج الروح من الجسد لا يسمى موتا بل انطلاقا أو انتقالا للروح لتكون مع المسيح في  الفردوس الأمر الذى لم يحدث إلا منذ اللحظة التى أبطل فيها الرب الموت بموته الكفارى فاتحا لنا بدمه أبواب الفردوس مظهرا لنا شجرة الحياة.

     أما قبل الفداء فإن أرواح الموتى كانت تمسك من جسد الموت إذ تعجز عن إقامته فتحدر مع أجسادها إلى الهاوية أى الحفرة أو القبر. لهذا قال يعقوب في  العهد القديم إنى أنزل إلى ابنى نائحا إلى الهاوية أى القبر ( تكوين 37 : 35 ).

     وحتى في  العهد الجديد فإن انطلاق الروح قاصر فقط على المنتقلين في  المسـيح. أما أرواح المخالفين الذين لن يروا حياة فيبقون في  جسد الموت إلى الأبد ( إشعياء 66 : 23 - 24 ).

      من ذلك نرى أن خروج الروح من الجسد ليس موتا بل انتقال مؤقت حتى لا نمسك من جسد الموت كالذين لا رجاء لهم ( تسالونيكى الأولى 4 : 13 ) لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح ( يوحنا 11 : 25 - 26 ) ثم متى أظهر المسيح حياتنا بإقامتنا من الموت حينئذ نظهر معه في  المجد ( كولوسى3 : 1 - 4 ).

     أما الموت فهو موت الدم أو النفس الذى هو مادة حية متنفسة يشترك فيها الإنسان مع سائر الحيوانات من ذوات الأنفس الحية, ولو كان الموت هو بخروج الروح من الجسد فكيف تموت الحيوانات وهى نفسانية بائدة لا خلود لها.

     ولو أن النسمة التى جعلها إلوهيم في  أنف آدم وصيرته نفسا حية هى روح محيى عاقل لصارت جميع الحيوانات من ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ) أرواحا محيية كروح الرب المحيى حال كونها نفسانية لا روح لها ( يهوذا 19 ). 

     ولو أن حكم الموت والفناء قد صدر ضد الروح الإنسانية العاقلة لا النفس الحية القابلة للفناء والموت. لما كان للفداء نفع. لأنه أى نفع يعود على روح عاقلة صدر ضدها حكم الفناء والموت كما يحدث لنسمة الحياة التى في  الدم.

     كما أن الدم يكفر عن النفس لا عن الروح ( لاويين 17 : 11 - 14 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ).  

     لذلك إن كان الحكم قد صدر ضد الروح لا الدم فلا شىء يكفر عنها بل تكون واجبة الفناء فلا تكون روح ولا خلود ولا قيامة.

     فالروح الإنسانية العاقلة كما قدمنا ليست محيية وهى لا تحيى جسدها بل النفس الحية أى الدم. لذلك فإن الحكم صدر ضد النفس الحية التى يشترك فيها البشر مع سائر ذوات الأنفس الحية والتى بموتها تمسك روح الإنسان من جسد الموت إذ تعجز عن تحريكه أو إقامته أو إحياءه لأن أرواح البشر غير محيية لأن الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس الرب المحيى.

      لهذا يقول القديس كيرلس عمود الدين :

     إن الجسد وحده هو الذى وقع فريسة للموت أما الروح فلم تفقد خلودها لأنـه عن الجسد وحده قيل " تراب أنت وإلى التراب تعود " لذلك كانت الحاجة ماسة إلى الذى فينا والذى صـار في  خطر دائم وتحول إلى الإنحلال أن يتجدد بقـوة, وأن يتم نسجه من جديد بنسيج الحياة القادرة بطبيعتها على عدم الموت وكانت الحاجة إلى رفع عقوبة " تراب أنت وإلى التراب تعود " أن يتحد الجسد المائت بالكلمـة الذى يحيى الكل, وعندما يصبح الجسد جسد الكلمة فإنه يشترك في  عدم الموت الخاص بالكلمـة ( شرح انجيل يوحنا 1 : 9 - 14 ص 129 - 130 ).

     من ذلك يتضح أن الدم وحده هـو الحامل الخطية وحكم الموت الأبدى الذى ورثناه عن آدم أبا عن جد لأننا صنعنا من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ).

     أما المسيح فقد ولد بدون زرع بشر لهذا كان وحده الذى بلا خطية. أما لو كانت أرواح البشر خاطئة وكان الكلمة قد اتحد حسب نسطور بروح إنسانية خاطئة فلا يكون الكلمة بلا خطية بل يكون قد اتحد بإنسان ذى روح إنسانية خاطئة.

     كما أن نسطور يجهل المقصود بتجديد الروح القدس الذى يعنى أن الروح القدس هو الحياة الجديدة التى تحل محل الدم المائت في  إحياء الجسد, وبهذه الحياة الجديدة نصير خليقة جديدة روحانية أى حية بروح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

      فإذا طبقنا نظرية نسطور في  وجوب أن تحصل الروح الإنسانية الخاطئة أيضا على تجديد فيلزم فنائها كالدم ليقوم الروح القدس مقامها في إحياء الجسد. لأن الكفارة تستلزم سفك دما طاهرا تكفيرا عن دم مدنس بشوكة الخطية والموت.

     الجسد وحده هو الذى يحتاج لتجديد الحياة لأنه وحده الذى مات نتيجة موت الدم الذى هو نفس حية أو حيوانية بائدة. لهذا فإن التجديل هو بمنح الجسد قوة حياة جديدة غير تلك التي فنت بالخطية.

     أما الروح فليست كالجسد المائت حتى تحتاج لقوة حياة جديدة لإقامتها من الموت لأنها أصلا خلقت خالدة لا تفنى ولا تموت. لهذا فإن من يوجب حاجتها للتجديد كدم الخطية فهو كمن يطالب بفنائها كالدم. فهل هناك جنون أكثر من ذلك؟

     نقول هذا جدلا لأن دم الخطية والموت يورث. لأنه صنع من دم واحـد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ) لهذا جاز بدم واحد دم المسيح أن يكفر عن دم البشرية كلها لأنها دم واحد.

     أما الروح فيست جسدانية حتى تورث. لهذا فهى خلق جديد. فإن كفر المسيح بروحه الإنسانية عن روح آدم حسب معتقد نسطور فيلزم فناء الروحين معا, وهذا لن يفيد البشرية شيئا. اما إن كان الفداء بالدم فإنه بسفك دم الفادى الذى بلا عيب ولا دنس وموته عوضا عنا فإن كل من يقبل فداء المسيح  يشترك معه في  المعمودية التى هى شركة صلب وموت ( جسم خطايا البشرية ) وقيامة مع المسيح ( رومية 6 : 3 -8 ) ( كولوسى 2 : 11 - 13 ) بروح الحياة الذى فيه .

     لهذا كشف لنا الحق الكتابى تحديدا ما شاركنا به الكلمة في  تجسده من أجل خلاصنا بقوله على لسان بولس الرسول :

     " فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح البشر ) في  اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما لكى بموته يبطل الموت وسلطان إبليس ويخلص كل الذين كانوا مستعبدين لحكم الموت من سلطانه. لهذا لم يأخذ جسدا من الملائكة بل أخذه من نسل إبراهيم " ( " المسيح واحد " ف 4 ص 25 ).

     ورغم أن الكلمة شاركنا في  اللحم والدم إلا أنه لم يأخذ الدم مثلنا من زرع الرجل المدنس بالخطية وشوكة الموت. بل أخذ دما طاهرا بلا عيب ولا دنس كدم آدم قبل الخطية بعمل وقوة الروح القدس بدون زرع رجل لكى يكفر به عن دمائنا.

     من ذلك نرى أن أرواح البشر بسبب اشتراكها في  اللحم والدم المدنس بالخطية وشوكة الموت تشترك في  جسد الخطية والموت. رغم أنها كأرواح تخلق خلقا جديدا داخل أجسادها الأمر الذى أثبته زكريا النبى بقوله " يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض ومصور روح الإنسان في  داخله "( زكريا 12 : 1 ).

     من ذلك نرى أن إلوهيم يخلق أرواح البشر داخل أجسادها بالخلق ومن ثم فهى طاهرة ولكنها تمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ) بسبب اشتراكها في  جسد الخطية أى الجسد الحى بدم الخطية.

     أما المسيح فلكونه وحده الذى ولد بدون زرع بشر قيل أنه أخذ شبه جسد الخطية أما نحن فلأننا ورثنا دم الخطية فقد أخذنا جسد الخطية لهذا صرخ بولس الرسول قائلا: من ينقذنى من جسد هذا الموت ( رومية 7 : 24 ).

     فالخطية كائنة في  الدم ونرثها بالميلاد. لهذا قال داود النبى :

     ها أنذا بالإثم ولدت وبالخطية ( بزرع الرجل ) حبلت بى أمى ( مزمور 51 : 9 ).

     ويقول سليمان الحكيم " صورت جسدا في  جوف أمى .. وصنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

     من ذلك نرى أن الجسد مصدره بويضة الأم, والدم مصدره زرع الرجل. أما الروح فمصدرها إلوهيم الذى يخلقها داخل جسد الإنسان.

     والواقع أن هذا التعليم الكتابى كان معروفا في  الكنيسة الأولى حيث يقول القديس هيلارى عن جسد المسيح أن نفسه الحية أى دمه كان من صنع روح الكلمة وأن مادة الجسم هى وحدها التى أخذها من أمه. لكن مادة الجسم لا تأخذ شكلها البشرى إلا بفعل النفس الحية أى الدم [4] لهذا كان دم المسيح وحده هو الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ).

     هذا التعليم بأن دم المسيح هو وحده الذى بلا عيب ولا دنس يثبت أن الدم وحده هو المحتاج للتكفير عنه بدم المسيح وهو ما يهدم حجة من حجج النسطورية القائلة بضرورة أن يتخذ الكلمة روح إنسانية عاقلة حتى يخلص الإنسان كله جسدا وروحا.

     لأن المنطق النسطورى السقيم حتم أن يأخذ الكلمة الإنسان كله حتى يخلص لأنه إن أخذ الجسد وحده دون الروح العاقلة يكون قد ترك عنصرا هاما أى الروح دون خلاص ويكون بذلك قد فدى الحيوانات لا البشر.

     إلا أن هـذا التعليم يضاد المعتقد الأرثوذكسى الذى أثبته كيرلس عمود الدين بقوله " أن الجسد وحده هو الذى سقط فريسة الموت لهذا كان وحده أيضا المحتاج لأن يرفع حكم الموت عنه بالقيامة من الموت بأن يلبس عدم موت. أما الروح فلم تفقد خلودها " [5] فضلا عن كونها خلقا جديدا كما أوضحنا فأى خلاص تحتاجه إلا بإحياء جسدها الذى سقط تحت حكم الموت الأبدى.

    لهذا كان الجسد وحده هو الذى في  حاجة إلى قوة حياة جديدة تقيمه من الموت[6]. لهذا أخذ الكلمة جسدا مثلنا إنما بدم طاهر بلا عيب ولا دنس ليكفر به عن دمائنا ليبطل موتنا ويقيمنا بروحه المحيى فنتحول فيه إلى الجسد الروحانى أى المقام بروح قدسه الساكن فينا.

 

 

  

الفصل السادس

عقيدة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية في  طبيعة المسيح

أولا  :  بدعة ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى

     بعد حرم بدعة نسطور قام ثيؤدورت أسقف قورش ونادى ببدعة أخرى قوامها أن روح المسيح الإنسانية لم يكن لها عقل بشرى يشخصها منذ وجودها, وأن الكلمة قام بتشخيصها وتكميل جوهرها منذ وجودها, وبهذا صار في جسد المسيح شخص واحد هو شخص الكلمة المشخص والجامع للروحين الإلهية والإنسانية معا. 

   فتصدى أوطيخا لهذه البدعة فعقدوا له مجمعا في القسطنطينية وحرموه كمبتدع لقوله بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد, ونسبوا إليه من منظور بدعتهم الخاصة بشخص واحد بطبيعتين في المسيح. أنه بقوله : " بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد " فإن هذا معناه من وجهة نظرهم أن هذه الطبيعة الواحدة ابتلعت الطبيعة ( الروح ) الإنسانية ولاشتها كما تتلاشى نقطة خل في المحيط .

    فتم عقد مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية. حيث نظر قضية أوطيخا وثبت برائته مما نسبه إليه اقطاب النسطورية في مجمع فلابيانوس أسقف القسطنطينية, وثبتت نسطورية فلابيانوس وتبنيه بدعة ثيؤدورت اسقف قورش وتأمره مع اسقف انطاكية لتثبيت بدعة ثيؤدورت القائلة " بطبيعتين إلهية وإنسانية للكلمة المتأنس " باعتبار أن هذه الصيغة هى اعتراف ايمانهم الذين انكروا به قانون الإيمان الرسولى أو اعتراف الإيمان الرسولى الذى يفند الإعتراف الخلقيدونى.

    فكان أن حرم القديس ديوسقوروس اسقفي  القسطنطينية وأنطاكية وجميع  القائلين بهذه البدعة الأكثر جنونا من سابقتها في  مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية.

     فتأمر جميع أقطاب النسطورية ضد ديوسقوروس وأوطيخا وشكلوا مجمعا في  خلقيدونية سنة 451 حرموا فيه القديس ديوسقوروس مع أوطيخا وأثبتوا معتقدهم في  الطبيعتين الإلهية والإنسانية المشخصتين بأقنوم الكلمة. فجدد القديس ديوسقوروس حرمهم في  مجمع خلقيدونية.

 

     وفي  هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورش وهـو من أشهر أعلام النسطورية في  مؤلفه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقية الإيمان " ( خريسوستمس بابادوبولس " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 469 ) [7] ما نصه :

     نؤمن بمسيح واحد موحد بتوحيد الأقنوم المؤلف من طبيعة اللاهوت وطبيعة الناسوت الجامع لهما بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تحول ولا تغيير ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3  ف 5 ص 59 ).

      وأن أقنوم الكلمة ( عقل إلوهيم ) هو الذى أخذ طبيعة إنسانية ( أى روح إنسانية ) فضمها إليه فكان هو عقلها أى المشخص لها منذ أول لحظة من كيانها, ومعنى ذلك أن طبيعة المسيح البشرية تقوم بأقنوم الكلمة وإذ شخصها بالكلمة ألهها منذ لحظة وجودها.

     فعلى هذا الوجه من الإتحاد إتحد الكلمة ( اللوجوس ) بالطبيعة البشرية ( أى بالروح البشرية ) بشخص ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين الإلهية والناسوتية المشخصة بأقنوم أزلى ( أى أقنوم الكلمة ) بطبيعتين. فهو مسيح واحد بأقنوم واحد أزلى ( الجامع للطبيعتين ك 1  ق 3 ف 4 ص 56 ).

     فالكلمة أخذ إنسانا تاما بلا خطية فتأنس وأله الناسوت ( الإنسان ) من غير تغيير ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 7 ص 77 ).

     هذه العقيدة التي جادت بها قريحة ثيؤودورت اسقف قورش هى التي تم حرمها في مجمع أفسس الثانى وتجدد حرمها في مجمع خلقيدونية, والتي رغم أنها منافية للمنطق والحق الكتابى إلا أنها صارت المعتقد الرسمي للخلقيدونيين وفي  هذا يقول خريسوستمس بابادوبولس الأستاذ بجامعة أثينا شارحا المعتقد الخلقيدونى بقوله :

     إن روح المسيح الإنسانية هى الروح الوحيدة التى لم يكن لها عقل خاص بها أى لم تكن شخصا خاصا [8].

       وفي  ذات المعنى يقول الأب فرنسيس فرييه الخلقيدونى المذهب :

     أن طبيعة المسيح البشرية ( أى روحه الإنسانية ) هى الطبيعة الوحيدة التى ليس قيام بالذات ( أى ليس لها عقل بشرى خاص بها ) ولولا الوحى الإلهى لما استطعنا أن نعرف هذه الحقيقة [9].

     وهكذا صار ما جادت به قريحة ثيؤدورت المضطربة وحيا إلهيا لولاه - أى لولا ثيؤدورت - لما عرفوا أن للمسيح الإنسان المولود من مريم روح إنسانية غير عاقلة صار الكلمة عقلها والمشخص لها منذ وجودها ؟! وبهذا صار المسيح إنسانا متألها ( لأن روحه الإنسانية تشخصت بالكلمة الذى جعلها واحدا معه في  اللاهوت ) وإلها متأنسا ( بتشخيصه روح إنسانية وتصييرها روحه الخاصة ) وفي  جميع الأحوال يصير المسيح كائنا من أنصاف الآلهة المركبة من جزء إلهى وجزء إنسانى.

     هذا التعليم الذى نادى به ثيؤدورت أسقف قورش هو ذاته الذى أقره مجمع خلقيدونية الذى حرم نسطور بزعم أنه فصل بين الطبيعتين ولم يوحد بينهما بتوحيد الأقنوم الجامع لهما.

     والواقع أنه بصرف النظر عن تفسير كيفية الإتحاد بين الطبيعتين وبصرف النظر أيضا عن مدى عدم معقوليته أو قبوله بين أقطاب النسطورية أنفسهم فإن الإتحاد ذاته بين الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية هو جوهر النسطورية ومن هنا جاء اعتراف نسطور بقبول طومس لاون الذى يعترف فيه بحفظ التمييز بين الطبيعتين وقد اجتمعتا في  الأقنوم الواحد أى الشخص الواحد.

     فماذا نقول تعقيبا على ذلك ..؟!

     إن نسطور نفسه علم باتحاد الشخصين والروحين في  شخص المسيح الواحد.

     وجدير بالذكر أن ثيؤدورت نفسه رغم قوله أن روح المسيح الإنسانية كانت الوحيدة التى بلا شخصية منذ وجدت أثبت أنه كان لها شخصية منحاة بقوله :

     فكان إذا خلا العقل ( البشرى ) من الأفضل أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى.. فصار العقل البشرى مأوى للاهوت المخالط له ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 56 , 63 ).

    وهذا معناه ان احتجاب الكلمة وحلوله في  روح المسيح الإنسانية هو حلول تقمص واغتصاب وليس عن قبول أو وفاق ببرهان قول ثيؤدورت أن العقل البشرى كان ينغلب من الكلمة الذى يشخصه قهرا وغلبة, فكان إذا تركه الكلمة في  الألام ليتألم وحده يظهر سلطانه وفي  هذا يقول ثيؤدورت:

    هو الذى ترك ( أي الكلمة ) نفس ناسوته ( أى روحه الإنسانية العاقلة ) حين أرد من قبل أن يطعن جسده .. وهو الذى مات بناسوته المحتمل الموت بمفارقة نفسه ( روحه ) المخلوقة جسده المخلوق .. حتى رد لاهوته نفس ناسوته ( أى روحه الإنسانية ) إلى جسده فقام في  اليوم الثالث من الأموات " ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).

    أى أن قيامة المسيح كانت بروحه الإنسانية وليس بالروح القدس.

     لقد ترك الهراطقة صخرة الإيمان التى أسس الرب عليها كنيسته واخترعوا لأنفسهم ما يروه هم صوابا مبطلين الحق الكتابى بتعاليم غريبة مشوشة تضاد التعليم الأرثوذكسى والتقليد الرسولى.

     لأنه أين في  الأسفار المقدسة نجد صورة هذه التعاليم المشوشة عن التأنس واتحاد اللاهوت بالناسوت والاعتقاد بمسيح واحد موحد بتوحيد الأقنوم الجامع لللطبيعتين الإلهية والإنسانية  بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تحول ولا تغيير.

     هل يتفق هذا التشويش مع قول بولس الرسول :

     إذ قد تشارك الأولاد ( أرواح البشر ) في  اللحم والدم. اشترك هو أيضا فيهما لكى يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).  

     هل يفهم من هذا القول " اشترك في  اللحم والدم " أنه اتحد بإنسان أو أنه اتخذ جسدا تحييه نفسا إنسانية عاقلة حسبما يزعم النساطرة والخلقيدونيين.

     أم نفهم المشاركة هنا بمعنى اتخاذه الجسد المكون من لحم ودم الذى تشترك فيه البشرية ليصير باشتراكه في  مالنا أى في  الدم الذى هو علة حياة الجسد الحيوانى قابلا للموت مثلنا حتى بموته يبطل موتنا ويشركنا فيما له أى روحه المحيى لنحيا به.

    من ذلك نرى أن الإشتراك في  اللحم والدم هو تجسد وهو يضاد تعليم الإتحاد بين روحين لاهوتية وناسوتية كما يزعم الهراطقة الذين يرفضون كلمة " مشاركة " .

     كما أن الكتاب لم يستخدم كلمة اتحاد بل كلمة شركة بالقول إذ قد تشارك الأولاد في  اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما أى فيما يشتركون فيه أى في  الجسد المكون من لحم ودم ولم يقل أنه اشترك في  أحد الأولاد أو جعله واحدا مع لاهوته بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير إلى آخر مخترعات أصحاب الطبيعتين.

     وحتى إذا استخدم بولس الرسول التعبير " إتحد " باللحم والدم عوضا عن التعبير اشترك في  اللحم والدم فإن مفهوم التجسد لن يتغير بتغير الألفاظ المعبرة عنه.

     قياسا على ذلك نرى أن استخدام كلمة إتحاد بين طبيعتين عاقلتين يفرغ كلمة الإتحاد من مضمونها ويجعلها مجرد شركة حتى لو استخدمت كلمة اتحاد وقد تحققت تلك الشركة بحلول الروح القدس في  أجساد جميع المؤمنين بالمسيح لإقامة أجسادهم من الموت وبمتقضى هذا الحلول صرنا شركاء الطبيعة الإلهية في  الجسد.

     وهكذا صرنا جميعا واحدا في  المسيح لأن جميعنا نحيا بالروح الواحد أى روح المسيح المحيى الذى يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

     من ذلك نرى أن الإتحاد بين الطبيعتين هو شركة أو حلول في  إنسان نظيرنا.

     أما الإتحاد بين أقانيم الجوهر الواحد فهو اتحاد طبيعى وجوهرى إذ لا قيام للجوهر إلا به ولا قيام لأقنوم إلا بجوهره, والإتحاد الأقنومى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد حتى مع استخدام كلمة شركة إذ ينبغى أن نميز عقليا بين الوحدة الطبيعية بين أقانيم الذات الواحدة المشتركة في  جوهر واحد والوحدة بالمشاركة بين طبيعتين مختلفتين في  جسد واحد بهدف أن تمنح الطبيعة اللاهوتية لأجسادنا قوة حياة جديدة.

     هكذا نظر القديس كيرلس إلى بدعة الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين في  شخص المسيح التى ابتدعها نسطور على أنها مجرد شركة كالتى بين إلوهيم وجميع المؤمنين لأن الطبيعة الإنسانية يمتنع عقلا أن تشترك في  جوهر اللاهوت لأن هذه الشركة قاصرة على أقانيم الذات الإلهية ولو حدث واشتركت فيها جدلا فإننا نكون قد أحدثنا تشويشا في  جوهر اللاهوت الذى يصير مركبا من خالق ومخلوق وهو ما لا يمكن لعاقل ذى إدراك سليم أن يقول به.

     لهذا فإن قول نسطور بأن المسيح إنسان متحد بإلوهيم. هو تردى في  عبادة إنسان. لأن هذا الذى حسب نسطور يجلس مع إلوهيم في  مجد اللاهوت لن يكون سوى مثال للإستعلاء والتعدى الإنسانى بتقبل عبادة لا تخصه إذ هو مخلوق مثلنا ( المسيح واحد ف 7 ص 39 ) وهذا ممتنع نقلا وعقلا لأن الرب نفسه يقول :

     " للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " ( لوقا 4 : 8 ) وأيضا : " أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر " ( إشعياء 42 : 8 ) " وكرامتي لا أعطيها لآخر " ( إشعياء 48 : 11 ). 

     وأما مقولة أن الإتحاد هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير فهى من مخترعات نسطور التى ابتدعها لإثبات تميز الطبيعتان العاقلتان في  المسيح وأن كل طبيعة قائمة بأقنومها العقلى الخاص بها.

     هذه المقولة التى ما زال الخلقيدونيين يتمسكون بها ظاهريا حتى الآن هى بلا مضمون لأن طبيعة المسيح الإنسانية لحقها التغيير إذ صارت مشخصة بالكلمة الذى أبطل عقلها البشرى وقام مقامه, وبالتالى لم يعد في  المسيح طبيعتين عاقلتين حسب نسطور بل طبيعتين مشخصتين بأقنوم الكلمة ( أى عقل إلوهيم ).

     وبذلك أحدث ثيؤدورت تشويشا في  الجوهرين الإلهى والإنسانى بإضافة أقنوم الكلمة للجوهر البشرى وإضافة اقنوم الروح الإنسانية للجوهر الإلهى , وبهذا صار الكلمة عقلا لروح إنسانية يستمد حياته منها. والواقع أن هذه الأقوال هى نتاج تأثرهم بعلم الأساطير اليونانية عن أنصاف الآلهة وهى بدعة تضاد الحق الكتابى المعلن بأن المسيح يسوع هو هو أمس واليوم وإلى الأبد, أى لم يلحقه أى تغيير من الآزل ولن يلحقه إلى الأبد.

     والواقع أن حرومات القديس كيرلس ضد النسطورية منصبة على فكرة اتحاد الكلمة بانسان بصرف النظر عن كيفية المرفوضة على كل وجه .

     لهذا هاجم ثيؤدورت القديس كيرلس بقوله :

     أن كيرلس في  الحرم الأول أبطل التدبير الذى صار لأجلنا معلما أن إلوهيم لم يأخذ طبيعة بشرية ( أى روح إنسانية ) لكنه صار جسدا ( سويريوس يعقوب توما " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية " ص 81 ) .

     وفي  عظة ألقاها ثيؤدورت بكنيسة أنطاكية قال : " إن إلوهيم اتخذ إنسانا ولئن أبى بعضهم " ( " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية "  ص 83 ).

     كما وضع ثيؤدورت مؤلفا بعنوان " دفاع الأسقف ثيؤدورت عن ديودورس وثيؤدورس ( معلمى نسطور ) المجاهدين في  سبيل الإيمان القويم " جاء فيه :

     إن كتاب كيرلس ضد ديودورس كله على هذا النمط  : " إنه لم يأخذ إنسانا لكن هو صار إنسانا. لم يتدبر في  الإنسان بل تدبر جسديا. إن الوحيد نفسه تجسد وذاق الموت[10] ".

     أما لاون فقد امتدحه ثيؤدورت في  رسالة له برقم 113 جاء فيه قوله :

     إن ما كتبتموه وحده يكفي  للدلالة على طبعكم الرسولى. أجل لقـد قرأنا ما كتبتموه بخصوص تجسد إلهنا ومخلصنا وأعجبنا بدقة تعابيره فإنكم قد أوضحتم الطبيعتين معا الابن الوحيد المولود من الآب الأزلى بحسب لاهوته, وطبيعته البشرية التى هى من نسل داود وابراهيم, وأعلنتم أيضا أن هذه الطبيعة المتخذة هى مماثلة لطبيعتنا في  كل شىء ولا تختلف عنها سوى أنها بقيت منزهة عن كل خطية لأن الخطية لا تصدر عن الطبيعة بل عن الإرادة الحرة, وتوضح كتاباتكم أيضا أن ابن إلوهيم الوحيد هو واحد وأن لاهوته لا ينفعل .. ولهذا السبب قد اتخذ الطبيعة المنفعلة .. هذه هى التعاليم التى مع ما يماثلها نجدها في  كتاباتكم ( ثيؤدورت " تاريخ أصفياء إلوهيم " رسالة رقم 113 ص 10 - 13 ).

 

ثانيا : بدعة مجمع خلقيدونية في طبيعة المسيح هي عين بدعة ثيؤدورت

     المحقق أن عقيدة مجمع خلقيدونية في طبيعة المسيح مستمدة وقائمة على اساس البدعة التى ابتدعها ثيؤدورت أسقف قورش في وأثبتها في مؤلفه الجامع للطبيعتين والمنشور حاليا تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى حال انه يثبت فيه بدعته التى حرمها القديس ديوسقوروس حامى الإيمان في  مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية وجدد حرم القائلين بها في  مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية وهى البدعة التى ابتدعها ونشرها بمؤلفه سالف الذكر بالقول بأن الكلمة الخالق خالط الطبيعة البشرية بقوام واحد هو قوام أبن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين كلتيهما الإلهية والناسوتية فهو مسيح واحد بشخص واحد هو شخص اللكمة الجامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا فرقة  ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 52 -53 ).

    ترتب على نشر هذا الكتاب تجدد الصراع بين الأرثوذكسية والنسطورية ممثلة في الصراع بين ثيؤدورت أسقف قورش وأوطيخا رفيق القديس كيرلس في مجمع أفسس الأول والأمين على مقررات المجمع.

     فأصدر ثيؤدورت أسقف قورش مؤلفا بعنوان الشحاذ أو المتسول هاجم فيه عقيدة اوطيخا باعتباره المتسول لإنكاره بدعة ثيؤدورت بأن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت إنسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة وأن ابن إلوهيم حل وسكن روح هذا الإنسان من البطن وجعلها له حجابا, وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد حجابا لما هو الطف منه .. وان الكلمة كمل جوهر الروح الإنسانية بتشخيصها .. فصار قوام الكلمة هو الجامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 -52 ) بالمخالفة للحق الكتابى بأن إلوهيم أرسل ابنه مولودا من امرأة ، مولودا تحت الناموس, ليفتدي الذين تحت الناموس ، لننال التبني ( غلاطية 4 : 4 ).

   وقد أعتقد لاون أسقف روما أن الخلاف بين أوطيخا وثيؤدورت كما صوره له ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى بأنه خلاف حول كيفية الإتحاد بين الطبيعتين وأن اوطيخا يقول بأنه كان للمسيح قبل الإتحاد طبيعتين وبعد الإتحاد صارت له طبيعة واحدة إلهية وهذا معناه أن الطبيعة الإلهية  ابتلعت الطبيعة الإنسانية. بحيث صار في  المسيح بعد الإتحاد طبيعة  واحدة إلهية.

    لهذا جاء في  طومس لاون أسقف روما ما نصه :

    إنكم عند فحصكم أوطيخا سألتموه فأجاب " إنى اعترف بأن الرب كان ذا طبيعتين قبل الإتحاد ولكنى اعترف بطبيعة واحدة بعد الإتحاد. ثم يستطرد قائلا أنه من الإرجاف المزعج القول بأن الكلمة منذ صار جسدا لم يكن فيه إلا طبيعة ( روح ) واحدة " [11] .

     مما تقدم يتضح أن ما نسبه لاون لأوطيخا قائم على إدعاءات خصومه المغرضة الذين نسبوا إليه مفهومهم للطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد من منظور معتقدهم بالإثنينية, وهو ما أثبته كاتب فلابيانوس بقوله :

     " أن أوطيخا لم يقل اثنين لمن هم اثنان بل هو يسجد لطبيعة واحدة للإله المتجسد ".

     وبالجلسة السابعة في  مجمع فلابيانوس المنعقد سنة 448 ميلادية أقر أوطيخا بأنه:

     " يعترف بالمسيح كلمة إلوهيم في  طبيعة واحدة إلهية " ( مجمع خلقيدونية بالعربية ص 28 - 33 ) ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ).

     أما برهاننا القاطع على براءة أوطيخا من القول بطبيعة واحـدة من طبيعتين, وأن الطبيعة الإلهية ابتلعت الإنسانية وهو ما يلصقه به خصومه الذين حفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد. فهو ما قرره كاتب فلابيانوس بقوله :

     " أن أوطيخا قال : حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان "  ص 87 ).

     والواقع أنه رغم المحاولات الدائبة من جانب أقطاب النسطورية لطمس وتشويه الأقوال الأرثوذكسية أينما وجدت فقد جاء في  طومس لاون أسقف روما ما يثبت هرطقته وبرائة أوطيخا مما هو منسوب إليه لرفضه الإقرار بمعتقدهم في  أن الابن بطبيعتين بما نصه :

     إن أوطيخا يجب أن يعتبر أنه لم يدرك سر هذا الإيمان لأنه لا يعترف بأن طبيعتنا ( الروح الإنسانية ) موجودة في  ابن إلوهيم الوحيد أما بواسطة صنعة الموت ( أى ببرهان طريقة الموت الذى يتحقق حسب نسطور بخروج الروح الإنسانية من الجسد وهذه النقطة هى أساس القول بوجود روحين في  المسيح لدى النساطرة ) أو بواسطة مجد القيامة ( أى ببرهان عودة الروح الإنسانية للجسد المائت لتقيمه من الموت في  اليوم الثالث بحسب المفهوم النسطورى )[12].  

      إن معتقد لاون بأن موت الإنسان لا يتحقق إلا بخروج الروح الإنسانية من الجسد, وأن قيامة الجسد لا تتحقق إلا بعودتها إليه. هى علة ترديه في  النسطورية. بل رأى في  ضرورة وجود هذه الروح الإنسانية لأجل تحقيق هذين الأمرين بالذات أى الموت والقيامة برهان صحة إيمانه.

    والواقع أن رسالة لاون ناطقة بالضلال والجهل بالحق الكتابى وبماهية الموت ومجد القيامة الحقيقية التى لا يمكن ان تتحقق بروح انسانية تقبض من جسد الموت كسائر أرواح البشر.

     أيا كان الأمر فإن القديس ديوسقوروس لم يقبل هذا الطومس في  خلقيدونية. لأنه ما إن قرأه ووجد فيه بدعة ثيؤدورت ( القائل بأن أقنوم الكلمة جامع للطبيعتين ) حتى وقع بحرمه مع صاحبه ( أى لاون أسقف روما ) ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 146 ).  

     أما المجتمعون في  خلقيدونية فقبلوا هذا الطومس وانتهوا بناء عليه إلى إقرار النسطورية بالقول بأن المسيح هو إله تام وإنسان تام. مولود بحسب اللاهوت من الآب وبحسب الناسوت ( الإنسان ) من مريم.

     وأن أقنوم الابن الوحيد يجب الاعتراف به أنه بطبيعتين متحدتين معا. بدون اختلاط ولا تغيير ولا انفصال. لأن الإتحاد لم يبطل اختلاف الطبيعتين[13].

     وخلاصة تعليم الإتحاد بين إلوهيم وإنسان بحسب معتقد ثيؤدورت هو أن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وشخصها وصيرها روحه الخاصة المشخصة لجسد الإنسان يسوع المسيح.

     وهكذا قبل الخلقيدونيين معتقد نسطور في  الطبيعتين المتميزتين إلا أنهم خالفوه في  قوله بأقنومين متحدين في  شخص المسيح الواحد, بقولهم بأقنوم واحد إلهى بطبيعتين متميزتين لاهوتية وناسوتية بعد الإتحاد. فصار هذا التعليم أكثر تشويشا لطبيعة المسيح بجعلها طبيعـة إنسانية مشخصة بعقل إلهى, فصارت هذه البدعة بحق هى عنوان الجنون ورأس البدع القائمة على التركيب والتغيير في  الجواهر العاقة.

     لأنه أين في  الأسفار المقدسة نجد مثل هذا التعليم المشوش بأن أقنوم الكلمة يجب الاعتراف به أنه بطبيعتين أى روحين بعد الإتحاد, وهو ما يعنى أن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة, وهى بدعة أقل ما يقال عنها أنها من تأثير الأساطير اليونانية وهى اساطير وخرافات هى نتاج ذهن مضطرب عاطل تماما عن الإدراك السليم والفهم المنطقى والذى يترتب على الأخذ بها نتائج غير منطقية لأن القول بأن الكلمة شخص الروح الإنسانية معناه أنه ابتلع العقل البشرى ولا شاه . لأن الروح إنما تدرك وجودها بعقلها فإن بطل عقلها بطل وجودها سواء كان هذا الإبطال بالملاشاة أو التنحية. فضلا عن أن الجواهر الروحية العاقلة ليست عناصر مادية تقبل الخلطة والإمتزاج والتركيب بل هى جواهر بسيطة غير مركبة وكاملة في  ذاتها ولا تقبل اضافة أو نقصان, فإن كان الآب أزلى هكذا يكون ابنه وإن كان مخلوقا هكذا يكون المولود منه أيضا. 

     والواقع أن قبول تعليم الاختلاط بين جوهرين عاقلين هو من سفه العقل المجرد من النعمة إذ من البديهيات أن أى طبيعة عاقلة لا يمكن أن تقوم إلا بعقلها الخاص. فإن بطل عقلها بطل وجودها. فإن قالوا أن الكلمة قام مقام العقل في  الروح الإنسانية فيكون قد أبتلع ليس عقلها فقط بل وجودها ذاته, وبذلك يكونوا قد سقطوا في  ذات البدعة المنسوبة لأوطيخا وأوطيخا منها برىء.

 وايضا فإن اعترافهم بأن للمسيح روح إنسانية مشخصة بالكلمة بعد الإتحاد المزعوم يقدمهم لعبادة كائن اسطورى من أنصاف الآلهة المركبة من خالق ومخلوق, وبهذا يحولون سر التقوى العظيم إلى عبادة كائن خرافي  من أنصاف الآلهة.

     أما قولهم بأن الإتحاد لم يبطل اختلاف الطبيعتين فهو ردة للنسطورية القائلة بأن الطبيعتين في  المسيح لم يلحقهما أى تغيير وأن كل طبيعة قائمة بأقنوم العقل الخاص بها وهو ما يضاد معتقدهم بأقنوم واحد إلهى بطبيعتين .

      والواقع أن العروج بين رأى ثيؤدورت ورأى نسطور في  كيفية الإتحاد ما يدل على ذهن مشوش غير قادر على إدراك المتناقضات بينهما وأنه يستحيل القول بهما معا لأن مسيح نسطور هو إنسان نظيرنا أما مسيح ثيؤدورت فمن أنصاف الآلهة الأسطورية. 

     وهم إلى اليوم لا يستطيعون أن يحددوا كيفية الإتحاد بين الطبيعتين هل هو حسب نسطور أم حسب ثيؤدورت لأن الأول يميز بين الشخصين والثانى يبطل الشخصية الإنسانية.

     لهذا نراهم يعرجون بين الرأيين فحيثما ذكرت الآلام والصلب والموت الذى يتحقق بخروج الروح الإنسانية من الجسد الذى كان إلوهيم متحدا به أو القيامة التى تتحقق بعودة الروح الإنسانية إليه فتقيمه من بين الأموات حسب تصورهم فإنهم عندئذ يقولون برأى نسطور القائل بروحين متميزتين في  المسيح لكل أقنومها العقلى الخاص بها. لأن الأخذ بمعتقد ثيؤدورت المشخص لروح المسيح الإنسانية بأقنوم العقل الإلهى في  هذه الحالة يجعل الآلام تقع على عقل إلوهيم نفسه لا على العقل البشرى.

     أما إن ذكرت الأمور المتعلقة بوحدة الشخص والأقنوم في  المسيح فإنهم عندئذ يقولون برأى ثيؤدورت.   

     وكلا الرأيين ظاهر الفساد فالأول يرديهم في  شنيعة عبادة إنسان مخلوق أما الثانى فيرديهم في  هرطقة عبادة كائن خرافي  من أنصاف الآلهة.

     أيا كان الأمر فقد تم حرم عقيدة نسطور في  مجمع أفسس الأول, واما عقيدة ثيؤدورت فقد حرمت في  مجمع افسس الثانى وتجدد حرمها في  مجمع خلقيدونية مع جميع القائلين بها .

     إن جنون النسطورية وأنصار خلقيدونية يفوق كل حد وكل  تصور إذ هم لا يدركون أن ما انتهوا إليه من نتائج غير منطقية سببه أنها بنيت على مقدمات خاطئة وضعوا بها أنفسهم خارج نطاق الإدراك السليم ومع ذلك لم يدركوا الكفر العظيم الذى وضعوا أنفسهم فيه ولا الخطر المحدق بهم لأنهم لا يفهمون ما يقولونه ولا ما يقررونه. 

    إذ كيف لا يدركون أن الطبائع العاقلة كاملة في  ذاتها وتأبى التركيب والإتحاد  التشخيصى بغيرها من الطبائع العاقلة ولو كانت من ذات جنسها. لأن روح كل كائن وعقله محمولان على وجود واحد يدوران معه وجودا وعدما.

     فإن كان القول بالإتحاد التركيبى بين الطبائع المخلوقة لا يمكن أن يقول به عاقل صحيح الإدراك. فكيف ننسبه إلى الطبيعة الإلهية كلية الكمال ونجعلها مركبة من أزلى ولا أزلى.

     هذا التعليم بأن للمسيح طبيعة مركبة هو الذى أقره المجتمعون في  خلقيدونية في  جلستهم الخامسة بقولهم :

     إن ربنا يسوع المسيح يجب الاعتراف به أنه إله حق وإنسان حق بنفس عاقلة وجسد, وأن يسوع المسيح الابن الوحيد ( الكلمة ) يجب الاعتراف به أنه بطبيعتين متحدتين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

     وهكذا جمع الخلقيدونيين بين معتقد نسطور ومعتقد ثيؤدورت في  اعتراف واحد. رغم استحالة التوفيق بينهما. لأنه كيف يشخص الكلمة الروح الإنسانية في الوقت الذى تحتفظ به بعقلها الخاص الذى هو مصدر شخصيتها, وهذه عين بدعة نسطور القائل العقلين اتحدا في شخص الإتحاد دون أن يبطل أحدهما الآخر فإن أبطله كما يزعم الخلقيدونيين فيكون قد ابتلعه ولاشاه ولا وسطية.    




الفصل السابع

عقيدة ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى

 في  طبيعة المسيح

 أصل بدعة يعقوب البرادعى

      أقيم ساويرس الأنطاكى بطريركا على أنطاكية على معتقد مجمع خلقيدونية بأن في  المسيح طبيعتين إلهية وإنسانية مشخصتين بالكلمة الجامع لهما معا , إلا أن ساويرس الأنطاكى عقد في  العام التالى مجمعا أعلن فيه أن المسيح ليس بطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية بل بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) فتم عزله من منصبه ونفيه.

     ثم بعد وفاة ساويرس الأنطاكى خالف البرادعى تعليم ساويرس الأنطاكى القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة الموحدة من طبيعتين في المسيح حيث رأى عدم منطقية عدم امتزاج الشخصين في حين امتزجت الطبيعتين , فنادى بامتزاج الشخصين والروحين ( أي الطبيعتين العاقلتين ) بحيث نشأ جوهر جديد من الجوهرين هو الجوهر الخاص بالمسيح.

    ومحصلة بدعة يعقوب البرادعى بحسب ظاهر أقواله هو أن الجوهر الجديد عدم الجوهرين الإنسانى والإلهى معا حيث نشأ جوهر جديد من الجوهرين لا يصح ان يقال عنه أنه جوهر إله ولا جوهر إنسان ولا هما معا بل هو جوهر الشخص المسمى المسيح.

     إلا أنه كنسطورى ختم مقولته بالختم الذى يختم به النساطرة مقولاتهم : " بأن الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير " فينسخون بهذه الجملة الواحدة مئات الصفحات التي ملئوها بتراهاتهم عن الإتحاد والإختلاط والإمتزاج بين جوهر الخالق وجوهر المخلوق وملاشاة اقنوم لأخر والحلول مكانه في  تشخيص الروح الإنسانية أو الممتزجة إلى آخر ما يرددونه من خرافات قائمة على المزج والخلط بين الجواهر الروحانية العاقلة ( فيزيس ) وكأنها عناصر جسدانية مادية ( فيزيق ) لأن هذه الجملة الواحدة تهدم كافة معتقداتهم عن الأختلاط والإمتزاج بين الطبيعتين العاقلتين لأنها تعنى ببساطة أن الطبيعتين العاقلتين كل قائمة بعقلها الخاص وأنهم يشتركون في وحدة اسم المسيح, وهذا معتقد نسطور.

       أيا كان الأمر فقد انعقد مجمع في القسطنطينية سنة 553 ميلادية أوقع الحرم في القانون الثامن منه على من ينادى بتعاليم ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى الظاهرة والباطنة بالقول ما موجزه :

      كل من يستعمل العبارة : طبيعة موحدة من طبيعتين للكلمة المتجسد .. ولا يعنى بذلك أن أقنوم الكلمة وحد الطبيعتين ( الروحين ) في شخصه ( حسب معتقد مجمع خلقيدونية ) ولكنه يعنى بالطبيعة الموحدة امتزاج الطبيعتين الإلهية والإنسانية في طبيعة جديدة ( حسب بدعة ساويرس الإنطاكى القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة من طبيعتين ) ليكن محروما, وكذلك كل من يقول بشخصين ( حسب نسطور ) وكذا كل من يقول بطبيعة موحدة مختلطة أو ممتزجة من الطبيعتين ( حسب يعقوب البرادعى الذى عنى بالطبيعة الجوهر كاملا ) فليكن محروما (  " مجموعة الشرع الكنسى " القانون رقم 8  ص 469 ).

      رأى  يعقوب البرادعى أن لا فرق بين القول طبيعة من طبيعتين أو ابن من أبنين لأنه يعنى بهما أن المسيح جوهر من جوهرين.

    وبناء عليه أقام يعقوب البرادعى بدعته على أساس أن المسيح جوهر من جوهرين, وأقنوم من أقنومين ( ابن كمونة " تنقيح الأبحاث للملل الثلاث " ص 56 ). 

        وفي  هذا يقول العلامة ابن المكين :

    أن الابن الأزلى اتحد ( الصواب إئتلف ) بالابن الزمنى وصار هذا الاتحاد شيئا واحدا في  الموضوع,  وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد, وهو حقيقة ثالثة لا يصح عليها أنها إنسانية فقط ولا إلهية فقط ولا هو غير كل من الإله والإنسان.. لذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين ( ابن المكين " الحاوى " ص 45 ).

     وهذا معناه أن الجوهرين بالإئتلاف عدما بعضهما البعض, وبهذا يصبح مصطلح الإله المتأنس مجرد من معناه. إذ ليس فيه إله متأنس بإنسان بل كائن هو مزيج من جوهرين أو شخصين لا جنس له ليس إلها ولا إنسانا ولا هما معا .

     واضح أن البون شاسع بين المصطلحين لأن مصطلح الإله المتأنس يختلف عن  مصطلح أن في  المسيح طبيعة من طبيعتين الذى يدل على انها طبيعة جديدة ممتزجة   تجمع خواص وصفات الطبيعتين الإلهية والإنسانية معا دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا بما يعنى أنها عدمت الطبيعتين معا ونشأت طبيعة جديدة هى الطبيعة الخاصة بالمسيح حسب معتقدهم.

      ولسبب استخدام أصحاب الطبيعة من طبيعتين لمصطلح الطبيعة الواحدة والتى يعنون بها انها طبيعة واحدة من طبيعتين تجمع صفات الطبيعتين بما يعنى أن الطبيعتين امتزجتا معا في  طبيعة ثالثة ليست أيا منهما على حدة أو معا , أن اعتقد بعض مؤرخى الكنيسة أن أتباع ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى أوطاخيين لقولهم بأن في  المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين. فاعتقدوا بأن هذه الطبيعة الواحدة إلهية وهذا معناه أنها ابتلعت الطبيعة الإنسانية , في حين أن اليعاقبة لا يقولون بطبيعة واحدة إلهية, بل بطبيعة من طبيعتين, أي بطبيعة ممتزجة تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة  أو معا, بما يعنى أنها طبيعة لا جنس لها.

      كما أن مصطلح الطبيعة الواحدة دون تحديد جنسيتها يقصد به الطبيعة العاقلة وهي طبيعة بسيطة لا تختلط ولا تمتزج بغيرها , ولا يقول بالإمتزاج والإختلاط بين الجواهر العاقلة إلا كل من اسلمه إلوهيم إلى ذهن مرفوض يتعلم كل حين ولا يستطيع أن يأتى إلى معرفة الحق أبدا.

    ومن ثم فإن إقرار أوطيخا بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد يفند البدعة المنسوبة إليه بأن أحدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى, إذ لم يقل بطبيعة إلهية من طبيعتين, بل قال قولته الشهيرة  : حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين.

        وهى المقولة التى تنسف إتهاماتهم الباطلة له نسفا.

     والواقع أن تحقيق قضية أوطيخا يثبت بما لا يدع مجالا للشك رفضه الإقرار بأن المسيح طبيعة من طبيعتين في  حين يعترف بها الأنطاكيين واليعاقبة, فضلا عن تمسكه بصورة التعليم الصحيح بأن للمسيح الكلمة المتجسد طبيعة واحدة إلهية, ورفضه القول بأن ربنا من طبيعتين, في  حين يقول اليعاقبة بأن المسيح طبيعة من طبيعتين, وأن روح المسيح حقيقة ثالثة ليست إلهية ( حسب أوطيخا ) وليست إنسانية ولا هما معا ( حسب خلقيدونية ) بل هى روح أى طبيعة من طبيعتين دون تحديد جنسيتها إذ لا جنس لها. 

       مما تقدم يتضح أن اليعاقبة لا يقولون بطبيعة واحدة إلهية. بل بطبيعة من طبيعتين تجمع خواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهم على حدة أو معا, بل هي طبيعة فريدة في جنسها مشخصة بالكلمة بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ومشخصة بابن من ابنين هو الشخص المسمى يسوع المسيح بحسب معتقد البرادعى.

      والواقع أن اصحاب الطبيعة الممتزجة من طبيعتين ليسوا من أصحاب الطبيعة الواحدة كما يروج أصحابها بل من اصحاب الطبيعتين, وهذا ما أثبته نيافة الأنبا غريغوريوس بقوله ما نصه:

     ولا يعتذر أصحاب الطبيعتين عن تعبير الطبيعة الواحدة بزعم أن القول : بطبيعة واحدة لها صفات الطبيعتين, معناه القول بطبيعة ثالثة. كلا فنحن ننكر القول بطبيعة ثالثة. لأن هذا القول يتضمن الاعتقاد بالامتزاج والاختلاط, ولكننا نؤكد أن هناك أمرا جديدا قد نجم عن الاتحاد لم يكن حادثا من قبل هو لقب الإله المتأنس أو هو لقب السيد المسيح. فهذا اللقب الجديد لا يصح إطلاقه على الكلمة قبل التجسد بل هو اللقب الذى عرف به منذ يوم التجسد فقط ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 146 ).

     كيف يكون من أصحاب الطبيعتين ويقول بالطبيعة الواحدة؟ وإن كانت الطبيعة الواحدة لهذا صفات الطبيعتين فهى طبيعة ممتزجة من طبيعتين وليست طبيعة واحدة بسيطة .

    وهى مغالطة لأن مصطلح الطبيعة الواحدة دون ذكر " من طبيعتين " يعنى طبيعة واحدة بسيطة غير مختلطة ولا ممتزجة بغيرها, وهو غير مصطلح الطبيعة من طبيعتين والتى تعنى طبيعة ممتزجة من طبيعتين ( رغم استحالة ذلك ) ومن ثم لا يجوز القول بانه من أصحاب الطبيعة الواحدة وهو يبطن الطبيعة الممتزجة من طبيعتين والتى تعنى أن هذا الطبيعة الواحدة هى مزيج يجمع خواص وصفات الطبيعتين دون أن تكون هذه الطبيعة الجديدة إنسانية ولا إلهية ولا هما معا .

     هذه الطبيعة الجديدة نشأت عن الإمتزاج بين الطبيعتين مكونة طبيعة واحدة جديدة من الطبيعتين لم تكن موجودة من قبل هى طبيعة المسيح حسب معتقد أصحاب الطبيعة من طبيعتين , وهى ليست انسانية ولا إلهية ولا هما معا, لهذا اختزل نيافته القضية في  تسمية الطبيعة الجديدة بأنها خاصة بالمسيح دون تحديد جنسيتها, وهذا معناه أن الطبيعتين بالإمتزاج لاشيا بعضهم البعض. الأمر الذى ينكره نيافته بالقول كلا فنحن ننكر القول بطبيعة ثالثة. لأن هذا القول يتضمن الاعتقاد بالامتزاج , أى أنه ينكر امتزاج الطبيعتين رغم إقراره بانها تجمع صفات الطبيعتين بما يقوم برهانا على أنها طبيعة ممتزجة من اثنين.

     والواقع أ،ه إن تم تحديد جنسيتها بأنها إلهية فهذا معناه أن الطبيعة الإلهية ابتعلت الطبيعة الإنسانية والعكس صحيح , وإن قالوا أن الطبيعتين لم يمتزجا في  طبيعة واحدة لها صفات الطبيعتين لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير فالطبيعتين لم يمتزجا وهما قائمتين معا كل بعقلها الخاص وهذا معتقد نسطور. وإن تشخصا بالكلمة فهذا معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, وإن قالوا مقولتهم بطبيعة واحدة من الطبيعتين لها صفات الطبيعتين فقد عدموا كل من الإله والإنسان معا, وبهذا يكون هذا المذهب هو اكثر المذاهب النسطورية تطرفا .

      والواقع أنه لا يكفي  لأى عالم لاهوتى أن ينفي  وجود طبيعة ثالثة أو ينفي  الإمتزاج ويثبته بالقول بطبيعة واحدة من طبيعتين تجمع صفات الطبيعتين ( وهذا برهان امتزاجهما ) ثم يختزل هذا الإمتزاج في  اللقب الذى تسمى به هذه الطبيعة الجديدة الممتزجة من الطبيعتين دون بيان جنسيتها هل هى طبيعة جديدة تجمع صفات الطبيعتين لا جنس لها, أم أنها طبيعة إلهية أم إنسانية أم هما معا,  أما إختزالها في  اسم المسيح أو لقب " الإله المتأنس " فهذا معتقد نسطور القائل بأن السيد المسيح انسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بها دون أن يبطل عقلها الخاص. لهذا فإن في  السيد المسيح حسب نسطور طبيعتين عاقلتين كل قائمة بعقلها الخاص لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

     وبعبارة أخرى أنه وفقا لهذا اللقب فلا توجد طبيعة واحدة ممتزجة من طبيعتين, بل طبيعتين قائمتين كل بعقلها الخاص في  الإله المتأنس المكون من الإنسان يسوع المسيح والكلمة الذى صار يسمى بالمسيح بعد تأنسه بهذا الإنسان بحسب نسطور, وهذا معناه وجود مسيحان, الأول الإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة, والثانى الكلمة الذى لم يعرف بهذا الإسم إلا منذ تأنسه بالإنسان يسوع المسيح .

    وهذا يتعارض مع قوله بأن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين تجمع صفات الطبيعتن الإلهية والإنسانية, لا يصح أن يقال عنها أنها إلهية ولا انسانية ولا هما معا بل هى الطبيعة الخاصة بالمسيح  وهى طبيعة مشخصة بالكلمة بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى, ومشخصة بابن من ابنين بحسب معتقد يعقوب البرادعى .

     والواقع أن قول نيافته بأن لقب السيد المسيح لقب جديد لا يصح إطلاقه على الكلمة قبل التجسد فإنه بصرف النظر عن أن هذا القول يعنى وجود مسيحين وابنين في  المسيح فهو مردود بأن المسيح الكلمة مسح مسيحا منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 24 ) بروحه الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) لهذا عرف باسم المسيح قبل تأسيس العالم ( بطرس الأولى 3 : 19 -20 ) لأن يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) لهذا قيل عن اسم يسوع المسيح بأنه : الذى إذ كان - أى منذ الأزل - في  صورة إلوهيم .. أخلى نفسه ( أى أخفي  مجده ) ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) وهذا معناه أن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم الذى جاء وظهر في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     وقد فند القديس كيرلس عمود الدين تعاليم أصحاب الطبيعتين المضاد للحق الكتابى مثبتا أن اسم يسوع المسيح هو اسم ابن إلوهيم أى أنه اسم الآب نفسه, وختم رده على القائلين بأمثال هذه الضلالات بالقول " تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة إلوهيم ".[14]

     ويقول الأنبا غريغوريوس في  سياق تفنيده لمعتقدات خلقيدونية ما نصه:

     إن الكنائس الأرثوذكسية لا تعترف بطبيعتين متحدتين في  أقنوم الكلمة وفقا لإقرار الإيمان الخلقيدونى وأن هذه الأقوال هى بدعة نسطور. كما تنكر الكنائس الأرثوذكسية على أصحاب الطبيعتين قولهم: بأن المسيح إله كامل وإنسان كامل معا لأن هذا التعبير يسلم إلى القول بشخصين أو أقنومين في  السيد المسيح ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 144 ).

     وقد فسر نيافته كيفية الإتحاد بين الكلمة والإنسان بما يتفق والمعتقد اليعقوبى بقوله :

     ينادى الأرثوذكسيين بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت في  أقنوم واحد ( أقنوم الكلمة ) وطبيعة واحدة ( روح واحدة ) جمعت بين صفات وخصائص اللاهوت والناسوت معا. على أن مركز الشخصية في  الكلمة الذى صار إنسانا هو في  اللاهوت. لأن الناسوت غير مشخص[15].

     وواضح أنه يقصد بالناسوت غير المشخص الروح الإنسانية قبل أن تمتزج بالطبيعة الإلهية ويصيروا طبيعة ممتزجة مشخصة بالكلمة.

     وهذا معتقد ساويرس الأنطاكى الذى اخذ بدعة الناسوت غير المشخص من الخلقيدونيين وخالفهم بالقول بأن الطبيعتين إئتلفتا في  طبيعة واحدة مشخصة بالكلمة.

      ثم جاء البرادعى وراى عدم منطقية أن تمتزج الطبيعتين ولا يمتزج الأقنومين بأن يبتلع اقنوم الكلمة أقنوم العقل البشرى ويلاشيه, فقال بإمتزاج الطبيعتين والأقنومين  بالقول طبيعة من طبيعتين واقنوم من اقنومين في  المسيح.

     ويقول القمص تادرس يعقوب ملطى:

    إننا لا نؤمن بطبيعة احدة لاهوتية للسيد المسيح, وإنما بطبيعة واحدة متحدة من طبيعتين ( الإصطلاحان " طبيعة "  و " أقنوم "  ص 26 )

     ويقول القمص تادرس يعقوب ملطى تحت عنوان الميا فيزيس وميلاد المسيح ما نصه :

     لنسأل أنفسنا من الذى ولد من العذراء مريم؟ هل هو إلوهيم, أم إنسان, أما إلوهيم وإنسان معا ؟ أم الإله المتجسد.

     يستحيل القول أنها أنجبت إلوهيم. إذ أنجبت طفلا ( والواقع أنها سواء انجبت إلها متجسدا حسب الحق الكتابى أو إلها متأنسا حسب نسطور أو إنسانا فستلد طفلا ) .. ولا أنه مجرد إنسان وإلا سقطنا في  بدعة نسطور .. وإلا لماذا قيل .. المولود منك أيضا يدعى ابن إلوهيم .. ولم تنجب إنسانا وإلها معا  ( هذا القول معناه أنها ولدت إثنين أى توأم ولكن المقصود أنها ولدت إلها متأنسا بإنسان حسب نسطور ) .. إنما أنجبت واحدا هو " إلوهيم المتجسد "

     والواقع أن هذه القول يتعارض مع قوله: أنه لا يؤمن بطبيعة واحدة لاهوتية للسيد المسيح, وإنما بطبيعة واحدة متحدة ( أي ممتزجة ) من طبيعتين. دون أن يبين جنسية هذه الطبيعة من اثنين هل هى إلهية أم إنسانية أم ملائكية أم أنها طبيعة لا جنس لها.

     والواقع أن القول أن إلوهيم تجسد معناه أن طبيعته إلهية وليست إنسانية ولا ممتزجة, وهذا هو الحق الإلهى المعلن بالقول : إلوهيم ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) وهو نفسه يسوع المسيح الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) هذا هو حق الإنجيل الساطع الذى لا يبصره الذين فيهم إله هذا الدهر.

     ثم يقول القمص : " اننا نعبده بكونه الإله المتجسد دون فصل لاهوته عن ناسوته ( الإصطلاحان طبيعة وأقنوم ص 29 ).

     هل الإله المتجسد معناه اتحاد إلوهيم بإنسان مثلنا له روح انسانية عاقلة؟

     لو أن التجسد معناه حلول المسيح في  انسان فستكون له تجسدات كثيرة لأننا نحن هيكل إلوهيم وروح إلوهيم يسكن فينا ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ) بكل ملء اللاهوت ( أفسس 3 : 19 ).

     والواقع أن الإتحاد بروح انسانية عاقلة وتشخيصها ليس تجسد بل تقمص ينزه عنه إلوهيم, ومن ثم فإنه بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بين الإله والإنسان ومهما كانت كيفيته فلن يحول المخلوق إلى إله يعبد أو يشارك إلوهيم كرامته ومجده. 

 والواقع أن قول القمص  إننا نعبده .. دون فصل لاهوته عن ناسوته ( الإصطلاحان " طبيعة " و " أقنوم "  ص 29 ).

     معناه أن يعبد شخصين وطبيعتين متحدتين معا حسب نسطور, وهذا يتعارض مع معتقده بأنه يعبد الطبيعة التى من طبيعتين التى ليس فيها لاهوت ولا ناسوت ولا هما معا بل هى طبيعة جديدة من طبيعتين.

      ثم يستطرد قائلا:

      عندما زارت القديسة مريم أليصابات قالت القديسة العجوز: من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلى . ثم يضيف كان ذلك قبل ان تلد الطفل . إذ دعيت أم الرب وهى بعد حامل ( الإصطلاحان طبيعة وأقنوم ص 29 ) .

      وهذا معناه ان العذراء بعد أن ولدت الرب لا يصح أن تسمى بأم الرب ( بحسب بدعة نسطور ) لأنها لم تلد الرب حسب زعمه بالقول: من الذى ولد من العذراء, ثم يقول: يستحيل انه مجرد إلوهيم. مكذبا بذلك الوحى الإلهى القائل :

      لما جاء ملء الزمان ، أرسل إلوهيم ابنه مولودا من امرأة ، مولودا تحت الناموس ( غلاطية 4 : 4 ) ومنكرا قول أليصابات من اين لى أن تأتى أم ربى إلى.

   ومكذبا قول الكتاب : عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر في  الجسد . فالذى ظهر في  الجسد هو إلوهيم., فالكتاب لم يقل عظيم هو سر التقوى إلوهيم حل في  انسان أو ظهر في  إنسان أو تكلم من خلال انسان أو وحد شخصا من البشر بنفسه بل أنه شاركنا في  اللحم والدم .

       والواقع أن طبيعة المسيح بحسب معتقد نسطور وثيؤدورت ومجمع خلقيدونية إنسانية وفي  هذا يقول ثيودورت أسقف قورش في مؤلفه الجامع للطبيعتين المنشور تحت عنوان : كمال البرهان على حقيقة الإيمان ما نصه :

    أن المسيح لو قال انه إلوهيم لأدخل من آمن به في خطأ كبير ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان"  ك 1 ق 3  ف 5 ص 61 ).

     وهذا عين ما ينادى به القمص بقوله: أنه يستحيل القول أنها أنجبت إلوهيم. إذ أنجبت طفلا , والسؤال هو هل الإله المتجسد الذى انجبته ليس طفلا ؟ ما هذه السفسطة المضادة للمنطق والحق الكتابى القائل أنه في  ملء الزمان: " أرسل إلوهيم ابنه مولودا من امرأة " ( غلاطية 4 : 4 ).

      فالعذراء لم تلد إلها متأنسا بل ولدت ابن إلوهيم وهو ما بشرها به الملاك قائلا :

      فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن إلوهيم ( لوقا 1 : 35 ) الذى هو بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) أى أنها ولدت إلوهيم الذى ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) واسمته يسوع ( يهوه يخلص ) المسيح ( الممسوح منذ الأزل ملكا لأنه ملك الملوك ورب الأرباب ) الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

       فإسم يسوع المسيح لا يخص إنسان مثلنا بل يخص الذي إذ كان في صورة إلوهيم ، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لإلوهيم, لكنه أخلى نفسه أخلى نفسه آخذا صورة عبد ، صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 7 ).

       إذن يسوع المسيح المولود من مريم ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) ولا إله متأنس بإنسان. بل هو ابن إلوهيم الوحيد الذى ارسله إلوهيم إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) لهذا فإن روح الحياة الذى في  المسيح يسوع قد أعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8: 2 , 11 ) لأن المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) إذ هو روح القيامة والحياة.

    لهذا فإن كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح الذى هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهرة هو الذى أتى في  الجسد باشتراكه معنا في  اللحم والدم فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح.

      لهذا فإن التعليم القائل " يستحيل القول أن مريم أنجبت إلوهيم " يضاد الحق الكتابى الذى يثبت أن المولود من مريم هو القدوس ابن إلوهيم أى عين الذات الإلهية.

    ثم دعونا نسأل هذ القمص أين في  الكتاب المقدس كله نجد التعليم بأن روح المسيح كلمة إلوهيم ليست إلهية؟ بل روح من روحين وأن هذه الروح ليست إلهية فإن كانت روح المسيح التى من اثنين ليست إلهية فماذا تكون ؟ لابد أن تكون إنسانية. فإن كانت ليست انسانية, ولا هما معا وإلا أبطل الإئتلاف, فلم يبق إلا أنها روح جديدة تكونت من الروحين لا جنس لها, وإلا بماذا يؤمن؟

     ابهتي أيتها السماوات من هذا ، واقشعري وتحيري جدا ، يقول الرب, لأن شعبي عمل شرين : تركوني أنا ينبوع المياه الحية ، لينقروا لأنفسهم أبآرا ، أبآرا مشققة لا تضبط ماء ( أرميا 2 : 12 - 13 ).

    والواقع أن العذراء وفقا لتعليم القمص لم تلد إلوهيم وإنما ولدت طفلا يسكنه شخصين وطبيعتين كل قائم بذاته أو ممتزجان بحيث نشأ من الإمتزاج طبيعة ثالثة من الطبيعتين تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا أى  أنها طبيعة لا جنس لها, وهذا باطل نقلا وعقلا ويضاد الحق الكتابى الذى يثبت في  كل موضع أن روح المسيح ليست انسانية بل إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 2 ) ناطقة في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) وأن اسم المسيح هو اسم الآب ( يوحنا 17 : 26 ) والروح القدس ( يوحنا 14 : 26 ) لأن المسيح هو حكمة إلوهيم, الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 ,  23 ) وهو الذى ظهر ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) وجاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     والعجيب أن هذا القمص  ينسب عقائد اصحاب الطبيعتين  للعظيم في  القديسين كيرلس عمود الدين الذى أثبت في  رسائله أن النساطرة دسوا تعاليمهم على كتابته للإيحاء بأنه ترك معتقده في  الطبيعة الواحدة وصار من أصحاب الطبيعتين مثلهم .

    اما عقيدة القديس كيرلس الحقيقية الثابتة حتى بين اعدائه أنه من أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد ولم يكن ابدا من أصحاب الطبيعتين, ولا من أصحاب الطبيعة الواحدة من طبيعتين التى كان أول من نادى بها ساويرس الأنطاكى سنة  513 ميلادية. أما بدعة يعقوب البرادعى فنادى بها سنة 538 بعد وفاة ساويرس الأنطاكى .

   والواقع أن التعليم بالطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد نجده في  الكتابات الصحيحة للقديس كيرلس الغير ملحق بها التعبير " من طبيعتين " لأن التعليم " من طبيعتين " هى ما يعتقد فيه كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى  ولم يكن أبدا من معتقدات القديس كيرلس عمود الدين.

     وأيضا لو أن القديس كيرلس قال هذا فإنه يكون قد حرم نفسه بنفسه في  الحرم التاسع الذى يحرم فيه  كل من لا يعترف بأن روح المسيح هى الروح القدس أى أن روحه إلهية بقوله:

     كل من يقول أن الرب الواحد يسوع المسيح قد مجد من الروح القدس بحيث استمد منه قوة لم تكن قوته الخاصة, واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها العجائب أمام الناس, ولا يعترف أنها كانت روحه هو التى اجترح بها هذه الآيات الإلهية. فليكن محروما ( الحرم التاسع ).

   كما أثبت القمص نفسه معتقد القديس كيرلس في  الطبيعة الواحدة الإلهية بقوله :

    لم يقبل الأنطاكيون [16] تعبير القديس كيرلس: " إلوهيم مات على الصليب " .. لأن هذا معناه بالنسبة لهم .. أن الطبيعة الإلهية قد خضعت لاحتمال الآلام الخاص بالبشرية  ( الإصطلاحان " طبيعة "  و " أقنوم "  ص 27 ).

   القمص لم يدرك أن قول القديس كيرلس إلوهيم مات على الصليب يعنى أن طبيعته إلهية وأنه هو الذى تألم وليس إنسان ولا روح ممتزجة من روحين تجمع صفات وخصائص الطبيعتين الممتزجتين.

    فإذا رفضوا هذا التعليم فسيرفضوا أيضا الحق الكتابى القائل بان إلوهيم اقام الأساقفة: ليرعوا كنيسته التى اقتناها بدمه ( أعمال 20 : 28 ).

     لإعتقادهم أن الذى تألم هو الإنسان الذى يفارقه الكلمة في  الآلام حتى لا يتألم معه, وعلى هذا فإن القول بموت إلوهيم على الصليب معناه بالنسبة لهم أن الطبيعة الواحدة الإلهية هى التى تألمت وأنها ابتلعت الطبيعة الإنسانية بحسب البدعة المنسوبة لأوطيخا صديق القديس كيرلس الذى رفض بدعة ابتلاع طبيعة لأخرى بقوله: حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين, لأن صحة نسبة هذا القول إليه معناه صحة البدعة المنسوبة إليه زورا بأن احدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى .

     ويفسر القمص الاتحاد بين الطبيعتين ليس بحسب معتقده في  الطبيعة الممتزجة بل بحسب معتقد نسطور في  الإتحاد بين الشخصين بقوله:

     يصر القديس كيرلس على استخدام تعبير الاتحاد الأقنومى ( أي بين شخصين ) رافضا التعبيرات التى استخدمها نسطور إذ دعى اتحاد الطبيعتين اللاهوت والناسوت سكنى ( حلول ) أو التصاق ( اتحاد قوى ) أو شركة حاسبا هذه التعبيرات غير كافية.[17]

    والواقع أن الذى رفض هذه التعبيرات هو نسطور لأن القديس كيرلس لم يكن من أصحاب الطبيعتين, ثم ما هى الكيفية التى سيتم بها الإتحاد بين الطبيعتين بحسب نسطور نفسه إلا بسكنى اللاهوت في  الناسوت والحلول فيه, ثم لماذا يرفض تعبير الشركة إذا كان الكتاب نفسه قد استخدمه بالقول : فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ).

      من الواضح أن هذه الأقوال ليست للقديس كيرلس عمود الدين القائل بطبيعة واحدة للسيد المسيح  ويرفض تعبير الإتحاد الذى يعتبره اتصال بالقول:

     يقول الهراطقة لا يوجد ابنان ولا ربان بل حيث أن إلوهيم الكلمة والابن الوحيد للآب إتصل بهذا الإنسان المولود من مريم. صار هذا الإنسان يشترك في الاسم وفي  كرامة الابن " ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 7  ص  37 - 38 ).

    " هذه الإختراعات لا تخص بالمرة ذاك الذى به كمال الناموس والأنبياء, لأن الناموس مؤد بنا إلى المسيح ( غلاطية 3 : 24 ) ولكن مصاحبة ( تأنس حسب نسطور ) اللاهوت بالناسوت لا تؤدى بنا إلى شيء. بل هي فارغة  وبلا قيمة. بل تعنى نهاية ذلك السر الملوكى " ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 7  ص  39 - 40 ).

     والواقع أن المقصود بالإتحاد الإقنومى أى بين اقنومين من جوهرين مختلفين بحسب المعتقد النسطورى هو الإتحاد بين الأشخاص. حيث يقول نسطور: إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أى بين شخصين ) .. نسقط في التعليم بابنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).

     فرد عليه القديس كيرلس في الفقرة الوحيدة الصحيحة بالرسالة رقم 4  قائلا:

    أنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص . لان الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أنه صار جسدا, والكلمة إذ قد صار جسدا لا يكون آخر. إنه اتخذ دما ولحما مثلنا ( الرسالة رقم 4 ف 7 ص 16 ). 

    وعلى هذا فإن عدم التمييز بين تعاليم أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين وأصحاب الطبيعة من طبيعتين ونسبة عقائد أصحاب الطبيعتين القائلين باتحاد الكلمة بإنسان بصرف النظر عن كيفيته المختلف حولها فيما بينهم ونسبتها إلى القديس كيرلس هو ضلالة لأن القديس كيرلس رفض معتقد نسطور باتخاذ الكلمة إنسانا بقوله:

      أن الكلمة " لم يتخذ إنسانا كما يعتقد نسطور " ( الرسالة رقم 45 فقرة 10 ص 92 ). 

     لأن يسوع المسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) بل هو إلوهيم الذى أتى في  الجسد وكل من يخالف هذا التعليم هو محروم أيا كان, عملا بقول بولس الرسول القائل : " إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به فليكن محروما ".

     والواقع أن تعليم الاتحاد بصرف النظر عن كيفيته هو تعليم أصحاب الطبيعتين بكافة مذاهبهم. أما تعليم كيرلس فيرفض تعليم الاتحاد جملة وتفصيلا لتمسكه بصيغة الإيمان الرسولى بطبيعة واحدة متجسدة للابن ( الرسالة رقم 46 ف 12 ص 103 )

     فضلا عن أن الاتحاد الأقنومى  - وهذه مسلمة بديهية - لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد ولا يوجد اتحاد بين أقانيم من جواهر مختلفة.

      فالأتحاد الأقنومى بحسب الأصل يقصد به الإتحاد الأقنومى بين أوجه الثالوث وليس بين اشخاص من جواهر مختلفة.

     وقد فسر الأنبا ساويرس الشهير بابن المقفع وكان على المذهب اليعقوبى[18] الاتحاد بين الأقنومين والطبيعتين بما يتفق ومعتقد يعقوب البرادعى بقوله:

      أن الكلمة اتحد بجسد إنسان بنفس عاقلة فصار بعد الاتحاد أقنوم من أقنومين وطبيعة من طبيعتين [19].

     إلا أنه عاد وفسر الاتحاد بين الطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية بقوله:

     أن أقنوم لاهوت الابن ( الكلمة ) كان متحدا بروح الجسد[20]. أي أن روحه البشرية كانت متحدة بأقنوم الكلمة [21] ( وهذا عين معتقد خلقيدونية القائل بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بأقنوم الكلمة المتأنس بها ).

     وهكذا يقدم لنا أصحاب الطبيعتين مسيح آخر ليس هو إلوهيم, وإنجيل أخر ليس هو إنجيل إلوهيم ( بطرس الأولى 4 : 17 ) الذى بشرنا به.

    الأمر الذى سبق بولس الرسول وحذر منه بروح النبوة قائلا:

    " أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها ، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح. فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به ، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه ، أو إنجيلا آخر لم تقبلوه ، فحسنا كنتم تحتملون ( كورنثوس الثانية 11 : 3 -4 ).

     هكذا تنبأ بولس الرسول عن أضداد المسيح الذين يأتوننا في ثياب خدام إلوهيم ليفسدو اذهاننا عن البساطة التي في المسيح.

     والبساطة لغة تعنى عدم وجود تركيب أو تعقيد في طبيعة المسيح . فهى طبيعة بسيطة لا تقبل التركيب او الإئتلاف أو الإتحاد بغيرها.

     إن الذين يجعلون اللاهوت مختلطا أو ممتزجا أو موحدا مع مخلوق يعتقدون بأن الجواهر العاقلة مادية وغير بسيطة بحيث تقبل الإختلاط والإمتزاج والإضافة والنقص.

     إن كان هذا معتقدهم فأى رجاء لهم ؟

     لنطرح عنا كل تعليم يضاد الحق الكتابى ولنتمسك بيقين الإيمان بصورة التعليم الصحيح المسلم للقديسين وشهادات الرسل القائلين : بأن  المسيح حسب الجسد هو الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ( رومية 9 : 5 ).

   وقد حدد بولس الرسول على وجه الدقة ما شاركنا فيه الكلمة بقوله:

     فإذ قد تشارك الأولاد في  اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما لكى يبيد بالموت ذلك الذى له سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).

     إذن الحق واضح وضوح الشمس في  الظهيرة لأن إلوهيم بين لنا ما شاركنا فيه تحديدا مثبتا ضلال القائلين باتحاد الكلمة بإنسان مولود من مريم.

     إن الكلمات تصرخ ناطقة بأن الذى ولد من العذراء هو القدوس ابن إلوهيم " ( لوقا 1 : 31 - 35 ) وليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) اتحد به الكلمة.

     فروح المسيح وفقا للحق الكتابى ليست إنسانية ولا ممتزجة بل أزلية ناطقة في  الأنبياء وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     " فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب " ( العبرانيين 9 : 14 ).

     ويقول بطرس الرسول :

     " الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها " ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     من هذه الآية يتضح أن روح المسيح هو الروح القدس الناطق في  الأنبياء منذ القديم الذى سبق فشهد بالآلام التى له والأمجاد التى بعدها . 

 

 

 

الفصل الثامن

الفرق بين المسيح والمؤمنين

 

المبحث الأول

الفرق بين المسيح والمؤمنين

في  المعتقد الأرثوذكسى

أولا  : الفرق بين المسيح والمؤمنين من حيث الصورة

     المسيح هو صورة إلوهيم الآب الحقيقية بهاء مجده ورسم جوهره من رآه فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) أما نحن فمخلوقون على صورة إلوهيم وشبهه ( تكوين 1 : 26 ) أى أننا مخلوقين على شبه صورة المسيح الذى هو صورة إلوهيم.

     والواقع أن الصورة هى التعبير الكيانى للجوهر ( العبرانيين 1 : 3 ) ولا يوجد جوهر بلا صورة, وصورة إلوهيم وإن كانت متحيزة إلا أنها غير متناهية.

    لأن إلوهيم روح غير محدود وبالتالي فصورته أيضا روحية غير محدودة. لهذا يمكنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه أن يكون في  وسطهم بصورته الذاتية ( متى 18 : 20 ) وأن يتصور المسيح فينا بالحلول في قلوبنا بحلول شخصى ( أفسس 3 : 17 ) ( غلاطية 4 : 6 , 19 ) يختلف عن حلوله العام في  كل مكان.

     فالمسيح إذ كان في  صورة الآب منذ الأزل ومساو له ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) نزل من السماء من حيث كان أولا ( يوحنا 6 : 62 ) ( حزقيال 1 : 26 , 28 ) وهو لم يزل في  السماء ( يوحنا 3 : 13 ) ( أشعياء 1 : 1 - 6 ).

     وعليه فلا يظن أحد أنه لو لم يخالف آدم الوصية لما ظهر إلوهيم في  صورة إنسانية أو أن هذه الصورة محدثة أو مخلوقة. لأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه في  صورة مخلوقة أو محدثة [22], بل على العكس أن إلوهيم أخفي  صورته عن البشر تدبيريا بعد الطوفان من أجل خلاص البشر , أما من البدء فلم يكن هكذا , لأنه من البدء أعلن إلوهيم بأن للثالوث صورة إنسانية بقوله نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا , وهذا يدل على أن للثالوث صورة واحدة وجوهر وأحد.

      فالمسيح حكمة إلوهيم مسح  مسيحا منذ الأزل ( الأمثال 8 :  12 , 23 ) وقد خلقنـا على صورتـه كشبهه, ولسبب تدبير الخلاص وحده حجب إلوهيم وجهه عن الأمم وعن بيت يعقوب. لأنهم لو علموا لما صلبوا رب المجد ( كورنثوس الأولى 2 : 8 ) ( إشعياء 8 : 13 - 18 ) لهذا غطى إلوهيم على كل الشعوب ( إشعياء 25 : 7 – 11 ) حتى متى رفع على الصليب فحينئذ يفهمون السر ( كورنثوس الأولى 2 : 8 ) ( يوحنا 8 : 28 ) من خلال الكنيسة ( أفسس 3 : 3 - 10 ) لهذا فإن تجسد إلوهيم وظهوره بين البشر في  العهد الجديد إنما كان بصورته الحقيقية التى صنعنا على صورتها كشبهها, لأننا نحن خلقنا على شبه صورة المسيح  . أما هو فصاغ صورة جسده على ذات صورة مجده.

     والواقع أنه لو لم يكن لإلوهيم صورة روحية من ذات جوهره لكان ذلك نقصا وعجزا في  ذاته تعالى تحول دون ظهوره لمخلوقاته. لذلك فإن كمال الإعلان عن الذات الإلهية لا يتحقق إلا بإظهار إلوهيم ذاته للبشر من خلال ابنه أى صورته بهاء مجده ورسم جوهره الذى خلقنا على صورته كشبهه. الأمر الذى أعلنه الرب تصريحيا في  صدارة آيات الكتاب المقدس بالقول " نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا " ( تكوين 1 : 26 ).

     والملاحظ أن لفظة " صورتنا " جاءت بصيغة الجمع مما يدل على أن صورة إلوهيم المثلث الأوجه واحدة في  الجوهر. لذلك فإن أيا من رأى الابن فقد رأى الآب والروح القدس أيضا لاشتراكهم معا في  وحدة الصورة والاسم بسبب وحدة الجوهر.

     لهذا قال الرب لتلاميذه :

     إن كنتم قـد عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا, ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ( يوحنا 14 : 7 ).

      وأيضا قال لتلاميذه :

     أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. أم أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم ( يوحنا 14 : 17 ).

    لقد أثبت المسيح بقوله أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر روح الحق الذى لا يقبله العالم لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما هم فيعرفونه. أنه هو نفسه روح الحق أى الروح القدس الذى يعرفونه وقد رأوه لأنه معهم ويكون فيهم بذات الصورة. ما يعنى أن للثالوث صورة وأسم وجوهر واحد.

     لقد أوضح المسيح بقوله أطلب من الآب ليعطيكم معزيا آخر أنه هو نفسه أيضا يسمى بالمعزى. فالابن لم يأت باسم والروح باسم آخر. بل أتى كليهما باسم واحد لسبب وحدة الجوهر بدليل قوله " أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر " ( يوحنا 14 : 16 ) وحسنا قال معزيا آخر لندرك أن وحدة الأسماء لا تعنى أن أقنوم الابن هو نفسه أقنوم الروح. لأن وحدة الاسم في  الثالوث لا تبطل تمايز الأقانيم ( أمبروسيوس الروح القدس 1 : 13 فقرة 133 - 139 ).

     لهذا فإن الروح القدس المحيى إذ هو روح المسيح يحل فينا باسم المسيح وفي  هذا يقول بولس الرسول:

     مع المسيح صلبت ، فأحيا لا أنا ، بل المسيح يحيا في (غلاطية 2 : 20 ).

     وواضح أنه صلب مع المسيح في  المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ( رومية 6 : 3 -8 )  بروحه المحيى.

     وأيضا  يقول :

     إن كان المسيح فيكم ( بالروح القدس ) فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر ( رومية 8 : 10 )

     وأيضا :

     أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم إن لم تكونـوا مرفوضيـن ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

     وهكذا أيضا فإن وحدة الصورة لا تبطل تمايز الأقانيم. لأنه كما أن من رأى الابن فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) هكذا أيضا فإن من رأى الابن فقد رأى الروح القدس وعرفه لأنه قائم بينهم بصورته ويكون فيهم بروحه ( يوحنا 14 : 17 ).

 

ثانيا  : الفرق بين المسيح والمؤمنين من حيث مركز الشخصية

    يقول بولس الرسول:

     إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما ، لكي يبيد بالموت .. سلطان الموت ( العبرانين 2 : 14 ) بروح الحياة الذى فيه.

     لما كانت أرواح البشر جميعا تشترك في  سكنى أجساد حيوانية ( كورنثوس الأولى 15 : 44 ) أى حية بالدم تشخصها بعقولها وتصيرها أجسادها الخاصة. اشترك هو أيضا بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وشخصه بكلمته وصيره جسده الخاص ( يوحنا 1 : 14 ) صائرا مثل البشر قابلا للموت بموت الدم حتى بموته يبيد سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) ويعتقنا من حكم الموت بسبب روح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ) الذى به تتحول أجسامنا من أجسام حيوانية أى حية بالدم الذى هو نفس حية إلى أجسام روحانية أى مقامة من الموت بروح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 50 ) الذى هو روح الحياة الذى في  المسيح يسوع .. الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ). 

     مما تقدم يتضح أن عقل إلوهيم أخذ مالنا أى الجسد الحى بالدم وشخصه وجعله خاصا به وحده ليظهر في  الهيئة  كإنسان مثلنا ليموت عوضا عنا بسفك دمه حتى متى إلتقى بالموت في  جسده الخاص بموت الدم ابطل موت الجسد بأنه اعطاه قوة حياة جديدة بروحه المحيى الذى هو روح الحياة الذى فيه. الذى به أبطل موت الجسد بأن أقامه من الموت بروحه المحيى الذى به أيضا سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    أى أن العقل سواء كان إلهيا أو إنسانيا هو مركز الشخصية في  الجسد الذى يسكنه ويصيره جسده الخاص, وهذا معناه أن مركز الشخصية في  جسد المسيح هو عقل المسيح الكلمة, كما أن مركز الشخصية في  جميع أجساد البشر هو العقل البشرى.

 

ثالثا  : الفرق بين المسيح والمؤمنين من حيث الحلول

     يقول بولس الرسول :

     عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) واسمه يسوع المسيح الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم.

    وهذا معناه أن آدم الأخير أى المسيح هو الرب من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 45 - 47 ) أما نحن فترابيون نفسانيون أى أحياء بالدم الذى هو نفس حية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 - 50 ) أى أننا من أسفل .. من هذا العالم ( يوحنا 8 : 28 ).

     في  ضوء ما تقدم ينبغى أن نميز بين حلول إلوهيم في  جسده الخاص بأقنوم الكلمة أى بأقنوم العقل الإلهى حلولا تشخيصيا, وبين حلوله في  أجسادنا في  المعمودية بأقنوم الروح القدس المحيى حلول شركة ليسكن في  قلوبنا ويحيينا بعد موت الدم الذى هو علة حياة الجسد الحيوانى والذى به نتحول إلى اجسام روحانية أى مقامة من الموت بروح المسيح المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 -50 )( بطرس الأولى 1 : 23 ) والذى بمقتضاه صرنا شركاء الطبيعة الإلهية أى شركاء الروح القدس في  الجسد.

     وبداهة أن الأقنوم لا يحل مطلقا بمعزل عن جوهره الكامل وإنما يقدم الأقنوم على الجوهر لإظهار الأقنوم الفاعل في  الحلول والذى يكون بالكلمة في  حالة التجسد وبالروح القدس المحيى لأجسادنا في  حالة الشركة.

     من ذلك نرى أن شركتنا مع الروح القدس المحيى غايتها إحياء الجسد بمنحه عدم الموت بحلول المسيح بالروح في  قلوبنا ( أفسس 3 : 16 - 17 ) وهو ما تحقق بالمعمودية كما هو مكتوب أن كل الذين تعمدوا بالمسيح قد لبسوا المسيح ( غلاطية 3 : 27 ) أى لبسوا الروح القدس روح المسيح الذى يسمى باسم المسيح ويأتى باسمه ( يوحنا 14 : 26 ).

      لأن الكلمة بعد أن أبطل موت جسده الخاص أولا بروحه المحيى ليصير باكورة الراقدين. صار رأسا جديدا للبشرية التى أقامها بروحه المحيى بموجب الميلاد الثانى في  المعمودية التى هى شركة مع المسيح في  شبه موته حتى نشترك أيضا في  قيامته فنحيا به ومعه ( روميـة 6 : 3 - 5 ).

     ورغم أن أجساد البشر بمقتضى الشركة تصير هيكلا للروح القدس وأعضاء في  جسد المسيح من لحمه ومن عظامه ( غلاطية 2 : 20 ) ( غلاطية 3 : 27 ) إلا أن أجساد البشر تظل خاصة بالأرواح الإنسانية التى تشخصها وكل ما يصدر عنها من أفعال هى إنسانية محضة.

  


 المبحث الثانى

الفرق بين المسيح والمؤمنين

في  المعتقد النسطورى

      يسوع المسيح حسب المعتقد النسطورى هو إنسان مثلنا بروح انسانية عاقلة , والفرق بينه وبيننا أن كلمة إلوهيم احتجب بروح المسيح الإنسانية من البطن وصيرها روحه الخاصة المشخصة بعقلها البشرى لجسدها الخاص, وبهذا تأنس الكلمة بروح المسيح الإنسانية العاقلة. فصار الكلمة يسمى باسم المسيح بسبب احتجابه في  روح المسيح الإنسانية, وصارت روح المسيح الإنسانية العاقلة بعد أن جعلها روحه الخاصة  بسبب احتجابه بها تشترك معه في  كرامة الربوبية والعبادة.

     وقد أثار القديس كيرلس هذه القضية في  معرض تفنيده للنسطورية معلما بأن ما ينادى به نسطور هو عبادة إنسان مثلنا لأن سكنى إلوهيم في  إنسان مثلنا لا يمكن أن تصيره إلها يعبد لأن إلوهيم يسكن في  الملائكة وفينا نحن بالروح القدس ( " شرح تجسد الابن الوحيد"  ف 18 ص 36 ).

     فكتب نسطور يقول :

     في  المسيح ( باعتباره إنسان حسب نسطور ) حدث إتحاد كامل وحقيقى. أما فينا نحن فعلى الرغم من أنه يحل فينا إلا أنه يحل فينا ليس بجوهره بل بالنعمة. لأن في  المسيح وحده حل كل ملء اللاهوت جسديا ( كولوسى 2 : 9 ) ولم يحدث بأى نوع من المشاركة وإنما حدث اتحاد حقيقى للطبيعة الإلهية التى اختارت سكنى لها في  الهيكل ( أى في  الإنسان حسب نسطور ) الذى ولد من العذراء لأنه بالإتحاد وحده يسوع المسيح هو واحد ( شرح تجسد الابن الوحيد فقرة 27 ص 46 ).

    والواقع أن المسيح ليس إنسان حل فيه كل ملء اللاهوت حسبما يزعم نسطور بل هو صورة إلوهيم وحكمته الممسوح أزليا الذى شاركنا في  اللحم والدم لكى وهو غير المائت يصير قابلا للموت بسبب قابلية الدم للموت. حتى بموته يبطل موتنا بروحه المحيى.

     أما إن كان المسيح إنسانا نظيرنا وحل فيه الكلمة بكل ملء اللاهوت حلولا تشخيصيا فإن هذا الحلول لا يعتبر حلول تجسد, ولا حلول نعمة. بل حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم ( كورنثوس الأولى 14 : 32 ).

     لأن حلول التقمص هو حلول استيلاء واغتصاب وتنحية وقهر للروح الإنسانية بالإستيلاء على جسدها وتشخيصه سيان كان ذلك بإرادتها أو ضد إرادتها.

     أما قوله " أما فينا نحن فعلى الرغم من أنه يحل فينا إلا أنه يحل فينا ليس بجوهره بل بالنعمة ".

      فمردود بأن حلول إلوهيم في  أجسادنا بأقنوم الروح القدس هو حلول شركة بالجوهر الإلهى ليمنح أجسادنا نعمة القيامة, وهذا هو المقصود بحلول النعمة أي أنه بحلوله فينا بأقنوم الروح القدس يهب أجسادنا المائتة نعمة القيامة من الموت بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11  ) .

     والروح القدس عندما يحل علينا لا يحل منفصلا عن جوهره . لأن الأقنوم لا يحل بمعزل عن جوهره [23] وإنما يقدم الأقنوم على الجوهر ليبين ما يخص الأقنوم من عمل في  الجسد الذى يحل فيه.

      فالثالوث لا يمكن تجزئته لأنه حيث الأقنوم هناك الثالوث[24] لأن الأقنوم قائم بالجوهر ولا يوجد منفصلا عنه. فحيث الأقنوم هناك الجوهر كاملا.

    لهذا فإن أقنوم الابن هو مركز الشخصية في التجسد وبالتالي  فإن الكلمة هو المعلن والمشخص لجوهر إلوهيم في  جسده الخاص.

      أما أقنوم الروح القدس فمن جهة التجسد هو روح المسيح المحيى الذى أبطل موت جسده الخاص فصار باكورة الراقدين. أمـا من جهتنا فهو روح الشركة المحيى لأجسادنا ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ) ( رومية 8 : 11 ). 

      وفي  هذا يقول القديس كيرلس عمود الدين:

     " أن حلول النعمة هو بالجوهر وبالتالى فلا فرق بين المؤمنين ومسيح نسطور لأن كل ملء الثالوث القدوس الواحـد في  الجوهـر يحل فينا أيضـا بالروح القدس " ( المسيح واحد 11 ص 68 ).

     فالمسيح عندما يحل فينا بروحه إنما يحل فينا بكل ملئه ( كولوسى 2 : 9 , 10 ) ( يوحنا 1 : 16 ) أى بكل ملء إلوهيم ( أفسس 3 : 19 ).

     فإن كان المسيح إنسان مثلنا وليس هو ابن إلوهيم بالطبيعة والجوهر فإن حلول كل ملء إلوهيم فيه لن يصيره إلها يعبد.

     وبالتالى فأنه لا فرق بين حلول إلوهيم في  مسيح نسطور وحلوله في  المؤمنين بصرف النظر عن كيفيته. لأن مسيح نسطور إنسان نظيرنا الأمر الذى إبرزه نسطور بقوله أن الإتحاد بين المسيح كإنسان والطبيعة اللاهوتية لم يبطل اختلاف الطبيعتين لأن الإتحاد هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

     لذلك علينا أن نميز بين حلول جوهر إلوهيم بأقنوم الروح القدس المحيى في  أجسادنا الخاصة حلول شركة ليمنح أجسادنا نعمة القيامة والحياة ويصيرنا هيكلا له, وبين حلول جوهر إلوهيم بأقنوم المسيح الكلمة في  جسده الخاص حلولا تشخيصيا.

    والحلول بالجوهر سواء كان حلول شركة في أجسادنا الخاصة أو حلول تشخيصى في جسده الخاص. يختلف عن الاتحاد الجوهرى الذى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد.

     من هنا علينا أن نميز بين الحلول في الجسد بالجوهر الإلهى بأحد أقانيم الذات الإلهية على الوجه السالف إيضاحه, وبين الإتحاد الجوهرى بين أقانيم الجوهر الواحد ولا نخلط بينهما.

     لأن الإتحاد الجوهرى أو الأقنومى لا يكون إلا بين الأقانيم التى تشترك في  الجوهر الواحد ولا يوجد ولا يمكن أن يوجد اتحاد أو اشتراك في  جوهر واحد بين طبائع عاقلة أو أقانيم من جواهر مختلفة.

     أما الإتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية. أي الإتحاد بين إلوهيم والإنسان كما في  حالتنا فهو إتحاد أو شركة بين روحين في  جسد واحد غايته أن تمنح الطبيعة الإلهية أجسادنا نعمة القيامة من الأموات. أما الإتحاد بين الروحين في  المسيح حسب نسطور بسكنى روح الكلمة في  روح المسيح الإنسانية العاقلة بحيث يأتنس بعقلها ويحتجب بروحها وكأنها جسد أو حجاب يجمع في  داخله شخصين عاقلين فهو بدعة محصلتها السقوط في  عبادة إنسان مثلنا لأن المسيح حسب نسطور إنسان لا إله.

    وعلى ذلك فإن التفسير الصحيح للقول " أنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسـديا " ( كولوسى 2 : 9 ) هو أنه في  جسد المسيح صورة إلوهيم .. حل كل الملء ( كولوسى 1 : 15 , 19 ) لأن المسيح صورة إلوهيم هو بهاء مجده ورسم جوهره كاملا وقد وقيل هذا لئلا يظن أحد أن أقنوم المسيح حل في  الجسد بمعزل عن أقنومى الآب والروح القدس. لذلك قطع بولس الرسول الطريق على الذين ينحون هذا المنحى في  التفسير بهذه الآية التى تثبت أنه في  جسد المسيح صورة إلوهيم حل كل ملء اللاهوت جسديا, ودليل ذلك قول بولس الرسول:  أن إلوهيم كلمنا في ابنه .. الذى به عمل العالمين. الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره .. بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا. جلس في يمين العظمة في الأعالى .. واما عن الابن  كرسيك يإلوهيم إلى دهر الدهور .. أحببت البر وأبغضت الأثم. من أجل ذلك مسحك إلوهيم إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك.

    من هذه الأيات يتضح أن الابن هو إلوهيم  الذى مسحه الآب بالروح القدس أفضل من شركائه. لأنه مالك الروح ومسحته أزلية. أما هم فيأخذون المسحة على سبيل الهبة والعطية بعد المعمودية التي هي شركة موت ودفن وقيامة مع المسيح , والتي بها يصيرون شركاء الروح القدس الذى سيحيى أجسادهم المائتة بروحه الساكن فيهم , وأن المسيح الذى هو بهاء مجد إلوهيم وصورة جوهره الكامل هو نفسه الذى بعد أن صنع تطهيرا لخطايانا جلس في مجد قوته في الأعالى وهذا هو المقصود باليمين.  

     والخلاصة أن حلول المسيح كلمة إلوهيم وحكمته في  جسده الخاص إنما هو بالآب في  الروح القدس.

     فالمسيح حكمة إلوهيم المذخر فيه جميع كنوز المعرفة والعلم هو مركز الشخصية في  الجسد الذى حل فيه بالآب حلولا تشخيصيا بأقنوم الكلمة وأعطى جسده عدم الموت بأقنوم الروح القدس المحيى الذى هو روحه الذاتى.

     هذا هو المفهوم الصحيح للقول أنه فيه أى في  جسد المسيح صورة إلوهيم حل كل ملء اللاهوت جسديا ( كولوسى 1 : 15 , 19 ) أى في  الجسد, وليس في  روح إنسانية بحسب زعم نسطور. 

     أما فينا نحن فلا يحل فينا كل ملء اللاهوت بأقنوم الكلمة حلولا تشخيصيا بل يحل فينا بأقنوم الروح القدس ليمنح أجسادنا نعمة القيامة بروحه المحيى, فحلوله فينا كما نرى هو حلول نعمة أو شركة. لهذا حتى لو قيل أن الآب والابن يسكنون فينا فإن هذا يكون بأقنوم الروح القدس المحيى.

     أما قول نسطور بأن الحلول في  المسيح كإنسان لم يحدث بأى نوع من المشاركة فهو بلا معنى. لأن إلوهيم شاركنا في اللحم والدم باتخاذه جسدا خاصا به وحده, أما حلول إلوهيم في  الإنسان فهو حلول شركة وليس حلول تشخيصى, وحتى بفرض أن إلوهيم حل في  إنسان حلولا تشخيصيا فإن هذا الحلول لا يسمى تجسدا ولا ولادة بل تقمص وإستيلاء, وهذا ينزه عنه إلوهيم بشهادة بولس الرسول القائل " أن أرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء " ( كورنثوس الأولى 14 : 32 ).

    أى أن إلوهيم لا يمكن أن يتقمص أو يستولى على جسد إنسان أو نبى أو ينحى شخصيته قسرا أو يغيبه لينطق من خلاله بكلمات ضد إرادته.

   كما أن أي حلول في إنسان ولو كان من البطن كما حدث مع يوحنا المعمدان. لن يحول هذا الإنسان إلى إله مطلقا.

   وأخيرا فإن الفرق بين مسيح نسطور وبيننا حسب نسطور. هو في كيفية حلول إلوهيم فيه. لأن الكلمة لم يتجسد حسب نسطور وإنما حل في  روح إنسانية عاقلة لها جسدها الخاص الذى تشخصه وتأنس بها دون أن يبطل عقلها البشرى, فصار في روح المسيح الإنسانية شخصان عاقلان يشخصان جسدهما الخاص, وهكذا احتجب اللاهوت بروح إنسانية محتجبة بدورها في  جسدها الخاص, وهذا ما أعلنه نسطور في مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى بقوله ما نصه:    

    " كيف يمكن للاهوت أن ينزل إلى الجحيم علانية بدون حجاب يستتر به " ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 18 ص 43 ).

    " أن الجحيم لم يكن يستطيع أن يحتمل ظهور اللاهوت غير محجوب في النفس الإنسانية " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ).

    والواقع أن الروح الإنسانية أو النفس حسب نسطور ليست جسد مادى حتى تسمى حجاب, كما أن الروح بطبيعتها جوهر روحانى بسيط لا تقبل الإضافة أو النقص وهى ساكن لا مسكن, تسكن الجسد وتشخصه, ولا تسكن ولا تشخص من غيرها, والروح الإنسانية لا قدرة لها على الحركة مطلقا, لهذا فهى تستخدم مركبة الجسد الحى بالدم لتتحرك وترى وتسمع وتتكلم من خلاله. فإذا مات الجسد بموت الدم تقبض الروح من الجسد كما في  سجن عاجزة عن تحريكه أو إقامته, فيصير الإنسان جثة عادمة الحياة إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ) ومن ثم فلا قدرة للروح الإنسانية على الخروج من الجسد أو النزول إلى الجحيم للكرازة لأرواح البشر المحبوسة في  أجسادها المائتة كما في  سجن. ثم أنها حتى لو استطاعت النزول إلى الجحيم فإنها كروح محدودة تحتاج إلى مركبة من مركبات الكروبيم لتنقلها من مكان إلى مكان.

     ثم أن الكتاب أوضح بجلاء تام واضح بأن الذى صعد إلى العلاء ، وسبى سبيا ، وأعطى الناس عطايا هو روح إلوهيم الذى مات بالجسد بموت الدم على الصليب, ولكنه أى الجسد كان محييا أى مقاما من الموت بالروح  القدس المحيى الذى فيه أيضا ودون أن يفارق جسده المحييى نزل أولا إلى أقسام الأرض السفلى - وسبى سبيا وصعد إلى السموات - الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات ، لكي يملأ الكل ( أفسس 4 : 8  - 10 ) ( بطرس الأولى 3 : 18 -19 ).

     فهل إذا كانت روح المسيح إنسانية ومحدودة وبفرض إمكانية خروجها من الجسد هل يمكن لمثل هذه الروح المحدودة أن تنزل إلى أقسام الأرض السفلى وتصعد فوق جميع السموات وتملاء الكل. بداهة لا

     ثم كيف يكون المسيح فينا وروحه محدودة بل ومخلوقة مثلنا. أما إن كانت روح المسيح إلهية ( رومية  8 : 9 ) وأزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) فإنه بالحق يستطيع أن يكون فينا وأن يملاء الكل.




المبحث الثالث

الفرق بين المسيح والمؤمنين

في  المعتقد الخلقيدونى

    عقيدة ثيؤدورت في  المسيح هى ذات عقيدة نسطور والخلاف بينهما هو أن أقنوم الكلمة بحلوله في  روح المسيح الإنسانية شخصها بالكلمة منذ أول لحظة من كيانها بقوله:

     وإذ شخصها بالكلمة ألهها منذ لحظة وجودها. فصارت روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة مبطلا بذلك عقلها البشرى.

     وفي  هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورش في مؤلفه الجامع للطبيعتين :

      أن إلوهيم حل في  الروح الإنسانية فكانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد الغليظ حجابا لما هو ألطف منه ( ثيؤدورت " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا لأثناسيوس الرسولى ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 52  ) ( نسطور " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 ص 42 ).

     ويرى ثيؤدورت أسقف قورش أن روح المسيح الإنسانية خلقها إلوهيم لنفسه قبل خلق العالم, وسكنها وجعلها صورته التي خلق الإنسان على صورتها وشبهها ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 2 ف 1 ص 24 - 26 + ك 1 ق 3 ف 4 ص 51-52 ).

    وهذا معناه أن المسيح صورة إلوهيم مخلوق , وأن روح المسيح الإنسانية حجاب للاهوت. وأنها سابقة الوجود على تجسدها حسب زعمه.

     وبداهة أن جميع هذه العقائد ظاهرة الفساد لكل ذي فهم. لأن روح المسيح أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) وصورة إلوهيم ليست مخلوقة حسب زعم ثيؤدورت أسقف قورش,

     والواقع أن التعليم الصحيح للقديس أثناسيوس الرسولى يثبت أن المسيح صورة الآب غير مخلوق, وأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه في جوهر مخلوق. فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته ( 1 ضد الأريوسيين 6 : 20 ص 44 ) وهذا هو ما يتفق مع الحق الكتابى ( فيلبى 2 : 5  - 6 ) ( العبرانيين 1 : 2 , 3 ).

      كما أن القول بأن الكلمة احتجب بروح إنسانية يضاد صورة التعليم الصحيح بأن المسيح الكلمة شاركنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وأنه احتجب بالجسد, وفي  هذا يقول بولس الرسول :

    فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقا كرسه لنا حديثا حيا ، بالحجاب، أي جسده ( العبرانيين 10 :  19 – 20 ).

     فالمسيح بروح أزلى قدم دمه لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) ولم يرد في أي موضع أن المسيح هو آخر غير الكلمة, أو أن روح المسيح انسانية, بل العكس هو الصحيح كما قدمنا

     وعلى هذا فإن الفرق بين روح المسيح الإنسانية وأرواح والمؤمنين حسب ثيؤدورت هو أن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة الذى احتجب بها وصار هو المشخص لجسد المسيح. أما نحن فإن أرواحنا مشخصة بعقلها البشرى الذى يشخص أجسادها الخاصة .

     أى أن إلوهيم الكلمة حسب ثيؤدورت لم يشترك معنا في  اللحم والدم ليجعله جسده الخاص. بل حل في روح إنسان يدعى يسوع المسيح واحتجب بها وشخصها مبطلا عقلها البشرى وقام مقامه في  تشخيص جسده الخاص , وبهذا صار الكلمة هو مركز شخصية الروح الإنسانية المشخصة لجسد الإنسان يسوع الذى احتجب بروحه الإنسانية.

     وهذا معناه أن إلوهيم الكلمة لم يتجسد بل حل في روح انسان وشخصها مبطلا عقلها البشرى وقام مقامه في  تشخيصها, وهذا محال. لأن الطبائع الروحية العاقلة تشخص أجسادها الخاصة ولا تشخص من غيرها.

     وواضح أن هذه الخرفات لا تصمد أمام كلمة الحق القائل:

     إذ قد تشارك الأولاد ( أرواح البشر ) في  اللحم والدم ( أى مكونات الجسد ) اشترك هو أيضا فيهما لكى يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) والذى به تم القول:

      " والكلمة صار جسدا ".

      فهل يفهم من هذا القول " اشترك في  اللحم والدم " ما يقول به ثيؤدورت بأن اللاهوت شخص روح إنسانية وصار هو عقلها منذ لحظة تكوينها أو هل يسـتشف من هذا الكلام أن إلوهيم شارك أحد الأولاد في  لحمه ودمه أو أنه اشترك في  أحد الأولاد وجعله واحدا مع لاهوته. إلى أخر هذه البدع الجنونية لأصحاب الطبيعتين.

     نخلص مما تقدم أن حلول الكلمة في  روح المسيح الإنسانية حسب معتقد خلقيدونية ليس حلول شركة ولا حلول تقمص ولا هو حلول تجسد لأن الكلمة لم يشخص جسدا خاصا به بل شخص روحا إنسانية بحيث صار هو مركز شخصيتها مبطلا بذلك عقلها البشرى.

     وهذا الحلول بحسب المفهوم الخلقيدونى معناه أن الكلمة شخصا روحا إنسانية محدودة صارت هى علة حياته, وهذا باطل نقلا وعقلا.

    لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) أى بروحه المحيى, لا لكى تحييه روح انسانية مخلوقة, تصير روحه فيصير الثالوث رابوعا ويصير للكلمة روحان واحدة إلهية وواحدة إنسانية.

     وبداهة أن هذه التعاليم التى تدخل التشويش على الجواهر العاقلة وعلى جوهر الرب يسوع المسيح - الغير متغير-  الذى هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) مصيرها حريق النار. فلا تساقوا بتعاليم متنوعة وغريبة.

     لأن الكلمة الأزلي يستحيل أن يستمد ولادته من آب مخلوق ولا أن يحيا بروح منبثقة من مخلوق .

     والواقع أن هذه البدع القائمة على التركيب والإئتلاف بين اقنوم الابن من جوهر واقنوم الروح من جوهر آخر هى باطلة نقلا وعقلا ودليل ذلك أن قنوما الابن والروح قائمان وجودا وعدما على أقنوم الأبوة أو الوجود.

    فالآب الموجود بذاته ( الخالق ) أو الموجود بغيره ( المخلوق ) هو الأصل أي المصدر الذى يولد منه الابن ( أى العقل ) الذى يولد من الآب منذ وجوده سواء كان أزليا أو مخلوقا. وكذلك الروح تنبثق من الآب منذ وجوده سواء كان أزليا أو مخلوقا, ومن ثم لا يمكن للابن المولود من آب أزلى أن يصير عقلا لروح إنسانية منبثقة من آب مخلوق , لأن أنفصال أى أقنوم عن جوهر معناه فناءه,

    فالكلمة لا يمكنه أن يشخص روحا مخلوقة لأنه غير مولود من مصدرها ويستحيل أن يولد من اب مخلوق ليكون عقلا له.

     مما تقدم يتضح أن الابن والروح محمولان على الآب الذى هو مصدر وجودهما وجودا وعدما , وبالتالي لا يمكن أن نأتى بروح منبثقة من مخلوق محدث ونجعل لها عقلا مولودا من إلوهيم. لأنه حتى يصير عقل إلوهيم عقلا لروح مخلوقة .  لابد أن يولد من ذات المخلوق الذى انبثقت منه هذه الروح المخلوقة , وهذا باطل نقلا وعقلا.

    والواقع أن الجواهر العاقلة ليست مادية حتى ندخل عليها التركيب والإئتلاف, وهى مكتفية في ذاتها بحيث لا تقبل أي إضافة أو نقص لأن أقانيمها سواء بالولادة أو الإنبثاق قائمة على أقنوم وجودها أى أقنوم الآب أو الوجود وجودا وعدما. 

     من ذلك يتضح أن المسيح الكائن على الكل  إلها مباركا إلى الأبد آمين. الذى لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا. هو نفسه الكلمة الممسوح أزليا الذى بغير استحالة أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في  شبه الناس وإذ ظهر في  الهيئة كإنسان أطاع حتى الموت موت الصليب. فالمسيح ليس إنسانا متألها باتحاده بالكلمة. بل هو نفسه الكلمة المتجسد.

   

 

المبحث الرابع

الفرق بين المسيح والمؤمنين

في  المعتقد الأنطاكى واليعقوبى

    كانت عقيدة ساويرس الأنطاكى هى ذات عقيدة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية في  المسيح وقد أقيم اسقفا على أنطاكية على المذهب الخلقيدونى إلا أنه لم يلبث أن عقد مجمعا في  العام التالى رفض فيه المعتقد الخلقيدونى بالقول ما نصه :

     أن المسيح ليس بطبيعتين مشخصتين بالكلمة ( بحسب معتقد خلقيدونية ) .. بل أن في  المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ).

     وهذا معناه أن روح المسيح الإنسانية المشخصة بالكلمة بحسب معتقد ثيؤدورت الذى قبله ساويرس الأنطاكى إئتلفت بالطبيعة الإلهية فنشأت طبيعة ثالثة مشخصة بالكلمة.

      وهذا معناه أن اللوغوس ابتلع العقل البشرى ولاشاه وصار هو المشخص للروح الممتزج من الروحين, وهذا معنى قوله : أن في  المسيح طبيعة من طبيعتين ( روحين ) مشخصة بالكلمة .

     فلما جاء يعقوب البرادعى وكان تلميذا لساويرس الأنطاكى خالفه بالقول :

    لماذا تمتزج الطبيعتان ولا يمتزج الشخصان فقال  :

      " أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار بهذا الإتحاد شيئا واحدا في الموضوع وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد , وهو حقيقة ثالثة ( أي ابن ثالث محدث ) لا يصح عليها أنها إنسانية فقط , ولا إلهية فقط, وليس هو غير كل من الإله والإنسان ( أي ولا هما معا ) .. ولذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين . أزلى وزمنى " ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص 44 – 45 ).

       أيا كان الأمر فقد انعقد مجمع في القسطنطينية سنة 553 ميلادية أوقع الحرم في القانون الثامن منه على كل من ينادى بتعاليم ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى وكذا كل من يبطن النسطورية بالقول ما موجزه :

      كل من يستعمل العبارة  " طبيعة موحدة من طبيعتين " للكلمة المتجسد .. ولا يعنى بذلك أن أقنوم الكلمة وحد الطبيعتين ( الروحين ) في شخصه ( حسب معتقد مجمع خلقيدونية ) ولكنه يعنى بالطبيعة الموحدة امتزاج الطبيعتين الإلهية والإنسانية في طبيعة جديدة مشخصة بالكلمة ( حسب بدعة ساويرس الإنطاكى القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة الموحدة من طبيعتين ) ليكن محروما.

    وكذلك كل من يقول بشخصين ( حسب نسطور ) وكذا كل من يقول بطبيعة موحدة مختلطة أو ممتزجة من الطبيعتين ( حسب يعقوب البرادعى الذى عنى بالطبيعة الجوهر كاملا ) فليكن محروما (  " مجموعة الشرع الكنسى " القانون رقم 8  ص 469 ).

     من ذلك يتضح أن الفرق بين المسيح والمؤمنين في  المعتقد اليعقوبى قائم على أساس أن طبيعة المسيح الإنسانية العاقلة إئتلفت بالجوهر الإلهى وبهذا صار المسيح طبيعة من طبيعتين وابن من ابنين, لهذا يقال أن المسيح جوهر من جوهرين وابن من ابنين وهو حقيقة أو جنس ثالث ليس إلهيا ولا انسانيا, وفساد هذا التعليم وتعارضه مع الحق الكتالى بين ولا يحتاج إلى برهان.

     أما طبيعة المؤمنين فهى طبيعة إنسانية مشخصة بعقلها البشرى وهى هيكل للروح القدس الساكن فيها ( كورنثوس الأولى 3 : 16 + 6 : 19 ) ( كورنثوس الثانية 6: 16 ).


 

 

القسم الثانى

روح واحدة إلهية للمسيح المتجسد

One divine spirit of Christ the Incarnate

 

 

الفصل الأول

روح واحدة إلهية للمسيح الذى جاء في الجسد

     حتى نفهم المقصود بروح واحدة إلهية ( رومية 8 : 9 ) للمسيح الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) علينا أن ندرك أن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم الذى ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

     فروح المسيح أزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) وهو نفسه ابن إلوهيم ( يوحنا الأولي 4 : 15 ) المتكلم في الأنبياء منذ القديم ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) بالقول : " أنا الحكمة ..  منذ الأزل مسحت " ( أمثال 8 : 12, 23 ).

    وهذا معناه أن حكمة إلوهيم وكلمته مسح مسيحا منذ الأزل , وهذا معناه أيضا أن اسم المسيح خاص بالثالوث . لأن للثالوث صورة واحدة ( تكوين 1 : 26 ) وجوهر واحد ( العبرانيين 1 : 3 ) واسم واحد ( يوحنا 17 : 26 ) لهذا فإن الماسح والممسوح والمسحة واحد في الجوهر.

    لهذا قال المسيح للآب قد عرفتهم اسمك ( يوحنا 17 : 26 ) الذى هو اسمه , وقال عن الروح القدس روح الحق الذى هو روحه الذاتى أنه ماكث معهم ويكون فيهم ( يوحنا 14 : 17 ) ليحيهم بروحه الساكن فيهم ( رومية 8 : 11 ) لهذا قال بولس الرسول: " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في " ( غلاطية 2 : 20 ).

     فالمسيح حكمة إلوهيم وكلمته الممسوح مسيحا منذ الأزل هو الذى جاء متجسدا, وهذه هي شهادة يوحنا الرسول الذى شهد بها : بأن الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) وأن كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من إلوهيم, وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) فالمسيح هو إلوهيم الذى ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) بحسب شهادة بولس الرسول والذى أثبت أيضا أن يسوع المسيح هو الكائن ( أى منذ الأزل ) في صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 – 6 ) لأنه هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) فاسم المسيح أزلى لأن الذى مسح مسيحا منذ الأزل هو نفسه الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     نخلص مما تقدم أن اسم يسوع المسيح الذى جاء في الجسد هو إسم إلوهيم الذى ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

     لهذا فإن روح المسيح  هي بحسب الحق الكتابى روح إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) وهى أيضا روح حياة ( رومية 8 : 2 ) لأن المسيح بحسب الحق  الكتابي روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روحا له القدرة على إحياء أجسادنا المائتة وتحريرها من حكم الخطية والموت بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) بإقامتنا معه في المعمودية ( كولوسى 2 : 12 ) بروحه المالىء الكل ( أفسس 4 : 8 -10 ).

    لهذا فإنه – أي المسيح - وإن كان مماتا في الجسد بموت دم الجسد, إلا أنه أي جسده كان محييا ( أي مقاما من الموت ) في الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 - 19 ) لأن الذى هو القيامة والحياة (  يوحنا 11 : 25 ) وان صلب عن ضعف ( بسبب قابلية الدم للموت ) لكنه ( أي جسده ) كان حيا بقوة إلوهيم ( أي بالروح القدس المحيى الذى هو روح الحياة الذى في المسيح يسوع  الذى اعتقنا من حكم الموت بإحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) ( رومية 8 : 2 , 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

      أما النساطرة فينكرون هذا الحق الكتابى الواضح والصريح وينادون بتعاليم هي تعاليم ضد المسيح. لأنهم لما عرفوا إلوهيم ( أى المسيح بهاء مجده ورسم جوهره ) لم يمجدوه كإله بل حمقوا في أفكارهم, وأظلم قلبهم الغبي, وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا صورة مجد إلوهيم الذي لا يموت ( لأنه روحا محييا ) بشبه صورة إنسان يموت ( رومية 1 : 23 ) أي ذي نفس حية مائتة, وروح إنسانية عاقلة تمسك من جسد الموت مثل سائر البشر ( أعمال 2 : 24 ) أي أنه لا يختلف عن آدم الأول في شيء, وبهذا انكروا صورة مجد إلوهيم الذى هو روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) وبهذا استبدلوا حق إلوهيم بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق ، الذي هو مبارك إلى الأبد آمين, بأن زعموا أن المسيح الذى جاء في الجسد مولودا  تحت الناموس ليس ابن إلوهيم بل انسان نظيرنا يدعى يسوع المسيح, وزعموا أن هذا الإنسان نال حلولا إلهيا, ومن أجل هذا صار يعبد مع الكلمة بسجدة واحدة, ولم يكتفوا بهذا التجديف على روح المسيح  الذى هو الروح القدس, بل قاوموا الذين حاولوا أن يرشدوهم إلي الحق.

 

عقيدة نسطور في  المسيح

       هذه العقيدة يمكن تبينها من الرسالة رقم 5  لنسطور التي يهاجم فيه القديس كيرلس منكرا ولادة الكلمة وتجسده من الروح القدس ومن مريم العذراء بقوله:

    إن الآباء القديسين لم يذكروا ولادة بحسب التدبير بل تأنسا ( الرسالة رقم 5 : 5 ص 33 ).

    أي أن الكلمة لم يولد من العذراء بل تأنس أي صاحب الإنسان يسوع المسيح المولود من مريم ( لأن الاتحاد حسب معتقده بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ).

       وأن اللاهوت ( الكلمة ) لا يولد حديثا أي من امرأة ولا أن يتألم ولا أن يقيم جسده من الموت ( الرسالة رقم 5 ف 3 ).

      لهذا نسب هذه الأمور لإنسان يدعى يسوع المسيح زاعما أنه بسبب اتحاد الكلمة بهذا الإنسان شاركه اسمه, وبهذا تصير الولادة والصلب والقيامة وكأنها وقعت على الكلمة ( الرسالة رقم 5  ف 5 ) وليس أن الكلمة هو الذى ولد من العذراء ( غلاطية 4 : 44 ) وهو نفسه الذى تألم في الجسد وافتدانا بدمه بحسب الحق الكتابى ( أعمال 20 : 28 ) ( بطرس الأولى 1 : 18 – 19 ) ( العبرانيين 1 : 3 ).

   وهكذا أنكر نسطور لاهوت المسيح بالقول أنه انسان نظيرنا مولود من مريم ذي روح إنسانية عاقلة, وأن الكلمة جاء إليه كما جاء للقديسين مبينا الفرق بيننا وبينه بالقول:

      " كثيرون قبله كانوا قديسين, ولكن ولا واحد منهم دعى عمانوئيل. لماذا ؟ لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا " ( شرح تجسد الإبن الوحيد ف 7  ص 17, 18 ).

    أي أن عامل الوقت أو الحظ هو الذى جعل هذا الإنسان إلها.

    وأكد نسطور نفس المعنى في رده على انتقاد القديس كيرلس له بأنه إذا كان الكلمة قد جاء للمسيح كما جاء للأنبياء قديما فإنه يكون نبيا مثلهم. فرد عليه نسطور قائلا :

     أما الذين يقولون كلاما لا أساس له بالمرة مدعين بأن إلوهيم الكلمة جاء كما جاء من قبل للأنبياء. نقول لهم أنه ولا واحد من هؤلاء عندما جاء إليه الكلمة قيل عنه أن إلوهيم تجسد ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 46 ).

       وفي  مناظرة مع القديس كيرلس أنكر نسطور ولادة الكلمة من العذراء كما انكر تسميتها بوالدة الإله بالقول :

      إذا كان أحد يعلم بأن العذراء حبلت بالطبيعة التى هى فوق الخليقة ( أى الطبيعة الإلهية ) فإن هذا هو الجنون بعينه. لأن الطبيعة الإلهية لا تولد, ولا تلك المائتة ( أى العذراء ) تصبح أما لغير المائت ( أى الكلمة ) لكننا نؤكد أن الكلمة أخذ جسدا مثل جسدنا ( أى إنسان حسب المفهوم النسطورى ) واتحد به اتحادا حقيقيا, وأنه تأنس ( أى صاحب إنسانا ) ( شرح تجسد الابن الوحيد فقرة 28 ص 49 - 50 ).

     وجدير بالذكر أن هذا الكتاب " شرح تجسد الابن الوحيد " هو في الأصل عبارة عن مناظرة بين القديس كيرلس ونسطور يفند فيها تعاليم نسطور, إلا النساطرة سطوا على الكتاب وقاموا بإزالة أشخاص المناظرة والتلاعب فيه لإثبات النسطورية بتزييل بعض ردود القديس كيرلس بفقرات نسطورية بحيث تقلب المعنى وبحيث يظهر التعليم لعادمى التمييز وكأنه كله للقديس كيرلس رغم أن بعضه يعارض بعضه الآخر ويفنده.

    لهذا فإن الفقرة المتقدم بيناها والتي اقتبسناها من تعاليم نسطور مردود عليها بذات المؤلف اعتبارا من الفصل 29 حتى 35 يعقبها تعاليم  نسطور ثم تعاليم لكيرلس فنسطور إلى آخر كتاب " شرح تجسد الابن الوحيد ".

    والتمييز بين التعاليم الأرثوذكسية المتفقة مع الحق الكتابى, والتعاليم النسطورية المعارضة لها بين لكل ذي فهم.

    أما ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى فكان على ذات معتقد نسطور حتى أنه وضع مؤلفا بعنوان " دفاع الأسقف ثيؤدورت عن ديودورس وثيودورس ( معلمى نسطور ) المجاهدين في  سبيل الإيمان القويم  " هاجم فيه القديس كيرلس قائلا :

     " إن كتاب كيرلس ضد ديودورس كله على هذا النمط : إنه لم يأخذ إنسانا لكن هو صار إنسانا ( أي ظهر في الهيئة كإنسان " فيلبى 2 : 8 " ) لم يتدبر في  الإنسان بل تدبر جسديا. إن الوحيد نفسه تجسد وذاق الموت " ( " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية "  ص 83 ).

    ثم بعد أن تم حرم نسطور في مجمع أفسس الأول سنة 431 للميلاد المجيد لقوله بشخصين عاقلين في المسيح باعتبار ان اسم المسيح خاص بإنسان وليس بالكلمة, بدأ ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى السوفسطائى يضع أسس بدعة جديدة مؤسسة على ذات بدعة نسطور زعم فيها أن اللوغوس ( الكلمة ) بالإتحاد بالعقل البشرى للإنسان يسوع المسيح قد نحاه وأبطله وقام مقامه في تشخيص روح المسيح الإنسانية فصار هو عقلها منذ وجودها, وبهذا صار أقنوم أو شخص الكلمة بحسب بدعة ثيؤدورت هو الجامع للطبيعتين أي للروحين الإلهية والإنسانية معا في المسيح, وبهذا صار في  المسيح شخصا واحدا هو شخص الكلمة المشخص للروحين الإنسانية والإلهية معا.

      وقد وضع ثيؤدورت في شرح معتقده هذا كتابين : الأول بعنوان " الجامع للطبيعتين " والثانى بعنوان " برهان المقايسة " تم نشرهما في كتاب واحد بعنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان" وتم نشره بجهالة منسوبا للقديس اثناسيوس الرسولى رغم أن الكتاب يثبت معتقد ثيؤدورت الذى تبناه مجمع خلقيدونية في أن اقنوم الكلمة جامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا , وهو ما تم حرمه في مجمع أفسس الثانى وتجدد حرمه في مجمع خلقيدونية , وبهذا صار المسيح الإنسان مشخصا بأقنوم الكلمة الجامع للطبيعتين ( أي الروحين الإنسانية والإلهية معا ) بحسب معتقد ثؤدورت أسقف قورش النسطورى ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 4 ص 53 ) وهو بهذا يناقض تعليم نسطور القائل بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بعقلها الخاص وهو التعليم المثبت بكتابين لنسطور منسوبين زورا أيضا للقديس اثناسيوس الرسولى للترويج لبدعة نسظور المثبتة للعقل البشرى في روح المسيح الإنسانية ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 14 ص 39 )  ( " ظهور المسيح المحيى " ف 1 , 16 ) وقد هاجم نسطور في كتابه الأول التعليم بأن يكون عقل المسيح إلهيا ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 14 ص 39 ).

       وبداهة أن نسطور في رده هذا على القديس كيرلس لم يكن يهاجم  تعليم ثيؤدورت أسقف قورش الذى تبناه مجمع خلقيدونية والقائم على أساس الإعتقاد بأن المسيح انسان وأن روحه الإنسانية تشخصت بالكلمة منذ لحظة وجودها, وإنما كان يهاجم  تعليم القديس كيرلس القائل بأن المسيح هو الكلمة, فاعتقد نسطور وفقا لمعتقده الفاسد بأن هذا معناه أن روح المسيح الإنسانية تشخصت بالكلمة لاعتقاده بأن المسيح إنسان وليس هو الكلمة المتجسد .       

      ومعلوم أن ثيؤدورت كان يكن العداء الشديد لأوطيخا الذى تصدى لبدعته الجديدة حتى أنه وضع مؤلفا اسماه " الشحاذ " أو المتسول هاجم فيه أوطيخا الذى كان صديقا للقديس كيرلس واشترك معه في مجمع افسس الأول وكان الحافظ لقررات المجمع.

    كما سبق وهاجمه مع القديس كيرلس في عظة ألقاها بكنيسة أنطاكية بحضور دومنوس اسقف انطاكية سنة 442 ميلادية قال فيها :

   " أن إلوهيم اتخذ إنسانا ولئن أبى بعضهم " ( " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية "  ص 83 ).

      فلما جاهر ثيؤدورت ببدعته الجديدة التى قبلها فلبيانوس أسقف القسطنطينية ووصلت مسامع أوطيخا, هب أوطيخا منتفضا مفندا هذه التعاليم المنحرفة فلما حرم من قبل مجمع فلبيانوس النسطورى. تقرر عقد مجمع أفسس الثانى لفحص هذه البدعة الجديدة التى تم حرمها مع المنادين بها في مجمع أفسس الثانى, وتجدد حرمها في مجمع خلقيدونية.

     هذه هي عقائد كل من نسطور وثيؤدورت في  طبيعة المسيح باعتبارها طبيعة إنسانية بالمخالفة للحق الكتابى.

  

 

المبحث الأول

معتقد الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح هو المعتقد الأرثوذكسى

    المحقق تاريخيا أن الهراطقة سواء كانوا أريوسيين أو نساطرة. كثيرا ما عقدوا مجامع حرموا فيها العقيدة الصحيحة.

     من هذه المجامع مجمع القسطنطينية المسكونى الثانى المزعوم عقده سنة 381 وهو مجمع ملفق اصطنعه النساطرة لحرم العقيدة الأرثوذكسية الصحيحة في الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد  باعتبارها بدعة من وضع أبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى, كما عقد يوحنا بطريرك أنطاكية مجمعا محليا سنة 431 ميلادية حرم فيه القديس كيرلس نفسه بتهمة الأبولينارية.

    كما حرم مجمع فلابيانوس أسقف القسطنطينية سنة 448 ميلادية أوطيخا رفيق القديس كيرلس عمود الدين بتهمة الأبولينارية.

     فتم عقد مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية الذى أسقط الحرومات الموقعة ضد أوطيخا وأثبت أرثوذكسيته وتم حرم أقطاب النسطورية في هذا المجمع بحرم أساقفة أنطاكية والقسطنطينية لنسطوريتهما, فعقد النساطرة مجمع خلقيدونية وفيه حرموا ديوسقوروس بتهمة الأبولينارية وحرموا أوطيخا بذات التهمة. لاعتقادهم أن الكلمة بطبيعتين وأن القول بطبيعة وحدة إلهية للكلمة المتجسد معناه أن الروح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية وهو مالم يقولا به مطلقا لأنهم لايؤمنون بأن المولود من مريم انسان بل هو الكلمة المتجسد.

       إذ المحقق تاريخيا أن أوطيخا لم يقل أبدا بطبيعة من طبيعتين بل بروح واحدة إلهية للمسيح المتجسد حسب الحق الكتابى. 

   إلا انهم نسبوا إليه زورا القول بأن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية ولاشتها, وكانه نادى بطبيعة من طبيعتين للمسيح المتجسد , وهى بدعة شبيهة ببدعة ساويرس الأنطاكى. خلا أن الطبيعتين في المذهب الأنطاكى امتزجتا ولاشيتا بعضهما البعض ونشأت طبيعة جديدة مكونة من الطبيعتين تشخصت بالكلمة الذى ابتلع الابن البشرى ولاشاه وقام مقامه في  تشخيص روح المسيح الإنسانية قبل أن تمتزج بالإلهية ويلاشيا بعضهما البعض .

    ورغم أن الخلقيدونيين نسبوا لأوطيخا زورا القول بأن الطبيعة الإلهية بالإتحاد بالطبيعة الإنسانية أبطلتها بحيث لم يبقى سوى طبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد. إلا أنهم سقطوا في بدعة شبيهة بها بقولهم أن الكلمة باتحاده بالعقل البشرى لاشاه وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية.

     وهكذا سقطوا في بدعة الملاشاة التي نسبوها لأوطيخا زورا بقولهم أن اللوغوس صار هو المشخص للروح الإنسانية بما يعنى أن اللوغوس أبطل العقل البشرى للروح الإنسانية وقام مقامه في تشخيصها وهذا باطل نقلا وعقلا.

      ونحن لا يعنينا أن الروح الإنسانية كانت بلا شخصية منذ وجودها أو أن شخصيتها كانت موجودة ولكن متنحية بحسب معتقد ثيؤدورت أسقف قورش.

    ما يعنينا هو محصلة هذا الإتحاد وهو أن اللوغوس عمليا أبطل العقل البشرى وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية وهى في حد ذاتها بدعة شبيهة بالبدعة المنسوبة لأوطيخا زورا لأن القول أن الكلمة ابطل الروح الإنسانية لا يختلف عن القول أنه ابطل العقل البشرى وقام مقامه, لأن الروح الإنسانية غير منفصلة عن عقلها وإبطال الجزء هو إبطال للكل. 

    وقد حاول احد اليعاقبة التصدي بالرفض للتعليم بالروح الواحدة الإلهية الأزلية التى ليسوع المسيح الذى جاء في  الجسد, فسقط في بدع متنوعة أولها سقوطه في بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة لأوطيخا بقوله بأن للمسيح روح إنسانية عاقلة. مع قوله بأن للمسيح روح واحدة من روحين. بما يعنى أن روح المسيح المكونة من روحين هي روح إنسانية عاقلة. وهذا معناه أن الطبيعة الإنسانية ابتلعت الطبيعة الإلهية .

     ومحصلة هذا الكوكتيل من البدع أن روح المسيح إنسانية حسب نسطور وأنها ممتزجة من طبيعتين حسب الأنطاكى والبرادعى.

      ثم ناقض نفسه بالقول بحسب معتقد خلقيدونية بأن طبيعة المسيح الإنسانية كانت الطبيعة الوحيدة التي بلا شخصية أي بلا عقل بشرى يشخصها منذ وجودها , وأن اللوغوس هو المشخص لها حسب معتقد خلقيدونية. فهدم بذلك مقولته الأولى بالروح الإنسانية العاقلة وسقط في بدعة خلقيدونية بالروح الإنسانية المشخصة بالكلمة الذى ابطل العقل البشرى ولاشاه وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية, وهذا يضاد معتقد نسطور بأن للمسيح طبيعة إنسانية عاقلة.

     ثم نقض ذلك كله بقوله بأن في المسيح طبيعة من طبيعتين  تجمع خواص الطبيعتين الإلهية والإنسانية دون أن تكون أيا منهما أو معا وهى مشخصة باللوغوس.

        نسأل أن يفتح إلوهيم ذهنة ليرى انارة .. مجد إلوهيم في وجه يسوع المسيح ( كورنثوس الثانية 4 : 4 -6 ) هذه الإنارة لم نقبلها من انسان ولا تعلمناها من إنسان بل بإعلان يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     أما عن زعم النساطرة المعاصرون بمختلف مذاهبهم بأن القديس كيرلس وأثناسيوس الرسولى كانوا يستخدمون مؤلفات أبوليناريوس بجهالة معتقدين أنها أرثوذكسية.

     فمردود بأن هؤلاء القديسين كانوا يستخدمون الكتاب المقدس وليس تعاليم إنسانية في إثبات معتقداتهم.

     إن خطأ الهراطقة المعاصرين هو اعتمادهم على كتب مزورة منسوبة زورا للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين على أنها أرثوذكسية دون تمييز أو ادراك مخالفتها لصورة التعليم الصحيح المسلم مرة للقديسين.

   فإن لم يستطيعوا أن يميزوا بين الغث والسمين فليتركوا هذه الكتب وليتتلمذوا على الكتاب المقدس وحده.

     لهذا يعتقد اليعاقبة الذين تتلمذوا على هذه المؤلفات النسطورية, أن اليعقوبية هى المذهب الأرثوذكسى. في  حين أن اليعقوبية كما هو ثابت تاريخيا وعقيديا ليست أرثوذكسية [25] بل هى من وضع ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى وهما مثل نسطور وثيؤدورت ومجمع خلقيدونية من أصحاب الطبيعتين, وجميعهم نسبوا تعاليمهم المتناقضة والمتعارضة عقيديا للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين  .

     ورغم أن المحقق تاريخيا أن الكنائس اليعقوبية عرفت بهذا الاسم منذ تمسكها بهذا المذهب. إلا أن أتباع الكنائس اليعقوبية رغم يعقوبية معتقدهم ينكرون ذلك بزعم أن معتقدهم هو المعتقد الأرثوذكسى بالمخالفة للحقيقة التاريخية.

     والواقع أن كثير من الذين يطلق عليهم يعاقبهم هم انطاكيين لتمسكهم بعقيدة ساويرس الأنطاكى بأن الطبيعة الممتزجة من طبيعتين مشخصة بالكلمة.

     وهذا ليس مستغربا لأن النساطرة أنفسهم والخلقيدونيين يعتبر كل منهم أن هرطقته هي المعتقد الأرثوذكسى رغم استنادها على ذات تعاليم أريوس المنكرة للاهوت المسيح.

     أما العقيدة الصحيحة والمتفقة مع الحق الكتابى فيزعمون أنها البدعة المعروفة بالأبولينارية نسبة إلى تلميذ أثناسيوس الرسولى الذى بحرمه يحرمون أثناسيوس الرسولى وكل أصحاب الإيمان الأرثوذكسى المستقيم.

     لأن تعليم الإتحاد هو تعليم أصحاب الطبيعتين بكافة مذاهبهم. 

     لهذا يعارض أصحاب الطبيعتين من نساطرة وخلقيدونيين وأنطاكيين ويعاقبة تعاليم أبوليناريوس المضادة لتعاليمهم الفاسدة المضادة للحق الكتابى والمؤسسة على بدعة القول بأن المسيح إنسان نظيرنا اتحد به الكلمة بكيفية مختلف حولها فيما بينهم .

     والواقع أن التعليم بأن روح المسيح إلهية هو الذى يمثل العقيدة الأرثوذكسية الحقة المتفقة مع الحق الكتابى وأقوال الآباء الصحيحة.

     أما التعليم بأن روح المسيح إنسانية مشخصة بعقل بشرى حسب نسطور, أو مشخصة باللوغوس حسب مجمع خلقيدونية, فجميعها باطلة وقد تم حرمها في مجامع مسكونية. أما التعليم بأن في  المسيح  روح واحدة من روحين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى  أو مشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى فجميعها أيضا باطلة وقد تم حرمها في  مجامع خلقيدونية فور ظهورها.

     والواقع أن جميع البدع القائمة على الإتحاد والإئتلاف والخلط والإمتزاج بين الطبائع العاقلة هى بدع منافية للمنطق والحق الكتابى , لأن أقنوما العقل والروح محمولان على أقنوم الوجود, وأقنوم الوجود إما أزلى أو محدث. فإن كان الموجود أزلى فإن العقل المولود منه والروح المنبثقة منه يكونان أزليان بأزلية المصدر، وان كان الموجود محدث أي مخلوق فإن العقل المولود منه والروح المنبثقة منه يكونان محدثين مثله.

    وهذا معناه أن الابن الأزلى المولود من الآب الأزلى لا يستطيع أن ينفصل عن أبيه ليولد من آب مخلوق ليصير عقلا له. لأن الابن محمول على جوهر وجوده وجودا وعدما, لهذا  حتى يشخص العقل جوهر ما لابد أن يولد منه وحتى يحيه لا بد أن ينبثق منه. 

    وهذا معناه استحالة انفصال ابن مولود من آب أزلى, ليولد من آب مخلوق ليشخصه ويشخص روحه الإنسانية المنبثقة منه .

     وعليه إن قيل بحسب مذهب ساويرس الانطاكى ويعقوب البرادعى بإمكانية امتزاج الروحين الإلهية والإنسانية في روح ثالثة ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا . فهذا معناه ملاشاة روح الإله ببالإمتزاج,  فإذ صح ذلك نكون قد لاشينا لا حياة الإله بل وجوده ذاته, ومتى لاشيناها نكون قد لاشينا الخليقة كلها.

     فالآن أيها الذين بلا منطق أفتظنون أن إلوهيم الذى أعطانا الوجود والحياة والمنطق وعلمنا أن الابن مولود من الآب , وأن الروح القدس منبثق منه , أنه فقد حياته بالإئتلاف بروح مخلوقة شخصها وجوهر وجودها , أو أن روحه تغيرت فصارت روح ممتزجة ليست إلهية. حاشا؟

     والحق أننا لا نتحزب لأشخاص بل للحق الكتابى, ولو أن القديس كيرلس نفسه هو الذى نادى بالطبيعة الممتزجة لرفضناه كهرطوقى, ولكننا لسبب نعمة المسيح التى فينا نستطيع أن نميز بمنتهى السهولة بين تعاليم هذا اللاهوتى الثقة المتفقة مع الحق الكتابى, وتلك التى دسها عليه الهراطقة والتي يرددها الذين اعمى إبليس بصيرتهم عن رؤية مجد المسيح الذى هو صورة إلوهيم.

     والحق أن جميع الأقوال المختصة بطبيعتين متحدتين في  المسيح بأى كيفية والمنسوبة للآباء هى مزورة لتعارضها مع الحق الكتابى وأقوال الآباء الصحيحة التى تثبت أن للمسيح الكلمة المولود من الآب روح واحدة إلهية هى الروح القدس المنبثق من الآب قبل كل الدهور.

     لأن الرب لا يمكن أن يمنح مجده لآخر. لأنه مكتوب:

     أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر ( أشعياء 42 : 8 ) وأيضا وكرامتى لا أعطيها لآخر ( اشعياء 48 : 12 ) ويقول أيضا :

     " للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " ( لوقا 4 : 8 ).

    وحول ماهية شخص المسيح وهل هو مساو لنا في  الجوهر أما مساو لإلوهيم في  الجوهر يقول بولس الرسول عن المسيح يسوع الذى إذ كان في  صورة إلوهيم ( أي منذ الأزل ) لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا. لكنه أخلى ذاته آخذا صورة عبد ( أى آخذا هيئة الإنسان المستعبد للموت حتى يصير مثلنا قابلا للموت ) صائرا في  شبه الناس, وإذ وجد في  الهيئة كإنسان, وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ( لذلك فالإخلاء هو أن الذى هو بالطبيعة روحا محييا أخذ جسدا قابلا للموت حتى إذا ما إلتقى بالموت في  جسده الخاص أباده وأبطله بروحه المحيى الذى هو الروح القدس الذى هو وحده روح القيامة والحياة الذى أقام جسده الخاص وسيقيمنا نحن أيضا بروحه الساكن فينا, وإذ تمم القصد من إخفاء صورة مجده بصلبه عاد إلى رفعة عدم الموت ) لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم ( أى اسم إلوهيم الذى أخفاه تدبيريا ) لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة مما في  السماء وما على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     فمن يستطيع أن يحرم القائلين بأن المسيح ليس من جوهرنا بل من جوهر إلوهيم, وأن روحه هو الروح القدس الرب المحيى. دون أن يحرم معهم بولس الرسول الذى أثبت أن يسوع المسيح ليس إنسان بل صورة إلوهيم المساو له في  المجد, وأن روحه المحيى هو روح المسيح.  الرب من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 45 - 47 ).

     وإن جهل أحد ماهية الروح المحيى وأنه الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى فليجهل. دمه على رأسه.

     وحول إثبات أن روح المسيح إلهية وليست إنسانية أو ممتزجة يقول بطرس الرسول:

      " الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها " ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     من هذه الآية يتضح أن روح المسيح هو الروح القدس الناطق في  الأنبياء منذ القديم الذى سبق فشهد بالآلام التى له والأمجاد التى بعدها.

     وفي  ذات المعنى يقول بولس الرسول:

     " فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب " ( العبرانيين 9 : 15 ).

     هذه الآية تظهر كيف أن المسيح هو إلوهيم الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ).

     ويقول أيضا:

     أن ناموس الروح المحيى في  المسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت .. وأما أنتم فلستم في  الجسد بل في  الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له ( رومية 8 : 2 , 9 ).

     فمن يستطيع أن يحرم من يقول بأن روح المسيح هو الروح القدس الناطق في  الأنبياء منذ القديم دون أن يحرم معه بطرس الرسول.

     ومن يستطيع أن يجاهر بأن المسيح إنسان بجوهر بشرى ويرفض قول بولس الرسول بأنه ليس إنسان وإنما ظهر في  الهيئة كإنسان وأن روحه أزلية ناطقة في  الأنبياء ولا يكون تحت الحرم الرسولى الذى أثبته بولس الرسول بقوله:

     إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن محروما .. وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته. بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 6 - 12 ).

    فروح السيد المسيح كما نرى ليست إنسانية ولا ممتزجة بل أن روحه هو الروح القدس الأزلى الناطق في  الأنبياء.

      وقد حذر بولس الرسول الكنيسة من قبول أى تعليم آخر غير ما سلمه لهم بقوله:

     إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن محروما ( ملعونا ).

      فكل من يأتى بخلاف هذا التعليم أيا من كان حتى لو كان بولس الرسول نفسه أو ملاك من السماء أو كان منسوبا إلى مجمع مسكونى أو محلى أو أقوال آباء أو بطاركة فهو محروم بأمر رسولى.

     لقد حرم القديس ديوسقوروس بطاركة الكراسى الرسولية الأربعة وكانوا يمثلون أربعة أخماس الكنيسة الواحدة عند نادوا بتعاليم منحرفة تضاد الحق الكتابى والتسليم الرسولى بقولهم أن المسيح إنسان وليس المساو لإلوهيم في  المجد وأنكروا روحه الإلهية بقولهم أنها إنسانية مشخصة بالكلمة, وها هو تعليم أكثر إنحرافا من تعليم خلقيدونية يزعم القائلين به بأن للمسيح روح من روحين لا جنس لها أى ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو بأقنوم من أقنومين حسب يعقوب البرادعى.

     تعليم يضاد صورة التعليم الصحيح بأن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم وأنه المساو لإلوهيم في  الجوهر الذى أخلى ذاته صائرا في  شبه الناس, وإذ وجد في  الهيئة كإنسان. أطاع حتى الموت موت الصليب ( فيلبى 2 : 5 - 8 ).

     لقد حرم الأريوسيين أثناسيوس لتمسكه بالحق الكتابى بأن المسيح مساو للأب في  الجوهر, وحرم ديودوروس وثيودوروس معلمى نسطور العلامة أبوليناريوس لتمسكه بذات العقيدة المخالفة لمعتقدهم الفاسد بأن المسيح مجرد إنسان غير مساو لإلوهيم في  الجوهر. كما حرم أصحاب الطبيعتين كيرلس في  أفسس ودويسقوروس وأوطيخا في  خلقيدونية لتمسكهم بصورة التعليم الصحيح بأن المسيح هو المساو لإلوهيم في  الجوهر وأن روحه إلهية.

     فهل للحرومات التى أصدرها منكرى لاهوت المسيح في  مجامعهم ضد هؤلاء القديسين أى قيمة؟

     يقول الرسل في  تعاليمهم:

     " إذا أوجبت المحكمة القضية على أحد ظلما فإن الحكم الذى يخرج من فمها يرتد عليها " ( دسقولية 8 : 34 - 36 ). 

 

     ويقول القديس كيرلس عن الأساقفة الذين أقاموا أنفسهم خداما لتجاديف نسطور:      

     " هؤلاء ليس لهم بالمرة أى سلطان أسقفي  لأن المجمع المقدس في  أفسس قد قرر أن كل ما يحاولون أن يتخذوه ضد أى أحد إنما هو باطل " ( الرسالة رقم 74 فقرة 5 ).

     وعلى ذلك فإن أى أسقف أيا كانت رتبته يتحذب لتجاديف نسطور يفقد سلطانه الإلهى ومن فمه يخرج الحكم على نفسه. لأن حكمه يرتد على رأسه. 

     لأن أحد وهو يتكلم بروح إلوهيم لا يمكنه أن يقول يسوع أناثيما كما لا يستطيع أحد أن يقول  يسوع رب إلا بالروح القدس.

     اعتقد النساطرة أن إلوهيم الكلمة اتحد بإنسان نظيرنا يدعى يسوع المسيح  ذى روح إنسانية عاقلة وبهذا صار في  جسد المسيح شخصان عاقلان لكل شخصيته المستقلة أحدهم إلوهيم الكلمة والثانى المسيح الإنسان المولود من مريم.

     فلما بلغ هذا التعليم آذان كيرلس كتب مفندا له معلما بأن المسيح هو نفسه إلوهيم الكلمة وأن طبيعته ( فيزيس أى طبيعة عاقلة ويقصد بها الروح ) إلهية. فاتهم نسطور كيرلس بالأبولينارية نسبة إلى أبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى الذى حرمته مجامع نسطورية لقوله مقولة أثناسيوس الرسولى المؤسسة على الحق الكتابى  بأن روح المسيح إلهية .

     والواقع أن تعليم أبوليناريوس الذى حرمته مجامع أصحاب الطبيعتين هو التعليم الأرثوذكسى الذى علم به أثناسيوس وكيرلس وديوسقوروس وأوطيخا وغيرهم من أبطال الأرثوذكسية وهو تعليم مجمع نيقية المسكونى الأول الذى أثبت أن المسيح ابن إلوهيم الوحيد مساو للآب في  الجوهر. أما النساطرة فنادوا بأن المسيح ليس ابن إلوهيم بل ابن إنسان من جوهر بشرى مثلنا اتحد به ابن إلوهيم الكلمة في  وحدة الأسماء.

     فلما حرم كيرلس في  مجمع أفسس الأول القائلين بشخصين في  المسيح بحسب معتقد نسطور تفتق ذهن ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى عن بدعة جديدة زعم فيها أن روح المسيح الإنسانية تشخصت بالكلمة منذ نشأتها مبطلا بذلك عقلها البشرى ليصير في  جسد المسيح شخص واحد مشخص للروحين الإلهية والإنسانية بالإتحاد المزعوم مظنة منه أنه بذلك يلتف حول حرومات كيرلس .

      فكان أن قام ديوسقوروس في  مجمع أفسس الثانى بحرم جميع القائلين بهذا التعليم الكفرى الذى يجعل من روح المسيح الإلهية مجرد روح إنسانية مخلوقة مشخصة بالكلمة الذى شخصها مبطلا عقلها البشرى ليقوم مقامه. وبهذا صارت روح المسيح حسب خقيدونية ليست إلهية بل روح أسطورية مركبة من خالق ومخلوق.

     ثم في  مجمع خلقيدونية نسب الخلقيدونيين لأوطيخا القول بأنه إن قال أن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية فإن معنى هذا أن الروح الإلهية إبتلعت الروح الإنسانية ولاشتها. بزعم أنه كان للمسيح روحين إلهية وإنسانية قبل الإتحاد في بطن العذراء ثم بالإتحاد ابتلعت الروح الإلهية للكلمة الروح الإنسانية ولاشتها.

     وهكذا أشاعوا أن أوطيخا نادى بطبيعتين في المسيح وأن أحدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى بالمخالفة للحقائق التاريخية الدامغة وفي  مقدمتها كتاب " الشحاذ " لثيؤدورت أسقف قورش النسطورى الذى هاجم فيه أوطيخا متهما إياه بالأبولينارية المعتبرة بدعة عند النساطرة. فضلا عن الأدلة الواردة بمجمع فلابيانوس والمثبتة بأن أوطيخا كان على ايمان كيرلس ومجمع افسس المتفق مع الحق الكتابى . بأن للمسيح الكلمة المتجسد. طبيعة ( روح ) واحدة إلهية.

     ثم في  القرن الخامس ظهر يعقوب البرادعى وكان يعتقد في  تعليم الإتحاد بين إلوهيم والإنسان. فأراد أن يصيغ الإتحاد بصيغة لم تلحقها الحرومات المتبادلة بين أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين الذين حرموا كل من يفسر كيفية الإتحاد بين الجوهرين بخلاف معتقدهم, فكان أن نادى البرادعى بأن للمسيح روح واحدة من الروحين وأن هذه الروح من الروحين ليست إلهية وليست إنسانية وإنما هى روح لا جنس لها وانها ليست مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى, وإنما علم ببدعة جديدة قوامها أن الشخصين أو الإبنين الإلهي  والبشرى إئتلفا أيضا في الشخص المسمى يسوع المسيح .

     من ذلك يتضح اختلاف أصحاب الطبيعتين حول كيفية هذا الإتحاد المزعوم الذى لا نجد له أى سند في  الكتب المقدسة التى لم تستخدم لفظة " اتحاد " أو " إئتلاف " مطلقا بل على العكس استخدمت لفظة " شركة " ( العبرانيين 2 : 14 ) المرفوضة من عموم النساطرة المخالفين للحق الكتابى القائل :

    " إذ قد تشارك الأولاد ( أرواح البشر ) في  اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ).

     والواقع أن النسطورية بكافة مذاهبها رغم أنها مؤسسة على الإثنينية إلا أنها تزعم وحدة الشخصية في المسيح  بالإتحاد المزعوم بين الشخصين أي الأقنومين. فنسطور يزعم وحدة الشخصين في اسم المسيح باعتباره الاسم الذى انتحله الكلمة بعد حلوله في الإنسان المسمى المسيح , والخلقيدونيين يزعمون هذه الوحدة في تشخيص الكلمة للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا , واليعاقبة يزعمون هذه الوحدة بشخص الإئتلاف, وساويرس الأنطاكى يزعم هذه الوحدة في شخص الكلمة المشخص للطبيعة المكونة من طبيعتين.

     والواقع إن تعليم الإتحاد بين الطبائع المختلفة هو تعليم النساطرة والخلقيدونيين واليعاقبة الذين ينادون بتعاليم متفاوتة بعيدة كل البعد عن البساطة التى في  المسيح حيث يعتقد الخلقيدونيين أن للمسيح روحين واحدة إلهية وأخرى إنسانية غير عاقلة تشخصت بالكلمة ( خلاف نسطور الذى كان يعتقد بأن روح المسيح الإنسانية كانت تعقل وجودها بعقلها البشرى ) وهكذا سقط الخلقيدونيين بإبطالهم العقل البشرى في  بدعة الملاشاة المنسوبة لأوطيخا.

     لأن العقل الإلهى إذا شخص الروح الإنسانية وصار هو عقلها فإنه يكون قد لاشى عقلها البشرى وقام مقامه, ووفقا لمنطقهم الفاسد الوارد في  كتبهم نسألهم هل فدى المسيح روح الإنسان دون أن يفدى عقله؟ وهل للروح الإنسانية قيام بدون عقلها البشرى؟ وهل تفتدى الأرواح؟

     لو كان للروح فدية . لافتدى إلوهيم الملائكة أيضا, ولكن الذى افتدى هو الدم المدنس بشوكة الموت بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 -18 )  لأن الدم يكفر عن الدم ( لاويين 17 : 11 – 14 ) الذى يشترك فيه البشر جميعا ( أعمال 17 : 26 )  وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) وهذا يثبت فساد مقولة نسطور بأن ما لا يؤخذ لا يخلص.

     لأن الجسد وحده هو الذى يحتاج إلى الخلاص بالقيامة من بين الأموات. هو وحده الذى يحتاج أن يرفع عنه الحكم أنت تراب وإلى تراب تعود ( تكوين 3 : 19 ).

لهذا يقول القديس كيرلس عمود الدين :

     لأن الجسد وحده هو الذى وقع فريسة للموت أما الروح فلم تفقد خلودها لأنـه عن الجسد وحده قيل " تراب أنت وإلى التراب تعود " لذلك كانت الحاجة ماسة إلى قيامة الجسد من جديد بروح الحياة  الذى في المسيح يسوع القادر وحده على ابطال موت الجسد ورفع عقوبة الخطية " تراب أنت وإلى التراب تعود " بأن يتحد الجسد المائت بالكلمـة الذى يحيى الكل, وعندما يصبح الجسد جسد الكلمة فإنه يشترك معه في  عدم الموت الخاص بالكلمـة ( شرح انجيل يوحنا  للقديس كيرلس السكندرى 1 : 9 يو 1 : 14 ص 129 - 130 ) كما هو مكتوب فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ( أي في المعمودية التي هي شركة صلب ودفن وقيامة مع المسيح ) نصير أيضا ( أي نتحد أيضا ) بقيامته ( رومية 6 : 3- 6 ) لإنه إن كنا قد متنا مع المسيح ( في المعمودية ) نؤمن أننا سنحيا أيضا معه ( هذه هي القيامة الأولى مبارك ومقدس من له نصيب فيها ).

     أما اليعاقبة فانحدروا في  هوة أعمق من تلك التى سقط فيها الخلقيدونيين بقولهم أن للمسيح طبيعة واحدة من الطبيعتين ومن ثم لم تعد إلهية ولا إنسانية ولاهما معا وإنما هى طبيعة ثالثة لا جنس لها هى مزيج من الطبيعتين مشخصة بشخص من شخصين لا جنس له.

     أى أن الجوهرين بالإمتزاج تلاشيا ونشأ جوهر جديد يجمع خواص الجوهرين دون أن يكون خاصا بأيا منهما أو معا زعموا أنه الجوهر المسمى المسيح .

     والكارثة في المذهب اليعقوبى هو أن الابنين الأزلى  والزمنى لاشيا بعضهما البعض وتكون ابن جديد أي ابن ثالث ليس إلهيا ولا إنسانيا ولا هما معا  .. لهذا قيل أنه جوهر من جوهرين ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص 45 ).

    فمن الذى افتدانا في  هذا التعليم؟ وأى روح سيعطينا في  المعمودية ؟ روح ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا, فماذا تكون؟ أين هذا التعليم من البساطة التي في المسيح ( كورنثوس الثانية 11 : 3 ).

     ورغم أن الخلاف بين عقائد النساطرة حول طبيعة المسيح أى روحه بينة وواضحة. إلا أن إتجاه حديث في  الرأى نادى بجهالة عظيمة بأن الخلاف بين الأرثوذكس والنساطرة والخلقيدونيين واليعاقبة لم يكن خلافا جوهريا بلا كان خلافا لفظيا مرجعه الحقيقى أسباب سياسية حول زعامة الكنيسة.

     وردا على ذلك نقول لأصحاب هذا الإتجاه - الذى يغلب أن يكون نسطورى - أن الآباء لم يكونوا من السذاجة التى افترضوها أو تصوروها. لأن الخلاف حول روح المسيح في  نيقية وأفسس الأول والثانى وخلقيدونية لم يكن لفظيا بل جوهريا إذ كان يدور حول ماهية روح المسيح هل هى إلهية حسب المعتقد الأرثوذكسى, أم إنسانية مشخصة بعقلها الخاص حسب نسطور أو مشخصة بالكلمة حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية. أم أن روح المسيح واحدة من روحين تجمع صفات الطبيعتين وخصائصهما دون أن تكون أيا منهما على حدة  أو معا مشخصة بالكلمة بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ومشخصة بابن من ابنين بحسب معتقد يعقوب البرادعى ( العلامة اليعقوبى ابن المكين " الحاوى " ص 45 ).

 

  

المبحث الثانى

روح المسيح وفقا للأسفار المقدسة إلهية

        الحق الكتابى واضح وصريح في  أن روح المسيح إلهية ( فيلبى 1 : 19 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ناطقة في  الأنبياء( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     لهذا فإن من يزعم أن روح المسيح إنسانية سواء كانت مشخصة بعقلها البشرى أو باللوغوس أو يزعم أنها واحدة من طبيعتين سواء كانت مشخصة بالكلمة أو بابن من ابنين, هو مبتدع وضد للمسيح بحسب الحق الإلهى القائل :

     كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح ( إلوهيم ) جاء في الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ).

    نحن نؤمن بحسب الحق الكتابى بأن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم الذى جاء في  الجسد باشتراكه معنا في  اللحم والدم الذى أخذه من العذراء مريم لهذا فإن المولود من مريم هو إلوهيم القدوس.

   أما نسطور فقد أنكر أن يكون المولود من مريم هو ابن إلوهيم بقوله أن العذراء ولدت إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية عاقلة وجسد وأن إلوهيم الكلمة تأنس به أى صاحبه من البطن بحيث صار في  جسد المسيح روحان عاقلان هما روح الإنسان المشخصة بعقلها البشرى وروح إلوهيم المشخصة باللوغوس وأنهما رغم تميز الروحين العاقلين إلا أنهما اتحدا معا في  شخص واحد وكيان واحد واسم واحد مشترك بين الروحين العاقلتين كل بعقلها الخاص .

    وبهذا التعليم أنكر نسطور لاهوت المسيح بقوله أنه مجرد إنسان مثلنا  وبالتالى أنكر ولادة إلوهيم من العذراء بقوله أن المولود من العذراء هو المسيح الإنسان وليس إلوهيم الكلمة.  كما أنكر صلبه وآلامه وقيامته بالروح القدس بقوله أن جميع هذه أى الولادة والآلام والقيامة خاصة بالإنسان  يسوع المسيح وقد نسبت لإبن إلوهيم بسبب مصاحبته للإنسان يسوع المسيح .

       إن تعليم الإتحاد بين إلوهيم الكلمة وروح إنسانية عاقلة بصرف النظر عن كيفية سواء قالوا بشخصين وطبيعتين في المسيح حسب نسطور أو قالوا بشخص واحد بطبيعتين حسب خلقيدونية, أو قالوا بطبيعة من طبيعتين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو مشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى فإنهم يهدمون كل هذه الأقوال بقولهم أن الإتحاد لم يبطل تمايز الطبيعتين العاقلتين في المسيح . بما يعنى أن ما يقولونه ظاهريا يهدمونه باطنيا وأنهم جميعا على ذات معتقد نسطور في  الطبيعتين العاقلتين القائمتين كل بعقلها الخاص والتى تم حرمها في  مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

       ودليل ذلك عودتهم لإستخدام ذات تعبيرات نسطور عن الروح الإنسانية العاقلة سيما على الصليب عندما يقولون أنه اسلم روحه الإنسانية العاقلة أي أنهم في واقع الأمر يظهرون شيء ويبطنون خلافه بسفسطة إثبات الشىء ونقيضه في نفس الوقت.

    ومحصلة ذلك أن الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين في شخص المسيح بصرف النظر عن كيفيته بين أصحاب الطبيعتين من نساطرة وخلقيدونيين وأنطاكيين ويعاقبه خلاصته أن الإتحاد لم يبطل تمايز الطبيعتين وأنهم جميعا كنسطور يمتدحون تميز الطبيعتين العاقلتين في المسيح لأن الإتحاد عندهم جميعا هو بدون اختلاط ولا  إمتزاج ولا تغيير وهى العقيدة ذاتها التي  حرمها القديس كيرلس في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

      أي أنهم بعد أن وضعوا عشرات الكتب في إثبات خرافاتهم وتعاليمهم اللامنطقية عن الإتحاد والتركيب والإختلاط والإمتزاج والتغيير والملاشاة يعودون ليقولوا مقالة نسطور الشهيرة بأن الإتحاد لم يبطل تمايز الطبيعتين لأن الإتحاد بدون أختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, فيعودون من حيث بدأو .

        ولكن إذا كان الإتحاد كما يزعمون لم يبطل تمايز الطبيعتين العاقلتين في المسيح فلماذا يختلفون فيما بينهم حيث يقول الخلقيدونيين بأن اللوجوس بطبيعتين بما يعنى أن اللوجوس ابتلع العقل البشرى ولاشاه.

     ولماذا حرموا أوطيخا من أجل مقولة لم يقل بها أصلا بأن نسبوا إليه القول بطبيعة إلهية من طبيعتين واستنتجوا من ذلك أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الإنسانية كملاشاة نقطة خل في المحيط . حال قولهم بأن أقنوم الكلمة الإلهى هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا, بما يعنى ملاشاة اقنوم اللوجوس بالإتحاد المزعوم لأقنوم العقل البشرى كملاشاة نقطة خل في المحيط.

    وكأن الأرواح مادة قابلة للزوبان والملاشاة رغم أن الأرواح بطبيعتها غير مادية وخالدة وبسيطة لا تقبل التركيب أو التغيير أو الإضافة أو النقص.

    أما بالنسبة لروح الإئتلاف المشخصة بالكلمة عند ساويرس الأنطاكى فإن روح الإئتلاف لاشت الروحين الإنسانية والإلهية كما لاشى اللوغوس العقل البشرى فصار هو المشخص للروح الواحدة من روحين , وإلا فليقولوا لنا ماهية جنسية الروح الممتزجة من روحين هل هي إلهية أم إنسانية أم هي مزيج نتج عنه روح جديدة.

     فإن قالوا إن الروح الممتزجة من روحين إنسانية فهذا معناه أنها ابتلعت الإلهية .

     وإن قالوا أن روح الإئتلاف إلهية فهذا معناه أنها ابتلعت الإنسانية وبهذا يكونون قد سقطوا في ذات البدعة المنسوبة لأوطيخا وهو منها براء .

     والواقع أن القائلين بالإتحاد والخلطة والتركيب والإئتلاف بين الجواهر العاقلة, لا يدركون ان الجواهر العاقلة كاملة في ذاتها وهى بسيطة ولا تقبل الإتحاد بغيرها, وهى جميعا على شبه الثالوث مع الفارق, فالثالوث جوهر واحد له ثلاثة أوجه. هم الوجود والعقل والحياة. ووجهى العقل والحياة محمولان على وجه الوجود. بمعنى أن اللوغوس والروح القدس محمولان على الموجود بذاته.

     لأن العقل مولود من أقنوم الوجود  والروح منبثقة منه, ومن ثم لا يمكن أن نفصل اللوغوس عن مصدره الأزلى ونجعله عقلا يستمد وجوده من وجه محدث الوجود. لأنه كيف للعقل الأزلى أن يصير مولودا من جوهر مخلوق. الأزلى لا يمكن أن يصير محدثا. فضلا عن أن الابن الأزلى مولود من ذات جوهر الآب الأزلى ولا يمكن أن يولد من جوهر مخلوق, لأن الأزلى يلد أزلى والمخلوق يلد مخلوق. ولا يولد الأزلى من مخلوق أو المخلوق من أزلى.

     مثال ذلك جرم الشمس يتولد منه نور وينبثق منه حرارة , والنور والحرارة صادران عن جرم الشمس بالطبيعة. فهل يمكن أن نفصل شعاع النور بحرارته عن جرمه ؟ ونجعله شعاعا لجرم آخر , هذا مستحيل. لأن فصل النور عن جرمه معناه فنائه.

    ثم كيف أجعل هذا الشعاع الغريب يتولد من جرم شمس أخرى. ثم كيف للشمس الأخرى أن تشرق بأشعة ليست من جرمها بل من جرم آخر.

    إن كنا لا نستطيع أن نفصل بين الشمس وشعاعها رغم أنهما عناصر مادية هي بحسب الأصل تقبل التركيب والإمتزاج . فكيف نفصل أقنوم الكلمة عن أبيه ونجعله مولودا من أب مخلوق بحيث يصير مشخصا للروح الإنسانية المنبثقة من هذا الجوهر المخلوق.

    كيف يصير اللوغوس عقلا لروح إنسانية لها عقلها الخاص بها , وكيف يكون عقلا لروح موئتلفة هي مزيج  من روحين, وكأن الأرواح عناصر مادية تقبل الإمتزاج والإختلاط والتغيير, وليس أنها مكتفية في ذاتها ولا تقبل الإختلاط ولا الإمتزاج أو لا التغيير.

    الأرواح يمكن أن تلتحف بالأجساد الخاصة بها . فأرواح البشر تشترك في اللحم والدم وتشخصه وتصيره جسدها الخاص, بحيث يكون لكل انسان جسده الخاص به وحده.

    وأيضا إلوهيم يمكن أن يلبس النور كثوب وأن يلتحف بجسد بشريتنا بإشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وأن يحل في أجسادنا لمنحها القيامة من الأموات ( رومية 8 : 2 , 8  11 ) أما أن  يلاشى عقل إنسان ليقوم مقامه في تشخيص روحه أو تمتزج روحه الإلهية بروح إنسانية تلاشيها أو يلاشيا بعضهم بعضا , فهى بدع هلاك وتجديف على الروح القدس لأنه أي شيء ينقص إلوهيم حتى يضم إلى كيانه أو جوهره روحا إنسانيا وعقلا بشريا.

    إن كان فصل شعاع الشمس لنجعله يشرق من شمس أخرى ويستمد حرارته منها مما ترفضه الطبائع المادية ولا يقبله المنطق والقول به هو ضرب من الجنون فكيف ننسبه لخالق الكل .

   الواقع أن جميع تعاليم أصحاب الطبيعتين هي خرافات وتجديف على الروح القدس بالقول أن اللوغوس بروح ممتزجة تجع صفات الطبيعتين أو أنها إنسانية لأن من يجعل روح اللوغوس إنسانية أو ممتزجة من اثنين لا يختلف عن اليهود القائلين بأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين فصاروا بتجديفهم على روح المسيح مجدفين على الروح القدس لأن كل من ينكر أن الروح القدس الأزلى المحيى هو روح المسيح الكلمة المتجسد هو مجدف على الروح القدس بقوله أن روح المسيح إنسانية أو مختلطة أو ممتزجة من إثنين .

  لهذا يقول يوحنا الرسول:

     كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح جاء في الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح.

     ويقول بولس الرسول : عظيم هو سر التقوى ( العبادة )  إلوهيم ظهر في الجسد.

    هنا نجد أن اسم إلوهيم مرادف لإسم يسوع المسيح. لأن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم الأب ( يوحنا 12 : 28 )  وهو اسم الأبن وهو اسم الروح القدس ( يوحنا 14 : 17 ) لأنهم إله واحد وإسم واحد .

    فيسوع المسيح إين الإنسان هو النور ( يوحنا 32- 36 )  الذى أتى إلى العالم.

    يسوع المسيح هو ابن الإنسان الذى نزل من السماء ولم يزل في السماء وسيصعد إلى السماء إلى حيث كان أولا .

   مما تقدم يتضح أن وجود إبن الإنسان في السماء كان بصورته الروحية كإبن إنسان التي هي صورة إلوهيم التي خلقنا على صورتها كشبهها.  ثم نزل من السماء وأخذ جسدا صوره على صورة مجده من حيث الشكل الخارجي, وصعد بالجسد إلى السماء. حيث كان أولا. 

     والواقع أن التعليم بالطبيعة ( الروح ) الإلهية للمسيح في  كتابات القديس كيرلس هى التى تمثل التعليم الصحيح المتفق مع الحق الكتابى, وعليه فتكون جميع التعابير الأثنينية المنسوبة لكيرلس في  هذا المجال ليست لهذا اللاهوتى الثقة ونسبتها إليه لا تصح بحال من الأحوال ( البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان ف 6 ص 92 ).

    والواقع أنه لو كانت لأرواح البشر القدرة على إحياء أجسادها لما متنا أصلا.  إنما الجسد يحيا بالدم الذى تدنس بشوكة الموت فصرنا جميعا تحت حكم الموت الأبدى الذى فيه بموت النفس الحية أى الدم تمسك أرواحنا في  جسد الموت إلى الأبد . فإن كانت أرواحنا محيية كروح المسيح لما متنا أبدا لهذا فإن المسيح وحده إذ هو روحا محييا هو وحده الذى لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت مثلنا لأنه وإن مات موتنا بسفك دمه عاد إلى الحياة فورا بروحه المحيى. لهذا يقال في  القداس ترنيمة نيقوديموس القائلة قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الحى الذى لا يموت الذى صلب عنا إرحمنا.  

     إن هؤلاء الذين يعتقدون أن روح المسيح إنسانية ينكرون لاهوت المسيح وأزليته فالمسيح ليس إنسان بروح إنسانية مخلوقة ( غلاطية 1 : 1 , 12 )  لأن روح المسيح أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 , 11 ) فالمسيح هو إلوهيم .. الذى مسحه إلوهيم الآب بزيت الإبتهاج ( أى بالروح القدس ) ( مزمور 45 : 6 - 7 )  وهو أيضا حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 - 30 ) وهو أيضا صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4 : 3 - 4 ) الكائن منذ الأزل والمساو لإلوهيم في  الجوهر وهو الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في  شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) وليس آخر.

     فالخلاف بين الأرثوذكس والنساطرة بمختلف نحلهم كما نرى لم يكن خلافا لفظيا بل جوهريا متعلقا بماهية روح المسيح هل هى إلهية حسب المعتقد الأرثوذكسى أم أنها إنسانية حسب نسطور أم متألهة بتشخيص الكلمة حسب معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية أم أنها لا جنس لها حسب معتقد ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعىى. 

      من ذلك ترى أن الخلاف لم يكن لأسباب سياسية رغم أن الكنيسة القبطية كانت في  الواقع العملى متقدمة على جميع الكنائس دون أن تسعى لذلك ودون أن تسن قوانين مزورة لإثبات هذه الزعامة.

 


 

 

الفصل الثانى

هل تجسد الكلمة أم تأنس ؟

     المحقق أن الصراع بين الأرثوذكس والنساطرة صوره القديس كيرلس عمود الدين بأنه يدور حول هل تجسد المسيح الكلمة باشتراكه معنا في اللحم والدم بحسب المعتقد الأرثوذكسى.  أم أن الكلمة تأنس بالحلول في إنسان مولود من العذراء مريم يدعى يسوع المسيح. بحيث احتجب الكلمة بالروح الإنسانية العاقلة فصيرها روحه الخاصة بحسب زعم نسطور وثيؤدورت أسقف قورش بصرف النظر عن اختلافهما في شرح كيفية الإتحاد بين الروحين  الإلهية والإنسانية فيما بينهما.

      حيث أن عقيدة الإتحاد التشخيصى بين شخص الكلمة وإنسان يدعى يسوع المسيح ذي روح إنسانية عاقلة في جسد واحد مرفوضة في ذاتها نقلا وعقلا  بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المختلف حولها بين نسطور وثيؤدورت. حيث تم حرم معتقد نسطور في مجمع أفسس الأول كما تمر حرم معتقد ثيؤدورت في مجمع أفسس الثانى, وعن هذا الصراع يقول القديس كيرلس :

       " يسلك الهراطقة طريقا مختلفا عن طريقنا, ويفسرون سر التقوى ( أي سر عبادة إلوهيم الذى جاء في الجسد ) بدون فهم. لأنهم يقولون أن إلوهيم الكلمة قد اتخذ إنسانا كاملا من نسل إبراهيم وداود حسبما أخبرت الكتب المقدسة, وهو لا يختلف عن كل البشر الذين جاء هو من نسلهم. هو إنسان كامل له نفس عاقلة وجسد. هو إنسان مثلنا كونه الروح القدس في أحشاء العذراء , وولد من امرأة تحت الناموس لكى يفتدى الذين تحت الناموس ( المولود تحت الناموس بحسب الحق الكتابى هو " ابن إلوهيم " وليس انسان حسب زعم نسطور ) ( غلاطية 4 : 4 - 5 ) ولكنه قبل بنوته لإلوهيم وهى البنوة التي أعدت له من قبل وذلك بطريقة جديدة مختلفة عن باقى البشر. تمت بينه وبين لاهوت الابن الكلمة مصاحبة ( أي تأنس به ) وأعده لكى يتألم –  كما يتألم البشر - وأقامه من الأموات, وأخذه معه إلى السموات, وأجلسه عن يمين إلوهيم, وهو هناك الآن فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة , وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل وفي  الدهر الآتى أيضا .. وهو يقبل العبادة التي تقدم له من كل الخليقة لأنه التصق بالطبيعة الإلهية بدون افتراق.

     ويقول الهراطقة لا يوجد ابنان ولا ربان بل حيث أن إلوهيم الكلمة والابن الوحيد للآب إتصل بهذا الإنسان المولود من مريم. صار هذا الإنسان يشترك في الاسم وفي  كرامة الابن. أما إلوهيم الكلمة فهو يشاركه في كرامة الربوبية فقط , ويؤكدون قائلين لا يوجد ابنان ولا ربان. لأن الذى هو بالطبيعة الرب والابن من أجل خلاصنا . إتصل به اتصالا لا إفتراق  فيه , أي أنه يحسب مع الابن الوحيد في اسم وكرامة البنوة والربوبية " ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 7  ص  37 - 38 ).

   ويقول القديس كيرلس أيضا:

    "وإذ قالوا ليس ابنين بل ابن واحد يجلس مع الآب. فمن هو ذاك ؟ الذى من نسل داود  ؟ أم الواحد مع الآب في الجوهر, وكيف إذ صح تقسيم الواحد إلى إثنين يتم خلاص العالم . ثم ذاك الذى من نسل داود ويجلس معه من هو ؟ هل هو مخلص أم مجرد مثال للإستعلاء والتعدى الإنسانى على المجد الإلهى ويبقى رغم كل ذلك مجرد إنسان به خلصنا.

   هذه الإختراعات لا تخص بالمرة ذاك الذى به كمال الناموس والأنبياء, لأن الناموس مؤد بنا إلى المسيح ( غلاطية 3 : 24 ) ولكن مصاحبة ( مؤانسة ) اللاهوت للناسوت لا تؤدى بنا إلى شيء. بل هي فارغة  وبلا قيمة.  بل تعنى نهاية ذلك السر الملوكى " ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 7  ص  39 - 40 ).

   استخدم القديس كيرلس في رده على نسطور تعبير مصاحبة الذى يدل عليه قول نسطور بتأنس الكلمة بالإنسان يسوع المسيح , لأن لفطة " تأنس " في اللغة تعنى الإئتناس بإنسان أي مصاحبته وهى مجرد صلة خارجية ولا تعنى الحلول فيه, وهو ما يعبر عنه النساطرة بأنه إتصل به اتصالا لا إفتراق فيه , وتعنى التقى به بلا افتراق بحسب نسطور.

    كما أنكر القديس كيرلس على نسطور قوله بأن الإنسان بموجب المصاحبة أو الإتصال أو الإتحاد أنه يحسب الإنسان مع الابن الوحيد في اسم وكرامة البنوة والربوبية. لأن تعليمه بإبنين معناه تقسيم المسيح الواحد إلى مسيحين واحد أزلى والآخر زمنى.

    فرد عليه نسطور من منظور معتقده بالإثنينية اعتقادا منه أن القديس كيرلس يعيب عليه فصله بين الإثنين باعتبارهم اثنين من منظوره الشخصى, وليس ان اسم المسيح هو اسم الكلمة الممسوح أزليا ( أمثال 8 : 12 , 23 ) ( مزمور 45 : 7 )  قائلا:

   نحن لا نقسم ولا نفصل الإنسان عن إلوهيم . ولا نقول أنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة أو السلطة لأن هذا هراء وليس أكثر, ولا نسمى كلمة إلوهيم مسيحا على حدة وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحا آخر على حدة . بل نعترف بمسيح واحد فقط الكلمة من إلوهيم الآب مع جسده الخاص .. ولسنا نقول أن كلمة إلوهيم حل في ذلك المولود من العذراء مريم كما في إنسان عادى .. فلا يقال عن حلوله أنه مثل الحلول في القديسين ( الرسالة رقم 17 ف 9 ).

    ويستطرد نسطور قائلا:

    " أن المسيح واحد وهو ابن ورب. ليس بمعنى أن لدينا إنسانا حقق مجرد إتصال مع إلوهيم كإله بواسطة اتحاد كرامة أو سلطة لأن المساواة في الكرامة لا توحد الطبائع ( أى الأرواح العاقلة ) .. كما أننا لا نرى أن طريقة الإتصال  هي بحسب المجاورة ( المصاحبة أو ألتأنس ) لأن هذه لا تكفي  لتحقيق الإتحاد الطبيعى ( أي اتحاد الطبيعتين أو الروحين ) ولا بحسب مشاركة اعتبارية مثلما اننا نحن نلتصق بالرب. كما هو مكتوب: واما من التصق بالرب فهو روح واحد ( كورنثوس الأولى 6 : 17 ) بل بالحرى نحن نرفض تعبير " الإتصال " لأنه لا يعبر تعبيرا كافيا عن الإتحاد " ( الرسالة رقم 17 ف 10 ).

    هنا نجد أن نسطور يقر بوجود شخصين بقوله نحن لا نفصل الإنسان عن إلوهيم .

   وأيضا بقوله: ولا نقول انهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة أو السلطة.

   وأيضا بقوله: ولا نسمى كلمة إلوهيم مسيحا على حدة وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحا آخر على حدة .

     وصور له خياله المريض أن مجرد استخدام كلمة اتحاد سيجعل الإله والإنسان واحد رغم أنهما إثنان حتى بعد الإتحاد.

    كما اعترض على وصف القديس كيرلس للاتحاد بأنه التصاق معتبرا أن كلمة التصاق تعنى مشاركة رغم أن كلمة مشاركة تعنى أيضا اتحاد .

   وحتى لو استخدمنا كلمة اتحاد مع الرب فلا تعنى أننا صرنا آلهة نعبد مع الرب بل تعنى اننا نلنا نعمة القيامة مع الرب بروحه الساكن فينا وتأليهنا يعنى نوال الخلود دون أن تعنى أننا نصير آلهة يتعبد لها , ولو كان المسيح انسان مثلنا نال حلولا إلهيا فهو مثلنا لأن الرب لا يعطى مجده ولا كرامته لآخر , واما أن كلمة اتحاد لا تعنى ما ذهب إليه النساطرة فثابت بقول بولس الرسول:

    وأما من اتحد بالرب فهو روح واحد ( كورنثوس الأولى 6 : 17 ) وفي  هذا المعنى يقول بولس الرسول :

      " لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ، نصير أيضا بقيامته " ( رومية 6 : 5 ).

      فكلمة التصق, واتحد, واشترك. كلها بمدلول واحد. فنحن روح واحد لأننا جميعا بروح واحد أيضا ( أي بروح المسيح الذى هو الروح القدس الرب المحيى ) اعتمدنا إلى جسد واحد ( جسد المسيح ) ( كورنثوس الأولى 12 : 13 ).

    من الواضح في ضوء ما تقدم ان هذه الرسالة رقم 17 هي من وضع نسطور يرد فيها على حرومات القديس كيرلس الإثنى عشر , ولكن مترجمى الرسالة إذ هم على المذهب اليعقوبى فقد التبس عليهم بعض التعبيرات التي اعتقدوا أنها تشير إلى طبيعة ممتزجة بحسب المذهب اليعقوبى وهذا الإلتباس مستمد من قول نسطور :

    أن المسيح الواحد الوحيد لا يكون اثنين . حتى لو ادرك انه من اثنين ومن كيانين مختلفين ( الرسالة رقم 17 فصل 13 ).

   وهذا معناه أنه رغم أنه يقول بفمه ان المسيح بالاتحاد واحد من حيث الشكل ووحدة الاسم . إلا أنه يدرك انهم اثنين ومن جوهرين مختلفين.

  والواقع ان هذه الرسالة بها تعبيرات ملتبسة يمكن أن تشير إلى المذهب الخلقيدونى  وهذا الإلتباس ظاهر من قوله : " انه إذ وحد الإنسانى بنفسه أقنوميا " أي شخصيا ( الرسالة رقم 17 فصل 18 ) حال ان نسطور يتكلم بوضوح كامل عن اتحاد بين الكلمة وإنسان في اسم وكرامة البنوة, ويفصل بين أقوال المسيح كإنسان وأقواله كإله بقوله : أنه رغم كونه إلها بحسب الطبيعة فقد صار جسدا أي صار إنسانا محيا بنفس عاقلة . فأى سبب يدعونا للخجل من أقواله إن كانت قد صدرت منه كإنسان ( الرسالة رقم 17 فصل 14 )  رغم سابقة حرم نسطور لمن يقول بذلك.  بقوله للقديس كيرلس : نحن لا ننسب أقوال مخلصنا إلى شخصين منفصلين حتى لو ادرك انه من اثنين ومن كيانين ( أي جوهرين ) مختلفين ( الرسالة رقم 17 فصل 13 ).

    أيا كان الأمر فقد تم نشر رد نسطور على حرومات القديس كيرلس الإثنى عشر على أنه تعليم للقديس كيرلس. رغم أن مترجمى الرسالة لو أعملا النظر قليلا في مضمون الرسالة لأدركا نسطوريتها وأنها تتضمن ردود نسطور على حرومات القديس كيرلس الإثنى عشر يحرم فيها كل من يقسم المسيح الواحد إلى شخصين ثم يوحد بينهما في وحدة اسم المسيح وفي  هذا يقول نسطور :

     أنه رغم كونه إلها بحسب الطبيعة فقد صار جسدا . أي صار إنسانا محيا بنفس عاقلة .. وأن كل الأقوال تنسب لشخص واحد .. لان الرب يسوع المسيح هو واحد ( الرسالة رقم 17 ف 14 ص 30 ).

    هنا نلاحظ ثلاثة نقاط هامة :

     النقطة الأولى : أن نسطور يفصل بين الروح الإلهية والإنسانية ويوحدهم في وحدة البنوة واسم المسيح ( الرسالة رقم 4 ف 3 ص 13 ) زاعما ان المسيح كإنسان كرم بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ) ثم يقول :

    ولكن اذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أي بين الأبنين أو الشخصين ) سواء بسبب تعذر إدراكه أو عدم قبوله . نسقط في التعليم بابنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).

     وبداهة أن الإتحاد بين عقلين وروحين في جسد واحد لن يصيرهما شخصا واحدا بحسب نسطور إلا أذا ابتلع اللوغوس العقل البشرى وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية بحسب بدعة ثيؤدورت أسقف قورش التي تم حرمها في مجمع أفسس الثانى وهى العقيدة التي تبناها فيما بعد مجمع خلقيدونية .

     أيا كان الأمر فإن نسطور نفسه يقر بأن ما يقرره  لا يمكن التعبير عنه  أو إدراكه وأن تعليم الإتحاد هو فوق الفهم والوصف وان رفض الاتحاد بسبب عدم ادراكه المترتب عليه عدم قبوله ( لعدم عقلانيته ) يسقطهم في التعليم بابنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ) وبداهة أنهم ساقطين في التعليم بابنين حتى لو قالوا انهم واحد لأنهم يبطنون خلاف ما يقولون وهذا ثابت ضدهم وبأقوالهم.

    والواقع أن بدعة الاتحاد بين الأشخاص فندها القديس كيرلس في الفقرة التي تليها بالقول ان الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أنه صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) ( الرسالة رقم 4 ف 7 ص 16 ).

     أيا كان الأمر فإن نسطور يعترف بأنه يؤمن بمسيح واحد ( أي الإنسان ) ورب ( أي الكلمة ) ويعلق قائلا:  ليس اننا نعبد انسانا مع الكلمة .. ويرى أن المسيح كإنسان في  وضع منفرد كرم بصفة خاصة بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ) وهذا المعتقد يضاد المعتقد اليعقوبى القائل بطبيعة من طبيعتين مشخصة بأقنوم الكلمة حسب معتقد ساويرس الأنطاكى , وبأقنوم من أقنومين حسب معتقد يعقوب البرادعى.

     النقطة الثانية:  أن الجسد عند نسطور لا يعنى به اللحم والدم بحسب الحق الكتابى . بل يعنى به الإنسان يسوع المسيح الذى تحييه روح إنسانية عاقلة.

     لهذا فإنه عندما يتحدث عن الجسد فإنه يعنى به الإنسان يسوع المسيح المحيا بروح إنسانية عاقلة.

     النقطة الثالثة : أن قول نسطور بأن جسد الإنسان محيا بروح إنسانية عاقلة هو من  الأخطاء اللاهوتية والعقائدية التي أوردته مورد التهلكة وهى عدم إدراكه أن  الروح الإنسانية العاقلة غير محيية للجسد وأن الروح الوحيد المحيى للجسد هو الروح القدس الرب المحيى. لأن الجسد المحيى هو الجسد المقام من الموت بالروح القدس المحيى .

    فروح المسيح بحسب الحق الكتابى هو روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) والروح المحيى هو الروح القدس الرب المحيي حسب قانون الإيمان الرسولى.

     فروح المسيح بحسب الحق الكتابى هو الروح القدس الرب المحيى. أما حسب نسطور فإن روح المسيح المحيى هي روح إنسانية مخلوقة سكنها الكلمة واحتجب بها.

    مشكلة اليعاقبة عموما أنهم يفترضون أن القديس كيرلس عاب نسطور لعدم توحيده بين الإله والإنسان في شخص واحد وروح واحدة. بموجب اتحاد اقنومى أي بين أقنومين, أو بموجب اتحاد طبيعى أي بين طبيعتين بحسب معتقدهم.

     ولم يدركوا ما أدركه النساطرة والخلقيدونيين من أن القديس كيرلس يرفض فكرة اتحاد الكلمة بإنسان من الأساس, وان الكلمة بالتجسد صار هو مركز الشخصية في جسده الخاص لهذا اتهموه بالأبولينارية.

    لهذا عندما شرع ثيؤدورت اسقف قورش في نشر بدعته الجديدة بأن الإنسان يسوع المسيح المولود من مريم تشخص بأقنوم الكلمة الجامع للروحين الإلهية والإنسانية معا  تصدى له أوطيخا  وكان صديقا للقديس كيرلس في مجمع أفسس الأول مثبتا الحق الكتابى بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد. فأصدر ثيؤدورت مؤلفا بعنوان الشحاذ هاجم فيه أوطيخا متهما إياه بالابولينارية. ثم تم عقد مجمع في القسطنطينية برئاسة فلابيانوس أسقف القسطنطينية سنة 448 ميلادية بإيحاء من ثيؤدورت اسقف قورش لحرم المعتقد الأرثوذكسى ممثلا في حرم أوطيخا ولإثبات بدعة ثيؤدورت الجديدة بأن أقنوم الكلمة جامع للطبيعتين ( الروحين ) في  جسد الإنسان يسوع المسيح.

    فلما تمسك أوطيخا بالمعتقد القويم بالطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد . أتهموه زورا بانه إذا أصر على تعليمه بأن للكلمة المتجسد روح واحدة إلهية ولم يقل مقولتهم بأن شخص الكلمة هو المشخص للروحين الإلهية والإنسانية معا. فإن هذا معناه من منطلق منظورهم الإثنينى أنه كان للكلمة عند التجسد روحين إلهية وإنسانية وبعد التجسد صارت له روح واحدة إلهية من الروحين,  وهذا معناه أن الروح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية. فقال لهم أوطيخا حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين ( أي من روحين ) كما رفض معتقدهم في أن أقنوم الكلمة بطبيعتين ( أي روحين ) فكان أن تم حرمه في مجمع فلابيانوس اسقف القسطنطينية .

     ثم في مجمع أفسس الثانى تبين أرثوذكسية أوطيخا لقوله بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد بحسب الحق الكتابى وتعاليم الآباء الصحيحة في مجمع أفسس الأول . 

     فتم حله من حرومات فلابيانوس أسقف القسطنطينية, وتم حرم فلابيانوس مع ثيؤدورت أسقف قورش وكل من ثبت إدانته بالنسطورية بحسب معتقد ثيؤدورت أسقف قورش.




الفصل الثالث

هل للمسيح طبيعة واحدة إلهية أم طبيعة من طبيعتين لا جنس لها؟

هل للمسيح طبيعة واحدة إلهية . أم طبيعة من طبيعتين لا جنس لها؟

     يقول أحد اليعاقبة في مؤلف خاص به ما موجزه :

    أن كلمة " مونو " اليونانية تعنى وحيد وليس واحد.

    وأن " المونوفيزيس " في الخريستولوجى تعنى طبيعة واحدة فقط في المسيح, وهذا معناه اختلاط الطبيعتين الإلهية والإنسانية معا, الأمر الذى ينتج عنه اختفاء وذوبان الطبيعة الإنسانية في الطبيعة الإلهية ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 280 - 281 ).

     ولا نعرف بأي منطق نفهم منه أن الطبيعة الوحيدة تعني امتزاج الطبيعتين.

     هل قلنا قط في أي موضع من أي مؤلف لنا بأن في المسيح طبيعة وحيدة أو واحدة من طبيعتين, إن مجرد القول " من طبيعتين " هو الذي يعني امتزاج الطبيعتين ولكن حيث أننا لا نعتقد قط في الطبيعتين, وأن الثابت أنه هو الذي يعتقد في الطبيعة من طبيعتين, ومن ثم فهو كمن يطعن نفسه, والواقع أن هذا اليعقوبى لا يدرك أن كلمة مونوفيزيس سواء كانت تعنى طبيعة واحدة أو وحيدة للكلمة المتجسد فمن الواضح أنها كانت تعنى أن طبيعة المسيح الكلمة المتجسد إلهية, وهذا كان مفهوما ضمنيا في  الحوار الخريستولوجى دون حاجة لتحديد أنها إلهية.

    لأن كلمة " مونوفيزيس " تعني طبيعة واحدة أو وحيدة أي روح واحدة أو وحيدة معرفة بانها روح الواحد الوحيدأي روح إلوهيم.

    أما كلمة " ميا فيزيس " وتعني " طبيعة عاقلة " نكرة غير معرفة لأن كلمة " ميا " في اليونانية تستخدم مثل حرف " a " في الإنجليزية  قبل الكلمات المفردة للدلالة علي انها واحدة مفردة من متعددين أي أنها تدل علي التنكير أي انها طبيعة ( روح ) من الأرواح غير معرفة ( أي انها روح إنسانية لشخص ما ) فإن قيل انها من " ديوفيزيس " أي من طبيعتين عاقلتين ( فقد دل ذلك رغم استحالته نقلا وعقلا علي أنها روح تجمع صفات وخصائص الروحين دون أن تكون أيا منهما أي انها روح في حالة التنكير غير معرفة الجنس ) اما إن كانت معرفة ( بالألف لام كما في العربية ) فإنها تعني الطبيعة الإلهية.

     أما متى يمكن القول : أن الطبيعة الإلهية إبتلعت الطبيعة الإنسانية فعندما نقول أن الطبيعة الإلهية للكلمة " من طبيعتين " لأن هذا معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية التي يعتقدون فيها, وهذا ما نفاه أوطيخا في  مجمع فلبيانوس سنة 448 ميلادية بقوله : حاشا أن أقول أن ربنا من طبيعتين ( أي من روحين ) ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87  ).

    والواقع أن أول من استخدم مصطلح طبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة هو ساويرس الأنطاكى سنة 513 ميلادية, وعنى بها طبيعة ( أي روح ) ممتزجة تجمع صفات الطبيعتين دون أن تكون إلهية ولا انسانية بل طبيعة ( أي روح ) خاصة بالمسيح مشخصة بالكلمة.

    وهى العقيدة التى قبلها يعقوب البرادعى أولا حتى وفاة الأنطاكى ثم خالفه بالقول : لماذا تمتزج الطبيعتين ولا يمتزج الأقنومين فقال بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بأقنوم واحد من أقنومين, وهذا معنى القول بجوهر واحد من جوهرين في  المسيح.

    وعلى ذلك فإن قول المعترض بأن في  المسيح " طبيعة واحدة من طبيعتين " بحسب معتقده كيعقوبى هو الذى يدل على اختلاط الطبيعتين وامتزاجهما وهذا ما يدل عليه القول " طبيعة واحدة من طبيعتين "  أو طبيعة من طبيعتين, أي أنه هو الذي يقول بالإمتزاج لا نحن.

   لأن المصطلح " من طبيعتين " هو الذى يدل على الإمتراج وليس مصطلح " مونو " أو " ميا " التي هي مجرد أداة للتنكير أو للدلالة علي واحد مفرد مثلها مثل حرف " a " في الإنجليزية,

    وعلي ذلك فإن كلمة " ميا " تستخدم قبل الكلمات المفردة للدلالة علي انها واحدة مفردة من كثيرين أي أنها تدل علي التنكير فالقول " ميا فيزيس " تعني " طبيعة عاقلة " واحدة نكرة غير معرفة أي أنها خاصة بأي إنسان أو حتي ملاك , أما إن كانت معرفة ( بالألف لام كما في العربية ) فإنها تعني الطبيعة الإلهية.

    اما إن قيل أن هذه الطبيعة العاقلة التي في حالة التنكير من طبيعتين فهذا يعني أنها طبيعة جديدة ممتزجة غير معرفة أي لا جنس لها.

    وبرهان ذلك أنه اذا تم تحديد جنسية هذه الطبيعة التى " من طبيعتين " بأنها إلهية, فهذا معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية, والعكس صحيح,  وإن لم يحددوا جنسيتها واكتفوا بالقول بأن هذ الطبيعة تجمع صفات وخواص الطبيعتين. فهذا برهان امتزاجهما ونشأة طبيعة جديدة ليست إلهية ولا انسانية أي أن هذه الطبيعة الجديدة الغير معرفة عدمت الطبيعتين معا كما عدموا عقولهم.

     والواقع أن الإختلاط والإمتزاج لا يقع على الطبائع الروحية العاقلة ( فيزيس ) بل على الطبائع المادية ( فيزيق ) لأن الطبائع الروحية العاقلة طبائع بسيطة غير مادية لا تختلط ولا تمتزج بغيرها ولا يدخلها التغيير سواء بالإضافة أو النقص .

    مما تقدم يتضح أن بدعة الطبيعة من طبيعتين هي التي يترتب على القول بها إما ابتلاع طبيعة لأخرى , وإما ملاشاة الطبيعتين لبعضهما البعض بالإمتزاج بحسب بدعة, بحيث تنشأ طبيعة جديدة من الطبيعتين تجمع صفاتهما وخواصهما معا دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا, وواضح أن هذه البدعة هى أكثر بدع أصحاب الطبيعتين تطرفا وجنونا.

    والواقع أنه لا يستدل من قول أصحاب الطبيعة الواحدة للمسيح الكلمة المتجسد أنها طبيعة ممتزجة أو انها من طبيعتين. كما يدل على ذلك معتقده القائل " طبيعة واحدة من طبيعتين " والذى يدل على طبيعة ممتزجة من طبيعتين.

      والواقع أن الإدعاء بأن مصطلح الطبيعة الوحيدة أو الواحدة معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الإنسانية مرجعه اعتقاد النساطرة بوجود طبيعتين عاقلتين في المسيح فمن ثم فإن القول بطبيعة واحدة إلهية في المسيح الكلمة المتجسد لما هو بطبيعتين عاقلتين حسب معتقدهم معناه أن الروح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية فصار في المسيح روح واحدة إلهية الأمر الذي رفضه أوطيخا قائلا بشهادة كاتب مجمع فلابيانوس أسقف القسطنطينية  أنه قال :

      " حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين ( أي روحين ) " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ).




الفصل الرابع

العقيدة الأرثوذكسية هل هي الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح

أم الطبيعة الممتزجة من طبيعتين؟

     الصراع حول طبيعة المسيح أي روحه وهل هي إلهية ام إنسانية كانت محور النزاع عبر التاريخ بين أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد وأصحاب الطبيعة الإنسانية للمسيح منذ اعلان اريوس لبدعته المنكرة للاهوت المسيح.

 

      فتصدى له أثناسيوس الرسولى مثبتا أن يسوع المسيح بحسب الحق الكتابى وقانون الإيمان الرسولى هو ابن الوهيم الوحيد المساو له في الجوهر ( فيلبى 2 : 6 ) وأنه الذى جاء في شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم الذى ولد به من امرأة ( غلاطية 4 : 4 ) وقد أخذ الدم بعمل الروح القدس بدون زرع الرجل الذى يصنع منه الدم, لهذا كان دم المسيح وحده بلا عيب ولا دنس حتى يكفر به عن دم آدم المدنس بالخطية الذى يسرى في  عروق جميع البشر والذى سفكه عنا على خشبة الصليب ليموت موتنا حتى بموته يبيد الموت ويبطله بروحه المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا بالمعمودية.

      ثم اعتبارا من سنة 428 ميلادية تحول الصراع حول طبيعة المسيح هل هى إلهية أم أنسانية, إلى صراع حول هل للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية ازلية حسب الحق الكتابى أم أن له روحين واحدة إلهية والأخرى انسانية كل قائمة بعقلها الخاص بحسب معتقد نسطور الذى تم حرمه في  مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

    وقد استمر هذا الصراع حتى نياحة القديس كيرلس عمود الدين سنة 444 ميلادية.

         ثم اعتبارا من سنة 445 ميلادية تحول الصراع حول طبيعة المسيح هل  للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية أم أن له روحين إلهية وانسانية كل قائمة بعقلها الخاص

إلى صراع بأن طبيعتى المسيح الإلهية والإنسانية مشخصتين بالكلمة بحسب البدعة الجديدة التى ابتدعها  ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى ونشرها في  مؤلفه الجامع للطبيعتين الذى أصدره سنة 445 ميلادية فتصدى له اوطيخا أسقف دير أيوب بالقسطنطينية مفندا معتقده ومثبتا بأن المسيح هو الكلمة وأن روحه إلهية فاصدر ثيؤدورت مؤلفا بعنوان الشحاذ أو المتسول  هاجم فيه أوطيخا واوعز لفليانونس الذى صار على معتقد ثيؤدورت بمحاكمته وعزله أن لم يقبل معتقده وبالفعل تم عزله فتظلم إلى الأساقفة والامبراطور فتم عقد مجمع المسكونى الثالث في  أفسس سنة 449 ميلادية تثبت فيه اورثوذكسية اوطيخا وهرطقة اساقفة انطكية والقسطنطينية فحرمهم المجمع مع كل أقطاب النسطورية.

      ثم في  سنة  451 ميلادية تم عقد مجمع في  خلقيدونية تبنى معتقد ثيؤدورت أسقف قورش فبرأ الأساقفة الذين على مذهب ثيؤدورت وقبله في  المجمع, وحرم المجمع  كل من اوطيخا وديوسقوروس غيابيا بعد أن وقع ديوسقوروس بحرم كل من يقبل هذه العقيدة التى تم حرمها في  مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية  وجدد حرمها في  مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية.

    ثم في  سنة 512 ميلادية تم رسامة ساويرس الأنطاكى أسقفا على أنطاكية على المذهب الخلقيدونى الذى كان معتقد جميع كنائس المسكونة الخاضعة لبابا روما حتى هذا العهد, عدا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

     ثم في  العام التالى لرسامته عقد ساويرس الأنطاكى مجمعا في  أنطاكية أعلن فيه رفضه لمعتقد خلقيدونية القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية, بقوله :  بأن في  المسيح " طبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة " وزعم أن هذه الطبيعة الواحدة التى تجمع صفات وخصائص الطبيعتين ( بما يدل على انها طبيعة ممتزجة من طبيعتين) هى طبيعة المسيح المشخصة بالكلمة.   

     مما تقدم يتضح أن الصراع المتعلق بماهية طبيعة المسيح هل هي واحدة إلهية أم طبيعتين إلهية وانسانية متحدتين معا بكيفية مختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين من نساطرة وخلقيدونيين وأنطاكيين ويعاقبة. قد بدأ  بظهور نسطور الذي انكر لاهوت المسيح معلما بأن العذراء لم تلد إبن إلوهيم الوحيد بل ولدت انسانا مثلنا له روح إنسانية عاقلة يدعى يسوع المسيح , وأن الكلمة حل في روح المسيح الإنسانية العاقلة واحتجب بها وتأنس بعقلها البشرى  وجعلها روحه الخاصة, فلما تصدى لهم أصحاب الطبيعة الواحدة وعلى رأسهم أبوليناريوس اسقف اللاذقية بسوريا حرم كمبتدع باعتبار أن تعليم الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد بدعة لاعتقادهم الفاسد أن العذراء لم تلد المسيح الكلمة المتجسد حسب تعليم أبوليناريوس الذى بحسب الحق الكتابى بل ولدت انسان نظيرنا بروح انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة واحتجب بروحها التى صارت روحه الخاصة باحتجابه بها كانها مادة جسدانية بالمخالفة للحق الكتابى .

      ولما تصدى القديس كيرلس للنسطورية وتعاليمها الفاسدة اصطنعوا مجمع وهمى زعموا انه مجمع القسطنطينية المسكونى الثانى حرموا فيه العقيدة الارثوذكسية والمدافعين عنها بأن حرموا أبوليناريوس من خلال اصطناع مجمع وهمى بحيث اعتبروا التعاليم الأرثوذكسية بدعة اطلقوا عليها الأبولينارية نسبة لأبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى بما يمثل حرم للقديس أثناسيوس نفسه بطريق غير مباشر من خلال حرم تلميذه.

    لهذا عندما نادى القديس كيرلس بهذا التعليم المتفق مع الحق الكتابى وتعليم أثناسيوس الرسولى, اتهموه وأثناسيوس الرسولى بالأبولينارية, وزعموا انه كان يستخدم مؤلفات ابوليناريوس على أنها أرثوذكسية دون أن يعلم, وكأنه كان ناقص العلم مثلهم, والواقع أنه كان يستخدم الحق الكتابى المتفق مع تعاليم اثناسيوس الرسولى وابوليناريوس كونها ارثوذكسية ومستقيمة ومتفقة مع الحق الكتابى ومع قانون الإيمان الرسولى.

    فلما تم حرم بدعة نسطور في مجمع افسس الأول ظهر ثيؤدورت اسقف قورش الذى علم بأن الكلمة عنما حل في  روح الإنسان يسوع المسيح في بطن العذراء شخصها منذ لحظة وجودها,  فصار الكلمة الإلهى هو المشخص للروحين الإلهية والإنسانية معا .

    فلما تم حرم هذه البدعة في مجمع افسس الثانى وتجدد حرم القائلين بها في مجمع خلقيدونية. نادى ساويرس الأنطاكى بأن اللوغوس عندما حل في روح الإنسان يسوع المسيح , فإن الطبيعتين إئتلفتا في روح واحدة من الطبيعتين مشخصة بالكلمة.

      وهذا معناه أن اللوغوس ابتلع العقل البشرى ولاشاه وصار هو المشخص للروح الممتزجة من الروحين, وهذا معنى قوله : أن في  المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين ( روحين ) مشخصة بالكلمة .

     فلما جاء يعقوب البرادعى الذى كان ساويرس الأنطاكى قد رسمه اسقفا عاما خالفه بعد وفاته سنة 438  بالقول :

    لماذا تمتزج الطبيعتان ولا يمتزج الشخصان فنادى : بجوهر من جوهرين. أزلى وزمنى . صار منهم حقيقة ثالثة هي التي نشير إليها باسم يسوع المسيح ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص 44 ) وأن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى  وصار هذا الإتحاد شيئا واحدا .. هو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح . وهو حقيقة ثالثة لا يصح عليها انها إنسانية ولا إلهية ولا هما معا ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص 45 ).

    والسؤال المطروح الآن ماهى العقيدة الأرثوذكسية الصحيحة المتفقة مع الحق الكتابى من العقائد المتقدم بيانها.

     هل هي القائلة بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد.

     أم القائلة بطبيعتين عاقلتين ( ديوفيزيس ) إلهية وإنسانية كل قائمة بعقلها الخاص أم القائلة بأن الطبيعتين تشخصا بالكلمة , أم القائلة بطبيعة من طبيعتين مشخصة بالكلمة أم القائلة بأنها مشخصة باين من ابنين  بحسب معتقدات أصحاب الطبيعتين.

      أم هى البدعة المنسوبة لأوطيخا زورا لقوله: بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد والتى الحقوا بها التعبير " من طبيعتين " والذى يفيد الإمتزاج بما يعنى أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الإنسانية ولا شتها.

    إلا أن المحقق تاريخيا أن أوطيخا برىء من هذه البدعة المنسوبة له زورا,  إذ الثابت تاريخيا أن انصار فلابيانوس وثيؤدورت نسبوا إليه هذه الفرية ليتهموه بالقول بالإمتزاج والملاشاءة, فقال لهم أوطيخا : " حاشا أن أقول أن ربنا من طبيعتين " أي روحين. مثبتا معتقده الأرثوذكسى بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد وهى العقيدة الصحيحة التي تم تبرئته على أساسها في مجمع أفسس الثانى .

     وإذ تبين ارثوذكسيته ونسطورية الذين حرموه فقد تم تبرئة أوطيخا كمستقيم الإيمان مع حرم جميع أقطاب النسطورية في مجمع أفسس الثانى.

     ومن ثم فنحن نرفض كل ثرثرة فارغة تزعم أو تدعى كذبا أو جهلا أو نفاقا بأن أوطيخا صديق القديس كيرلس والمؤتمن على مقررات مجمع أفسس الأول, والذى تم تبرئته مما نسبه إليه أعداء الإيمان بأنه كان جاهلا وغير عالم بالمعتقد الصحيح للقديس كيرلس أو انه كان ماكرا بحيث خدع مجمع أفسس الثانى لتبرئته مما نسبه إليه النساطرة وكان معتقداتهم الفاسدة كانت سليمة, أو أن القديس ديوسقوروس كان ساذجا حتى برأه وحرم اقطاب النسطورية , أو أنه كان يعتقد خلاف ما يعتقده القديس ديوسقوروس , فإن كان ذلك كذلك, لماذا حرم كل منهما في مجمع خلقيدونية بسبب تمسكهم بمقررات مجمع أفسس الأول التى بحسب قانون الإيمان الرسولى بأن يسوع المسيح ليس انسان مولود من مريم بروح انسانية عاقلة حسب نسطور بل هو ابن إلوهيم الوحيد ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) وانه مولود غير مخلوق مساو للآب في  الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) وانه نزل من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء ( لوقا 1 : 35 ) وهو الذى صلب وتألم وقبر وقام من الأموات في  اليوم الثالث,  وليس انسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ) تأنس به الكلمة واحتجب بروحه الإنسانية حسب نسطور. فروح المسيح حسب قانون الإيمان الرسولى هو الروح القدس الرب المحيى الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى نسجد له ونمجده مع الآب والابن الناطق في  الإنبياء, وبداهة أن الروح الناطق في  الأنبياء بحسب الحق الكتابى هو روح المسيح الذى فيهم ( بطرس الأولى 1 : 10 – 11 ).

     والواقع أن قبول قرارات مجمع خلقيدونية باعتبار اوطيخا هرطوةيا وحرمه واعتبار مجمع أفسس الثانى مجمعا لصوصيا يمثل طعنا ليس في مجمع أفسس الثانى نفسه بل في مجمع أفسس الأول أيضا.

 

 

 

 

الفصل الخامس

الفرق بين الطبيعة الواحدة والطبيعة من طبيعتين

     الفرق بين الطبيعة الواحدة, والطبيعة من طبيعتين في  المسيح.

     المحقق أن مصطلح الطبيعة الواحدة يقصد به أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد وهى العقيدة التي يدين بها كل من أثناسيوس الرسولى وتلميذه أبوليناريوس وكيرلس عمود الدين وصديقه أوطيخا وتلميذه ديوسقوروس حامى الإيمان.

   أما مصطلح الطبيعة الواحدة من طبيعتين, فهو مصطلح ابتدعه ساويرس الأنطاكى سنة 513 ميلادية وكونه بدعة فلأن الطبائع العاقلة لا تقبل الإمتراج أو الاختلاط بغيرها تحت أى شكل.

      وبداهة لكل ذي عقل سليم أن الجواهر العاقلة جواهر روحية بسيطة في ذاتها وغير مركبة من عناصر مادية , ومن ثم لا تقبل الاختلاط أو الإمتزاج بغيرها, وكل ما يقال عن الاختلاط والإمتزاج بين طبيعتين عاقلتين ونشوء طبيعة جديدة أو ملاشاة طبيعة عاقلة لأخرى أو ذوبانها فيها كالعناصر المادية , جميعها نتاج عقول عاطلة عن التمييز بين الروح والمادة.

     وبداهة أن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين. يعنى أن هذه الروح الواحدة من روحين هى مزيج ما بين الروح الإنسانية والروح الإلهية بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى, وهذه معناه أن هذه الروح الممتزجة من الروحين قد عدمت الروحين معا ونشأت روح جديدة ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا. بافتراض أن الأرواح مكونات مادية قابلة للإمتزاج والتغيير.

     وهذا ما يقرره أصحاب الطبيعة الممتزجة من طبيعتين بالقول أن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين تجمع خواص وصفات الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا. بما يعنى أن هذه الروح الممتزجة هي روح جديدة محدثة لا يصح أن يقال عنها أنها إلهية أو إنسانية أو هما معا.

    هذه الطبيعة الواحدة الممتزجة من طبيعتين مشخصة بالكلمة حسب زعم ساويرس الأنطاكى ومشخصة بابن من ابنين حسب زعم اليعاقبة.

     وفيما يلى نعرض للفرق بين مذهب ساويرس الأنطاكى والمذهب اليعقوبى فيما يتعلق بالمشخص للطبيعة الواحدة التى هى مزيج من الطبيعتين.

 

أولا  :  مذهب ساويرس الأنطاكى

     تأثر ساويرس الأنطاكى بمقولة ثيؤدورت أسقف قورش بأن الطبيعة الإنسانية في المسيح كانت الطبيعة الوحيدة التي بلا شخصية أي بلا عقل بشرى يشخصها منذ وجودها , لأن الكلمة شخصها بأقنومه منذ وجدت , ومن ثم صار الكلمة هو مركز الشخصية  للروحين الإلهية والإنسانية حسب مذهب خلقيدونية .

    وهذا معناه أن أقنوم الكلمة بحسب معتقد ثيؤدورت الذى قبله الأنطاكى ابتلع العقل البشرى لهذا لم يمتزج  به لعدم وجوده في  حين امتزجت الطبيعتين في  طبيعة واحدة وهكذا خرج الانطكى ببدعة جديدة موجزها :

     أن المسيح ليس بطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية .. بل بطبيعة واحدة ( ممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " ترجمة الراهب جرجس الأنطونى الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ).

 

ثانيا  :  المذهب اليعقوبى

     قبل يعقوب البرادعى بدعة ساويرس الأنطاكى أولا ثم لم يلبث أن خالفها بعد أن تسآل لماذا لم يمتزج الشخصين في  حين إمتزجت الطبيعتين, فلماذا هذا لا يمتزج وهذان يمتزجان فنادى بإمتزاج الجوهرين معا, معلما بشخص من شخصين وجوهر من جوهرين ( تنقيح الأبحاث للملل الثلاث لابن كمونة الباب الثالث ص 56 ).

    ويقول العلامة ابن المكين في مؤلفه " الحاوى " شارحا المذهب اليعقوبى قائلا :

      ان الكلمة الأزلى ظهر متحدا بإنسان زمنى مخلوق ومحدث .. لهذا نقول : أنه جوهر من جوهرين. أزلى وزمنى .. واستطرد قائلا : أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار هذا الإتحاد شيئا واحدا .. هو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح . وهو حقيقة ثالثة لا يصح عليها انها إنسانية ولا إلهية ولا هما معا ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص44 - 45 ).

   ومفاد ذلك أن الجوهرين صاروا جوهرا واحدا مشخص بابن من ابنين هو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح, وهو حقيقة ثالثة ( أي جوهر ثالث ) ليس جوهر إنسان ولا إله ولا هما معا.

    وهذا معناه أن الجوهر الجديد المسمى يسوع المسيح قد عدم الجوهرين الإلهى والإنسانى معا , وهذا هو مذهب يعقوب البرادعى الذى خالف به مذهب معلمه ساويرس الأنطاكى .

 

هل تتفق بدعة الإتحاد الأقنومى بين ابنين مع بدعة الابن من إبنين

      أخذ أحد أساقفة اليعقوبية ببدعة الإتحاد الأقنومي بين ابنين أي شخصين التى ابتدعها نسطور لحفظ الأقنومين, وقام بتوحيدهما بالإئتلاف بالقول بأقنوم واحد ( مياهيبوستاسيس ) من أقنومين. بحيث صار لإقنوم الكلمة بعد الإئتلاف ذهنية بشرية وإلهية.

    والغريب أن نفس الأسقف اليعقوبى الذى قال بالإقنوم الواحد الممتزج من اثنين بحيث صارت له ذهنية بشرية وذهنية إلهية بحسب مذهب يعقوب البرادعى, هو نفسه الذى قال بان طبيعة المسيح الإنسانية كانت الطبيعة الوحيدة التي بلا شخصية منذ وجودها بحسب بدعة ثيؤدورت التى قبلها مجمع خلقيدونية  ومن ثم قام شخص ابن إلوهيم بتكميل جوهرها وتشخيصها, وانتهى إلى القول بأن طبيعة المسيح الواحدة ( الممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة, بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى. 

    وبهذا قبل معتقد كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى رغم عدم اتفاقهم في  جنسية المشخص للطبيعتين.

     أما علة عدم تحديد أصحاب الطبيعة الممتزجة من طبيعتين لجنسيتها تصريحيا فمرجعه أن الروح الممتزجة من روحين جمعت صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا ومن ثم فهى طبيعة لا جنس لها لا يصح أن يقال أنها إلهية بحسب البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا, والعكس صحيح , وإن قيل انهما معا, فهذا معناه أنهما لم يمتزجا, وأن الطبيعتين إما أن كل منهما قائمة بعقلها الخاص حسب نسطور وإما أنهما مشخصتين بالكلمة حسب بدعة خلقيدونية. لهذا هم يكتفون بالقول بأن الطبيعة الممتزجة خاصة بالمسيح.

 

هل كان أوطيخا من أصحاب الطبيعة الواحدة أم الطبيعة من طبيعتين؟ 

    المحقق تاريخيا أن أوطيخا في مجمع فلبيانوس أسقف القسطنطينية لم يقل أبدا ان ربنا ( أي الكلمة ) كان بطبيعتين عند الإتحاد حسب معتقد ثيؤدورت الذى تبناه فلبيانوس أسقف القسطنطينية وأرد ان يلزم أوطيخا به .

     فلما رفض أوطيخا إقرار الإيمان الثيؤدورتى وتمسك بمعتقده بطبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد. اتهموه بأنه يقول بطبيعة واحدة إلهية من طبيعتين , بما يعنى أن الطبيعة الإلهية بالإمتزاج لاشت الطبيعة الإنسانية التى ذابت فيها كذوبان نقطة خل في  المحيط.

     وهكذا شبهوا الروح الإنسانية العاقلة بأنها مثل نقطة خل مادية تذوب في الروح الإلهية التي شبهوها بالمحيط .

     وبداهة أن أوطيخا لم يقل أبدا بطبيعة واحدة إلهية من طبيعتين حتى ينسبوا إليه بدعة ملاشاة روح لأخرى لهذا نفي  ذلك بقوله : حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين وهى البدعة التى يتمسك بها المعترض اليعقوبى .

    ولما كان المجتمعين في مجمع فلبيانوس بالقسطنطينية  يعتقدون معتقد ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى القائل: بأن الكلمة بطبيعتين. أي بروحين إنسانية وإلهية مشخصتين بالكلمة.  فقد هدده أسقف سلوقيا قائلا: " ما لم تقل بطبيعتين بعد الإتحاد بحسب معتقدهم فإنك تقول بالامتزاج والتلاشى " [26]. بما يعنى أن الطبيعة الإلهية من طبيعتين, وأنها ابتلعت الطبيعة الإنسانية. فقال أوطيخا  ما أثبته كاتب فلبيانوس بالقول: أن أوطيخا قال :

      " حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87  ).

      فكان أن نسبوا لأوطيخا بدعة القول أن روح المسيح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية ولاشتها, وهو ما لم يقل به أوطيخا بل قال بحسب المعتقد القويم بأن للمسيح الكلمة المتجسد. طبيعة واحدة ( مونوفيزس ) أي روح واحدة إلهية هي الروح القدس الأزلى الناطق في الأنبياء بحسب الحق الكتابى. 

    لهذا تم تبرئة أوطيخا من البدعة المنسوبة إليه زورا في مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية.

 

العقل البشرى المتألم وحده في  جميع المذاهب النسطورية 

      والواقع أن جميع المذهب المتفرعة عن المذهب النسطورى كالمذهب الخلقيدونى القائل بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة وليس بعقلها الخاص حسب نسطور.

   وكذا مذهب ساويرس الأنطاكى القائل بأن الطبيعة الواحدة ( الممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة.

   وكذا المذهب اليعقوبى القائل بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بأقنوم ( ممتزج ) من أقنومين.

    جميع هذه المذاهب تقوض وتهدم كل ما تعلم به من هراء حول كيفية الاتحاد بين اللاهوت والإنسان يسوع المسيح, لأن كل تعاليم الإتحاد التى زعموها هي مجرد أقوال ظاهرية يبطنون بها النسطورية التى يبطنونها بترديد مقولة نسطور الشهيرة بأن الإتحاد هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, بما يعنى أن كل طبيعة قائمة بعقلها الخاص رغم الإتحاد المزعوم وطريقته المختلف حولها فيما بينهم.

      لهذا نرى أن الخلقيدونييين والأنطاكيين واليعاقبة سرعان ما يهدمون ويحلون الإتحاد التركيبى أو الإئتلافي  بحسب أقوالهم الظاهرية عندم يتعرض مسيحهم الذى اخترعوه للآلام والصلب والموت والقيامة عندئذ ينقضون الإتحاد التركيبى أو الإئتلافي  مفارقة الكلمة للروح الإنسانية عندئذ يعود إليها عقلها حتى تتألم وحدها., لأن العذراء حسب نسطور لم تلد الكلمة بل ولدت الإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة التى تأنس بها الكلمة واحتجب بها وجعلها روحه الخاصة, لأن الكلمة حسب نسطور لا يولد ولا يتألم ولا يصلب ولا يقوم من الموت فهذه امور خاصة بالإنسان يسوع المسيح لأنه هو الذى ولد من العذراء وهو الذى صلب ومات بخروج روحه الإنسانية من جسده , ثم بعودتها إليه في  اليوم الثالث قام من الموت, وهى التعاليم التى تم حرمها جملة وتفصيلا في  مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

     وبما أن اللوغوس عند الخلقيدونيين واتباع ساويرس الأنطاكى هو المشخص لروح المسيح سواء الإنسانية أو المختلطة أو الممتزجة حسب معتقدهم , لهذا فإن اللاهوت يفارق الروح الإنسانية لتتألم وحدها لاعتقادهم بأن الروح التى اضطربت وتألمت إنسانية , ومن ثم قالوا أن الكلمة فارق الإنسان عند الآلام تاركا الإنسان يتألم وحده بالقول:

     " وهو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد من قبل أن يطعن جسده بقدرة لاهوته على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ويأخذها إذا شاء " ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان" ك 1  ق 3  ف 5  ص 66 منسوب زورا لأثناسيوس الرسولى ).

     وبهذا فقد حلوا الإتحاد التركيبى القائم على أساس أن الكلمة هو المشخص لروح المسيح الإنسانية بعودة عقلها إليها بعد أن فارقها الكلمة في  الآلام, كما أبطل الأنطاكيين واليعاقبة معتقداتهم لذات لسبب بالقول بروح إنسانية عاقلة في  المسيح فعادوا جميع ليسقطوا في  ذات معتقد نسطور الذى تم حرمه في  مجمع أفسس الأول .

    والواقع أن النساطرة بجميع مذاهبهم مجمعين على أن الذى نادى بصوت عظيم قائلا يا أبتاه: ليس ابن الوهيم الوحيد بحسب الحق الكتابى بل انسان مثلنا يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة تقبض كسائر أرواح البشر من جسد الموت فأى ميزة لها حتى وهى على وشك أن تستودع روحها في  يد الموت أن تقول يأبتاه في  يديك استودع روحى فهل يقدر أباها البشرى المخلوقة منه أن يخلصها أم انها بسبب وحدتها الجوهرية معه تحدر معه إلى القبر كسائر الموتى من بنى البشر.

     والواقع أن الابن المخلوق المولود من آب مخلوق لا يستطيع أن يدعى بنوته من الآب الأزلى دون أن يكون مولودا منه بالطبيعة والجوهر.

      والواقع أن روح المسيح الإنسانية بشهادة النساطرة أنفسهم لم تستودع في  يدى الآب بل أنها خرجت من الجسد وبخروجها منه مات الجسد مثل سائر أجساد البشر, وهذا معناه أن جسد المسيح خضع للموت والفساد كسائر البشر حتى اليوم الثالث عندما عادت إليه الروح الإنسانية واقامته من الموت, وهكذا كانت القيامة.

      أي أن قيامة جسد المسيح  من الموت تحققت بروح إنسانية عاقلة وليس بالروح القدس حسب الحق الكتابى .

    

البساطة التي في المسيح ومذاهب أصحاب الطبيعتين

     منذ أن تم حرم بدعة نسطور القائلة بأن المسيح المولود من مريم هو انسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة, وأن الكلمة احتجب بهذه الروح الإنسانية العاقلة وتأنس بها, وبهذا التأنس صار في  روح المسيح الإنسانية شخصين متحدين في  شخص المسيح الواحد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, أى أن كل طبيعة عاقلة من الطبيعتين مشخصة بعقلها الخاص في  المسيح الواحد, وخلفاؤه يضعون تفاسير متنوعة عن كيف يجعلون في  المسيح شخصا واحدا من الشخصين رغم أنه بطبيعتين عاقلتين حسب نسطور.

   فقالوا بالاختلاط والإمتزاج والتغيير بين الشخصين والطبيعتين أى الروحين بكيفة مختلف حولها فيما بينهم, فسقطوا جميعا في  عبادة مسيح آخر ليس هو صورة إلوهيم, وإنجيل أخر ليس هو إنجيل المسيح ( غلاطية 1 : 7 ) ابن إلوهيم ( مرقس 1 : 1 ) ( رومية 1 : 9 ) ( بطرس الأولى 4 : 17 ) الذى بشرنا به, الأمر الذى سبق بولس الرسول وحذر منه بروح النبوة قائلا:

      " أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها ، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح. فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به ، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه ، أو إنجيلا آخر لم تقبلوه ، فحسنا كنتم تحتملون ( كورنثوس الثانية 11 : 3 -4 ).

     هكذا تنبأ بولس الرسول عن أضداد المسيح الذين يأتوننا في ثياب خدام إلوهيم ليفسدوا اذهان المؤمنين عن البساطة التي في المسيح, هذه البساطة التى في  المسيح تعنى أن طبيعته واحدة بسيطة لا تقبل الإتحاد أو التركيب أو الإختلاط أو الإمتزاج بغيرها .. لأنها إن اتحدت أو إمتزجت بغيرها بفرض امكانية ذلك رغم استحالته بالنسبة للطبائع الروحية العاقلة, فهذا معناه أنها ليست روحية ولا إلهية بل طبيعة مادية متغيرة قابلة للفناء بالتحول إلى عنصر آخر, وهذا معناه أن روح إلوهيم غير كاملة في ذاتها وهذا يجعل الأرواح عموما غير خالدة وقابلة للتغير والفناء والتحول إلى كائنات أخرى بالإمتزاج والخلطة والتركيب.

     والواقع أن جوهر المسيح ابن إلوهيم بحسب قانون الإيمان الرسولى هو مساو للآب في  الجوهر.. فلهذا السبب فإن طبيعته لا يمكن أن تكون مخلوقة, وأيضا فإن صفات إلوهيم تختلف عن صفات البشر في  كونه كلى القدرة وموجود بذاته إلى آخر الصفات التى تميزه عن الخليقة  .. لئلا يبدوا إلوهيم نفسه وكأنه من نفس جوهر المخلوقات ( أثناسيوس الرسولى " الرسالة الثانية إلى سرابيون " فصل 5 ص 105 ).

     إن الذين يجعلون اللاهوت مركبا أو ممتزجا مع مخلوق يعتقدون بأن الجواهر العاقلة مادية وغير بسيطة بحيث تقبل التركيب والإختلاط والإمتزاج والإضافة والنقص.

      أين هذه الضلالات من الحق الكتابى الواضح والصريح بأن يسوع المسيح جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) وأنه هو الكلمة الذى صار جسدا.

      ورغم أن الكنيسة حرمت منكرى لاهوت المسيح الكلمة المتجسد في  مجمع نيقية المسكونى. إلا أن هذه العقيدة وجدت طريقها إلى الكنيسة السريانية حيث اعتقد لاهوتييها أن المسيح انسان حسب اريوس وأنه أول خليقة إلوهيم وقبلوا جميع العقائد الأريوسية المنكرة للاهوت المسيح , عدا انهم خالفوا أريوس بالقول بأن يسوع المسيح ليس هو الكلمة بل هو آخر غيره, فزعموا أن العذراء لم تلد الابن الوحيد الجنس بحسب الحق الكتابى بل ولدت انسانا مثلنا بروح انسانية عاقلة يدعى يسوع المسيح هو أول خليقة إلوهيم بحسب معتقد أريوس ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 2 ف 1 ص 25 ).

    وبهذا رفضوا قانون الإيمان الرسولى القائل بأن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الوحيد وهو القانون الذى أعلن المجتمعين في  نيقية عن تمسكهم به ورفض تغيير كلمة " المساو له في  الجوهر " الواردة به باستبدالها بكلمة " مشابه له في  الجوهر " التى اقترحها اريوس لإنكار لاهوت المسيح فكان أن قضى المجمع بالإجماع بحرم أريوس وبدعته .

     ولكن عندما حانت ساعة أضداد المسيح وسلطان الظلمة عقدوا مجامع خاصة بهم حرموا فيها القائلين بأن روح المسيح إلهية, وتمكنوا من اختراق كنيستى القسطنطينية وروما ثم حشدوا حشودهم حتى تمكنوا في  مجمع خلقيدونية من حرم كل أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد, ودسوا كلمة تأنس التى تبطل التجسد على نسخ قانون الإيمان الرسولى التى كانت تحت ايديهم بكنائس القسطنطينية وروما وانطاكية وفي  معظم النسخ التى وصلت إلى أيديهم, ومع ذلك فقد حفظ لنا الرب نسخ من قانون الإيمان الرسولى تعود إلى القرون الثلاثة الأولى للمسيحية خالية من هذه الإضافة النسطورية.

    والواقع أن كلمة تأنس هى تسليم نسطورى معناه أن الكلمة حل في  روح إنسانية عاقلة واحتجب بها وتأنس بعقلها دون أن يبطله, أى أن الكلمة بحسب هذا التعليم تقمص الروح الإنسانية العاقلة وأشركها معه في  مجد وكرامة الربوبية وتسمى باسمها بحسب معتقد اصحاب الطبيعتين.

     وليس من المغالاة في  شىء أن نؤكد أن وجهة النظر اللاهوتية السائدة في  العالم الآن هى اعتقاد أكثر اللاهوتيين المعاصرين أن أثناسيوس وكيرلس وأوطيخا وديوسقوروس جميعهم كانوا يعتنقون ذات معتقد أبوليناريوس لقولهم بأن روح المسيح الكلمة المتجسد إلهية وليست إنسانية. رغم أن هذه العقيدة الكتابية هى التى لتوافقها مع الحق الكتابى هى التى تمثل الإيمان المستقيم المسلم للكنيسة الرسولية التى حمل لوائها أثناسيوس الرسولى وتلميذه أبوليناريوس, ومن بعده كيرلس وصديقه أوطيخا وديوسقوروس. الذين حرمتهم جميعا مجامع نسطورية كأبوليناريين, عدا أثناسيوس الرسولى الذى تنيح قبل ظهور النسطورية , ومع ذلك اتهموه بالأبولينارية باعتباره من أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد.

     والواقع أن كل الأرثوذكسيين أى الذين يعتقدون ويؤمنون بأن روح المسيح الكلمة المتجسد إلهية حسب الحق الكتابى - ليسوا سوى أبوليناريين من وجهة نظر أصحاب الطبيعتين أى القائلين بتأنس الكلمة واحتجابه بروح الإنسان يسوع المسيح.

      وتشير أحدى الدراسات إلى أن كثير من الخلقيدونيين يجهلون أن الكنائس الخلقيدونية تعلم بأن روح المسيح بشرية مشخصة بالكلمة, الذين عندما يعلمون بذلك  يستنكرون هذا التعليم معترفين بأن روح المسيح إلهية بحسب الحق الكتابى فيتهمون بالأبولينارية أو الأوطاخية.

      والواقع أن كل المتمسكين بالحق الكتابى بأن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 – 11 ) وأن يسوع المسيح هو الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) وأنه الكائن منذ الأزل في  صورة إلوهيم, وانه المساو لإلوهيم في  الجوهر ( فيلبى 2 : 5 -7 ) ليسوا سوى أبوليناريين من وجهة نظر النساطرة بجميع مذاهبهم.

     وما يحدث في  الكنائس الخلقيدونية نجد مثيله في  الكنائس الأنطاكية واليعقوبية حيث أن كثير من الأرثوذكسيين من المنتمين لهذه الكنائس يجهلون أن كنيستهم تعلم بأن في  المسيح روح من روحين تجمع صفات وخصائص الطبيعتين أى الروحين دون أن تكون إلهية أو إنسانية وانما هى روح خاصة بالمسيح مشخصة بالكلمة بحسب ساويرس الأنطاكى وبابن من ابنين بحسب يعقوب البرادعى. لهذا نرى كثير من الأرثوذكسيين يستنكرون هذا التعليم عندما يقفون عليه معترفين بأن روح المسيح إلهية, وهذا واضح من كتاب " الحاوى " للعلامة اليعقوبى ابن المكين.

     والواقع أن الحق الكتابى واضح وصريح في  أن المسيح يسوع ليس انسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) ولم يتخذ إنسان, بل ظهر في  الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 5 ) لأنه هو ذا عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة ( أيوب 4: 18 ) فإسم يسوع المسيح لا يخص انسان بل هو اسم إلوهيم الذى جاء في  الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ).

 

 

 

القسم الثالث

 المناظرات حول ماهية روح المسيح

The Debates about what the spirit of Christ is

 

 

  

 

الفصل الأول

هل صدر حكم الموت ضد النفس الحية أم ضد الروح؟

 

   اعتمد أحد اليعاقبة على مؤلفات نسطور المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى  في إثبات أن حكم الموت صدر ضد الروح لا النفس الحية لهذا رأينا تفنيد النبع الذى استقى منه تعاليمه المضادة للحق الكتابى. أي تعليم نسطور الذى يقول فيه :

    من يتأمل التعدى الأول يجد أن الحكم صدر ضد الجسد والنفس العاقلة بالقول للجسد تراب أنت وإلى التراب تعود. أما للنفس العاقلة فقيل موتا تموت وبهذا تم تقسيم الإنسان إلى قسمين ليعانى في  مكانين القبر بالنسبة للجسد والهاوية بالنسبة للروح ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 13 , 14 ص 34 - 36 ). 

    الرد

     أوصى الرب الإله آدم قائلا : من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت ( تكوين 2 : 16  - 17 ) لأنك تراب ، وإلى تراب تعود ( تكوين 3 : 19 )

    من ذلك يتضح أنه بموت الجسد الحيوانى الحى بالدم يعود الجسد الى التراب الذى أخذ منه أما الروح فتمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 )  كما في  حبس إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ) فالإنسان بموت النفس الحية تقبض روحه من جسد الموت فيصير جثة عادمة الحياة فيحدر الجسد مع الروح إلى موضع واحد هو القبر أو الهاوية أو الحفرة. وفي  هذا يقول يعقوب أبو الأباء : إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية ( أى إلى الحفرة أو القبرة ) ( تكوين 37 : 35 ).

     إما خروج الروح الإنسانية من الجسد حسب نسطور فلا يسمى موتا بل انتقال, ويزعم نسطور أن الجسد يذهب إلى القبر أما الروح فتذهب إلى الهاوية أى إلى القبر أيضا, وبفرض أنها تذهب إلى مكان آخر فأى معاناة تلك التى يمكن أن يعانيها الجسد بدون الروح أو الروح بدون الجسد؟ 

     ففي  مثل الغنى ولعازر يقول الكتاب مات لعازر فحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم.

     ثم مات الغنى أيضا ودفن وإذ رفع عينيه وهو في  الهاوية رأى ابراهيم فسأله أن يرسل إليه لعازر ليبل طرف إصبعه في  الماء ليبرد لسانه ( لوقا 16 :22-31 ). 

     من ذلك المثل نرى أن الغنى بعد موته ودفنه في  القبر أى الحفرة أو الهاوية رفع عينيه وهو في  الحفرة جسدا وروحا, نجد أن جسده لم يكن في  موضع وروحه في  موضع آخر بل كان ممسكا من جسد الموت متألما به في  الهاوية عاجزا عن الحركة أو عن إقامة جسده أو تحريكه لذلك كان يطلب أن يأتى إليه لعازر ليبل طرف أصبعه في  الماء ليبرد لسانه.

     وفي  الأرض الجديدة أى أورشليم السمائية يقول الرب :

     ويكون من هلال إلى هلال ومن سبت إلى سبت أن كل ذى جسد يأتى ليسجد أمامى قال الرب ويخرجون ويرون جثث الناس الذين عصوا على لأن دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ ويكونون رذالة لكل ذى جسد ( إشعياء 66 : 23 - 24 ).

     من ذلك ترى أن الموت لا يفصم الإتحاد بين الروح والجسد المائت بل بالموت تحدر الأرواح متحدة بجثثها في  رقاد أبدى إلى موضع واحد سواء في  القبر أى الهاوية أو في  نار جهنم موضع العذاب الأبدى.

   وهذا كان حال كل البشر حتى موت المسيح على صليب ثم من قبل الصليب صارت أرواح المفديين وحدهم تستودع في يدى المسيح مؤقتا لتكون معه في الفردوس أي الملكوت حتى متى أظهر المسيح قيامته في المجىء الثانى يظهرون  معه في المجد بأجسادهم المقامة بروحه المحيى ( رومية 8 : 2 , 11 ).

  

 

الفصل الثانى

هل نرث الخطية وشوكة الموت من خلال الدم أم الروح ؟

      ينكر النساطرة وراثة الخطية الأبوية أبا عن جد اعتمادا على تعاليم نسطور المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.

     لهذا رأينا تفنيد مصدر التعليم الذى استقى منه هؤلاء النساطرة تعاليمهم المضادة للحق الكتابى وفي هذا يقول ثيؤدورت كنسطورى مهاجما القديس كيرلس عمود الدين قائلا:

    كيف تفهمون النفس الإنسانية بشكل سليم وأنتم تعتقدون أن الخطية جزء من تركيبها وتكوينها.

     وإذا كانت النفس التى تحيى الجسد كما تقولون أنتم جسدانية فلماذا لا تموت وتتحلل مع الجسد وإذا كانت جسدانية فلماذا يقول الرب لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد وأما النفس فلا يستطيعون ( متى 10 : 28 ) ( ظهور المسيح المحيى فقرة 8 ص 24 ).

     باطلة هى سفسطتكم كيف يتم الموت وكيف حل سلاسل الموت إذا كان الكلمـة لم يأخذ لنفسه الجسـد والروح الإنسانية. كيف يستطيع المسيح ذلك إذا لم يكن قـد أخذ لنفسه وبلا خطية ذات الذى أخطأ بالفكر أى النفس العاقلة فإذا لم يأخذ النفس الإنسانية العاقلة يظل الموت يملك عليها. لأنه على أى شىء ملك الموت أليس على النفس العاقلة التى أخطأت فكريا, والتى قيل عنها النفس التى تخطىء تمـوت. من أجل ذلك أسلم المسيح نفسه العاقلة عوضا عن كل نفس وقدم نفسه ( أى نفسه الإنسانية العاقلة حسب نسطور ) فدية عن الكل ( تجسد ربنا يسوع المسيح فقرة 19 ص 43 - 44 ).    

     إن الكلمة الذى هو إلوهيم أخذ جسدنا فكان في  شكلنا البشرى مماثلا لنا ولم يأخذ جسدا بلا نفس إنسانية عاقلة كما ظن بعض الهراطقة بل أخذ جسدا تحييه نفس إنسانية عاقلة ( أى اتخذ إنسانا ) ( الرسالة رقم 55 : 21 ص 35 ).

     هذه الطبيعة المتخذة هى مماثلة لطبيعتنا في  كل شىء ولا تختلف عنها سوى أنها بقيت منزهـة عن كل خطيـة لأن الخطيـة لا تصدر عن الطبيعة بل عن الإرادة الحرة ( ثيؤدورت " تاريخ أصفياء إلوهيم " رسالة رقم 113 ). 

    الرد

     إن القول بأن النفس العاقلة هي التي أخطأت بالفكر يعنى أن الخطية ليست في الجسد بل في الروح ومن ثم فإنها لا تورث لأن الروح ليست خلية حية تورث وتتكاثر وتموت وتتأثر بما ترثه من الآباء. وهذا يؤول إلى سقوطكم في  بدعة إنكار وراثة الخطية الجدية.

     لأن القول بأن الروح هى علة حياة الجسد وأن الخطية تصدر عن الإرادة الحرة وليست جزء من تركيبها يترتب عليه منطقيا إنكار وراثة الخطية الجدية المتوارثـة عن آدم أبا عن جد من خلال زرع الرجل الذى يصنع من الدم. أما الروح فليست مادة كالدم وبالتالى فإن الخطية ليست من تركيبها لكونها غير مادية كالدم الذى هو جسم خطايا البشرىة ( كولوسى 2 : 11 ) فضلا عن أن الروح خلق جديد يخلقها إلوهيم داخل الإنسان ( زكريا 12: 1 ) وهى خالدة لا تفنى ولا تموت.

     وبالتالى فإن قبول هذا التعليم يؤدى منطقيا إلى إنكار توارث الخطية الجدية إن كانت الروح هى علة حياة الجسد يحيا بها ويموت إذا فارقته.

     وهذا هو مفهوم الموت عند النساطرة الذين لا يفهمون حتى ما هو ملموس وهو أن الموت هو موت الدم الذى هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد وبموتها سواء موتا طبيعيا نتيجة الخطية وشوكة الموت العاملة فيه أو بسفك دمها أو لأى عارض يفسد قدرة الدم التنفسية. عندئذ يسقط الجسد تحت حكم الموت الأبدى, وعندئذ تعجز الروح التى يزعمون انها تحيى الجسد عن إحيائه أو تحريكه فتحبس فيه كما في سجن إلى الأبد, وهذه هي عقوبة الخطية.

   أما إن كانت روح الميت من المفديين فتنطلق لتكون مع المسيح تحت الحفظ إلى يوم الدين الذى فيه يقيم جسدها من الموت بروحه الساكن فيها ( رومية 11 : 2 , 11 ). أما إن كانت ارواحنا هي التي تحيى الجسد وليس الدم وكان حكم الموت قد صدر ضد الروح وليس الدم لهلكت. لأن الروح لا كفارة لها.

     وإنما الذى يكفر عنه هو الدم لأنه هو الذى تدنس بالخطية نتيجة الأكل من الشجرة المحرمة . لهذا كان الدم وحده هو الذى بحاجة للفداء بدم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 – 19 ) دم بدم . دم طاهر بلا عيب ولا دنس يموت للتكفير عن دم تدنس بالخطية وشوكة الموت.

     مما تقدم يتضح أن الجسد الحيوانى يحيا بالدم لا بالروح الإنسانية,  وأن الروح الإنسانية وإن سكنت جسد الخطية إلا أنها ليست من مكونات جسد الخطية الذى يتكون من لحم حى بالدم ( تكوين 9 : 4 ).

     فالدم المدنس بالخطية والموت الذى هو علة حياة الجسد هو الذى نتوارثـه عن آدم أبا عن جد. لأنه صنع من دم واحـد كل الأمم السـاكنين على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ).

     لهذا فإن فدائنا أيضا تحقق بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ) لا بروح إنسانية. لأن الدم يكفر عن النفس الحية أى الدم لا عن الروح ( لاويين 17 : 11 - 14 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 12 ).    

     أما المقصود بالموت الذى يملك على الروح فهو أن الروح الإنسانية إذ هى جوهر عاقل فإنها بمطلق إرادتها الحرة مسئولة عن قمع النفس الحية الكائنة في  جسدها الخاص حتى لا تخطىء وتموت لأن تبعة موتها ستقع على رأسها ( حيث تسكن الروح ) لأنه بموت النفس الحية أى الدم تمسـك الروح الإنسانية العاقلـة من الجسـد المائت إلى الأبد لهذا يقول داود النبى " أنر عينى لئلا أنام نوم الموت " ( مزمور 13 : 3 ).

     أما قول نسطور بأن إلوهيم الكلمة أخذ لنفسه الروح الإنسانية بلا خطية ليفتدى روح آدم الذى أخطأ بالفكر وأنه إذا لم يأخذ الروح الإنسانية العاقلة يظل الموت يملك عليها إعتقادا منه بأن الموت ملك على الروح التى أخطأت فكريا والتى قيل عنها النفس التى تخطىء تموت. من أجل ذلك أسلم المسـيح نفسه العاقلة عوضا عن كل نفس وقدم نفسه ( أى نفسه الإنسانية العاقلة حسب معتقد نسطور ) فدية عن الكل.    

    هذه الجهالات مردودة بأن الروح الإنسانية لا تفنى ولا تموت كما أنها ليست محيية للجسد , وبالتالى فإنها ليست العلة لحياة الجسد الحيوانى بل الدم الذى هو نفس حية قابلة للموت والفساد والفناء, وبالتالى فإن حكم الموت الأبدى لم يصدر ضد الروح بل ضد النفس الحيـة أى ضـد الدم القابل الموت بدليل قـول الرب لآدم عند نهيه عن الأكل مـن شـجرة المعرفة بأنه يوم يأكل منها موتا يموت.

     من ذلك نرى أن الموت جاء نتيجة الأكل من شجرة المعرفة التى تم معالجتها بما أسماه بولس الرسول بشوكة الموت التى دنست الدم وأفسدته بأن جعلته مستنزفا وغير قادر على تجديد نفسه إلى ما لا نهاية وهكذا دخل الموت إلى العالم وبالموت تمسك الروح من الجسد المائت كما في  سجن إذ تعجز عن إقامته أو تحريكه فيملك عليها.

     نخلص مما تقدم أن حكم الموت الأبدى لم يصدر ضـد الروح إذ هى خالدة لا تفنى ولا تموت كما أنها غير محيية للجسد, لذلك فإنها بموت النفس الحية أى الدم تقع تحت سلطان الموت الذى يسودها فتمسك منه. أى أن الروح بموت الجسد الحيوانى تقبض منه كما في  سجن, وهذا هو المقصود بأن الموت يملك عليها فتمسك منه لأنها أعجز من أن تقيم جسدها المائت فيملك عليها الموت إلى الأبد.

     لذلك فإن حكم الموت ليكون قابلا للتنفيذ لابد أن يصدر ضد شىء قابل للمـوت أى ضد النفس الحية التى في  الدم الذى بموتها تمسك الروح من جسد الموت.

      مما تقدم يتضح أن الروح الإنسانية ليست هى علة حياة الجسد الحيوانى بل الدم الذى هو نفس حية.

     وبالتالى فإن قيامتنا لا تكون بقوة روح إنسانية يملك عليها الموت فتمسك منه. بل بقوة الروح القدس المحيى الذى يقوم مقام الدم المائت في  إحياء الجسد وإقامته من الموت وبهذا يبطل الموت.

     أما قول الكتاب أن النفس التى تخطىء هى تموت فيقصد بها بداهة النفس الحية أى الدم الذى هو مادة حية متنفسة قابلة للموت والفساد.

     أما قوله من أجل ذلك أسلم المسيح نفسه عوضا عن كل نفس وقدم نفسه عن الكل فمردود بأن الروح كما قدمنا لا تموت والنفس التى قدمها المسيح عوضا عن نفوسنا هى النفس الحية التى في  الدم لهذا يكفر الدم عن النفس لا عن الروح.

      فإذا طبقنا نظرية نسطور في  وجوب أن تحصل الروح الإنسانية الخاطئة أيضا على تجديد فيلزم فنائها كالدم. لأن الكفارة تستلزم موت وفناء المكفر والمكفر عنه. فالدم الطاهر يكفر عن الدم  المدنس بالخطية فيموت كل منهما. فإن كفرت روح المسيح الإنسانية عن أرواح البشر فيلزم فنائها مع أرواح البشر الذين ستكفر عنهم.

     نقول هذا جدلا لأن دم الخطية والموت يورث لقدرته على التناسخ من خلال زرع الرجل. لأنه صنع من دم واحد ( دم آدم ) كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ) لهذا جاز بدم واحد دم المسيح أن يكفر عن دم البشرية كلها لأتها دم واحد.

     أما الروح فهى خلق جديد وليست كالدم الذى يورث بالتناسخ من خلال زرع الرجل وبالتالى فهى محدودة. فإن كفرت روح المسيح الإنسانية عن روح آدم فيلزم فنائهما معا روح مقابل روح, وهذا لن يفيد البشرية شيئا إذ يلزم فناء أرواحهم أيضا ليتم فيهم حكم الناموس.

     لهذا يقول الكتاب المقدس عالمين إنكم أفتديتم .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ) الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

     من ذلك ترى أننا أفتدينا بدم كريم بلا عيب ولا دنس دم المسيح لا بروح إنسانية وأنه ينبغى علينا أن نميز بين النفس الحية التى هى الدم وبين الروح سواء الروح الإنسانية أو الإلهية ولا نخلط بينهم لأن الروح غير النفس ( تسالونيكى الأولى 5 : 23 ) وذلك عن طريق فهم خواص وطبيعة كل من الروح ( زكريا 2 : 1 ) والنفس ( اللاويين 17 : 11  - 14 ) ( تثنية 12 : 23 ) في  ضوء الحق الكتابى.

  

جسد الخطية لم يخلق بالخطية

     نسب نسطور الذى ينكر وراثة الخطية للقديس كيرلس وقوعه في بدعة المانويين لقوله بوراثة الخطية الأبوية وأنها كائنة في الجسد.

   وخطأ المانوييين هو في اعتقادهم في وجود إله للشر وأن المادة شر لأنها من صنع إله الشر, ولكن المادة ليس شر ولا هي من صنع إله الشر.

   فالخليقة خلقت طاهرة وحسنة, ولكنها فسدت بسبب الخطية وبالخطية الموت, وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس . إذ أخطأ الجميع. لأنهم جميعهم صنعوا من ذات دم آدم المدنس بشوكة الخطية والموت.

     فدم آدم قبل السقوط وإن كان دما قابلا للموت إلا أنه لم يكن مائتا ولا فاسدا بطبيعته. إذ كان دما طاهرا بلا عيب ولا دنس ولا فساد. لهذا كانت خلايا الدم قادرة على تجديد نفسها إلى ما لا نهاية لأن إلوهيم خلق الإنسان لعدم الموت, ولكنه صار مائتا وتحت حكم الموت الأبدى بعد أن خالف الوصية وأكل من شجرة المعرفة المحرمة التي نهاه إلوهيم من الأكل منها لئلا يموت. فأكل منها وكانت النتيجة أن تدنس دمه بشوكة الخطية والموت التي أفسدت دمه وجعلته مستنزفا حتى الموت.

     وفي  هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش عندما كان على معتقد نسطور ما نصه:

   كيف تفهمون الطبيعة الإنسانية بشكل سليم وانتم تعتقدون أن الخطية جزء من تركيبها وتكوينها , وإذا وصلتم إلى هذه النتيجة أليس هذا هو ذات تجديف المانويين ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 14 ص 37 ) ويستطرد قائلا إذا تمسكتم بهذه الآراء فأنتم بذلك تنسبون الخطية إلى خالق الطبيعة وكأن إلوهيم عندما خلق الإنسان الأول آدم خلقه بطبيعة خاطئة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 15 ص 37 ).

    وهذ مردود بأن إلوهيم لم يخلق الإنسان بطبيعة خاطئة ولكنه هو الذى أخطأ وعصى الوصية فصار مائتا بعد أن تدنس دمه بشوكة الموت, وانتقل حكم الموت والخطية إلى أبنائه بالوراثة. لهذا صرنا جميعا نرث الدم الفاسد الذى هو جسم خطايا البشرية ( كولوسى 2 : 11 )( رومية 6 : 6 ) الكائن في  الدم الذى كان سفكه بالختان في  العهد القديم يمثل خلعا لجسم خطايا البشرية الذى صرنا نخلعه الأن بالمعمودية التى فيها نختن ختانا غير مصنوع بيد بالمعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح, وفي  هذا يقول بولس الرسول:

    وبه أيضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد ، بخلع جسم خطايا البشرية ، بختان المسيح  مدفونين معه في المعمودية ، التي فيها أقمتم أيضا معه ( كولوسى 2 : 11 - 13 ).

    أما ما يقوله النساطرة بأننا لا نرث الخطية ومع ذلك نموت بلا سبب, فهذا هو الذى يجعل المادة شر فعلا. لأنها مائتة وفاسدة بالطبيعة وليس بسبب الخطية, ويكون إلوهيم قد خلقها من البدء فاسدة ومائتة ونجسة دون أن ترتكب فعل ينجسها ويجعلها مائتة وفانية. 

 

 

الفصل الثالث

ما الذى اتحد به الكلمة ليخلصه من الموت. الجسد أم الروح ؟

    نسطور

     إن إلوهيم الكلمة إنما اتحد بطبيعتنا ( أى بروح إنسانية عاقلة ) لكى يخلصنا. فإن كان اتحاده بالجسد الحيوانى فقط فهو إذن لم يخلص البشر بل الحيوانات لأن البشر يقومون في  البعث بالنفس الناطقة, وعلى ذلك أذا أنكرت وجود روح إنسانية عاقلة في جسد المسيح فإنك تكون قد أبطلت إتحاد الكلمة وتأنسه بهذا الإنسان . فإذا لم يكن الكلمة قد اتحد بإنسان ( أى بجسد ذى نفس إنسانية عاقلة ) فكيف يقول الكلمة عن ذاته أنه إنسان إن كان لم يتحد بالنفس الإنسانية العاقلة.

     كيرلس

     إن قولك بأن الكلمة دعى إنسانا بسبب اتحاده بإنسان, مردود بأنه لو صح هذا فإن الروح القدس يسمى أيضا إنسانا بسبب حلوله في  القديسين.

     فإذا كان الحلول في  إنسان يسمى تجسدا فيكون أنه تجسـد في  كل المؤمنين الذين حل فيهم بالروح القدس المحيى وبالتالى تكون له تجسدات كثيرة.

     وإن كان إلوهيم الكلمة قد اتحد بإنسان بجسد ذى روح إنسانية عاقلة مثلنا فلا يكون قد تجسد ولا يكون قد خلص أى أحد ولا حتى الإنسان الذى اتحد به. بل على العكس فإنه وفقا لروايتكم الفاسدة  يكون إلوهيم هو الذى خلص.

     لأن الروح الإنسانية حسب تعليمكم الردىء هى التى بخروجها من الجسد اختبر الكلمة موتنا بأن أمسك من جسد الموت في  القبر مثل البشر حتى عادت إليه الروح الإنسانية في  اليوم الثالث وأحيته منعمة عليه بنعمة القيامة من الأموات. 

   لأن هذا إقراركم بأفواهكم بأن لاهوته لم يفارق ناسوته لا في القبر ولا في الجحيم. أي أن اللاهوت خضع لموت الجسد ثلاثة أيام حتى عادت الروح الإنسانية للجسد وأقامته من الموت.

       أما قوله بأنه إذا اتخذ جسدا حيوانيا فقط  فإنه يكون قد خلص الحيوانات لا البشر فمردود بأن الحيوانات لم تخطىء حتى تحتاج للخلاص بإقامة اجسادها المائتة من الموت .

    فضلا عن أن الحيوانات غير عاقلة وهى ذوات أنفس حية مائتة أي أنها تفنى بالموت إذ لا روح لها.

     ولو كان حكم الموت قد صدر ضد الروح الإنسانية العاقلة وليس ضد النفس الحيوانية لكان حكمهم واحد. لأن إحياء جسد كان يحيا بحياة فنت بالموت - سواء كانت هذه الحياة بروح عاقلة ( كما يزعم الهراطقة ) أو بالنفس الحية التي هي الدم - فلن يفيدها أن يحيى الروح القدس جسدها في شيء. لأنه أي خلاص يترجاه العدم.

    أما الإنسان فإذ هو الحيوان الوحيد الناطق. فإنه بموت جسده الحيوانى الذى يسكنه فسيحتاج حقا إلى من ينقذه من جسد هذا الموت بمنح جسده قوة حياة جديدة تحييه وتقيم جسده من الموت.

    حياة جديدة غير تلك الحياة التى صدر ضدها حكم الموت والفناء الأبدى. حياة ليست من دم يموت كما في  الميلاد الأول بل مما لا يموت بروح إلوهيم المحيى غير المائت الذى نلناه في  المعمودية التى هى ميلاد ثان وقيامة أولى مع المسيح الذي فينا الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) فأحيا لا أنا بل المسيح ( أى روح المسيح ) يحيا في  ( غلاطية 2 : 20 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

    من ذلك ترى أن خلاصنا بالفعل يتحقق بقيامة هذا الجسد الحيوانى المائت بأن يلبس عدم موت.

     هذا هو ما نحتاجه وهذا ما يعنيه الخلاص بالنسبة لنا, وفي  هذا يقول بولس الرسول :

     يوجد جسم حيوانى ويوجد جسم روحانى وكما لبسنا صورة الحيوانى سنلبس صورة الروحانى ولكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى ثم بعد ذلك الروحانى.

     أى أن البشرية كما لبست الجسد الحيوانى ذى النفس الحية الذى أتى بها إلى الموت والقبر. هكذا سيلبس أولئك الذين سيحسبون أهلا للحياة في  الدهر الآتى الجسد الروحانى المقام بروح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 22 , 45 ) الذى هو روح القيامة والحياة.

     من ذلك ترى أن قيامة جسد المسيح ابن إلوهيم الحى وقيامتنا بالجسد الروحانى الممجد إنما هى بالروح القدس المحيى لا بروح إنسانية حسب معتقدك الوخيم .

     لأنك تعتقد أن كلمة إلوهيم اتحد بإنسان تحييه نفس إنسانية عاقلة ليقدمه للموت حتى بخروج الروح الإنسانية من الجسد يموت إلوهيم الكلمة موتنا فيمسك من جسد الموت في  القبر حتى اليوم الثالث عندما تعود إليه الروح الإنسانية فتحييه وتقيمـه من الموت.

     ولو أن لك قليل من الفهم لأدركت أن " الجسد الحيوانى " وفقا للحق الكتابى هو جسد حى بالنفس الحية ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 50 ) التى هى الدم ( لاويين 17 : 14 ) لا روح إنسانية .

     ولأدركت أن الأجساد الحيوانية تموت بسفك دمها, وبالمنطق ذاته كنت أدركت أن الروح التى تسكن هذا الجسد الحيوانى لا تحييه إذا من الواضح أنها لا تستطيع ضبط عمليات الجسد الحيوية كالتنفس والنبض وتنظيم ضغط الدم وحرارة الجسم وما إلى ذلك. الأمور التى تكشف بأجلى بيان أن الروح أو العقل البشرى وإن كان يتحكم في  الجسد ويستعبده إلا أنه لا يحييه. وبرهان ذلك أيضا أن الجسد إذا فقد الكثير من دمه فإن روح الإنسان تعجز تماما عن تحريكه أو إقامته حتى يتم عمل نقل دم له عندئذ تعود للروح قدرتها على تحريك الجسد ما دامت نفسه ( أى قدرته التنفسية ) فيه. أما إن لفظ الجسد أنفاسه فإن الروح تحبس فيه دون أن تملك إقامته أو تحريكه.

     أما أنت فحسب تعليمك الردىء المضاد للحق الكتابى صارت الروح الإنسانيـة هى روح القيامة والحياة التى أقامت إلوهيم الراقد في  القبر متحدا بجسد مائت مترجيا الخلاص الذى تأتى به روح إنسانية لتهبه نعمة القيامة.

      وهكذا كضد للمسيح قلبت تدبير الخلاص رأسا على عقب فجعلت الذى نزل من السماء من أجل خلاصنا ممسكا من جسد الموت في  القبر إلى اليوم الثالث بلا حـول له ولا قوة مترجيا عودة الروح الإنسانية إليه لتنقذه من جسد الموت وتخلصه بإقامة جسده المائت من الموت في  اليوم الثالث.

     وبهذا يصير إلوهيم نفسه مدينا بحياته لهذا الإنسان الذى به خلص.

     هذه هى المحصلة المنطقية لقبول هذا التعليم الفاسد الذى به حقت فيهم كلمـة إلوهيم القائلة " شعبى قد هلك بسبب الجهل ".

     والسؤال هو ما هو الفداء الذى حققه إلوهيم الكلمة باتحاده بإنسان ؟ هل أقام جسد الإنسان المتحد به؟

      الواقع أن العكس هو الصحيح لأن الروح الإنسانية هى التى بعودتها للجسد أقامت الجسد المائت الذى كان إلوهيم الكلمة متحدا به في  القبر.

     والسؤال هو من خلص من؟ ما فائدة التجسد إن كان للروح الإنسانية القدرة على إحياء جسدها؟

     إن ما تقرره بأن المسيح أقام جسده بروح إنسانية يضاد الحق الكتابى ويقلب تدبير الخلاص رأسا على عقب إذ عوضا عن أن يخلصنا إلوهيم ويقيم جسده من الموت بروحه المحيى كباكورة ثم يقيمنا نحن أيضا بروحه تخضعون جسده للموت مترجيا عودة الروح الإنسانية إليه لتقيمه من الموت.

     أما قولك إذا لم يكن الكلمة قد إتحد بإنسان فكيف يقول عز وجل عن ذاته أنه إنسان فمردود بأن الكلمة باشتراكه معنا في  اللحم والدم صار إنسانا مثلنا في  الهيئة أما إذا اتحد بإنسان مثلنا فلا يسمى لذلك إنسانا بل يصير مثلنا شريكا للطبيعة الإلهية في  الجسد.

     فاتحاد إلوهيم بإنسان في  جسده الخاص لن يصيره مسيحا وربا مع الكلمة كما تقولون. لأن تعبيرات الاتحاد أو الشركة أو الحلول أو السكنى لن تغير من حقيقة الوضع شيئا لأن الإنسان سيظل إنسانا حتى وإن صار جسده مسكنا للروح القدس الذى فيه الذى له من إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.    

     لذلك إن لم تتمسكوا بصورة التعليم الصحيح بأن يسوع المسيح هو إلوهيم الكلمة الذى تجسد ولم يتأنس أو يتحد بإنسان فسوف تدانون كمجرمين لأنكم ازدريتم بروح النعمة روح القيامة والحياة باستبدالها بروح إنسانية واتقيتم وعبدتم المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد آمين.

    لذلك كما يقول الكتاب من خالف ناموس موسى فعلى يد شاهدين أو ثلاثة يرجم بدون رحمة فكم عقابا أشر تحسبون أنه يكون مستوجبا من داس ابن إلوهيم وحسب دم العهد الذى قدس به دنسا وازدرى بروح النعمة .. مخيف هو الوقوع في  يدى إلوهيم الحى ( العبرانيين 10 : 28 - 31 ).

     لأن من يستبدل دم ابن إلوهيم بدم إنسان بذل عنا يضاد قول إلوهيم " هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ".

 

 

الفصل الرابع

هل خرجت روح المسيح من جسده أم أودعها في  يدى الآب؟

     زعم المعترض اليعقوبى أن المسيح اسلم روحه الإنسانية العاقلة على الصليب رغم أن معتقده الرسمي قائم على أساس أن روح المسيح واحدة من روحين وأنها ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بل حقيقة ثالثة هي الشخص المسمى المسيح .

    ومع ذلك فقد تردى في عقيدة نسطور بسبب اعتماده على مؤلفات نسطور المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى. لهذا رأينا تفنيد المصدر الذى استقى منه تعاليمه المنحرفة . أي تعاليم نسطور التي يقول فيها:

 

     إن التدبير واضح ومعلن في  الصليب لأن جسده ظهر أنه جسد حقيقى بسكب دمه وعندما صرخ بصوت عال أعلن عن نفسه الإنسانية التى أسلمها دون أن تنفصل عن اللاهوت وانما بخروج نفسه ( أي روحه حسب التعبير النسطورى ) مات الجسد ( ظهور المسيح المحيى فقرة 14 ص 33 ).

     إن الروح الإنسانية هى التى اضطربت في  يسوع وكانت هى التى فارقت الجسد وهو معلق على الصليب وهنا مات الجسد وانفصلت النفس عنه بينما كان إلوهيم الكلمة متحدا بالجسد والنفس .. وهكذا بروحنا التى صارت روحه اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الهاوية وتتحد بجسده في  القبر وبذلك يبيد الموت بالموت .. أما أنتم الذين تؤمنون بجسد بلا نفس إنسانية عاقلة فتعجزون عن فهم الخطية والموت والقيامة .. لأنه بدون النفس الإنسانية لا يمكن أن نتكلم عن التدبير ( ظهور المسيح المحيى فقرة 17 ص 38 , 39 ).

     الرد

     إن القول بأن المسيح مات على الصليب بخروج روحه الإنسانية من جسده بينما كان إلوهيم الكلمة متحدا بالجسد والروح وبها اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود روحه الإنسانية من الجحيم وتتحد بجسده في  القبر معناه أن الموت ملك جسد المسيح بخروج الروح الذي تحييه منه ومن ثم يكون الموت قد ملك أيضا على إلوهيم المتحد بجسد مائت في  القبر كسائر الموتى من بنى البشر عاجزا عن إقامته منتظرا عودة الروح الإنسانية إليه لتخلصه وتقيمه من الموت الممسك به في  القبر خلافا للحق الكتابى أن الكلمة إذ هو الحياة والمحيى لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) لهذا وإن مات موتنا بالجسد ( بموت الدم ) إلا أنه ( أى جسد ) ظل حيا بقوته أى بروحه المحيى ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) وبهذا أبطل الموت بالموت.

    وهنا تظهر آية يونان النبى  : لأنه كما كان يونان ( حيا ) في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن الإنسان ( حيا ) في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ( متى 12 : 40 ).

     لهذا فإن مناداة يسوع على الصليب " يا أبتاه في  يديك أستودع روحى " ( لوقا 23 : 46 ) لم تصدر عن إنسان بل عن ابن إلوهيم الوحيد بقوله يا أبتاه الذى هو واحد معه في  الجوهر في  يديك أى في  صورة مجدك أستودع روحى أى الروح القدس المحيى الذى هو روح الآب أيضا ولما قال هذا أودع الروح.

     فالكتاب لم يقل ولما قال هذا " خرجت الروح " بل قال " أودع الروح " والتى ترجمت " أسلم الروح " أى أن ابن إلوهيم الوحيـد استودع روحه المحيى في  يدى الآب أى في  صورة مجده لأن يدى الآب ابنه المعبر عن كيانه الحقيقى.

      وإن كانت روحه قد خرجت من جسده كما يزعمون فكيف كان حيا بجسده في باطن الأرض كيونان النبى .

      وأيضا لو مات الدم وخرج روح الحياة الذى في المسيح يسوع من الجسد لدب الفساد فورا في  الجسد , لأن الذى حفظ الجسد من الفساد هو أنه كان مقاما بروح المسيح المحيى الذى سيحيى اجسادنا المائتة أيضا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

    مما تقدم يتضح أن جسد المسيح كان حيا بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي بروح الحياة الذى فيه الذى خلصنا من حكم الموت والخطية بإقامة اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا . فروح المسيح لم تكن إنسانية مثل أرواحنا لتمسك من جسد الموت, بل بالموت أبطل الموت, لهذا حتى لا تحل الدينونة فورا , ستر حياته حتى اليوم الثالث واعلنها لخاصته, واما للعالم فسيعلنها في مجيئه الثانى حينئذ نظهر معه في المجد.

    والواقع أن القول أسلم الروح تهدم معتقد أصحاب الطبيعتين لأنهم يقولون أنه بخروج الروح الإنسانية من الجسد مات.

    في حين أن كلمة أودع الروح تعنى أنه اودعها في يدى الآب الحال فيه دون أن يفارق الجسد. فالروح القدس الذى هو روح المسيح لم يفارق الجسد بموت الدم بل أبطل موت الجسد بروحه المحيى .

      فتمت الآية التي لم يدركها نسطور ولا من على شاكته من غير المؤمنين وهى ان ابن الإنسان كان حيا بروحه المحيى في قلب الأرض كما تنبأ ثلاثة أيام وثلاثة ليال وجاء اليوم الثالث بطريقة معجزية إذ اشرقت الشمس ليلا والمريمات في الطريق إلى القبر ( مرقس 16 : 2) ثم عاد الظلام فكان يوما ثالثا ( يوحنا 20 : 1 ).

    مما تقدم يتضح أن روح المسيح لم يكن ممكنا أن تحبس أي تمسك من جسد الموت  كسائر البشر ( أعمال 2 : 24 ) في  جثة الموت الأبدى ( إشعياء 66 : 23 - 24 ) لأنه وإن تألم عن ضعف بسبب قابلية الدم للموت لكنه كان حيا بقوته أي بروحه المحيى الذى هو الروح القدس الرب المحيى الذى هو روح الحياة  أي روح القيامة.

     وأيضا إن كانت روح الابن إنسانية حسب زعم نسطور.  فيكون أبيه أيضا إنسان لأن الابن محمول على أبيه الذى هو جوهر وجوده لأنه مولود منه وتكون روحه أيضا إنسانية لأنها منبثقة من آب مخلوق.

     فإذا استودع الابن روحه الإنسانية في  يد أبيه الذى هو واحد معه في  الجوهر فيكون قد أودع روحه في  يد نفسه, وإذ روحه غير محيية كسائر البشر. فإنها ستمسك في  جسد الموت كسائر البشر الراقدون تحت الثرى حتى اليوم.

     الوحيد الذى لم يكن للموت سيادة عليه هو المسيح إبن إلوهيم الوحيد لأنه روح الحياة والمحيى لهذا إذ مات جسده بموت الدم صار الجسد غير مائت بسبب روحه المحيى. إذ لم يكن ممكنا أن ناموس الموت يسود حيث شريعة روح الحياة في  المسيح يسوع التى أعتقت جسده وأجسادنا من الموت, لأن الاب ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) لا لكى يسود عليه الموت ثلاثة أيام بحسب زعم النساطرة بكافة مذاهبهم الفاسدة. 

     فحيث يسوع هناك الحياة ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) لأنه ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) بل صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     لذلك فإن مناداة الابن لأبيه بصوت عظيم قائلا: يا أبتاه في  يديك أستودع روحى كانت لأجلنا ليصير هو الأول في  كل شىء. لهذا كان أيضا باكورة الذين تستودع أرواحهم في  يدى الآب.

     لأن الآب كان في  صورة مجده أى في  المسيح مصالحا العالم لنفسه ( كورنثوس الثانية 5 : 19 ) لهذا كانت هذه المناداة إعلانا عن تمام هذه المصالحة بينه وبين البشر بقبول أرواحهم في  يديه أى في  المسيح لأن يدى الآب ابنه وروح قدسه الواحد معه في  الجوهر.

      فصوت ابن إلوهيم إذن كان إعلانا عن تمام هذه المصالحة بين إلوهيم والناس وبرهانا على أن أرواح البشر منذ هذه اللحظة لن تمسك من جسد الموت في  القبر كالسابق بل سوف تستودع في  يدى الآب الذى هو المسيح لتكون مع المسيح في  الفردوس حتى اليوم الأخير. لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح حتى متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ نظهر معه في  المجد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

     لذات السبب أيضا ستر المسيح حياته إذ هو وحده الذى له عدم الموت. لهذا فإنه وإن مات موتنا على الصليب بسفك دمه إلا أن جسده كان محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى ( بطرس الأولى 3 : 19 ) إذ لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت مثلنا ( الأعمال 2 : 24 ) وبذلك أبطل موتنـا وابتلع الموت إلى غلبة, وبهذا صار المسيح هو البداءة بكر من الأموات عاملا الصلح بدم صليبه .. ليحضرنا قديسين وبلا لوم أمامه ( كولوسى 1 : 18 - 22 ).

     وبهذا بمجرد أن أحنى الرب رأسه معلنا تمام الفداء انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ( كإعلان عن تمام المصالحة وإبطال الموت وردنا إلى الفردوس ) ( متى 27 : 51 ). 

     فالمسيح وإن أبطل موت الجسد على الصليب بروحه المحيى إلا أنه لم يظهر قيامته فورا تدبيريا بل ستر حياته في  القبر لمدة يومين حتى يستر حياتنا نحن أيضا معه لمدة يومين ( أى ألفي  سنة ) ثم متى أظهر المسيح قيامته للعالم أجمع عندئذ نظهر معه في  المجد.

 

  

 

الفصل الخامس

تفنيد الإعتراض على تجسد الكلمة واشتراكه معنا في اللحم والدم

المعترض

       نحن نؤمن بأن روح المسيح إنسانية وليست إلهية, وأن الكلمة قد وحد مع نفسه أقنوميا. جسدا ً مُحيا ً بنفس عاقلة , وصار إنسانا ً بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها وهو دُعِىَ ابن الانسان ليس بحسب الرغبة فقط ولا بحسب الارادة الصالحة , بل أيضا ليس باتخاذه شخصا ً معينا. ونحن نقول أنه على الرغم أن الطبيعيتين اللتين اجتمعتا معا في وحدة حقيقية مختلفتان, فإنه يوجد مسيح واحد و ابن واحد من الاثنين. إن اختلاف الطبائع لم يبطل بسبب الاتحاد, بل بالحرى فإن هذا الاتحاد الذى يفوق الفهم و الوصف كون لنا من اللاهوت والناسوت ربا ًواحدا ً يسوع المسيح و ابنا ً واحد ( الرسالة رقم 4 ف 3 ).

     الرد 

       من الواضح أن هذه الأقوال السفسطائية اللامنطقية مقتبسة من الرسالة الرابعة المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين وهى رسالة نسطورية بالكامل عدا فقرة واحدة وردت بمقدمة الفصل السابع حتى منتصفه. أما باقى الفصل فهو إضافة نسطورية وفي  هذه الففرة الوحيدة التى للقديس كيرلس فند فيها كل تعليم نسطور عن الإتحاد الأقنومى أى الذى بين اقنوما البنوة ( أي الإتحاد بين الابنين أو الشخصين ) بحسب المفهوم النسطورى بقوله : 

     إنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص. لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أن الكلمة صار جسدا والكلمة إذ صار جسـدا لا يكون آخر. أنه اتخذ لحما ودما مثلنـا ( العبرانيين 2 : 14 ) وجعل الجسد خاصا به ( الرسالة رقم 4 : 7 ص 16 ).

      ونحن على ثقة أن المعترض لا يفهم من الكلمات التي اقتبسها معناها الصحيح. لأن نسطور نفسه لا يفهم ما يعتقده لعدم منطقيته وهذا بإقراره بأنه يعترف بإيمان لا يفهمه ولا يدركه لعدم منطقيته لأنه اين في  الكتب المقدسة نجد التعليم بأن الكلمة لم يتجسد بل تأنس بروح انسانية عاقلة واحتجب بها, بأى منطق نفهم أن روح تسكن روح عاقلة وتشخصها رغم أنها مشخصة بعقلها البشرى. بأى منطق نفهم أن روح تحل في  روح اخرى وتتكلم من خلالها وتحتجب بها, رغم أن الروح ليست مادة ولا حجاب وهى تسكن الجسد وتشخصه ولا تسكن ولا تشخص من غيرها, بأى منطق نفهم أن الروح العاقلة وهى جوهر بسيط غير مركب يقبل التركيب والإضافة. بأى منطق نفهم أن جوهر إلوهيم يوحد بجوهره جوهر مخلوق ويجعله واحدا معه في  مجد وكرامة الربوبية, بأى منطق يتكون من روح إلهية وروح انسانية ربا واحدا, وكيف يكون الابن الأزلى والابن الزمنى بحسب معتقد النساطرة ابنا واحدا وهما ابنان.

     والواقع أن النساطرة بجميع مذاهبهم بعد أن عجزوا عن تفسير كيف يتكون من الإبنين والروحين كيانا واحدا وشخصا واحدا, قالوا بالاختلاط والتركيب والأمتزاج ثم لم يلبسوا أن هدموا تفسيراتهم بالقول بأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير وعن كيفية الإتحاد سواء بالإختلاط  أو التركيب أو الأمتزاج بين الإله والإنسان المتحدين معا فيهربون من الإجابة بالقول أن هذا الاتحاد يفوق الفهم والوصف, وأنه تم بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها.

     ثم أين في الكتاب المقدس نجد آية واحدة تقول أن المسيح كان انسان مثلنا ذى روح إنسانية عاقلة. أو أن الكلمة اتحد بإنسان ذي روح إنسانية عاقلة. أو أن المسيح اضطرب بروحه الإنسانية, أو أن روح الابن التي اسلمها على الصليب هي روح إنسانية مخلوقة . أية واحدة تهدم التعليم الذى اثبته بولس الرسول ثلاث مرات في اصحاح واحد بأن يسوع المسيح ليس انسان ( غلاطية 1 : 1 . 11 , 12 ) .

    آية واحدة تبطل التعليم بأن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 -10 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) .

      آية واحد تثبت أن روح المسيح ليس روحا محييا ( أى له القدرة على اقامة الجسد المائت من الموت ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) كما هو مكتوب مماتا في  الجسد ( أى حسب الدم ) ولكن ( أى الجسد ) محيى ( مقام من الموت ) في  الروح  ) بطرس الأولى 3 : 18 ,19 + إفسس 4 : 9 - 10 ) ( كورنثوس الثانية 13 : 14 ) أي بروح الحياة الذى فيه الذى به أعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) والذى به أيضا سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 )( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) ( غلاطية 2 : 20 ) .

       لو كانت روح المسيح إنسانية لقبض عليها وامسكت من جسد الموت مثل سائر البشر ( اشعياء 66 : 24 ) اما إن كانت روحه هي روح الحى الذى لا يموت فيكون من المستحيل أن تمسك من جسد الموت مطلقا ( أعمال 2 : 24 ) ( رومية 6 : 5 ) ومن ثم لم يكن ممكنا أن يرى جسده فسادا ( أعمال 2 : 31 ).

    لأنه كيف للذى هو الحياة أن يموت أو يخضع للموت وهو المرسل لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

    أما الذين ابدلوا غير المائت بإنسان مائت فتم فيهم قول بولس الرسول:

   لأنهم لما عرفوا إلوهيم لم يمجدوه أو يشكروه كإله ، بل حمقوا في أفكارهم ، وأظلم قلبهم الغبي,  وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء. وأبدلوا مجد إلوهيم ( المسيح الكلمة ) الذي لا يفنى ( أي القدوس الذى لا يموت ) بشبه صورة الإنسان ( المسيح الإنسان ذي الروح الإنسانية العاقلة حسب زعم النساطرة ) الذي يفنى ( يموت ) ( رومية 1 : 21 – 23 ).

 

  

 

الفصل السادس

تفنيد الإعتراض على أن الكلمة ولد من العذراء

   المعترض

    هم لم يقولوا إن طبيعة الكلمة أى لاهوته أخذ بداية وجوده من العذراء القديسة بل أن جسده المُحييّ بنفس عاقلة قد ولد منها , الذى به إذ اتحد الكلمة أقنوميا, لهذا يقال عن الكلمة إنه وُلد حسب الجسد.

  الرد

    تجسد الكلمة من العذراء يعنى انه اخذ منها جسدا ليظهر به بين البشر كإنسان مثلهم  أي أنه اخذ بداية ظهوره في  الجسد من العذارء. لهذا فقد ولدت العذراء الكلمة حسب الجسد .

     فأرواح المواليد رغم أنها تولد مع أجسادها إلا أنها ليست مكون جسدى يتناسخ من خلايا جسد الأم ولا من روحها لأن الأرواح لا تتناسخ كالخلايا الجسدية, بل هى خلق جديد يضعها إلوهيم داخل جسد الجنين الذى يأخذ جسده من الأم, ودمه من الأب, أما روحه فمن إلوهيم ( زكريا 12 : 1 ).  

     اما القول بأن جسد الإنسان محيى بنفس عاقلة فهو جهالة لأن النفس يقصد بها الدم الذى هو نفس حية هى علة حياة الجسد الحيوانى أى الحى بالدم كما هو مكتوب : نفس الجسد ( أى قدرته التنفسية ) دمه هو بنفسه ( اللاويين 17 : 14 ) أما الروح الإنسانية فلا تحيى الجسد بل الدم الذى بموته تمسك الروح الإنسانية من جسد الموت كما في  حبس إلى الأبد. 

    وفي  هذا يقول بولس الرسول :

   يزرع جسما حيوانيا ( أى حى بالدم الذى هو نفس حية ) ويقام جسما روحانيا ( أى يقام من الموت بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ) يوجد جسم حيواني ( أى حى بالدم الذى هو نفس حية ) ويوجد جسم روحاني ( أى مقام بالروح القدس الرب المحيى ) هكذا مكتوب أيضا : صار آدم ، الإنسان الأول، نفسا حية ( أى حى بالدم  ) وآدم الأخير ( المسيح الكلمة المتجسد ) روحا محييا ( أى روح قيامة وحياة ) لكن ليس الروحاني ( أى الجسد المحييى أى المقام من الموت بالروح القدس الذى هو روح الحياة والقيامة من الموت ) أولا. بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني, الإنسان الأول من الأرض ترابي . الإنسان الثاني الرب من السماء, كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضا ( أحياء بالدم الذى هو نفس حية أو حيوانية )، وكما هو السماوي هكذا السماويون ( أى المقامون من الموت بالروح المحيى ) أيضا, وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضا صورة السماوي, فأقول هذا أيها الإخوة : إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ( كورنثوس الأولى 15 : 44 -50 ).

     مما تقدم يتضح أن جسد آدم الإنسان الأول كان حيا بالدم الذى هو نفسا حية أما روحه فغير محيية أى لا قدرة لها على إحياء جسدها أو إقامته من الموت بل بموت الدم تمسك روحه من جسد الموت , أما المسيح آدم الأخير فقد شاركنا في  اللحم والدم ليصير قابلا للموت مثلنا حتى إذا مات موتنا بموت الدم أبطل الموت باقامة جسده من الموت بروحه المحيى الذى هو روح القيامة والحياة , لأن روح الحياة الذى في  المسيح يسوع قد أعتقنا من ناموس الخطية والموت .. الذى به أى بالروح المحيى .. سيحيي أجسادنا المائتة أيضا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) الذى نأخذه في  المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ( رومية 6 : 3 -8 ) بروحه المحيى.

     فالروح المحيى  للجسد هو روح القيامة والحياة , الذى هو روح المسيح المحيي ( كورنثوس الأولى  15 : 45 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

      اما أرواح البشر فليست محيية للجسد ولو كانت أرواحنا محيية لما متنا أبدا, ولما أمسكت من الجسد بالموت, الوحيد الذى لم يمسك من جسد الموت هو المسيح لأنه روحا محييا ( كورنثوس الأولى  15 : 45 ).

     اما اتحاد الكلمة بإنسان اقنوميا فيعنى ادخال التشويش على الجواهر العاقلة وهى جواهر بسيطة لا تقبل إضافة او نقصا.

     لأن الاتحاد الأقنومى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد ولايوجد اتحاد أقنومى بين أقانيم من جوهرين مختلفين .

    أيا كان الأمر فإن النساطرة يعنون بالإتحاد الأقنومى الإتحاد بين الابنين في وحدة اسم المسيح , وحلول الكلمة في  انسان ولو من البطن لا يقال عنه أن الكلمة وُلد حسب الجسد. لأن الذى ولد حسب الجسد هو الإنسان لا الكلمة. وإلا جاز أن يقال أن الروح القدس ولد حسب الجسد مع يوحنا لأنه من بطن أمه إمتلاء من الروح القدس ( لوقا 1 : 15 ) .  

     وفيما يلى نعرض لمزيد من البراهين الكتابية التي تثبت أن المسيح ليس إنسان وإنما ظهر في الهيئة كإنسان, وأن روحه إلهية.

 

أولا  : البراهين الكتابية على أن المسيح شاركنا في الجسد ولم يتخذ إنسانا

     أثبت بولس الرسول أن المسيح ليس انسان مثلنا بقوله :

     " بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 ) 

     وأيضا :

    " البشارة التى بشرت بها لم أقبلها من إنسان بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح " ( غلاطية 1 : 12 ).

     في  هذه الآيات أعلن بولس الرسول تصريحيا أن يسوع المسيح ليس إنسان من حيث جوهره بل هو إلوهيم الذى أرسله وأوحى إليه الإنجيل الذى بشر به مثبتا أن يسوع المسيح حسب قانون الإيمان الرسولى هو المساو للاب في الجوهر بالقول:

     " أن المسيح يسوع الذى إذ كان في  صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا فأخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في  شبه الناس وإذ وجد في  الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب " ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

      فالمسيح كما نرى هو المساو للآب في الجوهر الذى ظهر في الهيئة كانسان من حيث الشكل لا الجوهر.

     وقد قطع بولس الرسول الطريق على النسطورية قبل أن توجد مثبتا ما سيتحد به المسيح ابن إلوهيم في  تجسده بأجلى بيان بالقول :

     فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح البشر ) في  اللحم والدم ( أى مكونات الجسد الحى بالدم ) اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ) ليكون قابلا للموت, ولكن إذ هو غير مائت بالطبيعة لأنه روح محيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) لهذا فإن ناموس الروح المحيى في  المسيح يسوع إذ إلتقى بالموت في  جسده الخاص أبطله فصار الجسد محييا أى مقاما من الموت ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( كولوسى 2 : 12- 13 ).

        لأنه لم يكن ممكنا أن يملك الموت على المسيح أو أن يمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) إذ هو وحده الذى له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى 6 :16 ) وهذا كان يمكن أن يحدث لو أن روح المسيح إنسانية وليست إلهية.

     لهذا تنبأ داود النبى قائلا بأنه لا يدع قدوسه يرى فسادا ( مزمور16 : 10 ).

     لهذا لم يكن ممكنا أن يملك الموت على جسد المسيح بموت الدم كسائر البشر لهذا بمجرد أن لفظ المسيح أنفاسه صار الجسد محييا في  الحال بروحـه المحيى.

    لهذا بمجرد أن إلتقى الموت بجسد مخلصنا بسفك دمه وموته موتنا بطل الموت إبتلع إلى الأبد إذا صار جسد الكلمة محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 )

  أما أرواح البشر المشتركة في  اللحم والدم فليست محيية على الإطلاق إذ ليس لها حياة في  ذاتها. لهذا فإنه بموت الدم تمسك من جسد الموت وتعجز عجزا تاما عن تحريكه أو إقامته أو إحياءه. لأن الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس روح المسيح آدم الأخير الذى له وحده عدم الموت.

     إذ هو وحده القادر أن يبطل موته وموتنا بروحه الذى صار إلينا في  المعمودية التى فيها أقمنا معه من الموت.

    لهذا قيل مبارك ومقدس من له نصيب في  القيامة الأولى التى هى قيامة مع المسيح في  المعمودية. هؤلاء ليس للموت الثانى سلطانا عليهم.

     فلو كانت روح المسيح إنسانية لعجزت مثل سائر أرواح البشر أن تقيم جسدها من الموت فضلا عن أن تقيم اجسادنا بالدفن معها في المعمودية التي فيها اقمنا أيضا, وفي  هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى:

     إن الكلمة .. لبس الجسد المخلوق لكى يجدده ( أى يمنحه حياة جديدة بقوة الروح القدس ) .. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله ( أى يصير غير مائت ) لو أن الكلمة اتحد بمخلوق. أو أن الابن لم يكن إلها حقيقيا, وما كان للإنسان أن يقف في  حضرة إلوهيم. لو لم يكن الذى لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقية ( 2 ضد الأريوسيين ف 21 :70 ص 108 ).

 

ثانيا : البراهين الكتابية على أن روح المسيح إلهية وليست انسانية

      المسيح هو روح الحق الذى لم يستطع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه أما تلاميذه فعرفوه لأنه كان معهم وصار فيهم ( يوحنا  14 : 17 ).

     فالمسيح هو روح إلوهيم ( رومية 8 : 9 ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الناطق في  الأنبياء ( بطرس الأولى  1 : 10 - 11 ) الذى لبسناه في  المعمودية ( غلاطية 3 : 27 )  لأن المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 )  يحيا فينا ونحيا به ( غلاطية 2 : 20 ) لأن إلوهيم أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) لأن شريعة الروح المحيى في  المسيح يسوع قد أعتقتنى من شريعة الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) ( حزقيال 37 : 14 ) لذلك إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له ( رومية 8 : 9 ) لأن المسيح فينا ما لم نكن مرفوضين ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

     فالمسيح يسوع إذ كان في صورة إلوهيم. لم يحسب مساواته لإلوهيم خلسة. لكنه أخلى نفسه. آخذا صورة عبد. صائرا في شبه الناس, وإذ وجد في الهيئة كإنسان. وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه إلوهيم أيضا، وأعطاه اسما فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض, ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

    فالمسيح هو حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 ) الذى إذ كان في  صورة إلوهيم .. أخلى ذاته آخذا شكل العبد ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) باشتراكه معنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) .

     لهذا يقول يوحنا الرسول .. أيها الأحباء .. كل روح يعترف بيسوع المسيح ( إلوهيم ) أنه قد جاء في الجسد فهو من إلوهيم ( يوحنا الأولى 4 : 1 - 6 )( يوحنا الأولى 4 : 1 - 6 ) ( يوحنا الأولى 4 : 1 - 6 ).

      فالمسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 )  بل إلوهيم الظاهر في  الجسد. لأنه عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر في  الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ). 

     فروح المسيح ليست إنسانية ولا مختلطة ولا ممتزجة لا جنس لها بل حسب الحق الكتابى إلهية أزلية ناطقة في الأنبياء وفي  هذا يقول بطرس الرسول:

      " الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها " ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     وأيضا يقول بولس الرسول :

     " فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب " ( العبرانيين 9 : 15 ).

 

  

الفصل السابع

تفنيد الإعتراضات على أن روح المسيح إلهية وليست إنسانية

 

الإعتراض الأول

على حلول الروح القدس على الابن في الأردن

    يقول اليعقوبى ن . م . إسميا والنسطورى المعتقد فعليا ما يلى :

    نحن نؤمن بأن روح المسيح إنسانية لأنه إن كانت روح المسيح هو الروح القدس فكيف حل عليه الروح القدس في  المعمودية في  هيئة جسمية مثل حمامة وسمع صوت من السماء يقول له قائلا انت ابني الحبيب بك سررت ( لوقا 3: 21-22 ).

 

  الرد

    هذه الأٌقوال هى أقوال نسطور الذى يعتقد أن المسيح ليس ابن إلوهيم بل إنسان نظيرنا, وأن الروح القدس حل عليه في  الأردن وقدسه.

    ولكن إن كانت روح المسيح إنسانية فلا يكون المسيح إبن إلوهيم. فكيف إن كان المسيح إنسان نظيرنا يشهد له الروح القدس بأنه ابن إلوهيم.

    إن كان المسيح إنسان مثلنا. فكيف يسمى هذا إستعلانا أو ظهورا إلهيا للثالوث الابن في الأردن والروح يحل عليه وصوت الآب يشهد له هذا هو ابنى الحبييب الذى به سررت.

    هل الابن الحبيب مخلوق أم هو ابن إلوهيم. فإن كان المسيح إنسان وليس ابن إلوهيم فكيف شهد له الآب بأنه ابنه.

     المسيح هو صورة الآب من رآه فقد رأى الآب. لهذا شهد له الآب.

     فكيف يشهد إلوهيم عن إنسان نظيرنا بأنه ابنه الحبيب أي ابن مسرته وهو من جوهر مختلف عنه.

 

 

الإعتراض الثانى

 على تقديس المسيح لذاته بروحه الإلهية

 المعترض :

    روح المسيح ليس هو الروح القدس بدليل قول الكتاب المقدس عن المسيح أنه امتلاء من الروح القدس وانه كان يقتاد من الروح بالقول:

     أما يسوع فرجع من الاردن ممتلئا من الروح القدس وكان يقتاد بالروح في البرية ( لوقا  4 :  1 ).

    فمن الواضح أن يسوع ليس هو الروح القدس الذى كان ممتلئا منه وكان يقتاده في البرية.

    الرد

    القول عن يسوع أنه كان ممتلئا من الروح القدس وكان يقتاد منه لا يعنى ان الروح القدس لم يكن روحه الذاتي , لأن المسيح هو ابن إلوهيم الحى بالروح القدس الذى هو روحه الذاتي. فإن قيل أنه امتلأ من الروح فهو مثل القول منذ الأزل مسحت إذ الواضح أن الذى مسحه هو الآب واما المسحة فهى بالروح القدس الذى هو روح الابن المنبثق من الآب. لهذا يقول: لأجلهم أقدس أنا ذاتي ، ليكونوا هم أيضا مقدسين في الحق ( يوحنا 19 : 17 ).

    وعلى ذات المنوال يقول داود النبى : قال الرب لربى اجلس عن يمينى ( أعمال 2 : 34 ).

       فهل تفهم من ذلك وجود ربين أحدهم رب داود. لأن الرب ( الآب ) قال لرب داود ( الاين ) إجلس عن يمينى, وكأنه لم يكن يجلس عن يمينه بالطبيعة والجوهر.

   لأن الجلوس عن اليمين لا يعنى الجلوس حرفيا. لأن اليمين يعنى القوة , ومن ثم فإن الجلوس عن يمين الآب يعنى الجلوس في مجد قوته.

   ومن ثم فإنه قياسا على هذا الفهم القاصر عن ادراك أن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الوحيد وأن الروح القدس هو روحه الذاتي . يكون معناه أن الرب ليس هو رب داود الذى قال له الرب ( الآب ) اجلس عن يمينى.

     وهذا القصور في الفهم سيؤدى إلى قصور في فهم الكتاب المقدس كله وفي  عدم فهم قلو داود في المزمور القائل:

       كرسيك يإلوهيم إلى دهر الدهور .. من أجل ذلك مسحك إلوهيم إلهك بزيت الإبتهاج ( مزمور 45 ) فكيف مسح إلوهيم إلوهيم بزيت الإبتهاج ( الروح القدس روح المسرة ).

    هل تفهم من هذا أن هناك إلهين وأن أحدهم مسح الآخر فصار مسيحا أم أن الماسح هو الآب والممسوح هو الابن والمسحة هو الروح القدس, وأن الثلاثة هم واحد.

      إن روح يسوع هو الروح القدوس المولود من مريم حسب الجسد وكان يقتاد بروحه في  البرية وكان ممتلئا دائما من الروح.

    لأنه كمسيح هو ممسوح أزليا من روحه, ولم يكن محتاجا لمعمودية يوحنا التى للتوبة لأنه بلا خطية ولأنه القدوس ابن إلوهيم.

     لهذا يقول ينبغى أن نكمل كل بر.

    فكل ما صنعه الرب كان يصنعه كنائب عن البشرية بسبب الجسد الذى اتخذه.

    لهذا يقول من أجلهم أقدس أنا ذاتى.

     فلماذا يقدس ذاته وهو مقدس أصلا. إنه يصنع ذلك لنكون نحن مقدسين فيه.

    وفي  هذا يقول الرب: لأجلهم أقدس أنا ذاتي ، ليكونوا هم أيضا مقدسين في الحق ( يوحنا 19  : 17 ).

   

 

الإعتراض الثالث

على أن روح المسيح هو الروح القدس

 المعترض

     انا لم اسمع مطلقا بأن روح المسيح هو الروح القدس، فالكتاب المقدس واضح في أن المسيح كان انسانا كاملا والها كاملا، فالمسيح إنسان مثلنا ذى روح بشرية وجسد بشرى وأدلة ذلك قول الكتاب عن المسيح ( اضطرب بالروح ) و ( اسلم الروح ) فهذه تدل على أن روحه إنسانية.

   الرد

       من الواضح تتلمذك على كتابات الهراطقة المنسوبة زورا للقديسين دون الحق الكتابى المفند والكاشف لهذه الكتابات المضادة لصورة التعليم الصحيح القائل بأن يسوع المسيح هو الكائن منذ الأزل في  صورة إلوهيم ..  وهو ممسوح مسيحا منذ الأزل .. وأن روحه إلهية .. أزلية .. محيية .. ناطقة في  الأنبياء .. وأنه شاركنا في  اللحم والدم .

    لهذا فإن كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح جاء في  الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ..  فيسوع المسيح ليس إنسان .. بل هو إلوهيم الظاهر في  الجسد بصورته التى كانت له أولا. لأنه ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء. لأن الذى نزل هـو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل.

      أما براهينك الواهية على أن روح المسيح إنسانية لقول الكتاب أنه اضطرب بالروح وأنه اسلم الروح. فهى كاشفة عن جهلك بالحق الكتابى الواضح والصريح, والذى يثبت بأجلى بيان بأن روح المسيح ليست إنسانية وأن المسيح  هو نفسه ابن إلوهيم , وليس انسان حل فيه إلوهيم كما يحل في القديسين.

    ولو كانت التعبيرات " اضطرب بالروح " و " اسلم الروح " يستدل منها على أن روح المسيح ابن إلوهيم الحى ليست إلهية بل إنسانية مخلوقة. لكانت الأيات الصريحة التي تنسب مشاعر بشرية للروح القدس مثل حزن وانطفأ وندم كلها خاصة بمخلوق مثل قول الرسول:

    ولا تحزنوا روح إلوهيم القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء ( أفسس 4 : 30 ).

    لا تطفئوا الروح. لا تحتقروا النبوات ( تسالونيكى الأولى 5 : 19 -20 ).

    فإن كانت روح الابن مخلوقة, فيكون الآب أيضا مخلوق. لأن المولود من المخلوق مخلوق مثله وتكون روحه المنبثقة منه مخلوقة أيضا, وبهذا يجعلون دم إلوهيم دم انسان نظيرنا ( أعمال 20 : 28 ).

 

المعترض

من أين جئت بهذه الأقوال؟ هذه تعاليم أبوليناريوس.

 

الرد

    هذه آيات من الكتاب المقدس وقد جردتها من شواهدها الكتابية لأختبر مدى درايتك به. فوجدتك جاهلا بالكتاب المقدس. حتى أنك لم تميز أيات الكتاب وزعمت أنها تعاليم أبوليناريوس. أي أنك تتهم تعاليم المسيح ورسله بانهم أبوليناريين أي هراطقة من وجهة نظرك.

    والآن سوف اعرض لك الآيات التي ذكرتها لك بشواهدها الكتابية وهى ما نعترف به. 

     فنحن نؤمن بحسب الحق الكتابى أن يسوع المسيح هو الكائن منذ الأزل في  صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 – 11 ) وهو الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 ) وأن روحه إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة في  الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) وأنه شاركنا في  اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) .

    لهذا فإن كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح  ( إلوهيم )  جاء في  الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) فيسوع المسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 )  بل إلوهيم الظاهر في  الجسد بصورته التى كانت له أولا كقوله:

    " فإن رأيتم ابن الإنسـان صـاعدا إلى حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 62 ).

     لأنه ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء ( يوحنا 3 : 13 ).

    الذى نزل ( بطرس الأولى 3 : 19 ) هـو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 9 - 10 ).

     مما تقدم يتضح أن الكلمة نفسه هو الذى شاركنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) بروحه الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) المحيي ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) للأجساد.

     وهذا هو إيماننا:

     نؤمن بأن يسوع المسيح هو إبن إلوهيم الوحيد .. وأنه ليس مخلوق بل هو نفسه المساو للآب في  الجوهر, وهو نفسه خالق كل شىء, وهو نفسه الذى تجسد وولد من العذراء , فالعذراء لم تلد مخلوق بل ولدت المساو للأب في  الجوهر الذى اخذ دمه وجسده من الروح القدس ومن مريم العذراء وهو نفسه وليس انسان الذى صلب على عهد بيلاطس البنطى. لهذا فإن الدم المسفوك هو دم إلوهيم المتجسد, وليس دم انسان ولدته العذراء وسكنه الكلمة بحسب زعم الهراطقة.

 

 

 

الفصل الثامن

هل صورة ابن الإنسان هي صورة إلوهيم؟

يقول المعترض

      تقولون أن إلوهيم ظهر في صورة ابن الانسان. إلا أنه كان في صورة الآب الحقيقية, لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب, و" أننا خلقنا على شبه صورة إلوهيم الذى هو المسيح الذى هو صورة إلوهيم نفسه ".

     أرى أن هذا التعليم غير صحيح وليس عليه أى دليل.

 الرد

     لقد أوضح الكتاب المقدس من أول اصحاح في  سفر التكوين أن إلوهيم خلق الإنسان على صورته وشبهه ( تكوين 1 : 26 )  أى على صورة المسيح الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) ( كولوسى 1 : 15 ) الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) الذى نفخ في أنف أدم نفس حياة ( مراثى ارميا 4 : 20 ) وعندما ظهر إلوهيم في  الجسد اتخذ جسدا على صورته الأصلية التى خلقنا على صورتها وشبهها بمعنى أننا خلقنا على صورة المسيح الذى هو صورة إلوهيم نفسه.  لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب. لأنه والآب واحد.

     فصورة المسيح ليست محدثة بل أزلية ومعلنة من أول سفر من أسفار الكتاب المقدس, وقد أوضح الرب نفسه أنه مسح مسيحا منذ الأزل بقوله تبارك اسمه:

     أنا الحكمة .. لي المشورة والرأي. أنا الفهم لي القدرة. بي تملك الملوك وتقضي العظماء عدلا. بي تترأس الرؤساء والشرفاء كل قضاة الارض. أنا أحب الذين يحبونني والذين يبكرون إلي يجدونني .. الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مسحت منذ البدء منذ أوائل الأرض .. اذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ولا أول أعفار المسكونة.  لما ثبت السماوات كنت هناك أنا .. لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعا, وكنت كل يوم لذته فرحة دائما قدامه. فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني أدم.

   فالآن أيها البنون اسمعوا لي فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهرا كل يوم عند مصاريعي حافظا قوائم أبوابي. لأنه من يجدني يجد الحياة وينال رضى من الرب, ومن يخطىء عني يضر نفسه كل مبغضي يحبون الموت ( الأمثال 8 : 12 – 36 ).

      ورسم الجوهر هو المسيح بهاء مجد إلوهيم وتعبيره الكيانى. لأن الثالوث صورة واحدة وجوهر واحد واسم واحد.

     لأن الصورة تظهر الأصل تماما. أى أن المسيح صورة إلوهيم هو رسم الثالوث الكامل من رآه فقد رأى الآب والروح القدس جميعا بسبب وحدة الجوهر.

     لهذا قال الرب لتلاميذه ما مفهومه :

     أن العالم لا يعرف روح الحق لأنه لم يراه ولم يعرفه أما هم فيعرفونه لأنه في  وسطهم وسيكون فيهم ( يوحنا 14 : 16 ).

     وهذا معناه أن أيا من رأى المسيح فقد رأى روح الحق الكائن معهم وسيكون فيهم.

       وأيضا من رأى الابن فقد رأى الآب.

        لهذا يقول : ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء.

    فالمسيح هو صورة إلوهيم بالطبيعة والجوهر أما نحن فمخلوقون على صورة إلوهيم وشبهه. أى أننا خلقنا على شبه صورة إلوهيم من حيث الشكل والمنظر الخارجي.

     أما المسيح فهو صورة إلوهيم الذى هو بالطبيعة والجوهر إلوهيم الكائن منذ الأزل,   

    وقد حجب وجهه عنا بسبب الخطية تدبيريا ليتمم عمل الفداء. لأنهم لو علموا لما صلبوا رب المجد

     لهذا اقتضت حكمة إلوهيم في  الأزمنة السابقة أن يبقى سر المسيح مكتوما عن الرؤساء والسلاطين حتى يتمموا القصد الإلهى في  المسيح يسوع من أجل خلاصنا لأنهم لو عرفوا في  وقته ما هو غنى سر المسيح الذى لا يستقصى وعرفوا السر المكتوم منذ الدهـور في  إلوهيم خالق الجميع بيسوع المسـيح ( أفسس 3 : 3 - 10 ) الذى هو صورة إلوهيم  بهاء مجده ورسم جوهره لما صلبوه.

     فالخطية هى التى جعلت إلوهيم يستر وجهه عنا لأجل التدبير ليظهر نفسه في  الوقت المعين من أجل خلاصنا بعد أن يتمم البشر قصده بصلبه لأنهم لو علموا لما صلبوا رب المجد ( كورنثوس الأولى2 : 8 ).

     لهذا تنبأ إشعياء النبى قائلا :

     قدسوا رب الجنود وليكن هو خوفكم ورهبتكم فيكون لكم قدسا, وأما لبيتى إسرائيل فيكون حجر صدمة وصخرة عثرة وفخا وشركا لسكان أورشليم. فيعثر به كثيرون ويسقطون فينكسرون ويعلقون فيقتنصون. أرسم الشهادة أختم الشريعة بتلاميذى. فاصطبر للرب الساتر وجهه عن بيت يعقوب وأنتظره. ها أنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب آيات وعجائب في  إسرائيل من عند رب الجنود الساكن في  جبل صهيون ( إشعياء 8 : 13 - 18 ).  

      أما بعد أن اتم المسيح الرب عمل الفداء فقد رفع الحجاب الذى كان يفصله عن البشر وصار إعلان السر من خلال الكنيسة بأن المسيح هو صورة إلوهيم وحكمته الذى خلق به إلوهيم كل ماهو موجود مايرى وما لا  يرى.

     كما أوضح إشعياء النبى بروح النبوة أن النقاب الذى كان يحجب وجه إلوهيم عن كل الأمم يرفع على جبل الجلجثة عندما يبطل المسيح موتنا ببسط يده على خشبة الصليب كما يبسط السابح يديه ليسبح وذلك بقوله:

       ويزيل في  هذا الجبل ( جبل الجلجثة ) وجه النقاب. النقاب الذى على كل الشعوب والغطاء المغطى به على كل الأمم, ويبلع الموت إلى الأبد .. ويقال في  هذا اليوم هو ذا هذا إلهنا إنتظرناه  فخلصنا .. لأن يد الرب تستقر على هذا الجبل  .. ويبسط يديه كما يبسط السابح يديه ليسبح ( إشعياء 25 : 7 - 11 ).

     الأمر الذى أثبته الرب نفسه بقوله " متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إنى أنا هو " ( يوحنا 8 : 28 ) لأنه بصلب المسيح تم القصد الإلهى الذى جعل إلوهيم يستر وجهه عنا حتى يظهر نفسه في  الوقت المعين من أجل خلاصنا حتى يتمم البشـر قصده بصلبه على مثال الحية التى رفعها موسى في  البرية ليبطل موت مـن يلتفت إليه بالإيمان بأنه هو الرب فاديه ومخلصه, وفي  هذا يقول إشعياء النبى :

      " حقا أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلص .. هكذا قال الرب .. إلتفتوا إلى وأخلصوا يا جميع أقاصى الأرض لأنى أنا إلوهيم وليس آخر. بذاتى أقسمت خرج من فمى الصدق كلمة لا ترجع. إنه لى تجثو كل ركبة يحلف كل لسان " ( إشعياء 45 : 15, 22, 23 ).

     هذا الذى أقسم بذاته أنه له ستجثو كل ركبة هو المسيح الإله الذى كان محتجبا وأظهر في  الأيام الأخيرة من أجل خلاصنا الأمر الذى أوضحه بولس الرسول بقوله :

     أن المسيح يسوع إذ كان في  صورة إلوهيم .. وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب .. لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة .. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 – 11 ). 

     فسر المسيح هو انه صورة إلوهيم الساتر وجهه الذى ستسجد باسمه كل ركبة في  السماء وعلى الأرض وما تحت الأرض   " حقا أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلص .. هكذا قال الرب .. إلتفتوا إلى وأخلصوا يا جميع أقاصى الأرض لأنى أنا إلوهيم وليس آخر. بذاتى أقسمت خرج من فمى الصدق كلمة لا ترجع. إنه لى تجثو كل ركبة يحلف كل لسان " ( إشعياء 45 : 15, 22, 23 ).

     هذا الذى أقسم بذاته أنه له ستجثو كل ركبة هو المسيح الإله الذى كان محتجبا وأظهر في  الأيام الأخيرة من أجل خلاصنا الأمر الذى أوضحه بولس الرسول بقوله :

     أن المسيح يسوع إذ كان في  صورة إلوهيم .. وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب .. لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة .. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 – 11 ). 

  

 

الفصل التاسع

هل المسيح هو الكلمة أم أنه إنسان تأنس به الكلمة؟

       يقول ثيؤدورت اسقف قورش ما نصه:

      أن إلوهيم لم يسم من قبل اتحاده بالإنسان المولود من مريم مسيحا, ولا يقال لناسوته بغير لاهوته مسيحا ولكنه مسـيح واحد بلاهوته وناسوته جميعا ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 58 ).

     ويقول نسطور مهاجما القديس كيرلس:

      أخبرني كيف يمكن أن يقال عن الإنسان ( المسيح حسب معتقد نسطور ) الذى ولد من العذراء القديسة أنه ابن إلوهيم, وكيف يسمى ابن إلوهيم باسم المسيح ( الإنسان ) الذى سلمه إلوهيم الآب لأجل خلاص وحياة الكل ( موت الإنسان يضيف انسانا إلى عالم الموتى دون أن يحيى أحد ولا حتى جسده ) .. والآن فهذا واضح جدا حيث أن حقيقة الإتحاد التى يعترف بها بالضرورة تثبت أن عمانوئيل الذى ولد من العذراء هو ابن إلوهيم لأن جسده لم يكن جسد إنسان نظيرنا بل بالحرى فإن الجسد ( أى المسيح الإنسان ) المولود منها هو جسد الكلمة نفسه فلنسجد له كواحد دون أن نقسمه إلى اثنين بعد الإتحاد ( الرسالة رقم 1 : 32 , 39 ).

     وفي  موضع أخر يقول نسطور أيضا:

     إن الكلمة لا يدعى المسيح خارجا عن الجسد ( أى عن الإنسان حسب نسطور ) لأن الكلمة لم يعرف بهذا الاسم إلا حينما صار إنسانا ( أى اتحد بإنسان ) ويمكننا أن نثبت ذلك من الكتب المقدسة وأن نبين أنه إلوهيم حسب الطبيعة وأن لاهوته قد اتحد كما قلت بجسده الخاص ( أى بالإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة التى احتجب بها وجعلها روحه الخاصة حسب معتقده ) وحينما تصير هذه الحقيقة واضحة فإن العذراء القديسة تدعى منا والدة الإله ( الرسالة رقم 1 : 18 ).

     إن المسيح كإنسان ذى وضع منفرد كرم بصفة خاصة بتسميته الابن وأيضا فإن كلمة إلوهيم في  وضع منفرد يملك بالطبيعة كلا من اسم البنوة وحقيقتها لذلك فإن الرب الواحد يسوع المسيح لا ينبغى أن يقسم إلى ابنين ( الرسالة رقم 4 : 6 ص 15 ).

     لهذا نحن نعترف بمسيح واحد ( أى إنسان ) ورب ( إلوهيم الكلمة ) ليس أننـا نعبـد إنسانا مع الكلمة .. لكننا نعبد واحدا هو نفسه الرب حيث أن جسده ( أى المسيح كإنسان مثلنا حسب نسطور ) لا يخص غير الكلمة الذى باتحاده به يجلس عن يمين أبيه ليس كابنين يجلسان مع الآب بل كابن واحد متحد مع جسده الخاص ( أى الإنسان ) ولكن إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أى الإتحاد بين الإبنين أى الشخصين في كيان واحد حسب المفهوم النسطورى ) بسبب تعذر إدراكه أو بسبب عدم قبوله ( لأنه مضاد لكلمة إلوهيم ) نسقط في  التعليم بابنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).

     فرد عليه القديس كيرلس في الفقرة الوحيدة بالرسالة رقم 4 المنسوبة له زورا والتي تفند كل معتقدات نسطور بهذه الرسالة بقوله:

       إن تعليم الإتحاد ليس هو الإيمان الصحيح. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( أى بين الأقنومين أو الأبنين ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أن الكلمة صار جسدا والكلمة إذ صار جسـدا لا يكون آخر. أنه اتخذ لحما ودما مثلنـا ( العبرانيين 2 : 14 ) وجعل الجسد خاصا به ( الرسالة رقم 4 ف 7  ص 16 ).

     لذلك فإن صحة التعليم الذى بحسب الحق الكتابى هو أن " الكلمة صار جسدا "  باشتراكه معنا في  اللحم والدم لكى يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) متى إلتقى به في  جسده الذى صار بسبب الكلمة الذى حل فيه عديم الموت, لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

    فالمسيح أخذ الذى لنا أى الدم لكى بموته يعطينا الذى لـه أى الروح المحيى ليبطل موتنا.

     أما قول نسطور بأننا إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أي الإتحاد بين الأشخاص بحسب المفهوم النسطورى ) نسقط في  التعليم بابنين. فمردود بأنهم سواء قبلوا أو رفضوا تعليم الإتحاد بين الأشخاص فإنهم ساقطين فعلا في التعليم بشخصين وابنين  لأن هذا التعليم لا يخرج عن كونه تعليم نظرى لا يمت للواقع أو المنطق بصلة وليس له أى سند كتابى فضلا  عن تناقضه مع الكتاب المقدس والمنطق ذاته إذ يستحيل عقلا ان يصير الابنين أي العقلين  عقلا واحدا أو ابنا واحدا إلا إذا ابطلنا أحدهما بأن يلاشى أحدهما الأخر بحسب معتقد ثيؤدورت أو يمتزجا وينشأ شخص جديد بحسب معتقد يعقوب البرادعى وهى بدع أكثر انحرافا وجنونا من بدعة نسطور نفسها.

     مما تقدم يتضح استحالة وجود إتحاد بين شخصين أو ابنين من جوهرين مختلفين في شخص أو جوهر واحد , وكذا يستحيل وجود طبيعتين ( روحين ) مشخصتين بشخص واحد, وكذا استحالة اندماج جوهرين عاقلين في جوهر عاقل واحد.

     والواقع أن مجرد القول بأن المولود من مريم إنسان مثلنا بروح انسانية عاقلة إتحد بها إلوهيم الكلمـة هو سقوط في  التعليم بابنين بل وتردى في  عبادة إنسان نظيرنا لأنه بصرف النظر عن كيفية الإتحاد هناك مسيح ليس هو الكلمة له ستجثو كل ركبة ( فيلبى 2 : 10 ) فكيف لا يحسبون ضمن عبدة الإنسان.

     كما أن الكتاب لم يستخدم كلمة " إتحاد " بين شخصين مطلقا. كما لم يميز بين المسيح والكلمة بالقول بأن الكلمة تأنس بروح المسيح الإنسانية لأن التأنس هو مجرد صلة خارجية بين شخصين يأتنس احدهما بالآخر دون ولا تعنى أن يحتجب أحدهم بالآخر أو يتكلم من خلاله بالحلول في  روحه فهذا الحلول هو حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم .

      كما أن المسيح وفقا للحق الإلهى هو نفسه الكلمة بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره هو هو أمس واليوم وإلى الأبد , وهو الذى جاء وظهر في  الجسد, لهذا استخدم الكتاب تعبيرات ظهور ومجىء في الجسد للدلالة على حلول إلوهيم في  الجسد باشتراكه معنا في  اللحم والدم.

     وحتى لو استخدم الكتاب كلمة "  اتحاد " فهى لا تعدو أن تكون علاقة خارجية أى التصاق أو شركة أو رابطة أو صلة بين الروح وجسدها الخاص, وجميعها تؤدى إلى نفس المعنى ولا تعنى أن يصير المسيح الكلمة وجسده جوهر واحد بل تعنى أن الكلمة باتحاده أو اتصاله بجسده الخاص يشخصة ويجعله خاصا به وحده, وهذا يختلف عن استخدام ذات التعبيرات في  حلوله إلوهيم في  انسان أو اتحاده أو اتصاله أو اشتراكه في  جسد انسان له روح انسانية عاقلة فهذا الحلول هو حلول نوعى لمنح الإنسان موهبه أو نعمة القيامة من الموت وليس بهدف تشخيص الروح الإنسانية والإحتجاب بها والتكلم من خلالها فهذا لا يسمى حلول تجسد بل حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم , وهو باتحاده او اتصاله أو اشتراكه في  روح انسانية فإن هذا لن يجعل هذا الإنسان إلها يعبد.

    وفيما يلى بيان ببعض التعبيرات التى استخدمها الكتاب لبيان تجسد الكلمة :

     يقول بولس الرسول:

     " إذ قد تشارك الأولاد في  اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما " ( العبرانيين 2 : 14 ) .

    وأيضا " عن المسيح يسوع .. الذى إذ كان  ( منذ الأزل ) في  صورة إلوهيم .. أخلى نفسه آخذا صورة عبد .. وإذ وجد ( ظهر ) في  الهيئة كإنسان أطاع حتى الموت موت الصليب " (  فيلبى 2 : 5- 8 ).

      وأيضا عن المسيح الكلمة المتجسد : " أنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسـديا " ( أى في  الجسد وليس في  روح المسيح الإنسانية حسب معتقد النساطرة, وهذا برهان على أن المسيح هو الأقنوم الثانى في  الثالوث حسب الحق الكتابى ) ( كولوسى 2 : 9 ).

     وفي  هذا يقول يوحنا الرسول :

     " كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في  الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح " ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 )

     لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون ، لا يعترفون بيسوع المسيح آتيا في الجسد. هذا هو المضل والضد للمسيح ( يوحنا الثانية 7 ).

     إن عبادتنا لإلوهيم ليست شيئا يستهان به حتى نعبد بدلا منه إنسانا حل فيه إلوهيم أو اتحد به وجعله واحدا معه مثلما نحن واحد معه ( يوحنا 17 : 21 - 23 ).

    ومع ذلك فنحن لا نجهل طبيعتنا واننا صرنا واحد بسبب روحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 . 11 ) وكونه ساكن فينا يعنى عدم محدوديته ( أفسس 4 : 8 – 11 ) فلو كانت روح المسيح إنسانية فإنها تكون محدودة وغير قادرة على توحيدنا وإقامة أجسادنا من الموت. فنحيا جميعا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ) بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) الذى هو الروح القدس الذى به نصير هياكل لإلوهيم . 

    اما إن كان المسيح إنسان مثلنا حل فيه إلوهيم فإنه يكون مثلنا هيكلا لإلوهيم وهذا لا يعنى أن تقدم لنا أو له العبادة.

     فإن كان حلول إلوهيم في  إنسان يسمى تجسدا فقد صارت له تجسدات كثيرة.

     وحتى أن قيل انه في جسد المسيح ( باعتباره انسان مثلنا حسب معتقد النساطرة ) حل كل ملء اللاهوت جسديا. فنحن أيضا مملوؤن فيه ( كولوسى 2 : 9 ) بكل ملء إلوهيم ( أفسس 3 : 19 ). 

      وإن كان المسيح انسان مثلنا فإن دمه يكون خاص بهذا الإنسان وليس خاصا بإلوهيم ونجعل شهود الرب كاذبون عندما يقولون لكهنة الكنيسة احترسوا لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس أساقفة فيها لترعوا كنيسة إلوهيم التى اقتناها بدمه ( أعمال 20 : 28 ).

     فرد عليه نسطور قائلا :

     لماذا تجعلون الخدمة الإلهية هى عبادة إنسان مثلنا ليس له سوى صلة عارضة بإلوهيم الكلمة. لقد تأنس فعلا  ( أى صاحب انسان وهذه المصاحبة هى مجرد اتصال خارجى كما يأتنس انسان بصاحبه ) ولم يتصل بإنسان كما تقولون بل هو بذاته اتحد بإنسان ولم يحدث أن الكلمة اتصل بإنسان وأعطاه الألوهية بشكل عارض دون أن تكون الألوهية الحقة ( المسيح واحد 7 ص 41 ).

     " ولماذا نسقط كلمة " اتحاد " وقد استخدمها الآباء القديسين وإذا كان الآباء لم يستخدموا كلمة " صلة " مطلقا فلماذا تستخدمونها أنتم وكلمة " اتحاد " لا يمكن أن تفقد قوتها, والشر كله عندما يرفض الهراطقة ( يقصد القديس كيرلس عمود الدين ) الإتحاد ويسمون الإتحاد صلة تلك التى اخترعوها لأنها تخدم تعليمهم " ( المسيح واحد 7 ص 44 ).

     واستطرد قائلا في رسالة منسوبة للقديس أثناسيوس الرسولى بما نصه:

     أى عالم سفلى تقيأ القول بأن الجسد ( أى المسيح الإنسان حسب نسطور ) الذى من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة ( أى أن المسيح هو الكلمة ذاته ) .. ومن كفر إلى هذه الدرجة حتى يقول أن الذى سمر على الخشبة لم يكن هو الجسد ( أى المسيح الإنسان حسب نسطور ) بل هو جوهر الحكمة الخالق ذاته ( لأن المسيح هو حكمة إلوهيم نفسه ) .. فالذين يكفرون يقولون أن الجسد ( أى المسيح باعتباره إنسان حسب نسطور ) الذى لبسه المخلص من مريم إنما هو من جوهر الثالوث ( أي أن المسيح كإنسان من جوهر الثالوث لأنه من السماء وأن الكلمة لبس إنسان يسمى المسيح من السماء وهو الذى يدعوه نسطور الجسد وهنا يظهر تعليم نسطور وكأن كيرلس علم بأن الكلمة أخذ جسدا سمائيا وليس إنسان من السماء كما يتصور نسطور ).

     ومرة أخرى فمن أين تقيأ البعض ذلك الكفر المساوى للكفر السابق حتى يقولون بأن الجسد ( أى المسيح الإنسان حسب المفهوم النسطورى ) ليس أحدث من لاهوت الكلمة بل هو مساو له في  الأزلية وهو معه على الدوام حيث أنه قد تكون من جوهر الحكمة ( الرسالة إلى أبكتيتوس فقرة 2 ص 34 - 35 ).

    ( وبداهة أن كيرلس لم يقل ذلك وإنما قال بأن المسيح هو نفسه إلوهيم المتجسد وليس إنسان متحد بالكلمة حسبما يزعم نسطور ).

     إنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن الجسد ( أى المسيح ابن الإنسان ) المولود من مريم كان موجودا قبل مريم, وأن الكلمة كانت له نفس بشرية ( أى صورة بشرية حسب المفهوم النسطورى ) قبل مريم, وأن هذه النفـس ( الصورة حسب نسطور ) كانت له دائما حتى قبل مجيئه.

      وهكذا سيكف أيضا الذين يقولون أن الجسد ( أى المسيح حسب نسطور ) لم يكن قابلا للموت وأنه كان من طبيعة غير مائتة ( لأن المسيح آدم الآخير روحا محييا ) لأنه لو لم يكن قد مات فكيف قال بولس أن المسيح مات من أجل خطايانا وكيف قام إن لم يكن قد مات ( الرسالة إلى أبكتيتوس فقرة 8 ص 42 - 43 ).

 

   تفنيد هذه الإدعاءات

    المحقق كتابيا أن يسوع المسيح ليس انسان مثلنا بل هو بالحق إبن إلوهيم الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور. نور من نور إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق أي أنه ليس انسان مثلنا بل هو المساوى للآب في الجوهر. هذا الذى من أجلنا نحن البشر نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء, وصلب عنا وقام من الأموات. هذا هو ايماننا الذى بحسب قانون الإيمان الرسولى والأسفار المقدسة التي تثبت أن المسيح القدوس المولود من العذراء هو صورة إلوهيم وحكمته الممسوح أزليا, وأنه ليس انسان نال حلولا إلهيا ولو كان بكل ملىء اللاهوت كما يزعمون, كما أن الكلمة بنفسه وليس آخر هو الذى سمر على الخشبة بالجسد من أجلنا. لأنه هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد _ وليس انسان _ لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

     اما القول بأن المسيح مساو لكلمة إلوهيم في  الأزلية أو أنه معه على الدوام فهذه الأقوال تؤول إلى الفصل بين المسيح والكلمة بجعلهم شخصين أزليين, وهذا ما تفهمونه أنتم من قولنا بان المسيح هو نفسه حكمة إلوهيم وصورة إلوهيم الممسوح منذ الأزل الذى قال عن نفسه ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء.

     أما قولك بأننا ندين أنفسنا إن آمنا بأن المسيح المولود من مريم كان موجودا قبل مريم, وأن الكلمة كانت له صورة بشرية قبل مريم, وأن هذه الصورة كانت له دائما حتى قبل مجيئه, وصور لك ذهنك العاطل عن الفهم والإدراك أننا بهذا سنتراجع عن الاعتقاد بأن المسيح لم يكن قابلا للموت لأنه إن كان من طبيعة غير مائتة فكيف قال بولس أن المسيح مات من أجل خطايانا وكيف قام إن لم يكن قد مات.

      فإننا نقول لك أن برهان الكتاب المقدس كاف وحده لأن يكون عقيدة للإيمان المستقيم فإذا فشلت في  فهمها فستهلك في  خطيئتك ضد صخرة الإيمان بأن ابن الإنسان يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الحى ( متى 16 : 16 - 18 ) وأنه صورة إلوهيم غير المنظور ( كولوسى 1 : 15 ) بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 ) الذى كرسيه إلى دهر الدهور ( العبرانيين 1 : 8 - 9 ) الذى إذ كان في  صورة إلوهيم .. أخلى نفسه آخذا صورة عبد ( فيلبى 2 : 5 - 8 ).

    فصورة المسيح الإنسانية هى صورة إلوهيم التى كانت له على الدوام وقبل أن يخلى نفسه الأمر الذى أعلنه الرب تصريحيا بقوله : " فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا ( يوحنا 6 : 62 ) مثبتا أن ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في  السماء ( يوحنا 3 : 13 ). 

     وهو الذى نظر حزقيال مجده ووصفه قائلا :

     وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان عليه من فوق .. هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأيته خررت على وجهى ( حزقيال 1 : 26 - 28 ).

    وأيضا نظره إشعياء في  مجده تسبحه السرافيم فكتب يقول:

     رأيت السيد جالسا على كرسى عال ومرتفع وأهدابه تملأ الهيكل. السرافيم تحيطه لكل واحد ستة أجنحة .. وهذا نادى ذاك وقـال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء الأرض ( إشعياء 6 : 1 - 3 ).

     هذه البراهين كما نرى كافية لإثبات أن الذى يدين نفسه هو الذى لا يقبل هذا التعليم لأن من لا يصدق إلوهيم فقد جعله كاذبا.

     أما قولك بأننا سنتراجع عن الاعتقـاد بأن المسيح لم يكن قابلا للموت لأنه إن كان من طبيعة غير مائتـة فكيف قال بولس أن المسيح مات من أجل خطايانا وكيف قام إن لم يكن قد مات فمردود بأن المسيح آدم الآخير لم يكن نفسا حية قابلة للموت والفناء بالطبيعة كآدم الأول بل كان روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أى روحا قادرا على إبطال موت الجسد وإحياءه وإقامته من الموت ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

     لهذا حتى يبطل المسيح موتنا ويقيمنا من الموت بروحه المحيى ويصير رأسا جديدا للخليقة الجديدة الروحانية أى المقامة من الموت بالروح القدس. شاركنا في  الجسد الحيوانى الذى لنا حتى بموته نتحول فيه إلى الجسد الروحانى أى المقام بالروح القدس المحيى الذى هو روح القيامة والحياة الذى يبطل موتنا مبتلعا إياه إلى غلبة.

      لهذا مات المسيح من أجلنا بسفك دمه الطاهر على خشبة الصليب مماتا في  الجسد بحسب الدم الذى هو من مكونات الجسد ولكن محيى أى مقام من الموت بالروح القدس المحيى.

     لهذا يقول بولس الرسول أيضا أن المسيح وإن صلب عن ضعف ( لقابلية النفس الحية للموت ) إلا أنه كان حيا بقوة إلوهيم ( كورنثوس 15 : 43 - 50 ) ( كورنثوس الأولى 6 : 14 ) أى بقوة يسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) الذى حرر الجسد من الموت بسبب شريعة الروح المحيى في  المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 22 , 45 , 47 ).

     لذلك إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة إلوهيم أعظم لأن هذه هى شـهادة إلوهيم التى قد شـهد بها عن ابنه .. وهـذه هى الشهادة أن إلوهيم أعطانا حياة أبديـة وهـذه الحياة هى في  ابنـه. من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن إلوهيم فليست له الحيـاة ( يوحنا الأولى 5 : 9 , 12 ).

     وفي  هذا يقول المسيح حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل :

     أنا الحكمة .. منذ الأزل مسحت .. فالآن أيها البنون اسمعوا لى .. من يجدنى يجد الحياة .. ومن يخطىء عنى يضر نفسه كل مبغضى يحبون الموت ( أمثال 8 : 12 , 23 ,  32- 36 ).

     هذه التعاليم المستقيمة رذلها يوحنا الأنطاكي خادعا نفسه لأنه بحرم نسطور من جهة ويعلم بذات تعليمه من جهة اخري بقوله بأن العذراء ولدت المسيح  وبه شخصين الأول ابن إلوهيم والثاني الإنسان يسوع المسيح ذي النفس الإنسانية العاقلة, وبهذا يكون في المسح شخصين شخص الكلمة والعقل البشري وهو ذات معتقد نسطور وهو ما أعلنه الأنطاكي بقوله :

     نحن نعترف بمسيح ورب وابن واحد ولد من العذراء والدة الإله هو نفسه من الآب حسب اللاهوت , ومن العذراء حسب الناسوت بنفس إنسانية عاقلة.

      أما نسطور فأقواله ليس لها علاقة بأساقفة الشرق أى الأنطاكيين لأنه يقول بمسيحين ويعلم بطبيعتين ( روحين ) بقوله فلنحفظ الإتحـاد غير المختلط للطبيعتين ( الروحين ) ونكرم الإنسان المعبود مع إلوهيم ( الرسالة رقم 40 : 11 , 12 ).

 

   الرد

     من خطل العقل أنه يعترف الإنسان بأن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الوحيد وهو يعتقد أن روحه إنسانية وليست إلهية أزلية حسب الحق الكتابى.

    فهو ينكر صلته بنسطور وينكر مقولته بمسيحين وهو يعتنق ذات معتقده, لأن نسطور لم يقل بمسيحين بل بمسيح واحد بشخصين الكلمة والروح الإنسانية العاقلة وانهما اتحدا في وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة, أم وجود مسيحين فهذا مفهوم ضمنا بسبب تسمية الكلمة باسم المسيح بعد حلوله فيه أو اتحاده به بحسب معتقدهم الفاسد.

    فإن كان المسيح واحد حسب قولهم, فمن هو؟ هل هو ابن إلوهيم الذى صار يسمى باسم المسيح الذى حل فيه. أم هو المسيح الإنسان المولود من مريم ذي الروح الإنسانية العاقلة .

     أما اعترافهم بمسيح واحد ولد من العذراء والدة الإله هو نفسه من الآب حسب اللاهوت, ومن العذراء حسب الناسوت بنفس إنسانية عاقلة. فهو ذات معتقد نسطور لأنهم أيضا يعترفون بوجود شخصين هما الكلمة والعقل البشرى  فكيف يكون الكلمة الإلهى هو نفسه العقل البشرى. أقوال لا يمكن أن تصدر إلا من شخص فاقد العقل والمنطق تماما حتى أنه لا يدرك أن أقواله تمثل لونا من الخبل العقلى المرفوض نقلا وعقلا .

    والواقع ان ما قرره  الأنطاكي هو ذات معتقد نسطور الذى يعترف بأن اسم المسيح هو الاسم المشترك بين الطبيعتين أي بين الرب والابن البشرى , وهو عين ما قرره بقوله  بان المسيح الذى ولد من العذراء هو نفسه من الآب حسب الإله ومن العذراء حسب الإنسان بروح إنسانية عاقلة.

    أي انهم يؤمنون بمسيحين الأول هو المسيح ابن العذراء بحسب الناسوت بروح إنسانية عاقلة . أي أنه انسان مثلنا, والثانى هو الكلمة الذى بحلوله في  هذا الإنسان صار يسمى باسمه .

    أي انكم يحرمون نسطور ويقولون مقولته فحكمهم الذى خرج من فمهم يرتد على رؤوسهم فكأنما يحرمون أنفسهم بأنفسهم.

     لأنه كيف تكون العذراء والدة الإله وهم يعترفون بأن المولود منها إنسان مثلنا بنفس إنسانية عاقلة ثم يتجاسرون بكل جنون وتجديف الهراطقة بالقول : بأن هذا الإنسان ذي الروح الإنسانية العاقلة هو نفسه الرب من السماء.

     لأنه كيف يكون الإنسان المولود من مريم بنفس إنسانية عاقلة هو نفسه إلوهيم الكلمة. إن ما يقررونه هو الجنون عينه. لأن التعليم الصحيح هو أن المسيح  ليس انسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) اتحد به ابن إلوهيم حسب زعمهم  بل أنه هو نفسه ابن إلوهيم الحي ( متى 16 : 16 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4: 3 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ).

     لذلك فإن اعترافهم بأن العذراء هى والدة الإله رغم إقرارهم بأن المولود منها إنسـان ذي روح إنسانية عاقلة . هو تدليس وخداع غير مقبول ومناف للمنطق والحق الكتابى. لأن الكلمة شاركنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) ولم يتخذ انسان بروح  إنسانية عاقلة. لأن هذا هو ذات معتقد نسطور وكل أصحاب الطبيعتين أي القائلين بتأنس الكلمة بإنسان ذى روح انسانية عاقلة بصرف النظر عن كيفية الإتحاد الباطلة نقلا وعقلا.

 



الفصل العاشر

هل يوجد في المسيح ابنان واحد يعرف الأزمنة والآخر لا يعرفها ؟

    يقول نسطور

    إن المسيح هو إنسان مثلنا متحد بإلوهيم الكلمة لهذا لم يعرف اليوم والساعة إذ هو من تلك الطبيعة البشرية التى تتصف بالجهل لهذا قال :

     وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في  السـماء ولا الابن إلا الآب ( مرقس 13 : 32 ).

     وهذا برهان على أن المسيح المولود من مريم هو ابن إنسان وليس ابن إلوهيم لأنه لو كان هو الكلمة الأزلى لما جهل اليوم والساعة في  حين يعلم بهما الآب.

     لأن الكلمـة منذ اتحـد بإنسان لم يخجل أن يقول لا أعـرف لكى يوضح أنه بينما يعرف كإله فهو يجهل كإنسان ولذلك فهو لم يقل ولا ابن إلوهيم لئلا يبدوا أن اللاهوت يجهل بل قال ببساطة ولا الابن لكى يكون الجهل خاصا بالابن المولود من البشر ( 3 ضد الأريوسيين ف 28 ص 80 - 81 ).

    الرد

         هذه الآية كثيرا ما يستخدمها الأريوسيين والنساطرة وكل منكرى لاهوت المسيح الذين لسبب جهلهم العظيم بحقيقة لاهوت المسيح  لهذا فإنهم بمجرد سماعهم لهذه الكلمات التي  قالهـا رب المجد يصيبهم الدوار ظنا منهم أنهم وجدوا حجة هامة تثبت معتقدهم في عدم مساوة الابن بالآب وأنه مخلوق حسب اريوس ونسطور مستدلين على صحة معتقداتهم المضادة للحق الكتابى على  قول الابن :

    وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في  السـماء ولا الابن إلا الآب ( مرقس  13 : 32 ).

   ولو أعملوا الفكر قليلا لأدركوا ان المقصود بالابن ليس ابن مخلوق أو غريب عن الآب أو غير مساو له. كما لا يوجد في النص ما يدل على وجود ابن اخر غير ابن الآب المولود منه أزليا , وهو بحسب قانون الإيمان الرسولى مولود غير مخلوق  مساو للآب في الجوهر .

     ولو صح فرضا أنه كان في  المسيح شخصين أحدهما ابن إلوهيم والآخر ابن إنسان مثلنا وكان الأخير لا يعلم بذلك اليوم وتلك الساعة في  حين يعلمهـا ابن إلوهيم لوجب عليه حينئذ أن يقول :

     وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحـد ولا الملائكة ولا ابن الإنسـان إلا ابن إلوهيم الآب وحده ( مرقس 13 : 32 ).

     أما قوله " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الابن إلا الآب " فيدل على أنه لا يوجد سوى ابن واحد ووحيد لا يحتاج إلى تعريف أو إيضاح ماهيته.

     باطل إذن تجديف القائلين نحن لا نقول بابنين بل بابن واحد من الاثنين في  حين يبطنون الإثنين وينسبون المعرفة لواحد والجهل لآخر لخداع الجهال ليتقوا ويعبدوا المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد. لأن اتحاد إلوهيم بإنسان لا يصيره إلها معبودا وإلا صرنا نحن الذين لنا شركة مع إلوهيم آلهة تعبد.

    وأما القول الفصل في تفسير هذه الآية وفقا لصورة التعليم الصحيح فهو ما اعلنه القديس امبروسيوس مفندا هذه البدعة بقوله:

     إن كان المسيح هو ابن إلوهيم كما هو بالحقيقة فيكون أن كل ما للآب هو له , وكل ما هو له هو للروح القدس الذى يأخذ معرفته من الابن ( يوحنا 16 : 13- 15 ) ( أمبروسيوس " الروح القدس " ك 2 : 11 فقرة 118 ).

  

 

  

 

الفصل الحادى عشر

إذا كان المسيح عبد بالطبيعة فما هو الإخلاء الذى حققه؟

          تضمن كتاب " المسيح واحد " المنسوب للقديس كيرلس عمود الدين حوارا بين القديس كيرلس ونسطور , ولكن النساطرة سطوا على الكتاب وقاموا بإزالة أشخاص  الحوار ودسوا تعاليم تثبت النسطورية كما فعلوا في أكثر كتب ورسائل القديسين كيرلس وأثناسيوس الرسولى الحوارية حتى يبدوا كل التعليم وكأنه للقديس كيرلس أو أثناسيوس الرسولى.

    وفيما يلى سنعرض فقرة لنسطور يعرض فيها تعاليمه المنحرفة كما وردت بكتاب " المسيح واحد " ورد القديس كيرلس عمود الدين عليها بنفس الكتاب كما سنرى .

   

    يقول نسطور مقتبسا قول بولس الرسول القائل :

     " ليكن فيكم هذا الفكر الذى في  المسيح يسوع أيضا الذى إذ كان في  صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا فأخلى ذاته آخذا صورة عبد صائرا في  شبه الناس وإذ وجد في  الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في  السماء ومن على الأرض .. ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب " ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     ثم علق نسطور على أقوال بولس الرسول بقوله:

     فمن هو الذى في  صورة إلوهيم الآب لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا ؟ أليس هو الكلمة المولود من الآب  كيف لا يكون هذا المعنى ظاهر للكل.

     لاحظ أن نسطور استبدل اسم المسيح بالكلمة المولود من الآب باعتبار أن المسيح ليس هو الكلمة بل إنسان مثلنا. لأن أقراره بأن المسيح هو نفسه الكلمة يهدم بدعته . وهذا دليل عدم تقواه حتى أنه على استعداد لتحريف كلمة إلوهيم لإثبات بدعته.

     ولكن الآية تثبت أن يسوع المسيح هو الكائن منذ الأزل في صورة إلوهيم وهو الذى لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا . لأنه أي يسوع المسيح هو الذى أخلى نفسه صائرا في شبه الناس أي أنه هو الذى أتى في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) بما يعنى أنه هو نفسه إلوهيم الذى جاء في الجسد.

    واستطرد نسطور قائلا:

     ولكن عندما أخذ الذى في  صورة إلوهيم أى المساوى للآب صورة عبد ( أى أخذ روح العبد الذى هو المسيح حسب معتقده ) ولم يتم هذا بصورة عارضة. قيل عنه أن الآب أعطاه الاسم الذى هو فوق كل اسم لكى تجثو كل ركبة باسم يسوع المسيح ( باعتباره انسان متحد بإلوهيم حسب نسطور ) فإذا كان الكلمة هو المقصود بهذا الكلام فكيف يقال أنه أخذ الاسم الذى هو فوق كل اسم ؟ ( المسيح واحد 12 ص 95 ).

 

     فرد عليه القديس كيرلس بذات كتاب " المسيح واحد " مفندا أقواله المتقدم بيانها بالقول :

     يقول بولس الرسول " ليكن فيكم هذا الفكر الذى في  المسيح يسوع أيضا الذى إذ كان في  صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا فأخلى ذاته آخذا صورة عبد صائرا في  شبه الناس وإذ وجد في  الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في  السماء ومن على الأرض .. ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب " ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     وحسب رأيهم أن الذى أخذ الاسم هو الإنسان ( أى يسوع المسيح حسب معتقدهم ) الذى من نسل داود والمنفصل عن الكلمة. هنا يبدوا تناقضهم واضحا. لأنه من الذى كان في  صورة إلوهيم قبل كل الدهور؟ الابن ( الكلمة ) أم الإنسان ( المسيح حسب معتقد نسطور ) من الذى لم يحسب مساواته لإلوهيم شيئا يختلس؟ ( الكلمة أم المسيح ) ومن الذى أخذ صورة العبد؟ ( الكلمة أم المسيح ) إذا كانت صورة العبد غير خاصة به ( أى بالمسيح ).

     هنا يبدوا تناقضهم أكثر وضوحـا. إذ كيف يأخذ الإنسان العبد ( أي المسيح حسب نسطور) صورة العبد , وهو عبد أصلا ؟ وكيف يقال أن العبد ( المسيح حسب نسطور ) وهو آخر غير الكلمة. أنه صار في  شبه البشر أى ظهر في  الهيئة كإنسان وهو إنسان بالطبيعة ؟ إن تناقضاتهم سوف تجعلهم يدورون حول أنفسهم إلى ما لا نهاية, ولن يتوقفوا حتى يعترفوا بالحق ( المسيح واحد ف 10  ص60 ).

 

     فرد عليه نسطور قائلا:

      إن الطوباوى بطرس تكلم مع كرنيليوس معلما عن " يسوع الناصرى الذى مسحه إلوهيم بالروح القدس " ( أعمال 10 : 38 ) ومع اليهود قال : " يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل إلوهيم " ( أعمال 2 : 22 ) ويقول الطوباوى بولس أيضا لأهل أثينا :" أنه سيدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدما للجميع إيمانا إذ أقامه من الأموات " ( أعمال 17 : 31 ) ( 4 ضد الأريوسيين فقرة 35 ص 49 , 50 ).

 

    فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

     أن بعض أتباع نسطور يثورون ضد التعليم الصحيح بأن جمعوا معا نفاية أفكارهم التي بلا معنى, ويكيفون أنفسهم مع أقوال بطرس التى يقول فيها : " يسوع الذى من الناصرة كيف مسحه إلوهيم بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيرا ويشفي  جميع المتسلط عليهم إبليس لأن إلوهيم كان معه " ( أعمال 10 : 38 ).

     وأيضا " إلوهيم الآن يأمر جميع الناس في  كل مكان أن يتوبوا متغاضيا عن أزمنة الجهل لأنه أقام يوما هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدما للجميع إيمانا إذ أقامه من الأموات " ( أعمال 17 : 30 - 31 ).

     وباقتباسهم هذه الكلمات وتلك وصياغتهم لمجادلات حادة من أفكارهم البائسة فإنهم يسألون على التو " لمن قد أعطى إلوهيم الآب الاسم الذى فوق كل اسم " هل لكلمته الذاتى؟ ويقولون كيف لا يكون ذلك ببساطة أمرا لا يصدق لأنه كان دائما الإله المولود منه حسب الطبيعة, ومن هو الذى مسحه بالروح القدس أو من هو الذى كان إلوهيم معه؟ وإذ يقدمون موضوعات أخرى إلى جانب ذلك فإنهم يخلطون الأمور خلطا شديدا ويملأن أذهان البسطاء اضطرابا ( الرسالة رقم 50 : 18 - 19 ).

 

    فرد عليه نسطور قائلا:

     ولكن من هو شديد في  الرأى وحاذق في  الافتراء ويقول إن كان يقال أن الذى يحل هو واحد وبالمثل فإن الذى يتم فيه الحلول هو آخر فكيف لا يكون من اللازم أن نفصل الأقنومين ونقول أن كل منهم قائم بذاته على حدة.

     ولكنكم تأتون كأنكم مشرعون وتؤكدون بكل طريقة ما يبدوا لكم أنه صحيح لأنكم تقولون أننا نوحد الشخص في  الوقت الذى فيه نفصل الأقنومين ( الشخصين ).

     ولكن حيث أن الكتب الإلهية تقول أن هناك ابنا ومسيحا وربا واحدا فنحن بالتأكيد على الإتحاد غير المنفصل الذى لكلمة إلوهيم الآب مع الجسد المحيى بنفس عاقلة ( أي مع الإنسان الذى تحييه نفس انسانية عاقلة حسب معتقدهم المضاد للحق الكتابى لأن الروح الإنسانية لا تحيى الجسد بل الدم ) فإننا نعترف بوجود مسيح, وابن واحد ( الرسالة رقم 50 : 21 - 29 ).

 

      فرد عليه القديس كيرلس بالعبارة الفصل بالقول :

    " أن الكلمة .. لم يتخذ إنسانا كما يعتقد نسطور " ( الرسالة رقم 45 ف 10 ). 

 

     فرد عليه ثيؤدورت أسقف قورش قائلا:

     " إن إلوهيم اتخذ إنسانا ولئن أبى بعضهم " ( " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية "  ص 83 ).

 



 

الفصل الثانى عشر

هل للمسيح روح إنسانية مشخصة بالكلمة؟

      يقول ثيؤدورت أسقف قورش

     إن أقنوم الكلمة ( اللوجوس ) هو الذى أخذ طبيعة إنسانية ( نفس إنسانية عاقلة ) فضمها إليه فكان هو  قوامها ( عقلها ) أى المشخص لها منذ أول لحظة من كيانها, .. وإذ شخصها بأقنومه ألهها منذ لحظة وجودها ( الجامع للطبيعين 3 : 4 ص 56 ) ( الأب لويس برسوم " المسيح الإله والإنسان " ص  35 ).

     فعلى هذا الوجه من الإتحاد اتحد الكلمة بالطبيعة البشرية ( الروح البشرية ) بقوام ( بشخص ) ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين الإلهية والناسوتية .. فهو مسيح واحد بأقنوم واحـد أزلى ( الجامع للطبيعتين 3 : 4 ص 56 ).

     فالكلمة أخذ إنسانا تاما بلا خطية فتأنس وأله الناسوت ( الإنسان ) من غير تغيير ( الجامع للطبيعتين 3 : 7 ص 77 ).

 

   الرد

     إن افتراض أن اللوجوس صار هو العقل للروح الإنسانية فهذا يعنى أنها لم تعد تفكر بعقلها الذى به تدرك وجودها وذاتها أى الأنا , أى أنها عمليا صارت هى والعدم سواء.

     فإذا صار اللوغوس فرضا هو المشخص لروح المسيح الإنسانية فيلزم أن جوهر الثالوث يصير رابوعا بإضافة الروح الإنسانية المنبثقة من جوهر بشرى إليه, وبالتالى يدخل على جوهر إلوهيم التغيير إذ صار من ثالوث إلى رابوع إذا جاز فصل الروح الإنسانية عن جوهر وجودها الذى تنبثق منه.

   وبهذا نكون قد أدخلنا التغيير بالحذف والإضافة على الجواهر العاقلة البسيطة عديمة التغير.

 

 



الفصل الثالث عشر

هل المسيح واحد مع الآب في الجوهر أم أنه واحد معه بالمحبة والوفاق

     تقول السائلة من موقع الحق والضلال:

     جاء في  ردك على الإعتراض بأن يسوع لم يقل أنا إلوهيم أو اعبدونى ما نصه:

     " قال يسوع لتلاميذه لو كنتم عرفتمـونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ( يوحنا 14 : 6 - 7 ) الذى رآنـى فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) أنا والآب واحد ( يوحنا 10 : 30 ).

     أى أنهم لو عرفوا أن يسوع هو المسيح صورة إلوهيم لعرفوا أنه إلوهيم الذى يعبدونه دون أن يروه. لأن إلوهيم وصورته واحد ".

     وجاء في  كتاب الأستاذ عوض سمعان " إلوهيم طرق اعلانه عن ذاته " تناقض مع ردك السابق. حيث يقول الأستاذ عوض سمعان:

     " لا يدل قول المسيح أنا والآب واحد ( يوحنا 10 : 30 ) على أنه واحد مع الآب في الذاتية أو الجوهر، بل يدل على أنه كان في حالة التوافق معه، لأنه قال في موضع آخر للآب عن تلاميذه : ليكونوا واحداً كما نحن ( يوحنا 17: 11 ) ومن المعلوم أن الغرض من أن يكون التلاميذ واحداً، ليس أن يكونوا واحداً في الجوهر أو الذاتية، بل واحداً من جهة المحبة والوفاق " .

     هل لاحظت الفرق بين طرحك وطرحه إذن بمن آخذ؟

 الرد

    إن الفرق بين طرحى وطرح عوض سمعان مرجعه معتقد كل منا في  المسيح.

     فالمسيح حسب معتقدى هو حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( أمثال 8 :22 , 23 ) بمعنى أنه الأقنوم الثانى في  الثالوث, وبالتالى فهو كأقنوم مساو لأقنوم الآب في  الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) وهذا حسب قانون الإيمان الرسولى القائل " نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد .. مساو للآب في  الجوهر ".

     أما ما يقرره الأستاذ عوض سمعان فهو كبروتستانتى خلقيدونى المذهب يعتقد أن المسيح إنسان نظيرنا مولود من مريم اتحد به إلوهيم الكلمة وشخصه, وبالتالى فإن المسيح كإنسان لا يمكن أن يكون مساو للآب في  الجوهر بل وغير مساو لأقنوم الكلمة الذى يشخصه .

     والإتحاد بين الكلمة والروح الإنسانية هو اتحاد تشخيصى تم فيه تنحية العقل البشرى والحلول مكانه في تشخيص الروح الإنسانية ومن ثم فإن هذا الحلول هو حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم.

    أما قول ثيؤدورت اسقف قورش في مؤلفه الجامع للطبيعيتن بأن روح المسيح الإنسانية العاقلة كانت الوحيدة الغير مقومة بعقلها وأن الكلمة كان هو قوامها منذ وجودها , بما يعنى انها كانت غير عاقلة منذ وجودها . ثم عاد ونقض ذلك بقوله: فكان إذا خلا العقل ( البشرى ) من الأفضل أظهر سلطان نفسه ولكنه كان يغلب من الأقوى.. فصار العقل البشرى مأوى للاهوت المخالط له ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 56 , 63 ).

    وهذا معناه ان اتحاد الكلمة بالإنسان يسوع المسيح هو حلول تقمص واغتصاب وليس عن اختيار أو محبة ببرهان قول ثيؤدورت أن العقل البشرى كان ينغلب من الكلمة الذى يشخصه قهرا وغلبة وهذا يضاد المحبة والوفاق.

     وبداهة أيضا أن الروح الإنسانية لا يمكن ان تدرك وجودها وجوهرها بعقل غريب عنها ولا يمكن أن يشخصها ويجعلها واحدا معه في اللاهوت .

     ومن ثم فإن اتحاد الكلمة بالإنسان يسوع ليس اتحاد مثل اتحاد إلوهيم بالبشر مصدره الإيمان من جهة البشر والمحبة من جهة إلوهيم بحسب ما جاء في  الفقرة التى إقتبستيها وهى تثبت معتقده في  المسيح بأن وحدة المسيح كإنسان مع الآب ليست جوهرية لأن المسيح ليس هو الكلمة بل انسان اتحد به الكلمة بالإختيار والمحبة وهذا غير صحيح كما قدمنا بحسب مذهب ثيؤدوت الذى اثبت فيه ان هذا الإتحاد هو اتحاد قهر وغلبة وبعبارة أخرى هو اتحاد تقمص واغتصاب.

 

     وفي  هذا يقول عوض سمعان:

     " لا يدل قول المسيح أنا والآب واحد ( يوحنا 10 : 30 ) على أنه واحد مع الآب في الذاتية أو الجوهر، بل يدل على أنه كان في حالة التوافق معه، لأنه قال في موضع آخر للآب عن تلاميذه : ليكونوا واحداً كما نحن ( يوحنا 17: 11 ) ومن المعلوم أن الغرض من أن يكون التلاميذ واحداً، ليس أن يكونوا واحداً في الجوهر أو الذاتية، بل واحداً من جهة المحبة والوفاق " .

    وعلينا أن نلاحظ أن تعليم المدعو عوض سمعان يسوى بين المسيح والبشر في  الوحدانية مع إلوهيم بأن جعلها قائمة للكل بلا تمييز بين المسيح والبشر على أساس التوافق بينهم وبين إلوهيم.

    وهذه تعاليم نسطور لأن المتكلم في المسيح كإنسان في المذهب الخلقيدونى هو الكلمة المشخص للروح الإنسانية , وهو من هذه الجهة واحد مع الآب في الجوهر,  رغم أن روحه إنسانية مخلوقة ومنبثقة من آب مخلوق, وهذا يضاد الحق الكتابى وقول الرب:

    " ليكونوا واحداً كما نحن " ( يوحنا 17: 11 )

    فإن كانت روح المسيح إنسانية مشخصة باللوغوس فإن قوله: ليكونوا واحد كما نحن واحد يعنى أن يحل الكلمة في البشر ويشخصهم كما حل في المسيح وشخصه ليكونوا واحد كما هو والآب واحد وهذا باطل نقلا وعقلا.

    اما بحسب الحق الكتابى فإن وحدتنا مع الآب ليست مثل وحدة المسيح معه. لأن يسوع المسيح بحسب الحق الكتابى ليس انسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 -12 ) متحد بالكلمة بل هو نفسه الكلمة المتجسد المساو للآب في الجوهر , ومن ثم فإن وحدتنا مع الآب ليست مثل وحده ابنه الوحيد معه. ومن ثم فإن وحدة المسيح مع الآب ليست مثل وحدتنا معه وهى وحدة ليستً من جهة المحبة والوفاق كما يقول الأستاذ عوض سمعان بل هي وحدة جوهرية أما نحن فإن وحدتنا مع الآب وابنه هي بالروح القدس روح الشركة الذى هو روح المسيح الذى به يحيى جسده الخاص كما يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضا بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

     فنحن جميعا واحدا لأننا جميعا سقينا من روح واحد ( كورنثوس الأولى 12 : 13 ) هذا الروح هو روح الآب الذى هو روح الابن الذى هو الروح القدس الذى به قدس الابن ذاته لنكون نحن مقدسين فيه ( يوحنا 17: 19 ). 

     لهذا قال أنا قد أعطيتهم المجد ( أى روح المجد الذى هو الروح القدس روح القيامة والحياة ) الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده ( فيلبى 3 : 21 ) ( فجسد المسيح محيى بروح الآب الذى هو روحه الذاتى لهذا هو واحد مع الآب ونحن سنقام بروح الإبن الذى هو الروح القدس المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) ( كورنثوس الثانية 2 : ) فجميعنا بسبب روح المسيح نصير واحدا في  المسيح لأننا جميعا سقينا بروح واحد هو روح المسيح  ) الذى بحلوله فينا يصيرنا جسدا واحدا بسبب روح المسيح الساكن فينا فنصير مكملين إلى واحد.

       كما هو مكتوب " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في  " ( غلاطية 2 : 20 ) ( غلاطية 3 : 27 - 28 ).

     لأنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة .. هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وأعضاء بعضا لبعض ( روميا 12 : 4 - 5 ).

     هكذا نحن واحد مع الآب بالروح القدس الذى هو روح المسيح. الساكن فينا, كما أن الآب واحد مع المسيح بالروح القدس الواحد معهم في  الجوهر .

   فالروح القدس هو روح الشركة الذى يوحد البشر فيجعلهم جسد المسيح الخاص والمسيح هو الرأس لأنه يحيى جسده الخاص بروحه الذاتى, أما نحن فنأخذ روح المسيح الذى يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا بالنعمة.

 

 

 

الفصل الرابع عشر

هل كان الخلاف حول طبيعة المسيح لفظيا أم جوهريا؟

     في حوار مع أحد اليعاقبة المنتمين للطائفة السريانية قال ما موجزه :

     إنك بقولك بأن للمسيح طبيعة واحدة لاهوتية تخالف ما أجمعت عليه الكنائس الآن من أن للمسيح طبيعتين أى روحين واحدة إلهية والأخرى إنسانية اتحدتا معا. بحيث صار للمسيح بعد الإتحاد أقنوم واحد بطبيعتين ( بحسب معتقد خلقيدونية ) أو طبيعة ( ممتزجة ) من طبيعتين ( بحسب معتقد الكنائس الأنطاكية و اليعقوبية ).

     وعليه فإن جميع الكنائس ترى الآن أن الخلاف بين الأرثوذكس والخلقيدونيين لم يكن خلافا جوهريا بل خلافا لفظيا مرجعه الحقيقى أسباب سياسية حول زعامة الكنيسة.

 الرد :

     إن الآباء لم يكونوا من السذاجة التى تفترضها أو تتصورها. لأن الخلاف حول طبيعة المسيح في  خلقيدونية لم يكن لفظيا بل جوهريا إذ كان يدور حول طبيعة المسيح أى روحه وهل هى إلهية حسب المعتقد الأرثوذكسى, أم إنسانية مشخصة بعقلها البشرى حسب نسطور.

     اما ما تقرره بأن المسيح طبيعة من طبيعتين أو جوهر من جوهرين بحسب معتقد يعقوب البرادعى فإن هذا المذهب لم يكن قد ظهر بعد عند عقد مجمع خلقيدونية.

     فالخلاف بين الأرثوذكس والخلقيدونيين كما ترى لم يكن خلافا لفظيا بل جوهريا متعلقا بحقيقة هل روح المسيح الكلمة إلهية حسب المعتقد الأرثوذكسى أم أنه إنسان تأله بتشخيص الكلمة لروحه الإنسانية بحسب معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية. 

      من ذلك ترى أن الخلاف لم يكن لأسباب سياسية رغم أن الكنيسة القبطية كانت في  الواقع العملى متقدمة على جميع الكنائس دون أن تسعى لذلك ودون أن تسن قوانين مزورة لإثبات هذه الزعامة.

المعترض :

     نحن نؤمن أن المسيح إنسان مثلنا إلا أن الكلمة بالإتحاد به جعله واحدا مع لاهوته. فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذى اتحد به الكلمة منذ لحظة نشأته فصارت روح المسيح الإنسانية تعقل وجودها باللوجوس لا بعقلها الخاص الذى أبطله اللوجوس ( رغم أن المعترض كان من السريان الذين يعتقدون بأن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين ( أي روح واحدة من روحين ) ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا مشخصة بالكلمة بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ).

 الرد :

     إن حلول الروح القدس في  الإنسان منذ لحظة نشأته أو بعدها ليس له أى تأثير على روح الإنسان, فهذا الحلول لن يجعلها واحدا معه في  مجد اللاهوت , كما لن يجعلها مختلفة عن أرواح البشر.

     أما إذ قام اللوجوس حسب زعمك بتشخيص الروح الإنسانية بحيث صارت تعقل وجودها باللوجوس لا بعقلها البشرى فإن هذا معناه أنه أبطل وجودها بإبطال عقلها البشرى. لأن الروح لا تدرك وجودها إلا بعقلها الخاص فإن أبطل عقلها أبطل وجودها.

    ومع ذلك إذا افترضنا جدلا أن اللوجوس شخص الروح الإنسانية وقام مقام العقل البشرى فيها. فمن هو الذى صرخ على الصليب قائلا " إلهى إلهى لماذا تركتنى ؟ " ( متى 27 : 46 ) ( مرقس 15 : 34 ) اللوجوس أم العقل البشرى.

 

المعترض :

     " الذى صرخ على الصليب هو العقل البشرى ".

 

الرد :

     كيف صرخ العقل البشرى إن كان اللوجوس قد أبطله وقام مقامه كما زعمت؟

     كما أنك بقولك هذا تكون قد سقطت في بدعة نسطور القائل بأن للمسيح طبيعتين ( أي روحين ) عاقلتين, وأن كل طبيعة ( روح ) قائمة بعقلها الخاص لأن الإتحاد هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, وأن الروح الإنسانية هى التى اضطربت وهى التى صرخت على الصليب .

 

المعترض :

   نعم أنت محق. إذن اللوجوس هـو الذى صرخ.

الرد :

       إذن تكون الآلام قد وقعت على اللوجوس لا على الإنسان الذى اتخذه الكلمة ليتألم عنا وتنسب آلامه للكلمة غير المتألم حسب معتقد نسطور الذى تتمسكون به.

    ثم كيف سيخلص العقل البشرى إن لم يأخذه الكلمة في الإتحاد بل لاشاه وقام مقامه في تشخيص روح المسيح الإنسانية بالمخالفة لقاعدة نسطور الشهيرة  : بأن مالا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص. أما ما قد اتحد به الرب فهذا يخلص.

  

المعترض :

     إن حججك منطقية وهذا سر قوتها ومع ذلك أعتقد أن الأمر يحتاج إلى وقفة للمراجعة وإعادة النظر.

 

 


حقوق الملكية الفكرية وضوابط النشر

1 -

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف مجدي صادق راغب

2 -

نأذن بترجمة ونشر جميع مؤلفاتنا لأي لغة بشرط تحميلها من موقعنا الرسمي:

https://magdysadek.blogspot.com

وبشرط الأمانة في الترجمة, وعدم استغلال الترجمة تجاريا, وارسال نسخة من الترجمة إلينا لنشرها.

3 -

يحظر علي الغير بيع أي من مؤلفاتنا, أو اشتراط التسجيل أو الإشتراك أو طلب بيانات القارىء أو بريده الإلكتروني مقابل تحميل الكتاب أو قرأته, كما يحظر نشر أو تداول نسخ قديمة من مؤلفاتنا الأمر الذي يتعين معه علي الناشر الحصول علي أحدث اصدار بتحميله من موقعنا الرسمي. 

4 -

أي مخالفة لهذه البنود يخرج العمل عن نطاق الأذن الممنوح.

 

 

 

 

 

 

 

 









 


Magdy Sadek

مجدي صادق

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

     حائز علي ليسانس في الحقوق, وعلي دبلوم في العلوم اللاهوتية, وعلي دبلوم معهد الدراسات القبطية في التاريخ القبطي, شغل وظيفة كبير باحثين قانونيين بدرجة مدير عام , كما عمل مدرسا بمعهد الدراسات القبطية في الفترة من عام 1992 حتي 1998, كما قام بنشر العديد من المقالات بجريدة العامل المصري عن "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" و"الديانات الجديدة التي تغزو العالم" وغيرها من الأبحاث في المدة من سنة 2000 حتي 2006

 

     اصدر مكتبة بحثية في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية  تضم 112 كتابا اكثرهم مبيعا (1) "الكتاب المقدس مفتاح العلم وأسرار الكون" (2) "العقائد والمذاهب المنحرفة" (3) "المسيح الدجال الخطر القادم" (4) "جبل نيبو وعلامات المنتهي الكبري" (5) "المجىء الثاني علي الأبواب" (6) "أسرار الكنيسة السبعة" (7) "صلاة العذراء حالة الحديد" (8) "أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة المسيحية" (9) "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" (10) "التفسير الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا".

 

   يتسم منهجه البحثي بالتحليل المنطقي المجرد الذي قاده للكشف عن حقائق جوهرية في مجالات العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية, وهي حقائق مدعومة بالشواهد المثبتة لصحتها من مصادرها الأصلية.

 

    حظيت مؤلفاته باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والبحثية, حيث اتخذها بعض الباحثين والكتاب مرجعا في رسائل الماجستير والدكتوراه والعديد من المؤلفات, كما كانت محورا للتناول الصحفي والأكاديمي, وأثارت حراكا فكريا واسعا, مما يعكس قوة وتأثير ما يطرحه من قضايا, وبالرغم من التباين في وجهات النظر حول أبحاثه, فقد حققت مؤلفاته انتشارا جماهيريا كبيرا حيث تجاوزت مبيعاتها علي منصة جوجل بلاي وحدها  أكثر من 300 ألف نسخة. 

Magdy Sadek

 



[1]  -  " رسائل أثناسيوس الرسولى عن الروح القدس " الرسالة الأولى ف 19 ص 60

   -   القديس كيرلس الاسكندرى " شرح إنجيل يوحنا "  ك 2 ف 1 ص 172

   -   القديس أمبروسيوس " الروح القدس" الكتاب الثالث ف 19 فقرة 149 ص 64

[2]  -  " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 91

[3]  -   تادرس يعقوب ملطى " الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت " ص 92

   -  " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 245 , 275 , 276 , 296

 [4]  -  الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 69 , 70 هامش 2 ( بتصرف )

[5]  -  كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ف 9 ص 129 - 130

[6]  -  كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ف 9 ص 129 - 130

 [7]  -  هذا المؤلف " كمال البرهان على حقيقية الإيمان " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى تضمن كتابين. الأول هو " الجامع للطبيعتين " والثانى هو " برهان القياس " ولم يرد ذكرهما فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات أثناسيوس بل على العكس ثبت أنهما من مؤلفات ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى وورد ذكرهما فى الفهارس المعتمدة له ( خريسوستمس بابادوبولس " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 469 ).      

[8]  -  خريسوستمس بابادوبولس " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 244

   -  الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 120 - 121

[9]  -  الأب فرنسيس فرييه " التجسد " ص 64

 [10]  -  " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية "  ص 83

[11]  -  " مجموعة الشرع الكنسى " ص 390

[12]  -  " مجموعة الشرع الكنسى " ص 389

[13]  -  " مجموعة الشرع الكنسى " ص 397

[14]  -  رسائل القديس كيرلس الجزء الرابع " الرسالة رقم 55 " فقرة 42 ص 48 – 49

[15]  -  الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 120 - 121

    -  الأنبا ساويرس " الدر الثمين فى إيضاح الدين " ص 63

    -  الأب فرنسيس فرييه " التجسد " ص 64

[16]  -  كان الأنطاكيين من أصحاب الطبيعتين على مذهب نسطور , ثم صاروا خلقيدونيين, ثم صار بعضهم على مذهب ساويرس الأنطاكى وبعضهم على مذهب يعقوب البرادعى .

[17]  -  القمص تادرس يعقوب ملطى " الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت " ص 110

[18]  -  " مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة " الجزء الأول الباب السابع البند الخامس ص 306

[19]  -  الأنبا ساويرس " الدر الثمين فى إيضاح الدين " المقال العاشر ص 166 –  168    

[20]  -  الأنبا ساويرس " الدر الثمين فى إيضاح الدين " المقال الثانى  ص 63    

[21]  -  الأنبا ساويرس " الدر الثمين فى إيضاح الدين " المقال الثانى  ص 55    

[22]  -  أثناسيوس الرسولى " المقالة الأولى ضد الأريوسيين " ف 6 فقرة 20 ص 44

[23]  -  المسيح واحد الفصل الحادى عشر ص 68

[24]  -  رسائل أثناسيوس عن الروح القدس الرسالة الأولى ف 33  ص 92 - 93

[25]   -  " مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة " ص 287 وما بعدها وفيها يذكر بعض آباء الكنيسة  الأرثوذكسية قبل الإنقسام, ومن ص 306 ومابعدها يذكر بعض آباء الكنيسة القبطية من اليعاقبة.

[26]  -  " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 91