مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس والروح
The heresy of Nestorius
is based on the
mistake of confusing soul and spirit
بقلم
مجدى صادق
باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية
"حققت مؤلفاته مبيعات تزيد عن 300 ألف نسخة على جوجل بلاي وحدها"
بدعة نسطور مؤسسة على خطأ الخلط
بين النفس والروح
The heresy of Nestorius is based on the mistake
of confusing soul and spirit
المـــــؤلف :
مجـــدى صــادق راغب
الطـــــبعة :
الأولى 8 أغسطس
2005
الطـــــبعة :
التاسعة 3 مارس
2023
الموقع
على النت : https://magdysadek.blogspot.com
البريد
الالكتروني : L.magdysadek@gmail.com
جميع
حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف
|
|
بدعة نسطور
مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس والروح |
|
|
|
الفهرس |
5 |
|
|
مقدمة |
7 |
|
الفصل
الأول : |
هل النسطورية
بدعة لا وجود لها؟ |
19 |
|
|
هل
كان نسطور نسطوريا؟! |
26 |
|
|
هل
نحن من أصحاب الطبيعة الواحدة أم الطبيعة من طبيعتين؟ |
37 |
|
الفصل
الثانـى : |
ماهية
النســـــــطورية |
42 |
|
|
النسطورية
مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس الحية والروح |
43 |
|
|
أخطاء
نسطور العقائدية المترتبة على خلطه بين النفس والروح : |
45 |
|
الخطأ الأول : |
اعتقاده
أن الروح الإنسانية هى علة حياة الجسد وليس الدم |
45 |
|
الخطأ
الثانى : |
اعتقاده
بأن قيامة المسيح كانت بروح إنسانية |
48 |
|
الخطأ
الثالث : |
اعتقاده
بأن الفداء لا يتحقق إلا باتحاد الكلمة بإنسان |
51 |
|
الخطأ الرابــــع : |
تقسيمه
المسيح ابن إلوهيم إلى شخصين |
54 |
|
أولا
: |
اعتقاده
بأن يسوع المسيح ليس هو صورة إلوهيم بل انسان |
54 |
|
ثانيا : |
اعتقاده
بأن الكلمة لم يتجسد ولم يولد من مريم بل تأنس |
55 |
|
الخطأ الخامس : |
سقوطه
فى عبادة إنسان |
55 |
|
الفصل
الثالـث : |
مجمع
أفسس الأول سنة 431 للميلاد |
57 |
|
|
رفض
رسالة المصالحة رقم 39 |
62 |
|
|
تزوير
رسائل الأباء القديسين |
64 |
|
|
الحرومات
الإثنى عشـر ضد نسطور |
69 |
|
|
لماذا
حرم نسطور في مجمع أفسس الأول ؟ |
73 |
|
الفصل
الرابـع : |
مجمع
أفسس الثانى سنة 449 للميلاد |
97 |
|
الفصل
الخامس : |
مجمع
خلقيدونية سنة 451 للميلاد |
101 |
|
|
هل
كان أوطيخا هرطوقيا؟ |
103 |
|
الفصل
السادس : |
هل
يتلى الاعتراف الخلقيدونى فى القداس الأرثوذكسى؟ |
111 |
|
المبحث الأول : |
تفســير
الاعتراف الخلقيدونـــى |
113 |
|
المبحث الثانى : |
من أدخل الاعتراف
الخلقيدونى على القداس الأرثوذكسى؟ |
119 |
|
الفصل
السابـع : |
الإتفاقية
المشتركة بيننا وبين الكاثوليك بشأن طبيعة المسيح |
121 |
|
|
أهم
المراجع |
131 |
|
|
صدر
للمؤلف |
135 |
مقدمة
انتشرت في العقود الأخيرة الكثير من كتب
النساطرة بالمكتبات وعلى الإنترنت منسوبة للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود
الدين فضلا عن وجود إضافات نسطورية تم دسها على معظم مؤلفات كل من القديسين
أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين نفسها.
ونظرا لأن الكثيرين ليس لديهم المعرفة
الدقيقة بالخلافات الجوهرية بين علم اللاهوت الإسكندرى وعلم اللاهوت الأنطاكى حول
طبيعة ( روح ) المسيح فضلا عن جهل الكثيرين بتكوين الإنسان المركب من جسد ونفس
وروح, وماهية الموت وتوارث الخطية والفداء, وما يترتب على ذلك من نتائج منطقية
تفسر فى ظلها كافة العقائد الخاصة بالمدرستين.
فقد سقط الكثيرين بجهالة في كل بدع النساطرة
بمختلف مذاهبها المؤسسة على بدعة إنكار لاهوت المسيح وتجسده بالقول أن العذراء لم
تلد ابن إلوهيم أي أنه لم يتجسد منها بل ولدت إنسانا مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح
انسانية عاقلة حل فيها الكلمة بكل ملء لاهوته واحتجب بها وكأنها جسد مادي وليس روح
لا تسكن ولا تشخص من غيرها , جعلها أي الروح الإنسانية خاصة به, وتأنس بعقلها وصار
يتكلم من خلاله دون أن ينحيه ويقوم مقامه في تشخيص الروح الإنسانية, لأن الكلمة تأنس
بالعقل البشري أي صاحبه دون أن يلاشيه أو ينحيه ويقوم مقامه في تشخيص الروح
الإنسانية لأن الإتحاد بالروح الإنسانية هو بدون اختلاط أو امتزاج أو تغيير, وبعد
حرم النسطورية اختلف أقطاب النسطورية فى كيفية اتحاد الطبيعتين العاقلتين فيما بينهم
فقالوا بالاختلاط والامتزاج والتغيير والملاشاة.
والغريب أن عقائد كل من مدرستى الإسكندرية
وأنطاكية ظاهر حتى في المؤلفات المنسوبة زورا للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس
عمود الدين.
حيث تلاحظ لنا من خلال دراستنا للكتابات
والرسائل المنسوبة للقديس كيرلس الإسكندرى أنها فى حقيقتها تمثل مناظرة بين كل من
القديس كيرلس ونسطور, أى بين أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين, وأنه تم حذف
أشخاص المناظرة حتى يبدوا أن كل التعليم للقديس كيرلس رغم تعارضه وتناقضه حيث أن
بعض التعليم يفند بعضه الأخر أو يتضمن ردا عليه, ومن هنا فإن إدراك هذه المتناقضات
يمكننا من التمييز بين تعاليم كل من مدرستى الإسكندرية وأنطاكية أى بين تعاليم
أصحاب الطبيعة الواحدة وتعاليم أصحاب الطبيعتين العاقلتين فى المسيح.
والواقع أننا لا نكاد نجد مؤلفا للقديس
كيرلس أو أثناسيوس الرسولى أو أى من الآباء القديسين إلا وبه إضافـات نسطورية تم
دسها لإثبات الطبيعتين العاقلتين فى المسيح باستثناء ثلاث كتب لأثناسيوس الرسولى
هم الرسالة إلى الوثنيين, وتجسد الكلمة , ورسائل أثناسيوس الرسولى عن الروح القدس,
وثلاث رسائل للقديس امبروسيوس عن الروح القدس.
أيا كان الأمر فإن التمييز بين أقوال كل من
القديس كيرلس ونسطور يظهر العقائد الأساسية لكل من مدرسة الإسكندرية المؤسسة على
عقيدة تجسد الكلمة باشتراكه معنا فى اللحم والدم, ومدرسة أنطاكية المؤسسة على
عقيدة تأنس الكلمة بإنسان مثلنا له روح انسانية عاقلة يدعى يسوع المسيح وهى
العقيدة المميزة لمعتقدات أصحاب الطبيعتين .
وجدير بالملاحظة أن التأنس لغة معناها
الإئتناس بإنسان ومصاحبته, ولا تعنى أبدا الحلول فيه. لهذا فإن التأنس كمصطلح
نسطورى مبتدع لإثبات حلول الكلمة في إنسان مثلنا يدعى المسيح. هو مصطلح غير منضبط
وغير دقيق من حيث مدلوله اللغوى فضلا عن عدم وجود أي سند كتابى له .
وجدير بالذكر أن تعاليم نسطور تتسم بعدم
المنطقية والتضاد في شقيها. بما يجعلها مضطربة وغير مفهومة لتناقضها . كما تتسـم
كتاباته أيضا بعدم الدقة فى استخدام المصطلحات اللاهوتية, وبعدم الأمانة العلمية
فى عرض آراء خصومه. إذ غالبا ما يعرض آراء خصومه من منظور بدعته الخاصة
بحتمية الإتحاد بين شخصين, وما يستنتجه هو منها لا بما يعتقدون هم به في الحقيقة.
لذلك عندما يعرض لمعتقدات القديس كيرلس فإنه
يعرضها بأسلوب باطنى يظهر خلاف ما يبطن فيتكلم عن التجسد وهو يبطن التأنس ويتكلم
عن الجسد ويبطن به الإنسان أى المسيح.
والواقع أنه لو أن كلمة جسد كانت تعنى
الإنسان أو المسيح كما يزعم نسطور لما كانت هناك حاجة لإبتداع مصطلح التأنس لإثبات
بدعته في اتحاد الكلمة بإنسان مثلنا, لأن التأنس بالحلول فى روح إنسانية عاقلة
والإحتجاب بها وتشخيصها بالكلام من خلالها ليس تجسد بل هو أقرب للتقمص, وهذا برهان
على أن التجسد والتأنس ضدان لا يجتمعان.
وإذ يكتب إليه كيرلس مصححا فهمه بأن الطبيعة
الواحدة للمسيح الكلمة المتجسد معناها أن للمسيح الكلمة روح واحدة إلهية يفهم من
ذلك أن كيرلس يعلـم بأن الجسد ( ويعنى به المسيح كإنسان مثلنا ) من ذات جوهر
الكلمة المتحد به, وهو غير المفهوم الذى استنتجه فلبيانوس أسقف القسطنطينية الذى
كان على معتقد ثيؤدورت اسقف قورش الذى ابتدعه سنة 445 ميلادية والذى زعم فيه بأن
أقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا. فلما تصدى له
اوطيخا أوعز لفلبيانوس أسقف القسطنطينية بمحاكمته وعزله مالم يقر بالمعتقد الجديد,
فلما رفض أوطيخا وتمسك بالمعتقد القويم بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد,
خيروه إما أن يقول مقولتهم بأن أقنوم الكلمة بطبيعتين, وإما فإن قوله بأن أقنوم
الكلمة بطبيعة واحدة إلهية متجسدة لما هو بطبيعتين من وجهة نظرهم معناه أن الطبيعة
الإلهية إبتلعت الطبيعة الإنسانية ( الرسالة رقم 46 ف 5 ص 98 ).
فقال حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين.
لأن القول : " من طبيعتين " لما
هو بطبيعة واحدة بحسب المعتقد الأرثوذكسى معناه أن الطبيعة الإلهية إبتلعت الطبيعة
الإنسانية العاقلة.
وهكذا بذهن متبلد يفهم النساطرة العقائد
الأرثوذكسية من خلال منظور بدعتهم ومعتقداتهم الخاصة.
وكثيرا ما يستخدم نسطور فى كتاباته ذات
المصطلحات تارة من منظور بدعته الخاصة وتارة بمفهومها الصحيح بحيث تخدم معتقده
ليظهر كتاباته وكأنها أرثوذكسية وكتابات خصومه وكأنها مبتدعة وهو ما يظهر
بأجلى بيان فى الرسالة المزورة إلى أبكتيتوس والمنسوبة زورا للقديس أثناسيوس
الرسولى وفيها يستخدم لفظة الجسد كمرادف للمسـيح أو الإنسان المولود من مريم. حيث
يصف المسـيح بأنـه الجسد المأخوذ من مريم, وبهذا يظهر معتقده عند قوله بإتحاد
إلوهيم بالجسـد وكأنه يعتقد أرثوذكسيا فى حين يبطن التأنس أي اتحاد الكلمة بإنسان
لكونه يفهم الجسد بأنه إنسـان. أما الذين ينكرون اتحاد الكلمة بإنسان, فيقول أنهم
ينكرون الجسد وليس أنهم ينكرون اتحاد الكلمة بإنسان فيقلب الحق باطلا.
كما يفسد معانى الكلمات بتفسيرها بمعانى
تخالف معناها اللفظى مثال ذلك قول الكتاب عن المسـيح يسوع الذى إذ كان فى صورة
إلوهيم .. أخلى نفسه آخذا صـورة عبـد صائرا فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 7 )
حيث يفسر نسطور صورة العبد والتي تعنى منظره الخارجي أي هيئته على أن المقصود بها
روح العبد بقوله:
كيف .. صار إنسانا إذا لم يكن قد أخذ صورة
العبد أي أخذ النفس الإنسانية العاقلة وتجسد ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 36
).
فالصورة تعنى عنده النفس ( أى الروح ) وليس
الهيئة أو الشكل الخارجى فيفسد بذلك المعنى الصحيح إذ تصير صورة إلوهيم بمعنى روح
إلوهيم منكرا بذلك الصورية لإلوهيم, وتصير صورة العبد التي هي منظره الخارجي بمعنى
نفس العبد أى روحه حتى يثبت أن إلوهيم اتحد بنفس إنسانية عاقلة, وهكذا يفسد معانى
الآيات بتفسيرها بطريقة باطنية منحرفة تشوه الحق الكتابى وتخدم معتقده.
رغم أن الكتاب يقول عن المسيح يسوع (
باعتباره الكلمة وليس انسان حسب معتقد نسطور )
أنه أخلى نفسه. آخذا صورة عبد. صائرا في شبه الناس, وإذ وجد في الهيئة
كإنسان ( فيلبى 2 : 7 -8 ).
فإذا كان المسيح إنسان حسب نسطور فكيف يقال
أنه أخلى نفسه أخذا صورة العبد أو روح العبد إن كان هو عبد بالطبيعة, وأى إخلاء أن
يأخذ إنسان صورة العبد وهو عبد بالطبيعة صائرا في شبه الناس إن كان هو بالطبيعة
واحدا من الناس. وإن كانت صورة العبد التى يصير بها فى شبه الناس روح فيكون شبه
الناس أرواح. أما إن كانت صورة العبد جسدانية فيكون المسيح فى شبه الناس من حيث
الجسد أو المنظر الخارجي دون الجوهر, ولكن العديم الفهم يرى أن صورة العبد يقصد
بها روح العبد وأن الكلمة احتجب بهذه الروح الإنسانية. وكأننا نرى روح العبد أي صورته
التي احتجب بها الكلمة حسب نسطور ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17
الفقرة الأخيرة ) ( ظهور
المسيح المحيى ف 17 الفقرة الأولى ).
ثم عندما يعرض نسطور لآراء خصومه المعتمدة
على هذه الآيات يعرضها وفقا لمعانيها المنحرفة حسب معتقده كما فى الرسالة إلى
أبكتيتوس التى استخدم فيها لفظة " نفس " والتى تعنى عنده روح للدلالة على " الصورة
" بالقول أنهم يدينون أنفسهم الذين يقولون أن الكلمة كانت له نفس ( أي صورة )
إنسانية حتى قبل مجيئه.
وهكذا يصور التعاليم المستقيمة بمعانى
منحرفة لتبدوا وكأنها مضادة للحق الكتابى وهذا هو أسلوب نسطور المضلل.
بناء على ذلك فإن التعامل مع النسطورية لا
يكون بالأخذ بظاهر النصوص بل بالمفهوم الإصطلاحى لها كما يفهمها النساطرة.
كما تتسم كتابات نسطور أيضا فضلا عما تقدم
بالقصور فى الفهم والقياس وليس أدل على جهله من تشبيه الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين
( الروحين ) بأنه كالإتحاد بين الروح والجسد. لاعتقاده أن الروح الإنسانية حجاب أي
مسكن كالجسد.
إلا أن القياس فاسد لأن الإتحاد بين الروحين
ليس كالإتحاد بين الروح والجسد المادى. لأن الروح تسكن الجسد ولا تسكن روحا مثلها,
ومن غير المنطقى أن يكون الإتحاد بين روحين عاقلتين بسكنى روح فى أخرى, هو مثل
الإتحاد بين الروح وجسدها الخاص.
كما أن حلول إلوهيم فى إنسان باى كيفية لا
يصيره إلها يعبد, فالإتحـاد الذى يتم بين الطبيعة الإلهية والإنسان بحلول روح
إلوهيم فى قلب
الإنسـان حلول نعمة هو لمنح أجسادنا نعمة الحياة الجديدة والقيامة من الأموات
بروحه الساكن فينا.
أما حلول الابن الوحيد فى روح انسانية حلولا
تشخيصيا ليتكلم من خلالها دون أن يبطل عقلها البشرى حسب نسطور فهو حلول تقمص ينزه
عنه إلوهيم , كما أن الروح الإنسانية ساكن لا مسكن فهى تسكن الجسد وتشخصه ولا تسكن
ولا تشخص من غيرها خلاف ما يدعى نسطور بالقول :
هذه البدعة أى بدعة احتجاب الكلمة بالروح الإنسانية
العاقلة هى الأساس الذى بنى عليه ثيؤدورت أسقف قورش بدعته الجديدة إلا
أنه خالف نسطور بقوله بأن الكلمة شخص روح المسيح الإنسانية منذ وجدت فصار هو
المشخص للروحين الإلهية والإنسانية فى المسيح, وكأن الروح الإنسانية جسد أو حجاب
أو مسكن وليست جوهر روحانى عاقل وبسيط, وهو ما عبر عنه ثيؤدورت بقوله:
"
فاحتجب الكلمة الخالق بإنسان مخلوق .. من غير نطفة أدمية جرت عليها الخطية ..
إنسانا تاما بجسده ونفسه الدمية وروحه العاقلة الكلمانية التى .. بسكنى إلوهيم
وحلوله واحتجابه للطفها .. كانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد
الغليظ حجابا لما هو ألطف منه ( ثيؤدورت " الجامع
للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان
" ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 – 52 ).
أيا كان الأمر فإن كتابات نسطور تتسم بعدم المنطقية لكونه رغم
اعترافـه باتحاد الكلمة بإنسان نظيرنا يقول بشخص واحد, وهو يعبر عن ذلك بأساليب
ملتوية تضاد بعضها البعض وتنقض بعضها البعض كما تثبت الأثنينية النسطورية.
وكثيرا ما يستخدم نسطور وأصحاب الطبيعتين
ذات الآيات التى استخدمها أريوس فى إنكار لاهوت المسيح لإثبات تعليم الإتحاد
القائم على أساس أن المسيح ليس هو الكلمة بل إنسان نظيرنا اتحد به الكلمة بكيفية
مختلف حولها فيما بينهم.
وعلى النقيض من ذلك نجد أن تعاليم القديس كيرلس
مؤسسة على الحق الكتابى وعلى إقرار الإيمان برب واحد هو يسوع المسيح ابن إلوهيم
الوحيد, الذى نزل من السماء وتجسد من مريم العذراء, وهذا برهان على أن اسم يسوع
المسيح هو اسم إلوهيم وليس اسما خاصا بإنسان له روح انسانية عاقلة كما يزعم
النساطرة, لأن روح المسيح حسب الحق الكتابى إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية (
العبرانيين 9 : 14 ) محيية, ناطقة فى الأنبياء. لهذا رفض القديس كيرلس جميع تعاليم
النساطرة المضادة للحق الكتابى التى تنكر التجسد وتنادى بتأنس الكلمة بإنسان يدعى
يسوع المسيح رفضا باتا لأن القول به يترتب عليه أن يكون المولود من مريم إنسان
نظيرنا اتحد به إلوهيم الكلمة الأمر الذى ينتج عنه إنكار لاهوت المسيح وتجسده
ومجيئه فى الجسد. لأن حلول الكلمة فى إنسان نظيرنا حلولا تشخيصيا ليس تجسدا ولا
ولادة بل حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم, وهى ضلالة ابتدعوها ليفرغوا الفداء العظيم من
مضمونه ليستبدلوا القدوس الذى لا يموت , بإنسان يموت مثلنا بروح انسانية عاقلة قدموه
ليتألم ويصلب ويموت عنا ثم فى اليوم الثالث تعود روحه إلى جسده لتقيمه من الموت,
وهى ضلالة ما بعدها ضلاله لأن الروح الإنسانية غير محيية للجسد ولو كان لأروحنا
هذه القدرة لما مات الإنسان أبدا ولما كنا فى حاجة إلى الفداء ولا لإبن إلوهيم
الوحيد الذى ارسله إلوهيم إلى العالم لكي نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) الروح
الوحيد المحييى للأجساد هو روح إلوهيم أى الروح القدس الرب المحيى, أما الروح
الإنسانية فهى أعجز من أن تقيم جسدها المائت لكونها غير محيية للجسد مثل أرواحنا لهذا
فإنها بموت الدم تقبض من جسد الموت إلى الأبد. أما هؤلاء فبعد أن قدموا انسان مائت
اعجز من أن يخلص نفسه ويخلصنا أجلسوه على عرش الإلوهية وعبدوه فاتقوا وعبدوا
المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد أمين, وبهذا حولوا إنجيل المسيح صورة إلوهيم
إلى بشارة بإنسان أو كائن مختلط أو ممتزج ليس هو إلوهيم غير المتغير الذى هو هو
أمس واليوم وإلى الأبد.
وقد أوضح نسطور أن الاتحاد بين الطبيعتين
أى الروحين الإلهية والإنسانية فى المسيح هو اتحاد فى وحدة اسم المسيح , لأن الابن
الوحيد باتحاده بالإنسان يسوع المسيح صار يسمى باسمه, واما المسيح كإنسان فكرم
بتسميته بالابن, لهذا لا يوجد سوى مسيح واحد وابن واحد من الإثنين حتى لو ادرك أنه
من اثنين ومن جوهرين مختلفين, لأن اختلاف الطبائع لم يبطل بسبب الإتحاد ( الرسالة
رقم 4 ف 3 ) لأن الاتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
أما ثيؤدورت أسقف قورش فقد رأى أن الإتحاد
بين الطبيعتين قائم على أساس وحدة أقنوم الكلمة المشخص والجامع للطبيعتين الإلهية
والإنسانية معا, وانتهى إلى أن اللوجوس هو مركز الشخصية فى الروح الإنسانية التى
تألهت بالكلمة الذى شخصها منذ نشأتها.
والواقع أن مجرد اعتراف أصحاب الطبيعتين
بالإتحاد بين اللاهوت والناسوت بصرف النظر عن كيفيته معناه أن يسوع المسيح المولود
من مريم هو إنسان نظيرنا وبذلك يحسبون ضمن الذين ينكرون لاهوته ومجيئه فى الجسد,
وهى البدعة التى تم حرمها فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.
لذلك فإن إقرار أصحاب الطبيعتين بأن
العذراء هى والدة الإله رغم اعتقادهم بأن المسيح المولود منها هو إنسان نظيرنا
اتحد به إلوهيم الكلمـة بكيفية مختلف حولها لن يغير من حقيقة الأمر شيئا. لأنه كيف
تكون العذراء والدة الإله إن كانوا يقرون بأن المسيح المولود منها إنسان نظيرنا؟
والواقع أنهم إن لم يعترفوا بأن المسيح
المولود من العذراء هو القدوس ابن إلوهيم الوحيد وأنه ليس إنسان فإنهم يحسبون ضمن
منكرى لاهوته ومجيئه فى الجسد, لأن تفسير كيفية اتحاد الكلمة بمسيح هو إنسان
نظيرنا باطل على كل وجه لأن ما بنى على باطل هو باطل, وعلى هذا فإن جميع تفاسيرهم
فى كيفية اتحاد الطبيعتين العاقلتين فى شخص واحد هى تفاسير وتعاليم باطلة ومرفوضة
على كل وجه نقلا وعقلا.
والواقع أن هناك خلافات جوهرية ومتضاربة فى
تعليم أصحاب الطبيعتين لأنها كبدعة ليس لها تعليم مستقر بل هى متطورة وتحمل فى
طياتها تناقضات كثيرة ولسبب ذلك كفر أصحاب الطبيعتين بعضهم بعضا فقد كفر نسطور
بدعة ثيؤدورت المؤسسة على فكرة اتحاد الطبيعتين فى أقنوم واحد إلهى مكفرا القائل
بها باعتبارها تؤول لتأله الناسوت أى الروح الإنسانية وصيرورة عقلها إلهيا أى
سمائيا, أما أصحاب الطبيعة من طبيعتين فقد لاشوا الطبيعتين فى طبيعة تجمع صفات
الطبيعتين دون أن تكون إلهية وإنسانية ورغم ان الإمتزاج بين إلا انهم ينكرونه
بالقول أن الطبيعتين قائمتين دون امتزاج وهذا يعيدهم إلى دائرة ثيؤدورت وتعاليمه
التى تم حرمها فى مجمع افسس الثانى.
وأيا كانت الخلافات حول كيفية الإتحاد بين
الطبيعتين فكلها تدور فى فلك إنكار لاهوت المسيح وتجسده لأنه حيثما ذكرت كلمة
اتحاد فقد بطل التجسد والولادة لأن حلول الكلمة فى إنسان ليس تجسد ولا ولادة.
فلا ينسب أحد للقديس كيرلس أو أثناسيوس
الرسولى أى من هذه التعاليم الخاصة بأصحاب الطبيعتين بجهل وإظلام الذهن العاطل عن
الفهم. لأن أشياء كثيرة قد أصابها التزوير بواسطة أعداء الحق على الوجه السالف
إيضاحه.
والغريب أن النساطرة بعد أن قسموا المسيح إلى
شخصين, عادوا ليوحدوا بينهما فى وحدة الاسم وكرامة البنوة حسب نسطور, وفى وحدة أقنوم
الكلمة المشخص للطبيعتين حسب ثيؤدورت, والمشخص لطبيعة من طبيعتين حسب ساويرس
الأنطاكى, أو المشخصة بابن من ابنين حسب البرادعى.
وهم إلى اليوم حسبما هو ظاهر من إقرارات
إيمانهم لا يستطيعون أن يحددوا كيفية هذا الإتحاد هل هو حسب نسطور أم حسب
ثيؤدورت أم حسب ساويرس الأنطاكى أم حسب البرادعى. لأن الأول يقول بأن الشخصين
متحدين فى وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, والثانى
يقول بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا, والثالث يقول
بطبيعة جديدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة, والرابع يقول بطبيعة من طبيعتين مشخصة
بابن من ابنين .
هذه هي معتقدات أصحاب الطبيعتين المعلنة
ظاهريا أما باطنيا فيقولون أن الاتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير
فيعودون بذلك إلى دائرة النسطورية , وهم يفضون الاتحاد أو الإئتلاف عندما يتعلق
الأمر بتعرض المسيح لأى انفعالات يعتبرونها انسانية أو تعرضه لآلام الجلد والصلب
ودق المسامير والطعن بالحربة والقيامة فنراهم يقولون برأى نسطور حتى تقع الآلام
على الإنسان وحده ولا تقع على الكلمة المحتجب بروحه الإنسانية .
مما تقدم يتضح أن جميع مذاهبهم مؤسسة على
معتقدات نسطور التى تم حرمها فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية وجميعها أكثر
جنونا من بدعة نسطور نفسها.
والواقع أن هؤلاء الذين أعمى إله هذا الدهر
بصيرتهم لكى لا يروا إنارة إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة إلوهيم لا يدركون شناعة
قولهم باتحـاد إلوهيم الكلمة بإنسـان مثلنا مولود من مريم يدعى يسوع المسيح بروح
انسانية عاقلة لأن محصلة هذا التعليم أنه لا المسيح المولود من مريم هو
إلوهيم ولا أن كلمة إلوهيم قد تجسد أو ولد من مريم, لأن اتحاد إلوهيم الكلمة
بإنسان نظيرنا ليس ولادة ولا تجسد بل حلول فى إنسان نظيرنا بصرف النظر عن كيفية
هذا الإتحاد, وبهذا أبطلوا التدبير وانحرفوا إلى عبادة المخلوق دون الخالق المبارك
إلى الأبد آمين.
إن خطأ النسطورية القاتل هو عدم إدراكها
البساطة التى فى المسيح صورة إلوهيم غير المنظور بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل
الأشياء بكلمة قدرته الذى بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس فى يمين العظمة (
أى فى صورة مجده ) فى الأعالى.
فالمسيح ليس إنسانا مثلنا وليس هو مزيج من
إله وانسان كما يحاول الذين بلا فهم تصويره بل هو صورة إلوهيم بشهادة الأسفار
المقدسة, وهذه هى شهادة يوحنا:
ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب أرسل الابن
مخلصا للعالم. من اعترف بأن يسـوع هو ابن إلوهيم فإلوهيم يثبت فيه وهو فى إلوهيم (
يوحنا الأولى 4 : 14 - 15 ) ونحن فى الحق فى ابنه يسـوع المسـيح هـذا هـو الإلـه
الحق والحياة الأبديـة ( يوحنا الأولى 5 : 20 ).
فالمسيح
حسب الجسد هو الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ( رومية 9 : 5
).
وهذا معناه أن روح المسيح ليست انسانية ولا مختلطة
ولا ممتزجة من طبيعتين. بل هى طبقا للحق الكتابى إلهية ( رومية 8 : 9 )
أزلية (
العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة
فى الأنبياء( بطرس الأولى 1 : 11 ).
ورغم كفاية ما تقدم فى إظهار الحق من الباطل , إلا أننا سنعرض فيما يلى لبدعة نسطور لبيان الأسس والأخطاء والمغالطات التى قامت عليها وتفنيدها بإظهار صورة التعليم الصحيح المؤيد بالحق الكتابى, حتى يكون القارىء على معرفة حقة بهذه العقيدة المؤسسة على خطأ الخلط بين النفس الحية والروح الإنسانية العاقلة, وما ترتب على هذا الخطأ من نتائج قاتلة كالتى وقع فيها الصدوقيين وشهود يهوه ومنكرى وراثة الخطية الجدية .
الرب يجعل من هذا الكتاب بركة تؤول لخلاص كثيرين بالنعمة لمجد إلوهيم مخلصنا. مجدى صادق
الفصل
الأول
هل
النسطورية بدعة لا وجود لها ؟
يرى كثير من علماء اللاهوت المعاصرين أن
النسطورية بدعة لا وجود لها الآن بعد أن صار التعليم بالإله المتحد بالإنسان يسوع
المسيح هو التعليم الذى يدين به كمعتقد كنسى عدد كبير من البشر[1].
وهو ما سبق الرب وحذر منه بقوله تبارك اسمه
:
ولكن متى جاء ابن الإنسان. ألعله يجد
الإيمان على الأرض ( لوقا 18 : 8 ).
من ذلك نرى أن النسطورية تعد من أخطر
الهرطقات التى استطاعت أن تخترق الكنيسة بزوان تعاليمها الباطلة التى رغم أنها
ظاهرة الفساد إلا أنها خبيثة وماكرة بتظاهرها بأنها متفقة مع الحق الكتابى لتنفذ
إلى الكنيسة لكى تظهر أنهـا مسـيحية بغير وجه حق لتخدع المختارين إن أمكن لكى ليس
فقط يقبلوا فكر ضد المسيح الذى ينكر لاهوت المسيح ومجيئه فى الجسـد بل ويدافعون
عنه كمعتقد كنسى لهلاك أنفسهم والذين يتبعونهم فصاروا بارتدادهم عن الحق أضداد
للمسيح.
إن خطورة هذه البدعة كامن فى تعاليمها
الملتوية التى تتظاهر بأنها كتابية فى حين أنها ليست كذلك فخدع بها بطاركة وأساقفة
وكهنة وضل بها علماء فى مختلف الأزمنة والعصور.
فالنسطورية بدعة مفسدة للإيمان الصحيح وهى
رغم انتشارها شرقا وغربا واعتناق الكثيرين لها إلا أنها تعلم بتعليم ضد المسيح إذ
تنكر مجىء يسوع المسيح فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) بقولها بأنه مجرد
إنسان نظيرنا أتى إليه الكلمة واتحد به بكيفية مختلف حولها بالمخالفة للحق الكتابى
والتسليم الرسولى.
وهكذا لما عرفوا إلوهيم لم يمجدوه أو يشكروه
كإله ، بل حمقوا في أفكارهم ، وأظلم قلبهم الغبي.
وبينما هم يزعمون
أنهم حكماء صاروا جهلاء, وأبدلوا مجد إلوهيم الذي لا يفنى ( يموت لأنه روحا
محييا ) بشبه صورة الإنسان الذي يفنى ( يموت لأنه ذى نفس حية أى حيوانية قابلة
للموت والفناء ) .. فاستبدلوا حق إلوهيم بالكذب ، واتقوا وعبدوا المخلوق دون
الخالق ، الذي هو مبارك إلى الأبد . آمين (
رومية 1 : 21 - 25 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 – 50 ).
والواقع أن المسيح لم يكن إنسان اتحد به
الكلمة كما يزعمون. بل هو نفسه الكلمة المساوى للآب في الجوهر الذى أخلى نفسه
صائرا فى شبه الناس. حتى متى ظهر فى جسد ضعفنا الذى كنا ممسكين فيه للموت. بذل دمه
عنا على الخشبة ليعتقنا من موت الخطية بشريعة روح الحياة التى فيه ( رومية 8 : 2 )
لأن الذى هو الحياة لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ) مثلنا فأبطله
بقوته ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( العبرانيين 2 : 14 ).
لذلك فإن التصدى لهذه الهرطقة الدنسة الأخطر
فى تاريخ الكنيسة وإظهار حماقتها ومضادتها للحق الكتابى والمنطق السليم ضرورى لكى
يتجنبها الذين لم يتدنسوا بأفكارها ولينتبه الذين خدعوا بها ويرجعوا عن ضلال
طريقهم ليحيوا.
إن عقيدة نسطور مؤسسة على معتقد غير كتابى
يخلط بين النفس
( لاويين 17 : 11 - 14 ) والروح ( زكريا 12 : 1 ) باعتقاده أن النفس هى
الروح الإنسانية العاقلة وأنها هى التى تحيى الجسد لا النفس الحية التى هى الدم,
وأن الموت ليس هو موت النفس الحية أى الدم وفقا للحق الكتابى بل أن الموت وفقا
لمعتقده ومعتقد كل أصحاب الطبيعتين لا يكون إلا بخروج النفس الإنسانية
العاقلة من الجسد.
وبما أن الموت لا يتحقق إلا بهذه الطريقة
حسب معتقده لهذا كان من المحتم أن يتحد الكلمة بإنسان له نفس عاقلة هى التى تحييى
الجسد وبخروجها منه يموت. لأن النفس بما أنها هى الروح فهى خالدة لا تموت , ومن ثم
فإن موت الجسد يكون بخروجها منه.
وهكذا بنى نسطور معتقده الفاسد على خطأ الخلط
بين الروح العاقلة الخالدة وبين نفس الجسد أى قدرته التنفسية التى فى الدم الذى هو
علة حياة الجسد الحيوانى ( تكوين 9 : 4 ) كما هو
مكتوب : أن نفس الجسد هى فى الدم .. لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17
: 11 , 14 ).
وبما أن إلوهيم سكن واحتجب بالروح الإنسانية العاقلة وتأنس
بها ولم يتجسد لهذا قال نسطور بأن إلوهيم
الكلمة نفسه لا يمكن أن يولد أو يتألم أو يصلب أو يموت أو يقوم من الموت.
لهذا اتحد إلوهيم الكلمة بإنسان مولود من امرأة لكى يقدمه للآلام والصلب والقيامة
وتنسب جميع هذه الأمور التى يعتبرها نسطور إنسانية لإلوهيم الكلمة بسبب حلوله فيه بحيث
يصير كل ما يخص الروح الإنسانية العاقلة يخص الكلمة.
وقد تحقق هذا حسب معتقد نسطور بأن اتحد إلوهيم
الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسـيح مولود من مريم لكى يقدمه للآلام والصلب والموت
الذى يتحقق بخروج روحه الإنسانية من الجسد فيموت ثم بعودتها إليه تحييه وتقيمه من
الموت, ثم لسبب الإتحاد المزعوم تنسب هذه الأمور الإنسانية للكلمة.
لهذا كان يتحتم حسب الفكر النسطورى حتى يموت
إلوهيم الكلمة موتنا ( بخروج روحه من جسده حسب معتقده الفاسد ) أن يتحد بإنسان ذى
نفس إنسانية عاقلة وبهذا يصير فى جسد المسيح طبيعتان إلهية وإنسانية لكل قيامها بعقلها
الخاص بزعم أن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
أى أن الإتحاد بين روح المسيح الإنسانية والروح
الإلهية هو شركة مع الروح الإلهية على مثال تلك التى بيننا وبين الروح القدس,
والخلاف بيننا هو أن الروح القدس فى المسيح حل فى روحه الإنسانية العاقلة حلولا
تشخيصيا بأقنوم الكلمة وتأنس بها, وبداهة أن مثل هذا الحلول هو خرافة نسطورية لأن
الروح لا تسكن ولا تشخص من غيرها, أما فينا فإن الروح القدس يحل فى قلوبنا ليمنح
أجسادنا المائتة نعمة القيامة من الموت بروح الحياة الذى فيه الذى سيحيى أجسادنا
المائتة بروحه الساكن فينا.
أما بحسب نسطور فإن الكلمة بحلوله فى روح الإنسان
يسوع المسيح فقد جعلها روحه الخاص وكأنها جسده الخاص, وبهذا أمكن للكلمة وفقا لنسطور أن يموت موتنا
الذى يتحقق بخروج الروح الإنسانية العاقلة من الجسد. ثم حتى يقوم الجسد المائت من
الموت لا بد أن تعود هذه الروح الإنسانية إليه لتقيمه من الموت .
والواقع أن النسطورية السائدة اليوم تنقسم
إلى أريع شيع هى النسطورية, والخلقيدونية, والأنطاكية بحسب مذهب ساويرس الأنطاكى,
واليعقوبية, والخلاف بينهم هو فى تفسير كيفية الإتحاد بين روح الإنسان يسوع المسيح
المولود من مريم وبين إلوهيم الكلمة الذى اتحد وتأنس به حسب زعمهم.
ففى حين رأى النساطرة أنه كان لكل روح من
الروحين الإلهية والإنسانية قيامها بعقلها الخاص بعد الإتحاد. رأى الخلقيدونيين أن
أقنوم الكلمة بالتأنس بالروح الإنسانية العاقلة أبطل عقلها الخاص وقام مقامه فى
تشخيصها مع الروح الإلهية, وبهذا صار أقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبيعتين الإلهية
والإنسانية فى المسيح. أما الأنطاكيين فرأو أن أقنوم الكلمة هو المشخص للروح
الواحدة من روحين , أما يعقوب البرادعى فقال بأن هذه الطبيعة من طبيعتين مشخصة
بأقنوم من أقنومين .
والواقع أن الخلافات بين أقطاب النسطورية فى
تفسير كيفية الإتحاد لا قيمة لها لكونها تدور فى فلك النسطورية المؤسسة على قاعدة
الاعتقاد بأن الكلمة الذى من إلوهيم الآب لم يتجسد ولم يولد من مريم بل اتحد
بإنسان يدعى يسوع المسيح مولود من مريم من نسل داود لأن سلسلة الأنساب كما يقولون
تخص الإنسان المولود من مريم لا الكلمة المولود من إلوهيم الآب قبل كل
الدهور.
وبداهة أنه إن كانت روح المسيح إنسانية فلا
يكون هو إلوهيم بل مجرد إنسان مثلنا ولد من مريم العذراء اتحد به الكلمة, وذلك
بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المختلف حولها بين أقطاب النسطورية والتى تؤول لعبادة
إنسان حسب نسطور أو كائن من أنصاف الآلهة حسب خلقيدونية وساويرس الأنطاكى أو كائن
ممتزج لا جنس له حسب البرادعى.
وبالتالى يكونون قد حرموا أنفسهم بأنفسهم
بإنكارهم لاهوت المسيح وولادته من مريم لأن المولود من مريم فى هذه الحالة لن يكون
هو إلوهيم بل مجرد إنسان اتحد به إلوهيم الكلمة بكيفية مختلف حولها, وعليه فإن كل
من ينادى أو يعلم بأن روح المسيح إنسانية أو مختلطة أو ممتزجة هو مجدف ومنكر
للاهوت المسيح ومجيئه فى الجسد.
من الواضح إذن أن كل تعليم بمسيح بطبيعتين
أو من طبيعتين فى المسيح هو بدعة ليس لها أى سند كتابى. فضلا عن تعارضها مع أبسط
قواعد المنطق السليم.
ثم ما هى محصلة هذه البدعة إلا إبطال
التدبير وقلبه رأسا على عقب والسقوط فى عبادة إنسان حسب نسطور ونصف إله حسب
خلقيدونية وساويرس الأنطاكى وكائن ممتزج لا جنس له حسب البرادعى.
والواقع أن الخلقيدونية والأنطاكية بحسب
ساويرس الأنطاكى واليعقوبية هى شيع نسطورية أى طرق فى فهم النسطورية التى دينت فى
أفسس وبعثت من جديد من خلال منظور جديد لكيفية الإتحاد بين الطبيعتين فى شخص
المسيح.
لأن المجتمعون فى خلقيدونية وإن حرموا نسطور
إلا أنهم لم يحرموا بدعته بل تبنوها وأوقعوا الحرم عليه لا لقوله بأن الكلمة اتحد
بإنسان بل لقوله أن روح المسيح الإنسانية مشخصة بعقلها البشرى. أما هم فخالفوه فى
هذا بقولهم بأن روح المسيح الإنسانية كانت بلا شخصية منذ نشأتها لأن الكلمة شخصها
فصار هو عقلها منذ أوجدها, وبالتالى صار أقنوم الكلمة بطبيعتين أى بروحين إلهية
وإنسانية. ما يعنى أن روح المسيح الإنسانية تشخصت بالكلمة لا بعقلها البشرى.
ويعد ثيؤدورت أسقف قورش هو الأب الشرعى
لمذهب خلقيدونية إذ قام بذهن مرفوض فى محاولة للإلتفاف على الحرومات الموقعة على
النسطورية فى مجمع أفسس الأول إلى القول بقيام الطبيعتين بأقنوم الكلمة الجامع
لهما بلا افتراق, وأن الحرومات الموقعة ضد نسطور وتعاليمه الدنسة لم توقع عليه
لكونها تهدم التجسد والفداء وتحوله إلى عبادة إنسان بل لكونها عجزت عن شرح كيف
يتكون من الإله المتحد بروح المسح الإنسانية شخصا واحدا , ما ترتب عليه الاعتقاد
فى شخصين فى المسيح, وعليه فإن حرم نسطور لم يكن لقوله باتحاد الكلمة بإنسان بل لتوحيده
الشخصين فى وحدة شخص المسيح واسمه باعتباره شخص الإتحاد بين الشخصين, لهذا علم
ثيؤدورت بأن روح المسيح الإنسانة كانت بلا شخصية منذ وجودها وأن الكلمة شخصها
وأكمل جوهرها بحيث صار الكلمة هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية فى المسيح .
وقد تم حرم هذه البدعة فى مجمع أفسس الثانى
سنة 449 ميلادية وتجدد حرمها مع جميع القائلين بها فى مجمع خلقيدونية سنة 451
ميلادية.
الواقع أن نسطور لم يحرم فى مجمع أفسس الأول
لقوله أن العذراء هى أم المسيح بل لأنه أنكر لاهوت المسيح بالقول أن المولود من
مريم هو إنسان مثلنا يسمى المسيح اتحد به إلوهيم الكلمة, ولم يعترف حسب الحق
المعلن بأن المسيح المولود من مريم هو نفسه كلمة إلوهيم وحكمته الممسوح أزليا.
منكرا بذلك ولادة الكلمة وتجسده.
فالعذراء هى أم المسيح حقا لأن اسم المسيح
هو اسم علم لإلوهيم الكلمة وهذا مالم يدركه نسطور بقوله أن اسم المسيح خاص
بالإنسان المولود منه الذى اتحد به الكلمة.
لذلك فإن إقرار نسطور بأن العذراء هى أم
المسيح أو أم إلوهيم مع استمرار اعتقاده بأن المولود منها هو إنسان نظيرنا هو علة
حرمه.
لأنه من البديهي أن اتحاد الكلمة بإنسان
ليس ولادة ولا تجسد بل حلول فى إنسان نظيرنا بصرف النظر عن كيفيته.
من ذلك نرى أن نسطور لم يحرم لقوله أن
العذراء هى أم المسيح بل لقوله أن المسيح المولود من مريم إنسان
نظيرنا
اتحد به إلوهيم الكلمة, وأن العذراء هى أم الإنسان يسوع المسيح, وأنه بما أن
الكلمة ولد منها إنسانيا فهى تدعى أيضا أم إلوهيم.
أى أنه حرم لإنكاره لاهوت المسيح وعدم
اعترافه بأن المسيح هو ابن إلوهيم الكلمة المتجسد .
لذلك عمد أصحاب الطبيعتين منذ صدور الحرومات ضد
نسطور وتعاليمه المنحرفة إلى العمل على محاولة الالتفاف حولها بتزييفها لتفريغها
من مضمونها وتصوير الخلاف الخريستولوجى بين كيرلس ونسطور وكأنه كان لعدم اعتراف
نسطور بأن العذراء هى أم إلوهيم وقوله بأقنومين ( أى عقلين ) وطبيعتين ( روحين )
بعد الإتحاد, وعدم اعترافه بأن للمسيح عقل واحد إلهى بطبيعتين ( أى روحين ) بعد
الإتحاد, وذلك استعدادا لجولة أخرى يثأرون فيها من أصحاب الطبيعة الواحدة
اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد.
وقد واتتهم الفرصة عندما تولى ماركيان
السلطة وكان نسطوريا. فسعى إليه ثيؤدورت أسقف قورش المعزول ليعقد مجمعا مسكونيا
يرده إلى رتبته ويثأر من أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية بإثبات النسطورية وفقا
للتحديد الوارد فى الرسالة الشهيرة بطومس لاون المستمدة من تعاليم ثيؤدورت الذى
أوحى إليه بها فى كتاباته إليه, وعمل على جمع أكبر قدر من توقيعات الأسـاقفة عليها
ليكون مستندا رئيسيا فى مجمع خلقيدونية الذى تكتل فيه أقطاب النسطورية تدعمهم
السلطة الحاكمة.
هذا الطومس المثبت للنسطورية وآراء ثيؤدورت
المدعومة بالسلطة الحاكمة هو الذى أقره المجتمعون فى خلقيدونية, وجاء فيه ما موجزه
:
عندما بنت الحكمة بيتها صار الكلمة جسدا وسكن
بيننا فى ذلك الجسم الذى اتخذه من كائن بشرى والذى نفخ فيه روح حياة عاقلة, وبناء
عليه إذ قد حفظ التمييز بين الطبيعتين والجوهرين وقد اجتمعا فى الأقنوم الواحد ..
لذلك فبطبيعة الإنسان الحق الكاملة ولد إله حق كامل فى ما كان له وكاملا فى ما كان
لنا .. وكل واحدة من الطبيعتين تقوم بما يختص بها بالاشتراك مع الأخرى .. الواحدة
تسطع بالعجائب والأخرى تخضع لأنواع الأذى .. وهكذا لا يمكن أن تنسب إلى طبيعة
واحدة بعينها القول: أنا والآب واحد, والقول أبى أعظم منى ( هذا إقرار بوجود عقل
بشرى فى المسيح حسب معتقد نسطور ) .. إن أوطيخا يجب أن يعتبر أنه لم يدرك سر هذا
الإيمان لأنه لا يقر بأن طبيعتنا ( أى الروح الإنسانية العاقلة ) موجودة فى ابن إلوهيم
الوحيد, إما بواسطة صنعة الموت ( أى ببرهان أن الموت لا يتحقق حسب نسطور إلا بخروج
الروح الإنسانية من الجسد ) أو بواسطة مجد القيامة ( أى ببرهان أن قيامة الجسد
المائت الذى كان إلوهيم متحدا به فى القبر لم يتحقق حسب نسطور إلا بعودة
الروح الإنسانية إليه وهكذا صارت قيامة إلوهيم الكلمة بروح إنسانية برهان صحة
معتقدهم )[2].
وهكذا بذهن عاطل عن الإدراك السليم جمع لاون
فى طومسه بين معتقد نسطور القائل بطبيعتان لكل قيامها بعقلها الخاص بعد الإتحاد,
وبين معتقد ثيؤدورت الجامع للطبيعتين فى أقنوم الكلمة ( كمال البرهان على حقيقة
الإيمان ك 1 ق 3 ف 4 , 5 ص 52, 53 , 55, 63 , 64 ) وهذا الطومس أو الرسالة فى
مجملها هى مزيج من المتناقضات المضادة للحق الكتابى وللعقل والمنطق السليم.
فمن هو ساذج بهذا المقدار حتى يعتقد صحة
إيمان المجتمعين فى خلقيدونية. الذين جعلوا المسيح بالإتحاد كائنا من أنصاف
الآلهة. يعترفون بأن هذا هو إلوهيم الظاهر فى الجسد.
ألعل إلوهيم الظاهر فى الجسد ذى روح إنسانية؟!
وكيف إن كان المسيح إنسان مثلنا تكون روحه الإنسانية مشخصة بالكلمة, وليس
بعقلها الخاص, وكيف تدرك وجودها بدون أقنوم عقلها الخاص بها.
إن يسوع المسيح المولود من مريم حسب الحق
الكتابى. ليس إنسانا فى جوهره بل هو صورة إلوهيم المساو لإلوهيم فى الجوهر. الذى
أخلى نفسه صائرا فى شبه الناس.
لذلك يقول يوحنا الرسول :
كل من هو من إلوهيم يسمع لنا ومن هو ليس من إلوهيم
لا يسمع لنا. بهذا تعرفون روح إلوهيم وروح الضلال .. كل روح لا يعترف بيسوع المسيح
( اسم إلوهيم ) أنه أتى فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا
الأولى 4 : 2 – 3 ).
من اعترف أن يسوع
هو ابن إلوهيم
فـإلوهيم يثبت فيه وهو فى إلوهيم ( يوحنا الأولى 15:4 ) هذا هو الإله الحق والحياة
الأبدية ( يوحنا الأولى 5 :20 ).
هل كان نسطور نسطوريا ؟!
عنوان غريب والأغرب منه النتيجة التي انتهى إليها القمص تادرس يعقوب ملطى من
مقولته بمؤلفه " الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت " بأنه تم اكتشاف كتاب " بازار
هيراقليدس " Bazar of Heracleides الذى يحوى دفاعا كتبه
نسطور بعد مجمع خلقيدونية أعلن فيه قبوله الفكر اللاهوتى الخاص بالسيد المسيح كما
أقره مجمع خلقيدونية. حيث أثبت بدفاعه معتقده بأن إلوهيم لا يمكن أن تكون له
أم وأن اللاهوت لا يولد من امرأة, وأن مريم ولدت إنسان مثلنا هو يسوع المسيح الذى
حمل اللاهوت ولكنه ليس إلوهيم, وأنه أى الإنسان هو الذى ولد وتألم وصلب ودفن وقام,
وبسبب اتحاد إلوهيم الكلمة بالإنسان صارت جميع هذه الأمور الإنسانية تنسب إليه.
لذلك كان يرى أنه ليتم الخلاص لابد أن يكون آدم الثانى إنسانا حقيقيا لا أن
يكون الرب من السماء.
وكان يعترف رغم القول بالإتحاد بين اللاهوت
والناسوت فى شخص المسيح أن الإتحاد لم يبطل اختلاف الطبيعتين لأنه بدون اختلاط أو
امتزاج أو تغيير ( " الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت " ص 100 –
101 ).
كما عارض نسطور فى كتاباته اللاهوت السكندرى
الذى انكر وجود روح إنسانية عاقلة فى المسيح.
والواقع أن هذا الفكر النسطورى الذى نجده فى كتاب بازار هيراقليدس نجده فى
العديد من المؤلفات والرسائل المزورة أو المحرفة المنسوبة زورا للقديسين أثناسيوس
الرسولى وكيرلس عمود الدين.
وقد بينا في هذا المؤلف الكثير من المواضع التي تتضمن الفكر النسطورى الذى يظهر
في بعض المؤلفات والرسائل المنسوبة لأبائنا العظام وكأنها جزء من حوار مردود عليه
بذات المؤلف أو الرسالة وتم إزالة اشخاص الحوار من جانب النساطرة بحيث يظهر كل
التعليم وكأنه للقديس كيرلس أو اثناسيوس الرسولى إبتغاء أن تبدوا كتابات هذين
القديسين وكأنها متفقة مع تعاليمهم الدنسة. هذا خلاف الكتب والرسائل المزورة
بالكامل والمنسوبة زورا لهذين القديسين الأمر الذى اثبته القديس كيرلس برسائله حتى
تلك التي تم تحريفها ( الرسالة
رقم 45 : 14 ص 94 ).
وفيما يلى نعرض للفكر النسطورى الذى نجده في بعض الكتابات المنسوبة زورا
للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين بالقدر الذى يتفق مع ما ذكره القمص
تادرس شرحا للمعتقد النسطورى الموضح فى كتاب " بازار هيراقليطس "
المتضمن الدفاع الذى كتبه نسطور.
يقول نسطور فى مؤلفه ظهور المسيح المحيى المنسوب زورا للقديس أثناسيوس
الرسولى ما نصه :
إن قصدكم الواضح من هذه العبارة " إلوهيم ولد من العذراء " يظهر من عدم
اعترافكم بأنه الإله المتأنس ( أى الإله المصاحب لإنسان ) ( ظهور المسيح المحيى
فقرة 5 ص 20 ) لأن إلوهيم حسب نسطور لم يولد بل تأنس ( الرسالة 5 لنسطور ف 5
ص 33 ) بالإنسان المولود من مريم.
ثم يقول فى مؤلف آخر منسوب للقديس كيرلس عمود الدين ما موجزه :
إذا كان هناك أحد يتجرأ ويعلم بأن العذراء حبلت بالطبيعة التى هى فوق كل
الخليقة فإن هذا هو الجنون بعينه .. ولا تلك الخاضعة للفساد ( أى مريم ) تصبح أما
لعدم الموت. الجسـد لا يمكنه أن يلد الذى لا بداية له. لكننا نؤكد أن الكلمـة تأنس
( شرح تجسد الابن الوحيد فقرة 28 ص 49 - 50 ) أي صاحب الإنسان المولود من مريم.
إننا تسلمنا وتعلمنا أن آدم الثانى كان له نفس آدم الأول وجسده وكل ما
يخصـه ( ظهور المسيح المحيى فقرة 10 ص 28 ).
عانيا بذلك أن آدم الثانى ليس الرب من السماء بل مجرد إنسان كآدم الأول.
ورغم أن الحق الكتابى المعلن فى كتابات كيرلس يفند بأكثر وضوح رأى نسطور
مثبتا أن آدم الأول من الأرض ترابى وآدم الثانى الرب من السماء وأن آدم الأول نفسا
حية وآدم الأخير روحا محييا وأن الرب الذى من السماء دعى بآدم الثانى لأنه صار
البداية الثانية للذين على الأرض لأن الخليقة الإنسانية الأولى أى الحية بالدم
تحولت فيه إلى خليقة جديدة مقامة ومحيية بالروح القدس المحيى وبهـذا صارت نهاية
الموت لأن الذى بالطبيعة هو الحياة لم يقبل أن يخضع جسده للفساد لأنه لـم يكن
ممكنا أن يسود الموت على المسيح ( المسيح واحد 12 ص 99 - 100 ).
فإن نسطور إذ هو محدود التفكير ومتغطرس لم يستطع أن يفهم شروحات كيرلس فكتب
يقول له : أنتم تقولون : لقد اتحد الكلمة
بجسد بلا جوهر عقلى أى بلا روح إنسانية وهذا يعنى أنه عند الموت انفصل الكلمة
عن الجسد وهذا يعنى أن المسيح لم يمت موتنا, وحسب رأيكم أيضا فإن الكلمة هو الذى
قام من الأموات وهو الذى نزل إلى الجحيم وهذا مضاد للتعليم الصحيح ( ظهور المسيح
المحيى فقرة 16 ص 37 ).
إن خطأ نسطور الذى أرداه فى هوة الهلاك هو اعتقاده أن موت الإنسان لا يتحقق
بموت الدم بل بخروج الروح من الجسد , وبتطبيق ذلك على ابن إلوهيم رأى أنه حتى يموت
موتنا لابد أن يتحد بإنسان مثلنا حتى بخروج الروح الإنسانية من الجسد يموت موتنا
وبعودتها إليه ترده حيا.
والواقع أن ابن إلوهيم مات موتنا بسفك دمه الخاص الذى بلا عيب ولا دنس
كفارة عن نفوسنا أى دمائنا . لكى بموته يبطل موت البشرية التى تتحول فيه إلى خليقة
روحانية أى خليقة محيية بروحه المحيى الذى هو الروح القدس. لأن إلوهيم الآب أرسل
ابنه إلى العالم لكى نحيا به أى بروحه المحيى الذى هو روح القيامة والحياة.
فالمسيح إذ هو الرب من السماء الذى نزل من أجل أن يبطل موتنا ويقيمنا من
الموت الذى كنا ممسكين منه . أي محبوسين فيه كما في سجن. إذ أخذ جسد ضعفنا
الحيوانى أي الحى بالدم القابل الموت. قدمه مختبرا به آلام الموت حتى إذا ما إلتقى
بالموت فى جسد بشريتنا أبطله بروحه المحيى. فصار بذلك أبا جديدا للبشـرية غير
المائتة التى خلصت بمقتضى رحمته بغسل الميلاد الثانى أى المعمودية التى هى موت
ودفن وقيامة مع المسيح بالجسد الروحانى الممجد الذى به نصير خليقة جديدة روحانية.
أى خليقة حية بالروح القدس المحيى.
لهذا شاركنا الذى نزل من السماء فى اللحم والدم لكى بموته على الصليب بسفك
دمه الذى بلا عيب ولا دنس يبطل موتنا إذ لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت مثلنا.
لأن روح آدم الأخير لم تكن روحا بشرية يمكن أن تمسك من الموت بل روحا محييا أى روح
القيامة والحياة.
أحكموا أنتم هل يمكن للجسد الذى صار جسدا للذى هو بالطبيعة القيامة والحياة
أن يسوده الموت لحظة واحدة.
منطقيا لم يكن ممكنا أن الذى هو القيامة والحياة يمسك من جسد الموت مثل
سائر البشر ( أعمال 2 : 24 ) لهذا فى لحظة فى طرفة عين كما تبتلع الظلمة من النور
ابتلع الموت من الحياة فصار الجسد محييا أى مقاما بالروح القدس المحيى فأبطل بموته
الموت وصار أبا جديدا للبشرية غير المائتة الروحانية أى المقامة بروحه المحيى.
من ذلك نرى أن قيامة المسيح وقيامتنا هى بروحه المحيى لا بروح إنسانية.
ويقول القمص تادرس يعقوب ملطى :
إنه قبل ظهور بدعة أبوليناريوس لم يوجد من ينكر النفس الإنسانية العاقلة
ليسوع.
وأن أثناسيوس بتركيزه على لاهوت المسيح لم يقصد به إنكار نفس المخلص
البشرية, وأن التجسد معناه أن الكلمة اتخذ إنسانا[3].
إذا كان ذلك كذلك فلماذا حرم مجمع افسس الأول تعليم نسطور القائل بروح
انسانية عاقلة فى المسيح.
ولماذ حرم مجمع أفسس الثانى تعليم ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية القائل بأن روح
المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة.
أما تعليم كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى فإن روح المسيح فيه ليست
انسانية بل ممتزجة من روحين.
فأين الروح الإنسانية فى هذه المذاهب جميعا. من الواضح أنه تم حرم القائلين
بها فى مجمعى أفسس الأول والثانى, وأما تلاشت فى الإتحاد بين الطبيعتين.
ونحن نعجب لأقوال القمص المتناقضة لأنه يقول أن أثناسيوس يركز على لاهوت
المسيح حال أنه هو نفسه ينكر لاهوت المسيح بالقول أنه لا يؤمن بطبيعة واحدة
لاهوتية للسيد المسيح وانما بطبيعة متحدة من طبيعتين ( الإصطلاحان طبيعة
وأقنوم ص26 ) فأين الطبيعة الإنسانية أو
حتى الإلهية فى الطبيعة الممتزجة من طبيعتين التى تجمع صفات الطبيعتين دون أن تكون
أيا منهم على حدة أو معا.
ثم ما معنى القول أن أثناسيوس بتركيزه
على لاهوت المسيح لم يقصد به إنكار نفس المسيح البشرية, فإن كان ذلك كذلك فما الذى
كان يعتقده اريوس؟.
لقد كان أريوس يعتقد بأن روح
المسيح انسانية وأنها أول خلق إلوهيم, خلقها إلوهيم لتكون صورة نفسه وهى صورة
روحانية لتحقيق الإحتذاء بأن يخلق البشر على صورتها كشبهها, وفى ملء الزمان أخذ
هذا الشبيه بالإله جسدا ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك1 ق 2 ف
1 ص 25 -26 ).
هذه هى عقيدة أريوس التى رفضها
أثناسيوس الرسولى وقلبلها نسطور وثيؤدورت اسقف قورش النسطورى التى أثبتها فى مؤلفه
" الجامع للطبيعتين " وهو الكتاب المنشور تحت عنوان " كمال البرهان
على حقيقة الإيمان " حال أن هذا الكتاب يثبت معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية
فى طبيعة المسيح الإنسانية المشخصة بالكلمة بقوله ما موجزه :
فعلى هذا خالطت كلمة إلوهيم جوهر الإنسان .. بروحه العاقلة الكلمانية .. فصار
كلمة إلوهيم قواما ( عقلا ) لذلك الناسوت الذى كمل جوهره بتقويم ( تشخيص ) كلمة
إلوهيم إياه.
فعلى هذا الوجه من الخلطة دبر الكلمة خلطته .. بابن مريم المولود من
العذراء .. بقوام ( عقل ) ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين ( الروحين ) كلتيهما
الإلهية .. والناسوتية ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك1 ق 3 ف 4
ص 52 -53 ).
إن معنى كلمات القمص أن المولود من مريم ليس هو الكلمة بل إنسان نظيرنا
يسمى يسوع المسيح ذى روح إنسانية عاقلة اتحد به الكلمة, وهذا معتقد نسطور القائل
بشخصين فى المسيح .
أيا كان الأمر فإن القمص بقوله هذا يعد منكرا للاهوت المسيح لأن حلول الكلمة
في إنسان يدعى يسوع المسيح لن يصيره إلها يعبد. كما لا يمكن أن يسمى الكلمة باسم
الإنسان الذى حل فيه وصيره هيكلا له. لأننا نحن أيضا هياكل إلوهيم وروح إلوهيم
يسكن فينا. فإن كان المسيح المولود من مريم إنسان مثلنا سكنه إلوهيم مثلنا , فما
الفرق بينه وبيننا .
وإن كان التجسد معناه تشخيص الكلمة لإنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية
عاقلة. فما هو التقمص؟!
ثم أين الروح الإنسانية العاقلة التى لم ينكرها أثناسيوس الرسولى حسب زعم
القمص اليعقوبى المذهب, ولماذا لا يقول صراحتا بأن أثناسيوس الرسولى كان نسطوريا
وأنه يعتقد كنسطور بأن الكلمة تأنس بالإنسان يسوع المسيح المولود من مريم.
ثم أين ذهبت الروح الإنسانية العاقلة بعد ان إئتلفت بالروح الإلهية حسب مذهبه
بحيث صارت روح المسيح الممتزجة من روحين تجمع خواص الروحين أى الطبيعتين دون أن
تكون أيا منهما على حدة أى ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا. فما هى جنسية هذه
الروح الممتزجة من روحين هل هى إلهية ( وهذا معناه أن الروح الإلهية ابتلعت الروح
الإنسانية ) أم إنسانية ( وهذا معناه أن الروح الإنسانية هى التى ابتعلت الروح
الإنسانية ) أما أنها روح ممتزجة من الروحين الإلهية والإنسانية معا ( وهذا معناه
أنها عدمت الروحين معا وتكونت روح جديدة ليست انسانية ولا إلهية ولا هما معا )
مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ( بما معناه أن الكلمة ابتلع العقل البشرى
ولاشاه ) أم مشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى ( بما معناه أن الإبنين عدما
بعضهما البعض وتكون ابن جديد ليس هو الكلمة ولا العقل البشرى ولاهما معا بل هو
حقيقة ثالثة ) أم أن هذه الطبيعة الممتزجة من طبيعتين مشخصة بعقل بشرى ( بما معناه
أن الابن البشرى هو الذى ابتلع الابن الإلهى ولاشاه ) والواقع أن جميع هذه المذاهب
باطلة نقلا وعقلا .
فإن كان أوطيخا قد حرم فى مجمع فلابيانوس النسطورى لقوله بأن روح المسيح
إلهية فحرموه لاعتقادهم بأن هذا معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية
فصار في المسيح روح واحدة إلهية وبالتالي يكون قد أنكر وجود الروح الإنسانية
العاقلة. فما بال الذى يقول بأن روح المسيح واحدة من طبيعتين تجمع صفات وخواص
الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما . ألا يعنى هذا أن هذه الطبيعة الواحدة من إثنين
لم تبتلع الطبيعة الإنسانية العاقلة بل ابتعلت الطبيعة اللاهوتية أيضا . لأن روح
الإئتلاف ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا . أى أنها روح لا جنس لها خاصة بالمسيح
حسب زعمهم.
أيا كان الأمر فإن قول القمص " أن التجسد معناه أن الكلمة اتخذ إنسانا
" مردود بالحق الكتابى المعلن بأن الكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) أى
أصبح ذى جسد باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) ولم يتخذ إنسانا
لأنه ليس إنسانا وإنما ظهر فى الهيئة كإنسان .
فالتجسد أى ظهور إلوهيم فى الجسد لا يعنى أنه اتخذ إنسانا لأن الحلول فى
إنسان ليس تجسدا ولا ولادة بل وليس تأنس حسب نسطور ( لأن التأنس هو مصاحبة خارجية
وليس حلول في إنسان ) فالحلول في إنسان نظيرنا هو حلول شركة وليس حلول تقمص .
وعليه فإن القول باتحاد الكلمة بإنسان, وبصرف النظر عن كيفيته يبطل
التدبير. لأنه إن كان المولود من مريم إنسان نظيرنا اتحد به إلوهيم الكلمة فلا
يكون الكلمة قد ولد ولا تجسد ولا يكون المسيح هو إلوهيم بل مجرد إنسان نظيرنا,
وبهذا يكونون قد أنكروا لاهوته وتجسده وولادته على كل وجه.
هذا من جهة ومن جهة أخرى إن كان الكلمة قد اتخذ إنسانا كما يزعم هذا القمص
فأين ذهبت الروح الإنسانية العاقلة. بل أين ذهبت الروح الإلهية ألم يبتلعا من
الروح الممتزجة التى تشخصت بالكلمة الذى ابتلع العقل البشرى ولاشاه وقام مقامه في
تشخيص الروح الممتزجة العادمة الجنس , وهو ما عبر عنه بقوله " طبيعة من
طبيعتين للكلمة المتجسد " إن تعبير الطبيعة من طبيعتين التى ليست إنسانية ولا
إلهية معناه أنها ابتلعت الروحين الإنسانية والإلهية معا, لهذا لم تعد إلهية ولا إنسانية
ولا هما معا.
إن القائلين بالاختلاط والإمتزاج بين الجواهر العاقلة لا يدركون أن عقل
وروح كل كائن محمول على أقنوم وجوده وجودا وعدما. فلكى يشخص الكلمة طبيعة كائن آخر
لا بد أن يولد منه. فإن قيل أن للكلمة روح واحدة من روحين. فهذا معناه امتزاج
الروحين رغم أن كل منهما منبثق من جوهر مختلف عن الآخر ومن ثم لا يمكن أن يمتزجا,
كما لا يمكن للكلمة أن يولد من جوهر ممتزج من جوهرين تكون فى الزمان فالمولود من جوهر زمنى هو زمنى,
وهذا برهان فساد مذهب أصحاب الطبيعة الممتزجة من طبيعتين والقائمة اصلا على بدع
حرمت فى مجمعى أفسس الأول والثانى, وبداهة أن ما بنى على باطل هو باطل.
إن هؤلاء الذين يتمسكون بمعتقد الطبيعة من طبيعتين لا يدركون هوة
الضلال التى حفروها لأنفسهم. لأنهم بإصرارهم على إثبات النسطورية من خلال تفسير
جديد لكيفية الإتحاد بين الطبيعتين فى شخص واحد يتقدمون إلى أردأ ضالين
ومضلين.
لأن كل من لا يعترف بكلمة الحق المعلنة تصريحيا وبوضوح تام بأن يسوع
المسيح هو صورة إلوهيم الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد. صائرا فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 8 )
فإنه يكون متكلما بروح ضد المسيح لا بروح إلوهيم لأن ليس أحد يجرد يسوع المسيح من
ربوبيته إلا إذا كان ضدا له كما هو مكتوب ليس أحد وهو يتكلم بروح إلوهيم يقول يسوع
أناثيما, وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس ( كورنثوس 12 : 3 )
فيسوع المسيح الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 ) ليس إنسان ( غلاطية 1
: 12 ) بل هو نفسه ابن إلوهيم. فمن اعترف بأن يسوع هو ابن إلوهيم. فإلوهيم يثبت
فيه وهو فى إلوهيم ( يوحنا الأولى 4 : 15 ).
مما تقدم يتضح أن التجسد لا يعنى أن إلوهيم سكن إنسانا مثلنا وإلا كان معنى
هذا أن الكلمة حقق تجسدات كثيرة لأننا نحن أيضا هياكل إلوهيم وروح إلوهيم يسكن
فينا وحيث روح إلوهيم هناك الآب والابن أيضا ( يوحنا 14 : 23 ).
أما قول القمص بأنه قبل ظهور بدعة أبوليناريوس لم يوجد من ينكر النفس
الإنسانية العاقلة ليسوع فمردود بأن أبوليناريوس هو تلميذ أثناسيوس الرسولى وحرمه
هو حرم لأثناسيوس بطريق غير مباشر لأن كلاهما أنكروا أن تكون ليسوع روح إنسانية.
لأن محور الصراع ضد الأريوسية كان يدور حول هذه النقطة بالذات ففى حين كان أريوس
بكل خديعة الإثم فى الهالكين يستخدم آيات الكتاب المقدس فى إثبات معتقده الفاسد
بأن المسيح إنسان لا إله وأنه أول خليقة إلوهيم كان أثناسيوس الرسولى وتلميذه
أبوليناريوس يفحمون الأريوسيين بإثبات أن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم
المساو لإلوهيم فى الجوهر الذى أخلى نفسه صائرا فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 8 )
وهو الذى كرسيه إلى دهر الدهور الذى نزل من السماء من أجلنا نحن البشـر ومن أجل
خلاصنا حسب قانون الإيمان الرسولى.
إن التجسد عند أثناسيوس لا يعنى أن الكلمة اتخذ إنسانا كما يزعم القمص لئلا
نصير عابدى إنسان, وفى هذا يقول أثناسيوس نفسه :
إن المسيح ابتلع الموت بقوته لأن الذى فى الجسد هو إلوهيم. فالمسيح الذى هو
إلوهيم واهب الحياة للآخرين لا ينبغى أن يسود عليه الموت وهـذا كان ممكنا أن يحدث
لو كان المسيح إنسان مثلنا كما تعتقدون أنتم بل هو بالحقيقة ابن إلوهيم لأن جميع
الناس خاضعون للموت.
ويقول أثناسيوس أيضا إن العالم إذا لم يدرك إلوهيم بالحكمة استحسن إلوهيم
أن يظهر ربوبيته بالظهور فى صورة إنسان ليجتذب الجميع إليه ولم يكن من اللائق أن
يصنع هذا بواسطة إنسان مثلنا حتى لا نصير عابدى بشر باتخاذنا الإنسان ربا لأجل ذلك
صار الكلمة نفسه جسدا ( 2 ضد الأريوسيين 15 : 16 ص 32 ).
أما نسطور فى مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا
لأثناسيوس الرسولى والذى اعتمد عليه المعترض اليعقوبى بلا فهم فيقول :
نحن لا نعبد المخلوق مع غير المخلوق أيها الناس الذين بلا إدراك لماذا
تقولون أن جسد ربنا ( أى الإنسان المتحد بإلوهيم حسب نسطور ) رغم أنه مخلوق تقدم
له العبادة على إنفراد. إننا بالحق نعبده لأن الكلمة تجسد ( أى تأنس حسب نسطور )
ولكننا لا نعبد الناسوت ( أى الإنسان ) دون اللاهوت أو اللاهوت دون الناسوت (
أى أنه يعبد إلوهيم والإنسان معا ) ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 6 ص 22 ).
ويقول أثناسيوس الرسولى:
إن لم يكن الكلمة هو الابن ( أى المسيح ) بل إنسان فكيف يمكنه أن يخلص
العالم وهو نفسه جزء من العالم ؟ ( 4 ضد الأريوسيين فقرة 20 ص 31 ).
فرد عليه نسطور فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا
لأثناسيوس قائلا :
أنتم تقولون إذا كان المسيح إنسان فهو جزء من العالم وجزء من العالم لا يستطيع
أن يخلص العالم يا للضلال والتحريف الجنونى ( ظهور المسيح المحيى فقرة 7 ص 22 ).
لذلك فإن خير رد على نسطور هو أن نأتى إليه بقول الرب القائل :
أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم فقلت لكم إنكم تموتون فى
خطاياكم. لأنكم إن لم تؤمنوا أنى أنا هو تموتون فى خطاياكم ( يوحنا 23:8-24 ).
وهذا معناه أن المسيح هو إلوهيم وليس إنسان وأنهم إن لم يؤمنوا بهذه
الحقيقة يموتون فى خطاياهم.
فالمسيح حسب الحق الكتابى هو المولود من الآب
قبل كل الدهور. الكائن دائما فى صورة أبيه. المساو لإلوهيم فى الجوهر ( فيلبى 2 :
5 ) لأنه ليس صورة الإرادة. بل هو صورة الذات الأبوية, لأن الابن صورة أبيه. من رآه فقد رأى الآب.
لهذا فهو وحده الابن الوحيد الجنس الإله الكلمة الناطق فى الأنبياء. الذى نزل من
السماء وتجسد من مريم العذراء,.
أما المسيح حسب نسطور فهو إنسان نظيرنا مولود من مريم ليس هو إلوهيم
الكلمة. لأن الكلمة حسب تصوره لا يتجسد ولا يصلب ولا يتألم فأنكر بذلك مجىء المسيح
فى الجسد مقدما عوضا عنه إنسان نظيرنا دعاه أيضا باسم المسيح ونسب إليه تدبير
الولادة والصلب والآلام والقيامة والخلاص وهذه هى ضلالته أن يقدم للبشرية مسيح آخر
إنسان مثلها مائت مثلها فينأى بها به بعيدا عن طريق الخلاص الحقيقى.
لأنه أين فى الأسفار المقدسة نجد مثل هذه الضلالات عن الإله المتأنس وعن
اتحاد أقنوم الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح, فإن كان المسيح إنسان فكيف يقال أن إلوهيم
خالق الجميع بيسوع المسيح ( أفسس 3 : 3 - 10 ) إن كان مجرد مخلوق مثلنا حسب نسطور
أو من أنصاف الآلهة النصف خالق والنصف مخلوق حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية. أو ذى
روح واحدة من الروحين بحسب الأنطاكى والبرادعى.
والواقع أن كل من يعتقد بأن المسيح إنسان مثلنا وأن له روح إنسانية
كأرواحنا هو تحت دينونة إنكار لاهوت المسيح والإزدراء بالتجسد وبدم ابن إلوهيم.
من ذلك ما وقع فيه بإظلام العقل المجرد من النعمة صاحب مؤلف كنز النفائس فى
إتحاد الكنائس بقوله :
" إن الثلاث تقديسات من البدع الفظيعة والتجديف الكريه لأنها تجعل
الثالوث قابلا للتألم لهذا شذبت الكنيسة ( أى كنيسة أصحاب الطبيعتين ) هذه
التقديسات بحذف نهايتها التى تشير إلى ولادة ابن إلوهيم وصلبه وقيامته وحكمت على
أصحاب الطبيعة الواحدة " ( " كنز النفائس فى اتحاد الكنائس " ص 93 ).
أما لماذا حذفوا النهايات فى الثلاث تقديسات فلأن القول بها معناه أن
المسيح هو إلوهيم وأن الآلام وقعت عليه لا على إنسان كما يزعمون وبالتالى يكون إلوهيم
هو الذى ولد وصلب وقام من الموت, وهو ما يضاد معتقد أصحاب الطبيعتين من أن المسيح
إنسان مثلنا وأن روحه إنسانية وأنها هى التى ذاقت الموت لا الكلمة.
والواقع أنه بصرف النظر عن الخلافات بين أصحاب الطبيعتين حول كيفية الإتحاد
بين الطبيعتين. فإن تعليم الإتحاد فى ذاته يهدم تدبير الخلاص لأن محصلته النهائية
هو إنكار لاهوت المسيح وإنكار مجيئه فى الجسد لأن المولود حسب معتقدهم ليس هو يسوع
المسيح ابن إلوهيم الوحيد بل إنسان مثلنا اتحد به ابن إلوهيم الأمر الذى يترتب
عليه إنكار تجسد ابن إلوهيم وولادته من مريم لأن الإتحاد بإنسان ليس تجسد ولا
ولادة بل حلول فى إنسان نظيرنا وبهذا يحولون سر عبادتنا إلى عبادة إنسان مثلنا
متحد بإلوهيم.
هل نحن من أصحاب الطبيعة
الواحدة أم الطبيعة من طبيعتين ؟
يقول القمص تادرس يعقوب ملطى ما موجزه :
نحن لسنا " مونوفيزيس " أى لسنا من أصحاب الطبيعة الواحـدة. لأن
هذا المصطلح الغير دقيق يجعلنا قريبين من الأوطاخية التي ننكرها.
بل نحن " ميا فيزيس
" ( الطبيعة الواحدة ) الإسكندرانية
ولكن ليس واحدا منفردا بسيطا بل واحد مؤتلف (
مركب ) من طبيعتين, ومثال
ذلك أن الإنسان واحد مؤتلف من نفس وجسد ( " الإصطلاحان طبيعة وأقنوم " ص 17 , 18 ).
والواقع أن قوله بأن الميافيزيس تعنى الطبيعة الواحدة, ولكن ليس واحدا
منفردا بسيطا بل واحدا مؤتلفا ( مركبا ) من طبيعتين.
فمردود
بأن
الواحد كما يدل معناها أنها واحدا منفردا بسيطا, والقول بغير ذلك هو تدليس وتضليل.
لأن المصطلح " من
طبيعتين " هو الذى يدل على الإمتراج وليس مصطلح " مونو " التي
تعني واحد أو وحيد ولا كلمة " ميا " التي هي مجرد أداة للتنكير أو
للدلالة علي واحد مفرد مثلها مثل حرف " a " في الإنجليزية,
وعلي ذلك فإن كلمة " ميا
"
تستخدم
قبل الكلمات المفردة للدلالة علي انها واحدة مفردة, أو للدلالة علي التنكير فالقول
" ميا فيزيس " تعني " طبيعة عاقلة " واحدة. أما في حالة
التنكير فتعني " طبيعة عاقلة " أي خاصة بأي إنسان أو حتي ملاك, اما إن
كانت معرفة ( بالألف لام كما في العربية ) فإنها تعني الطبيعة الإلهية
اما المثل الذى أتى به بأن الإنسان
واحد مركب من نفس وجسد فمردود بأن هذا معناه أن الواحد لا يصير واحدا إن اشرنا به
إلي كتاب واحد مركب من غلاف وصفحات كثيرة , وهكذا.
وواضح أن الإنسان مركب من جسد ودم وروح دون حاجة لذكر وأحد أو وحيد..
وعلى ذلك فإن المونوفيزيس أي الطبيعة الوحيدة الإلهية لا تقرب للإوطاخية
كما يزعم القمص .
لأن الذى يقرب للإوطاخية هو القول : " بطبيعة واحدة من طبيعتين "
مع تحديد جنسية هذه الطبيعة الواحدة التى من طبيعتين بأنها إلهية فيكون أنها
أبتلعت الطبيعة الإنسانية.
أما اليعاقبة فرغم قولهم " بطبيعة واحدة ( ميافيزيس ) من طبيعتين
" إلا أنهم لا يقولون بأنها إلهية ولا إنسانية ولا هما معا. لأن الطبيعة
الواحدة من الطبيعتين عندهم في حالة تنكير ( ميا ) أي أنها رغم أنها جمعت صفات وخصائص
الطبيعتين أى انها مزيج من الطبيعتين إلا أنها ليست أيا منهما على حدة أو معا , وهذا
معناه ان الطبيعتين لاشيا بعضهم بعضا بالإمتزاج ونشأت طبيعة جديدة في حالة تنكير
لا جنس لها هي الطبيعة المسماة يسوع المسيح بحسب معتقدهم.
أما قوله بأن الطبيعة الواحدة مؤتلفة أو مركبة من
طبيعتين بدون
اختلاط
ولا انفصال فهو القول بضدان لا يجتمعان معا. لأن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين
معناه امتزاج الطبيعتين فى طبيعة ثالثة جديدة لم تكن موجودة من قبل, وهم مفهوم
ضمنا من القول " من طبيعتين " حتى لو أنكر بعضهم ذلك عملا بالمثل القائل
" عنزة ولو طارت " إذ من غير المنطقى أنهم وحدهم الذين لا يدركون أن
القول بطبيعة من طبيعتين يفيد امتزاج الطبيعتين فى طبيعة جديدة سواء كانت إلهية أم
انسانية أم لا جنس لها, ومع ذلك فقد أقر بعضهم بالإمتراج مثل العلامة
اليعقوبى ابن المكين فى مؤلفه الحاوى ( الحاوى ص 44 – 45 ) وعلى ذلك فإن القول
بطبيعة واحدة من طبيعتين مع القول بان هذه الطبيعة الواحدة مركبة ومؤتلفة أى
متوافقة مع أخرى يعنى وجود طبيعتين فى الطبيعة الواحدة بما يتعارض مع القول بأنها
من طبيعتين وليس فى طبيعتين بحسب معتقد نسطور ومجمع خلقيدونية, ومن ثم فإن القول
من طبيعتين يعنى الإمتزاج ولا يعنى أن الطبيعتين قائمتين بدون اختلاط ولا امتزاج
حسب معتقد نسطور ومجمع خلقيدونية القائل " بطبيعتين " فى المسيح وليس
" من طبيعتين " ومن ثم فإن القول من طبيعتين يعنى الإمتزاج وهذا معتقد
أصحاب الطبيعة الممتزجة من طبيعتين الذى يتعارض مع معتقد نسطور ومجمع خلقيدونية
القائلين بطبيعتين فى المسيح وليس من طبيعتين, فإن لم يدرك المعترض الفرق بين
المصطلحين فهذا شأنه .
والسؤال الآن لأصحاب الطبيعة من طبيعتين عموما: ما هى جنسية الروح التى من
روحين, هل هى إلهية أم انسانية ام هما معا, أم هى طبيعة لا جنس لها خاصة بالمسيح
وحده.
والواقع أنه يكفى أن يقال انها ليست إلهية ليحسبوا فى تعداد منكرى لاهوت
المسيح ومجيئه فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).
فإن كانت الطبيعتين لم يمتزجا فى طبيعة جديدة لأن الإتحاد بدون امتزاج
فالطبيعتان قائمتان كل بعقلها الخاص وهذا معتقد نسطور الذى تم حرمه في مجمع أفسس
الأول سنة 431 ميلادية.
أيا كان الأمر فإن اليعاقبة يحلون الإئتلاف
ويعودون للثنائية النسطورية عند قولهم " أن الجحيم لم يكن يستطيع أن يحتمل
ظهور اللاهوت غير محجوب في النفس الإنسانية " ( ثيؤدورت " تجسد
ربنا يسوع المسيح " ف 17 ) وهو ذات معتقد نسطور, وليس أن الطبيعة من طبيعتين هي التي نزلت إلى الجحيم حسب
معتقد الأنطاكيين والبرادعى.
أما قول المعترض اليعقوبى بأن
النفس الإنسانية نزلت محتجبة باللاهوت إلى الجحيم, مع قوله بأن فى المسيح طبيعة واحدة
من طبيعتين, فهذا معناه أن الروح الإنسانية ابتلعت الروح الإلهية ولاشتها, وهى
بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة لأوطيخا .
والواقع أن نسبة القول بالطبيعة الواحدة من طبيعتين للكلمة المتجسد للقديس
أثناسيوس الرسولى هو قول عار تماما من
الصحة. حيث أن عقيدة الطبيعة الواحدة من طبيعتين لم ترد حتى في الكتب المزورة
المنسوبة إليه زورا . لأن هذه الكتب تثبت إما المعتقد النسطورى بطبيعتين عاقلتين,
وأما المعتقد الخلقيدونى بطبيعتين مشخصتين بالكلمة, وجميعها لا تعتنق الأنطكى أو اليعقوبى
بطبيعة من طبيعتين.
وعلى ذلك فإن الطبيعة الواحدة من طبيعتين هى من
مصطلحات المذهب الأنطاكى الذى وضعه ساويرس الأنطاكى وقبله يعقوب البرادعى, وجميعهم
من أصحاب الطبيعتين.
أما أصحاب الطبيعة الواحدة فيعتقدون " بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة
المتجسد " ما يعنى أن للمسيح روح واحدة إلهية مشخصة بالكلمة الذى ظهر فى
الجسد باشتراكه معنا فى اللحم والدم.
وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى :
أن الروح القدس يدعى روح المسيح ( رسائل
أثناسيوس عن الروح القدس الكتاب الأول فصل 11 , 31 ).
وقد حرم كيرلس فى
الحرم التاسع كل من لا يعترف بأن روح المسيح هو الروح القدس بقوله :
" كل من يقول
أن الرب الواحد يسوع المسيح قد مجد من الروح القدس بحيث استمد منه قوة
لم تكن قوته الخاصة, واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها العجائب أمام الناس, ولا
يعترف أنها كانت روحه هو
التى اجترح بها هذه الآيات الإلهية. فليكن محروما ".
لهذا نحن نؤمن بحسب الحق الكتابى بأن المسيح يسوع إذ كان فى صورة إلوهيم لم
يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا. لكنه أخلى ذاته آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس,
وإذ وجد فى الهيئة كإنسان, وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ( لذلك فإن الإخلاء
معناه أن غير المائت أخذ جسدا قابلا للموت حتى إذا ما إلتقى بالموت فى جسده الخاص
أباد الموت وأبطله بأن صار الجسد محييا بروحه المحيي, وإذ تمم القصد من إخفاء
صورة مجده بموته عنا عاد
إلى رفعة عدم الموت )
لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم ( أى اسم إلوهيم الذى أخفاه تدبيريا )
لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة مما فى السماء وما على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل
لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).
فإن كان يسوع الذى له تجثو كل ركبة مما فى السماء وما على الأرض وما تحتها
إنسان نظيرنا وليس صورة الآب بالحقيقة أفلا يصيرون عبدة إنسان.
الفصل
الثانى
ماهية
النسطورية
حتى نفهم النسطورية ينبغى أن نفهم العقائد
الأساسية التى قامت عليها والمغالطات التى تضمنتها والنتائج المنطقية المترتبة
عليها.
نقطة البدء فى تعليم المدرسة الأنطاكية التى
يمثلها نسطور هو اعتقادها بأن الإنسان مركب من جسد تحييه نفس إنسانية عاقلة وأنه
بخروج هذه النفس العاقلة منه يموت الجسد.
ورأى نسطور وفقا لتعليم مدرسة أنطاكية أن
فداء الإنسان لا يتحقق إلا إذ اتحد إلوهيم الكلمة بإنسان مثلنا بجسد تحييه روح
إنسانية عاقلة لأن هذه الأخيرة حسب تصوره تحتاج إلى الفداء كما يحتاج إليه الجسد
لأن الخطيئة حسب معتقده دنست الإنسان كله جسدا وروحا فإذا اتحد إلوهيم الكلمة بالجسد
دون النفس العاقلة يكون قد افتدى الجسد الحيوانى وحده دون الروح.
وبناء على ذلك تحتم حتى يتحقق فداء الإنسان
كله حسب نسطور أن يتحد إلوهيم الكلمة بإنسان مركب من جسد ونفس عاقلة حسب معتقده حتى
بموته على الصليب تخرج روحه الإنسانية العاقلة من جسده فيموت الجسد ويبقى فى الموت
حتى اليوم الثالث عندما تعود الروح الإنسانية إليه وتقيمه من الموت. أى أن الموت
ملك على جسد الإنسان فى القبر لمدة ثلاثة أيام حتى عادت الروح الإنسانية إليه
وأقامت جسدها المائت من الموت فقام حيا,
وهكذا صارت القيامة.
لذلك فإن عقيدة نسطور مؤسسة على أن الكلمة
لم يتجسد ولم يولد من مريم بل تأنس أى اتحد بإنسان هو يسوع المسيح المولود من مريم
من نسل داود وأنه بالإتحاد صار فى المسيح طبيعتان وشخصان مجتمعان معا فى وحدة اسم
المسيح الجامع للطبيعتان العاقلتان.
وتأسيسا على هذا الفهم الخاطىء أحدث نسطور انقساما
فى شخص المسيح ابن إلوهيم الوحيد زاعما ان اسم يسوع المسيح على حدة خاص بإنسان
نظيرنا مولود من مريم, وان اسم ابن إلوهيم على حدة يخص المولود من الآب قبل كل
الدهور.
ثم بعد أن جعل من الواحد اثنين وحتى يظهر
أنه ليس أقل جنونا من المبتدعين الذين سبقوه وحد بين الاثنين فى اسم المسيح زاعما
أنه الاسم الجامع للطبيعتين المتحدتين معا بطريقة غير مفهومة ولا مدركة.
وبهذا التعليم الكفرى أبطل نسطور التجسد
الإلهى وقلبه رأسا على عقب بأن جعله ولادة انسان مثلنا, وأفسد السر الملوكى بعدم
الاعتراف بأن يسوع المسيح ابن إلوهيم الحى هو صورة إلوهيم الآب الذى أخلى نفسه
آخذا شكل العبد من أجل خلاصنا, وأنه كمال الإعلان عن الذات الإلهية.
النسطورية
مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس الحية والروح
إن أكبر أخطاء نسطور العقائدية التى اوردته
مورد التهلكة هو اعتقاده الفاسد بأن نسمة الحياة التي نفخها إلوهيم
فى أنف آدم وصيرته نفسا حية هى روح إنسانية عاقلة هي التي تحيي الجسد وليس الدم
الذى هو نفس حية هى علة حياة الجسد الحيوانى .
فاعتقد تبعا لذلك بأن الروح والنفس واحد ( ابن
الطيب النسطورى " تفسير المشرقى للأربعة أناجيل " الجزء الأول 1908 ص 481
) وأن الروح الإنسانية العاقلة هى التى تحيى الجسد الحيوانى لا النفس الحية أو الحيوانية
التى هى الدم, وأنه بخروج النفس العاقلة من الجسد يموت وبعودتها إليه ترده حيا,
لاعتقاده الفاسد بأن النفس العاقلة هى التى تحيى الجسد مثل الدم بالنسبة للحم.
وفهم الآية " النفس التى تخطىء تموت
" بأنها الروح التى تخطىء تمـوت, ولما كانت الروح لا تموت بل النفس الحية أي
الدم. فقد فسر المقصود بالموت بأنه خروج النفس العاقلة من الجسد.
والواقع أن هذا الخطأ هو رأس الأخطاء
والأساس الذى قامت عليه بدعته التى أدت إلى سقوطه فى هوة عبادة الإنسان, وانكار
لاهوت المسيح وولادته من عذراء . إذ لابد حتى يتحد الكلمة بجسد قابل للموت حسب
معتقده أن يتخذ الكلمة جسدا تحييه روح انسانية عاقلة حتى بخروجها من الجسد يموت, وبعودتها
إليه فى اليوم الثالث ترده حيا.
إلا أن الحق المعلن كتابيا أن نفخة إلوهيم
فى أنف آدم صيرته نفسا حية أى حيا بالدم كسائر الحيوانات من ذوات الأنفس الحية (
تكوين 1 : 24 ) وأن موت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل .. كلاهما من
التراب وإلى التراب يعـود كلاهمـا ( الجامعة 3 : 19 - 20 ).
فالنفس الحيوانية أى الدم وفقا للحق الكتابى
هى علة إحياء الجسد وليس الروح الإنسانية. لأن الأجساد أما حيوانية أى حية بالدم
وأما روحانية أى محيية ( أي مقامة من الموت ) بالروح القدس.
هكذا مكتوب يوجد جسم حيوانى ( أي حيى بالدم
) ويوجد جسم روحانى ( أي مقام من الموت بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح ) .. لكن ليس الروحاني
أولا بل الحيواني ، وبعد ذلك الروحاني ( كورنثوس الأولى 15 : 44 -46 ) أى
المقام من الموت بروح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس ( رومية 8 : 2, 9 - 11 ).
من ذلك نرى أن قيامة جسد المسيح لم تكن بقوة
روح إنسانية عاقلة. بل بالروح المحيى روح المسيح ابن إلوهيم الوحيد الذى له وحده
عدم الموت الذى أبطل موتنا عندما إلتقى به فى جسده مبتلعا إياه إلى غلبة, لأن
إلوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).
أما الروح الإنسانية العاقلة فإنها تسكن
الجسد الحيوانى وتشخصه وتخضعه لإرادتها دون أن تحييه لأن حياة الجسد الحيوانى هى
بالدم لا بالروح الإنسانية.
فالروح تحكم الجسد الحيوانى وتقوده ما بقى
حيا بالدم, ولكن إن مات الدم فإن الروح تعجز عن تحريك الجسد المائت فتمسك منه أى
تحبس فيه إلى الأبد, وبهذا أى بالموت يصير الإنسان جثة عادمة الحياة إلى الأبد (
إشعياء 66 : 24 ).
فإن كان المسيح المولود من مريم مجرد إنسان
مثلنا حل فيه إلوهيم الكلمة حسب معتقد نسطور, لملك عليه الموت كما ملك على البشر
جميعا, ولا يكون قد قام من الموت بل أمسك منه كسائر البشر لأن روح الإنسان ليست
روحا محييا.
لأن إلوهيم وحده هو الذى له الروح المحيى
روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9
- 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).
فإن كان الروح القدس المحيى الذى سيحيى
أجساد الموتى ويقيمها من الموت هو روح الحياة الذى فى المسيح يسوع أليس من باب
أولى أن يحيى جسده أولا بروحه القدوس ليصير باكورة الراقدين ( كورنثوس
الثانية 4 : 14 ).
الواقع أن هذا هو ما حدث بالفعل لأن يسوع
المسـيح هو إلوهيم الكلمة بالحقيقة. لهذا فإنه وإن صلب من ضعف الجسد الحيوانى إلا
أنه كان حيا - أى جسده - بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) أى بروحـه
لأن روح المسـيح هو الروح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 46 ) ( حزقيال 37 :
14 ) ( رومية 8 : 9 - 11 ).
فالمسيح لم يخضع جسـده للموت لحظة واحدة
مترجيا عودة روح إنسانية إليه لتحييه حسب زعم أصحاب الطبيعتين بكافة مذاهبهم, بل
وهـو على الصليب ذاق موتنـا بسبب ضعف الجسد الحيوانى القابل الموت, لكنه أى الجسد
كان حيـا بقوة لاهوتـه ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) مماتا حسب الجسـد الحيوانى
بموت الدم, ولكن اى الجسد كان محييا أى مقاما من المـوت حسـب الروح ( بطرس الأولى
3 : 18 ) إذ لم يكن ممكنا أن يمسك من المـوت ( أعمـال 2 : 24 ) لأنـه وحـده الذى
له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى 6 : 16 ).
أخطاء
نسطور العقائدية المترتبة على خلطه بين النفس والروح:
الخطأ الأول : اعتقاده أن الروح
الإنسانية هى علة حياة الجسد وليس الدم
أنكر نسطور الحق الكتابى
القائل بأن الموت بالنسبة للإنسان كما للحيوان هو
بموت النفس الحية أي الدم, وأن قيامتنا ستكون بالروح القدس المحيى الذى هو
روح المسيح الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 )
اعتقادا منه أن الموت والقيامة هما بروح المسيح الإنسانية.
وفى هذا يقول
نسطور :
أنتم تقولون أن الكلمة اتخذ
جسدا بلا جوهر عقلى ( أى بلا روح إنسانية عاقلة ) وهذا يعنى أنه عند الموت انفصل
الكلمة عن الجسد ( هذا هو مفهوم نسطور عن الموت بأنه انفصال الروح عن الجسد وليس
أن الجسد يموت بموت الدم ) وأن هذا هو الموت الذى حدث .. وهذا يعنى أن المسيح لم
يمت موتنا نحن بل موتا خاص به لو انفصل اللاهـوت عن الجسد .. وحسب رأيكم أيضا فإن
الكلمة هو الذى قام من الأموات لأن القيامة يجب أن تتم بقوة معينة فإن لم تكن قد
تمت بعودة النفس للجسد المتحد بالكلمة فقد تمت بقيامة الكلمة ذاته وهو ذاته الذى
نزل إلى الجحيم حيث الأرواح قد سجنت وهذا مضاد للتعليم الصحيح ( ظهور المسيح
المحيى فقرة 16 ص 37 ).
والواقع بحسب الحق الكتابى أن
روح المسيح الذى هو الروح القدس لم ينفصل عن الجسد بموت الدم , لأن الجسد رغم أنه
مات موتنا بموت الدم لكنه أى الجسد كان محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس أى
بروح الحياة الذى فى المسيح يسوع الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا,
وبهذا أعتقنا من حكم الخطية والموت.
ويستطرد نسطور قائلا :
إن الروح الإنسانية هى التى اضطربت فى يسوع
وكانت هى التى فارقت الجسد وهو معلق على الصليب وهنا مات الجسد وانفصلت النفس عنه
بينما كان إلوهيم الكلمة متحدا بالجسد والنفس .. وهكذا بروحنا التى صارت روحه (
لأنه احتجب وتأنس بها ) اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من
الهاوية وتتحد بجسده فى القبر وبذلك يبيد الموت بالموت .. أما أنتم الذين تؤمنون
بجسد بلا نفس إنسانية عاقلة فتعجزون عن فهم الخطية والموت والقيامة .. لأنه بدون
النفس الإنسانية لا يمكن أن نتكلم عن التدبير ( أى الولادة وموت الصليب والقيامة )
( ظهور المسيح المحيى فقرة 17 ص 38 , 39 ).
واستطرد نسطور مهاجما تعاليم القديس كيرلس التى
ارسلها إليه شارحا الحق الكتابى باستقامة ليرده عن ضلال طريقه قائلا :
كيف تستطيع يا من تدعى التمسك والاعتراف
بالوحدة الجوهرية بين الآب والابن أن تهين اسمه بأن تنسب إليه الآلام وتقول أن
اللاهوت قام حيا وتنسب الآلام والقيامة إلى إلوهيم الكلمة .. وإذا كنت لا تؤمن بأن
الكلمة تألم لأنه تأنس ( أى احتجب بروح انسانية عاقلة وتأنس بها ) وغير متألم لأنه
إلوهيم وضيقنا عليك القول ستجيبنا بأنك لو اعترفت مثلنا بأن المسيح إله وإنسان فإن
هذا يعنى أنه ليس واحد بل اثنين فإن جوابنا على قولك هذا أنك تتبع الهراطقة الذين
يقولون أن لاهوت الكلمة تألم ( ظهور المسيح المحيى فقرة 12 ص 30 ).
فلماذا تكتب وتدعى بأن إلوهيم تألم وقام
بالجسد ( ينسب نسطور القيامة والآلام للإنسان الذى تأنس به الكلمة ) ولو أن إلوهيم
الكلمة تألم وقام بالجسد فإن هذا يعنى أن الآب والروح القدس تألموا لأن جوهر
اللاهوت واحد ( ظهور المسيح المحيى فقرة 13 ص 31 ).
لذلك فمن الواضح أنك أسأت فهم ما قرأته فى
الأسفار وكتابات الآباء إذ اعتقدت أن الكلمة الذى من إلوهيم الآب يمكن أن يتألم.
دقق فى أقوالهم وستجد أن خورس الآباء لم يقولوا أن إلوهيم الكلمة يمكن أن يتألم
ولا أن اللاهوت الأزلى مع الآب قد ولد حديثا ولا أن اللاهوت قام من الأموات
عند إقامة هيكله المنقوض ( الرسالة رقم 4 : 4 , 5 , 6 ) ( الرسالة
رقم 5 : 3 ص 32 ).
انكر النساطرة ولادة الكلمة وصلبه وقيامته
بنسبتها للإنسان يسوع المسيح الذى احتجب الكلمة بروحه الإنسانية وتأنس بها بقولهم أن الروح
الإنسانية فارقت الجسد فمات. بينما ظل الكلمة - محيى الكل - متحدا بالجسد المائت
فى القبر إلى اليوم الثالث - عاجزا عن إحياءه - حتى عادت إليه الروح الإنسانية
وأحيته, وهكذا صارت قيامة الجسد المتحد بالكلمة من الموت بروح إنسانية ( ظهور
المسيح المحيى لنسطور ف 14 و15 ).
مما تقدم يتضح أن عقيدة نسطور قائمة على
أساس الخلط بين النفس والروح واعتقاده أن النفس تحيى الجسد كما يحيى الدم اللحم.
الخطأ الثانى : اعتقاده بأن قيامة المسيح كانت بروح إنسانية
ثااث أخطاء نسطور المترتبة على خلطه بين
النفس الحية الكائنة فى الدم التى هى علة حياة الجسد الحيوانى وبين الروح
الإنسانية العاقلة هو اعتقاده بأن قيامة المسيح كانت بروح إنسانية وليس بالروح
القدس. لاعتقاده بأن الجسد يحيا بالروح الإنسانية وليس بالدم الذى هو حياة متنفسة
, وأن هذه الروح الإنسانية هى التى ولدت من مريم وهى التى تألمت وصلبت وماتت
بمفارقة جسدها الذى كان إلوهيم متحدا به فى القبر حتى اليوم الثالث عندما عادت إلى
جسدها واحيته فكانت القيامة.
أى أن الروح الإنسانية هى التى أحيت الجسد
الذى كان إلوهيم متحدا به فى القبر فى اليوم الثالث وهى التى نزلت إلى أقسام الأرض
السفلى لأن روح الكلمة كان محتجبا بها, وليس أن الذى نزل هو الروح القدس المحيى
الذى هو روح المسيح الذى أبطل موت الجسد بمجرد أن التقى به فى جسده على الصليب.
والواقع أن روح المسيح إلهية لا إنسانية.
لهذا قيل إذ صعـد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا وأما أنه صعد فما هو إلا
لأنه نزل أيضا أولا إلى أقسـام الأرض السفلى. الذى نزل هو الذى صعد أيضا فوق جميع
السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 8 - 10 ).
وبداهة أنه إن كانت روح المسيح إنسانية فلا
يقال عنها أن الذى نزل هو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل.
ثم ما الذى يفيده الراقدون فى القبور من
نزول روح إنسانية إليهم ألعلها تقـدر أن تقيمهم من الموت؟ إن كان لها هذه القدرة
فستكون للخليقة كلها أيضا ذات القدرة وبالتالى لن تكون فى احتياج إلى إلوهيم
بالمرة ( شرح إنجيل يوحنا 1 : 6 ص 69 ).
أفيقوا أيها السكارى وآمنوا بالإنجيل بأن
الذى نزل هو روح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس غير المحدود الذى أقام من قبل
صليبه الكثير من أجساد الراقدين وأخرجهم من قبورهم وأدخلهم المدينة المقدسة
أورشليم السمائية بعد أن أبطل موتنا على الصليب بأن جعل جسده المائت محييا أى
مقاما من الموت بروحه المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( متى 27 : 51 - 53 )
صائرا بكرا من الأموات بالجسد الروحانى الممجد أى المحيى بالروح القدس.
وفى هذا يقول بطرس الرسول :
أن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا
البار من أجل الأثمة لكى يقربنا إلى إلوهيم مماتا فى الجسد ولكن محيى فى الروح
الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن ( بطرس الأولى 3 : 18 - 19 ).
هذا التحول من الجسد الحيوانى الحى بالدم
إلى الجسد الروحانى المحيى بالروح القدس أوضحه بولس الرسول بقوله :
يوجد جسم حيوانى ويوجد جسم روحانى هكذا
مكتوب أيضا صار آدم الإنسان الأول نفسا حية ( أى حيا بالدم )
وآدم الأخير روحا محييا
( أى مقاما بالروح القدس المحيى ) ولكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى وبعد ذلك
الروحانى .. هو ذا سر أقوله لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير
فى لحظة فى طرفة عين
عند البوق الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن
نتغير
لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت ومتى لبس هذا
الفاسد عدم فساد ولبس هـذا المائت عـدم موت حينئذ تصير الكلمـة المكتوبة
ابتلع المـوت إلى غلبـة
( كورنثوس الأولى 15 : 42 - 54 ).
هذا التحول أو التغير من الجسد الحيوانى
المائت إلى الجسد الروحانى غير المائت هو ما حدث على الصليب
فبمجرد موت دم المسيح على الصليب صار جسده مقاما بالروح القدس المحيى الذى
هو روح المسيح وبهذا صـار المسيح بكرا بالقيامة من الأموات بالجسد الروحانى
الممجد.
وفى اليوم الأخير فى لحظة الاختطاف سيقام
الأموات عديمى فساد ونحن الأحياء نتغير مماتين فى الجسد بموت الدم ولكن مقامين من
الموت بالروح القـدس المحيى على مثال ما حدث على الصليب مع الفارق أننا نأخذ الروح
المحيى كنعمة أما فى المسيح فالروح المحيى هو روحه الذاتى.
لذلك قال بطرس الرسول أن المسيح تألم ..
مماتا فى الجسد ( أى بحسب الدم باعتباره مكون جسدى ) ولكن محيى ( أى مقام من الموت
) بالروح الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن.
من ذلك يتضح فساد معتقد نسطور القائل بأن
روح إنسانية هى التى أحيت جسد المسيح بعودتها إليه فى اليوم الثالث إذ الواضح أن
روح المسيح لم تكن إنسانية بل إلهية محيية غير محدودة. لأنه من ذا الذى يقدر أن
يبطل موت جسده الخاص على الصليب بروحه المحيى وفى نفس الوقت يسبى الجحيم ويقيم
أمواتا ويملأ الكل بذات الروح إلا روح إلوهيم القدوس.
فضلا عن أن القول بأن روح إنسانية هى التى
أحيت المسيح يكشف عن ذهن عاطل عن إدراك أبسط المسلمات البديهية وهى أنه إن كانت
أرواحنا محيية أى قادرة على أن تهب جسدها الحياة وعدم الموت فلماذا نموت ؟ وإن
كانت أرواحنا محييـة فما حاجتنا للروح القدس المحيى؟
الوحيد الذى له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى
6 : 16 ) أى الذى لا يمكن أن يمسك من الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) ( كورنثوس
الثانية 13: 4 ) هو المسيح الذى بروح محيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أزلى (
العبرانيين 9 : 14 ) أبطل موت جسده ليصير باكورة الراقدين ونزل من قبل الصليب إلى
أقسام الأرض السـفلى ( بطرس الأولى 3 : 18 - 19 ) الذى نزل هو الذى صعد أيضا
فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 9 - 10 ).
من ذلك نرى بطلان القول بأن روح إنسانية هى
التى أحيت جسد المسيح لأنه إن كان الروح القدس الذى هو روح المسيح هو الذى سيحيى
أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا فمن باب أولى أن يحيى جسده الخاص أولا ليكون
باكورة الراقدين.
لأن قيامتنا كما يقول بولس الرسول هى بالروح
القدس بقوله :
أما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح إن كان
روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أى روح إلوهيم
الكلمـة ) فذلك ليس له, وإن كان المسيح فيكم ( بروحه المحيى ) فالجسد ميت بسبب
الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر وإن كان روح الذى أقـام المسـيح من الأموات
ساكنا فيكم. فالذى أقام المسيح من الأموات سيحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن
فيكم ( رومية 8 : 9 - 11 ).
فمن هى الروح التى أقامت المسيح ابن إلوهيم
من الأموات هل هى روح إنسانية أم الروح القدس ؟
ثم إن كان للمسيح روح إنسانية قادرة على
إحياء جسدها وإقامته من الموت فستكون
لأرواحنا أيضا ذات القـدرة على إقامـة أجسـادنا من الموت فما حاجتـه أو حاجتنا
إذن لروح إلوهيم.
الخطأ الثالث : اعتقاده بأن الفداء
لا يتحقق إلا باتحاد الكلمة بإنسان
ترتب على عدم تمييز نسطور بين النفس
الحيوانية التى فى الدم والروح الإنسانية العاقلة أن اعتقد بأن فداء الإنسان لا
يتحقق إلا باتحاد الكلمة بإنسان نظيرنا بجسد ذى روح إنسانية عاقلة لأن هذه الأخيرة
حسب معتقده تحتاج إلى الفداء لأنها أخطأت فكريا ولسبب ذلك ملك عليها الموت. لذلك
أخذ إلوهيم الكلمة روحا إنسانية ليفتدى بها أرواح البشر التى أخطأت ( تجسد
ربنا يسوع المسيح ف 19 ص 43 - 44 ).
وبالتالى فإن الروح تحتاج لذات التجديد الذى
يحتاجه الجسد لأن الخطية دنست الإنسان كله جسدا وروحا فإذا اتحد إلوهيم الكلمة
بالجسد وحده دون النفس العاقلة يكون قد افتدى الجسد وحده دون الروح.
والواقع أن الروح الإنسانية العاقلة لو كانت
حسب نسطور هى علة حياة الجسد وليس الدم وصدر ضدها حكم الموت الأبدى فإن الروح لا
تموت لأن الموت بالنسبة للروح معناه فناءها , وقد خلقها إلوهيم غير فانية وغير
مائتة.
فكيف يكون إلوهيم صادقا وأمينا من جهة حكم
الموت إن أصدر حكم الموت ضد غير مائت وغير فانى.
الواقع أن حكم الموت الأبدى لم يصدر ضد
الروح وإنما ضد النفس الحية أى الدم لأن الحكم هو " النفس التى تخطىء هى تموت
.. دمه يكون على نفسه " ( حزقيال 18
: 4 , 13 ).
لهذا أيضا أعطانا إياه على المذبح للتكفير عن
نفوسنا ( أي دمائنا ) لأن الدم يكفر عن النفس ( لاويين 17 : 11 ) لأن نفس كل جسد
دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 11 ) لهذا قيل : بدون سفك دم لا تحصل مغفرة وليس بدون
فناء الروح لا تحصل مغفرة .
وأيضا كون الخطية فى الدم وهى مكون جسدى هو
علة حياة الجسد لهذا فقد اخذ المسيح شبه جسد الخطية . أى انه لم يأخذ جسد الخطية
مثلنا ولكن شبه جسد الخطية لأنه ولد بدون زرع بشر لهذا لم يرث دم الخطية المورث من
خلال زرع الرجل الذى به تحبل المرأة بزرع كما هو مكتوب بالخطية ( أى بزرع الرجل
المدنس بالخطية وشوكة الموت ) حبلت بى أمى؟
فالدم هو علة حياة الجسد الحيوانى الذى
بموته يستوفى العدل الإلهى حقه من جهة حكم الموت, وبموت الجسد تعجز الروح عن
تحريكه أو إحياءه فتمسك فيه كما فى حبس إلى الأبد.
وهكذا بموت النفس الحية أى الدم ملك الموت
على جسد كل الذين ولدوا من دم آدم الإنسان الأول الذى توارثوه أبا عن جد من خلال
زرع الرجل.
لهذا نزل المسيح آدم الأخير من السماء
واشترك معنا فى اللحم والدم لكى بدم صليبه يكفر عن دمائنا بسفك دمه عوضا عنا مبطلا
موتنا بقوة حياة جديدة ليس من دم يموت بل مما لا يموت بالروح القدس المحيى الذى
يقوم مقام الدم المائت فى إحياء الجسد وإقامته من الموت.
وهكذا بموت المسيح وقيامته صار رأسا جديدا
للبشرية المقامة بروحه المحيى.
مما تقدم يتضح أن الدم يكفر عن الدم لا عن
الروح فضلا عن أن البشرية كلها تشترك فى دم واحد هو دم آدم. أما أرواح البشر
فمتعددة والتكفير عنها جدلا يتطلب تجسدات كثيرة بحسب عددهـا بلا طائل لأن محصلتها
فناء الروح الخاطئة والروح التى تكفر عنها نقول هـذا جدلا لأن الروح الإنسانية
خالدة لا تفنى ولا تموت وإنما هى تأخذ عقوبتها باتحادها بجسد الموت ممسكة منه كما
فى حبس إلى الأبد.
فضلا عن أن الروح الإنسانية طاهرة لأنها خلق
جديد لأن إلوهيم هو الذى يخلق روح الإنسان فى داخله.
والواقع أن ما يحتاج إلى الكفارة هو الدم
المدنس بالخطية الذى نرثه أبا عن جد لأنه صنع من دم واحـد كل أمة من الناس يسكنون
على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ).
هذا الدم الذى هو علة حياة الجسد الحيوانى
هو الذى نشترك فيه جميعا والذى بموته نمسك من جسد الموت الأمر الذى من أجله نئن
صارخين من ينقذنا من جسد الموت هذا ؟
من ذلك نرى أن النفس الحية أى الدم لا الروح
الإنسانية هى التى تدنست بالخطية وشوكة الموت التى انتقلت للدم نتيجة الأكل من
الثمرة المحرمة فدنسته وجعلته مستنزفا حتى الموت.
لذلك ولد المسيح بدون زرع بشر حتى لا يرث
دم الخطية المدنس بشوكة الموت.
من ذلك يتضح أن الجسد وحده هو الذى كان فى
احتياج إلى حياة جديدة تبطل موته وتحييه عوضا عن الدم المائت.
لذلك فإن غاية الفداء هى إبطال موت البشر
بإقامة أجسادهم من الموت وردهم إلى الفردوس.
ولما كانت أرواح البشر جميعا تشترك فى هذا
الجسد الذى صار بسبب الخطية تحت حكم الموت الأبدى. لذلك كان هذا الجسد وحده هو
الذى فى احتياج للفداء والقيامة من الموت بالروح القدس المحيى.
لذلك كما يقول الكتاب إذ قد تشارك الأولاد فى
اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما إنما بلا خطية لكونه الوحيد الذى ولد بدون
زرع بشر لهذا لم يرث دم الخطية المحمول على زرع الرجل. لهذا صار دم المسـيح هـو
الدم الوحيد الذى بلا عيب ولا دنس ليكفر به عن دم آدم الذى يسرى فى أجسـاد
جميع البشر وهو ما تحقق على الصليب.
إلا أن الموت عندما إلتقى بجسد الرب ابتلع
أى تلاشى إذ لم يكن ممكنا لروح الرب أن تقبض من جسد الموت مثل أرواحنا. لذلك
فبمجرد موت النفس الحية أى الدم أبطل الرب الموت بروحه المحيى الذى قام مقام الدم
فى إحياء جسده الخاص.
وبهذا صار المسيح بالقيامة من الأموات
بالجسد الروحانى الممجد باكورة الخليقة الجديدة الروحانية أى الخليقة المقامة
بالروح القدس المحيى. لأن لحما ودما لا يرثا ملكوت إلوهيم.
الخطأ
الرابع :
تقسيمه المسيح ابن إلوهيم إلى شخصين
ثانى
أخطاء نسطور المترتبة على خلطه بين النفس الحية التى هى علة حياة الجسد
الحيوانى وبين الروح الإنسانية العاقلة هو اعتقاده أن الكلمة حل فى روح المسيح
الإنسانية واحتجب وتأنس بها, وبهذا صار فى روح المسيح الإنسانية عقلان وشخصان
اتحدا معا فى وحدة اسم يسوع المسيح.
وزعم نسطور أن اسم يسوع المسيح على حدة خاص
بالإنسان المولود من مريم, واسم ابن إلوهيم على حدة خاص بالمولود من الآب قبل كل
الدهور. ثم بعد أن جعل من المسيح شخصان أحدهما إنسان والآخر إله كل قائم بذاته, قال
باتحادهما معا فى وحدة اسم المسيح معلما بمسيح واحد بطبيعتين عاقلتين. بالمخالفة
للحق الكتابى بأن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد (
فيلبى 2 : 5 - 8 ).
فإن كان المسيح حسب نسطور إنسان نظيرنا فلا
يكون هو صورة إلوهيم ولا يكون قد تجسد ما يعد إنكارا للاهوته ومجيئه فى الجسد.
وقد ترتب على تقسيم المسيح إلى شخصين ما
يلى:
أولا : اعتقاده بأن يسوع المسيح ليس هو صورة إلوهيم بل
انسان
ترتب على هذا
التقسيم اعتقاد نسطور بأن يسوع المسيح ليس هو صورة إلوهيم الذى أخلى نفسه آخذا
صورة العبد ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) معلما بخلاف الحق الكتابى بأن المسيح هو نفسه
العبد الذى اتحد به الكلمة, وأنه أى الكلمة باعتباره آخر غير المسيح هو الذى أخلى
نفسه باتخاذه عبدا يدعى يسوع المسيح.
وهكذا ووفقا
لتعليم نسطور جرد يسوع المسيح من لاهوته وصورته الإلهية معلما بأنه إنسان نظيرنا
مولود من مريم كرمه ابن إلوهيم بالإتحاد به من الرحم بأن أشركه معه فى كرامة
البنوة والربوبية واشترك هو فى وحدة اسم المسيح الإنسان.
وبهذا رفض نسطور صورة التعليم الصحيح بأن
المسيح ابن إلوهيم هو صـورة الآب الحقيقية الذى نزل من السماء من أجل خلاصنا, وأنه
هـو لا إنسان الذى ولد من مريم, وأن اسم يسوع هو اسم إلوهيم الحقيقى الذى أخفاه
تدبيريا من أجل خلاصنا وأظهر فى العهـد الجديد لإنـارة الجميع لمعرفة مجد إلوهيم
فى وجه يسوع المسيح ( كورنثوس الثانية 4 : 6 ).
ثانيا
: اعتقاده بأن الكلمة لم يتجسد ولم
يولد من مريم بل تأنس
ترتب أيضا على تقسيم المسيح إلى شخصين
اعتقاد نسطور بأن الكلمة ليس هو يسوع المسيح بل آخر غيره, وبناء على هذه الضلالة
نادى بأن الكلمة لم يتجسد ولم يولد من مريم بل تأنس أى اتحد بالإنسان يسوع
المسيح المولود من مريم, وبهذا أبطل تدبير
الخلاص وأفرغه من مضمونه بإبطال تجسد الكلمة وولادته من مريم. لأن اتحاد الكلمة
بإنسان نظيرنا ليس تجسدا ولا ولادة ولا يسمى كذلك.
الخطأ
الخامس : سقوطه فى عبادة إنسان
رابع أخطاء نسطور المترتبة على خلطه بين
النفس الحية والروح الإنسانية العاقلة هو سقوطه فى عبادة إنسان وذلك لاعتقاده
الفاسد بأن الجسد لا يحيا إلا بروح انسانية عاقلة لهذا حتى يتحد الكلمة بجسد قابل
للموت, كان لا بد أن يسكن روح المسيح الإنسانية بحيث يصيرها روحه الخاصة وبهذا
احتجب الكلمة بروح المسيح الإنسانية وتأنس بها , وبهذا لم يعد المسيح هو الكلمة
حسب نسطور بل روح انسانية عاقلة هى التى ولدت بعد أن تأنس بها الكلمة. الأمر الذى
ترتب عليه إنكاره لاهوت المسيح لاعتقاده الفاسد بأن المولود من مريم هو إنسان
نظيرنا تأنس به إلوهيم الكلمة.
وبهذا صارت العبادة تقدم لروح المسيح
الإنسانية العاقلة التى تأنس بها الكلمة .
لأنه إن كان المولود من مريم إنسان مثلنا
فإن اتحاده بالكلمـة لن يغير طبيعته ويحولها إلى إله يعبد, ولسنا فى حاجة إلى أن
نثبت ذلك لأنهم هم أنفسهم يعترفون بذلك بقولهم أن الإتحاد لم يبطل إختلاف
الطبيعتان.
أى أن هناك طبيعتين وشخصين كل قائم بذاته وكل
يتقبل العبادة بسبب الإتحاد المزعوم.
والواقع أن النسطورية
بتقديمها إنسان نظيرنا يسمى يسوع المسيح للعبادة إنما تكرز بيسوع آخر غير الذى كرز
به الرسل (
كورنثـوس الثانية 11 : 3 - 4 ).
والواقع أن نسطور رغم إقراره بأن إلوهيم
الكلمة اتحد بإنسان مولود من مريم وإقراره بأن الإتحاد لم يبطل اختلاف الطبيعتان
وأن الإتحـاد هـو بـدون اختـلاط ولا امتزاج ولا تغيير. نجده يسعى باطلا
ليقنعنا بأن شخص المسيح واحد وأنه غير ساقط فى عبادة إنسان رفعه لدرجة الربوبية
والمساواة مع إلوهيم بسبب الإتحاد المزعوم الذى لا يعدو أن يكون مجرد شركة أو حلول
فى إنسان نظيرنا بقوله :
نحن لا نعبد غير المخلوق مع الخالق أيها
الناس الذين بلا إدراك لماذا تقولون أن ناسوت ربنا ( أى الإنسان الذى اتحد به إلوهيم
الكلمة ) تقدم له العبادة على إنفراد. لقد اتحد إلوهيم بالإنسان وصار معه واحدا
لذلك نحن نعبد الإله المتأنس ولا نعبد إلوهيم بمفرده ولا الإنسان بمفرده ( تجسد
ربنا يسوع المسيح ف 6 ص 22 ).
والواقع أن نسطور بقوله نحن لا نعبد إلوهيم
بمفرده ولا الإنسان بمفرده قد أقر ضمنا بأنه يعبد إلوهيم مع الإنسان مسجلا على
نفسه أمام السماء والأرض الوقوع فى جريمة عبادة الإنسان ( الرسالة رقم 55 : 7 ص 29
) أى الجسد ذى النفس الإنسانية العاقلة مخالفا بذلك وصايا الرب القائل " لا
تكن لك آلهة أخرى أمامى " وأيضا " للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد "
وأيضا : أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر, وأيضا : كرامتي لا أعطيها لآخر ( اشعياء 48 : 11 ).
الفصل
الثالث
مجمع
أفسس الأول سنة 431 للميلاد
نادى نسطور بأن العذراء ولدت انسان مثلنا من
نسل داود يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بها, ليقدمه للآلام والصلب والموت والقيامة.
فصار بقوله هذا منكرا للاهوت المسيح وتجسده
وولادته من مريم. لأن القول بالتأنس والإتحاد بإنسان لا يسمى تجسدا ولا ولادة بل
حلول فى إنسان نظيرنا بصرف النظر عن كيفيته.
ورأى نسطور أنه رغم أن الطبيعتين أى الروحين
اللاهوتية والناسوتية المتحدتان معا مختلفتان فإنه يوجد مسيح واحد من الاثنين لأن
أعمال الواحد تنسب للآخر بسبب إتحاده الإنسان مع الكلمة فى كرامة البنوة والربوبية
, واتحاد الكلمة مع الإنسان فى وحدة الإسم لهذا فإن الإتحاد هو بدون اختلاط ولا
امتزاج ولا تغيير.
وإذ رأى نسطور أن الثلاث تقديسات التى
ترتلها الكنيسة فى صلواتها تضاد معتقده وتظهر فساده مثبتة الإيمان المستقيم بأن
المسيح هو القدوس ابن إلوهيم الحى الذى لا يموت الذى ولد وصلب وقام من
الأموات لا إنسان أمر باستقطاع الجزء الأخير منها.
فلما بلغت أنباء تلك البدعة الوخيمة مسامع
القديس العظيم كيرلس عمود الدين بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ورأى أن
رأس البدعة جالسا على كرسى القسطنطينية الرسولى ينفث سموم بدعته ضد لاهوت المسيح
والعقائد المقدسة مستغلا فى ذلك منصبه انتهز فرصة عيد القيامة المجيدة عام 428
ميلادية وكتب يفند تلك البدعة مظهرا فسادها ومضادتها للحق الكتابى والتقليد
الآبائى فى رسالة العيد التى يرسلها الكرسى المرقسى إلى جميع كنائس المسكونة مثبتا
فيها أن
مريم لم تلد إنسانا بل ابن إلوهيم لذلك هى حقا أم الرب وأم إلوهيم.
وإذ لم تفلح تلك الرسالة فى رد نسطور عن وخيم
معتقده أرسل إليه كيرلس العديد من الرسائل المتضمنة صورة التعليم الصحيح عله يرده
عن ضلال طريقه دون جدوى. لأن هذا المبتدع الذى لم يستطع أن يقبل إلى معرفة الحق
أبدا. وإذ أصر على عناده بدأ يكتب ردودا على كتابات القديس كيرلس طافحة بآيات كفره
وإنكاره لاهوت المسيح وتجسد الكلمة وولادته من مريم مثبتا على نفسه وقوعه فى شنيعة
عبادة إنسان بروح انسانية عاقلة دعاه باسم المسيح مستبدلا به المسيح الحقيقى الذى
هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره*-.
عندئذ وضع كيرلس إثنى عشر حرما تثبت المعتقد
الأرثوذكسى المضاد للنسطورية وعقد مجمعا بالإسكندرية عرض فيه حروماته الإثنى عشر
ضد هرطقة نسطور فصدق المجمع عليها.
فأرسل كيرلس حروماته إلى نسطور ليوقع
عليها لإثبات معتقده الأرثوذكسى فأبى.
نتج عن بدعة نسطور أن انقسمت الكنيسة إلى
قسمين القسم الأرثوذكسى ويضم كنائس الإسكندرية وأورشليم وروما , والقسم النسطورى
ويضم كنيستى القسطنطينية وأنطاكية.
فلما رأى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير خطورة
الحالة على كيان الكنيسة والدولة رأى ضرورة عقد مجمع مسكونى فى أفسس خوفا من
استفحال الأمر وانقسام الكنيسة فى عهده فأرسل إلى بطاركة المسكونة يدعوهم لحضور
المجمع الذى حدد لإفتتاحه يوم عيد حلول الروح القدس عام 431 للميلاد.
فحضر إلى أفسس القديس كيرلس عمود الدين
يصحبه الأنبا شنوده رئيس المتوحدين والأنبا بقطر السوهاجى رئيس دير فاو وخمسون
أسقفا مصريا وجوفيناليوس أسقف أورشليم فاستقبلهم ممنون أسقف أفسس كما حضره اوطيخا
صديق القديس كيرلس.
ومن الجانب الآخر حضر نسطور أسقف
القسطنطينية إلى أفسس وبصحبته أربعون أسقفا.
أما يوحنا أسقف أنطاكية النسطورى ومرافقيه
وعددهم اثنان وثلاثون أسقفا فقد تخلفوا عن الحضور, كما تخلف عن الحضور نواب
كليستين أسقف روما الذى اعتذر عن الحضور لكبر سنه .
فاضطر الأساقفة المجتمعين فى أفسس إلى
تأخير عقد المجمع ستة عشر يوما أصدر بعدها الإمبراطور أمره بوجوب عقد المجمع دون
إبطاء.
وعليه رأى المجتمعون فى أفسس وجوب عدم
تأخير إنعقاد المجمع أكثر من ذلك وعليه إلتئم المجمع فى الموعد الذى حدده
الإمبراطور رغم اعتراض نسطور الذى قرر الإمتناع عن حضور المجمع إلا بعد وصول يوحنا
الأنطاكى وأساقفته.
فعقد المجمع أولى جلساته فى 22 يونيو سنة
431 ميلادية بكنيسة السيدة العذراء الكبرى بأفسس بحضور أكثر من مائتى أسقف وتم
انتخاب كيرلس عمود الدين رئيسا للمجمع.
فأرسل المجمع ثلاثة أساقفة إلى نسطور
يدعونه للحضور ثلاث دفعات فامتنع وأرسل للمجمع رسالة موقعة منه ومن بعض أساقفته
بأنهم لن يحضروا المجمع إلا بعد وصول يوحنا الأنطاكى وأساقفته الذى أوفد بعضهم
للمجمع ليقولوا أنه إذا تأخر فلهم أن يفعلوا ما هم فاعلون ( الرسالة رقم 23 : 3 ص 84 ).
بدأ المجمع اجتماعه بكلمة افتتاحية لكيرلس
موجزها :
اليوم تخزى كل بدعة نجسة ويرتفع شأن الإيمان
القويم .. من سمع بمثل هذه الأمور المرعبة المخيفة ؟ أن المسيح الذى أعلنه لنا
الأنبياء والرسل إلها لنا يدعوه الآن إنسانا ووالدة الإله يسميها والدة الإنسان
ولا يخجل.
إن يهود اليوم قد منحهم هـذا المجدف دالة
عند إلوهيم بقوله لهم " إنكم صلبتم إنسانا وليس إلها ".
وعندما قارعه بولس الرسول بأن صورة إلوهيم
غير المنظور وبهاء مجده هو الذى ولد من العذراء حسب قول رئيس الملائكة: السلام لك
أيتها المنعم عليها الرب معك .. الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك
المولود منك قدوس وابن إلوهيم العلى يدعى.
الأمر الذى أعلنه أيضا إشعياء النبى قائلا
" هـا أن العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل " الذى تفسيره إلوهيم
معنا.
فإن كنت أيها المبتدع لا تصدق الرسل
والأنبياء وجبرائيل رئيس الملائكة فتمثل على الأقل بالشياطين التى تشبهك تلك التى
ارتاعت من قوته فصرخت قائلة ما لنا ولك يا يسوع ابن إلوهيم أتيت إلى هنا قبل الوقت
لتعذبنا ( متى 8 : 29 ).
وهـا أنت الذى أتيت قبل الوقت لأنه كان يجب
أن يأتى المـسيح الدجال أولا ولكنك أسرعت تتقدمه لتخلف للمسكونة عقيدة وخيمة فاسدة
ولكنك وجدتنا بالمرصاد لبدعتك المجدفة النكراء محاولين انتشالك من سقطتك برسائلنا
فإذ بك تفتخر بجنونك المطبق متكلا على كثرة غناك وأسلحة البطلان[4].
ثم بدأ المجتمعين مناقشة تعاليم نسطور
ورسائل كيرلس وحروماته الإثنى عشر وردود نسطورعليها واستمر المجمع فى جلسته الأولى
إلى المساء وأصدر حكمـه ضد نسطور وجاء فيه :
حيث أن نسطور رفض دعوتنا إليه لحضور المجمع
فإنه لم يمكننا أن نتأخر عن فحص تعاليمه الآثمة وبما أننا قد تحققنا من رسائله
وأقواله قبل افتتاح المجمع ما يثبت معتقده الأثيم. لهذا رأينا وفقا للقوانين
المقدسة أن نبرز الحكم ضده بتجريده من درجته الأسقفية والخدمة الكهنوتية.
ووقع المجمع على الحكم وتم إعلان نسطور به.
وأثبت المجمع التعليم الأرثوذكسى بأن يسوع
المسيح المولود من مريم العذراء هو إلوهيم لا إنسان وأوقع الحرم على كل من يعلم
خلاف هذا التعليم بالقول بالتأنس أى باتحاد الكلمة بإنسان مولود من مريم يدعى يسوع
المسيح.
بعد ذلك وصل نواب كليستين أسقف روما ويوحنا
أسقف أنطاكية وفى صحبته ثيؤدورت أسقف قورش.
ثم فى 27 يونيو عقد المجمع المسكونى ثانى
جلساته وحضرها مندوبا الأسقف الرومانى إلا أن الأنطاكى إمتنع مع أساقفته عن حضور
المجمع. بعد أن تبينوا أن كل أعضاءه على معتقد كيرلس المضاد لمعتقدهم الفاسد فى
الطبيعتين وساءهم أن يصدر المجمع المسكونى حكمه بقطع أصحاب الطبيعتين من كل وظيفة
كهنوتية فقرر الأنطاكى مقاطعة المجمع المسكونى, وأن يعقد مجمعا نسطوريا مضادا رغم
علمه ببطلانه حشد له 53 أسقفا نسطوريا قضى فيه بتجريد كل من كيرلس وممنون من درجة
الأسقفية بتهمة الأبولينارية ( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص
252 , 264 ) أى الاعتقاد فى طبيعة واحدة لاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد.
ثم عقد المجمع المسكونى جلسته الثالثة فى 28
يونيو وفيها صدق نواب الأسقف الرومانى على حكم المجمع المسكونى وقراراته ضد أصحاب
الطبيعتين.
ثم عقد المجمع المسكونى جلسته الرابعة فى 13
يوليو للنظر فى أمر يوحنا أسقف أنطاكية الذى قاطع المجمع فأرسل المجمع فى استدعائه
ثلاث دفعات فرفض حضور المجمع.
فعقد المجمع جلسته الخامسة فى اليوم التالى
وأصدر حكمه ببطلان مجمـع يوحنا الأنطاكى وبطلان أحكامه, وأبرز المجمع الحكم ضد
يوحنا أسقف أنطاكية بقطعه من الشركة.
ثم عقد المجمع جلسته الختامية وكتب تقريره
متضمنا أحكام المجمع ووضع المجمع ثمانية قوانين تقضى بقطع جميع الأساقفة الذين
ينحازون لنسطور ويقبلون تعاليمه أو يعلموا بها من الدرجة الأسقفية ومن أى خدمة
كهنوتية, ومن حل جميع الذين حرمهم نساطرة بسبب إيمانهم المستقيم.
وهكذا أنفذ المجمع المقدس حكمه ضد نسطور
أسقف القسطنطينية وتعاليمه الباطلة, وضد يوحنا أسقف أنطاكية بقطعهما من الشركة مع
كل من يعلم بذات التعليم الأجوف أو من يتبعه أو يسلم شفويا أو كتابة بذات آراء
نسطور كمعتقد كنسى.
فهذا الحكم لم يكن ضد فرد ولكن ضد مغالطات
الهراطقة التى اخترعوها ضد تعليم الكنيسة المقدسة بالقول بوجود ابنين أحدهم سماوى
والآخر أرضى مدعين لا أن الإتحاد يؤدى للوقوع فى خطيئة عبادة إنسان مثلنا بل
يؤدى لجعل السماء والأرض واحدا ( شرح قانون الإيمان فقرة 5 ص 13 ).
على أن البدعة لم تنتهى بعزل نسطور لأن
معلموا مدرسة الرها تمسكوا بتعاليمه الهرطوقية ونشطوا فى العمل على نشرها بدسها بخبث على كتابات
منسوبة لكيرلس حتى يمرروها على الذين ليس لهم روح الإفراز والتمييز فأضافوا على
تعاليم كيرلس تعاليمهم الكفرية المضادة للتقوى والمنطق السليم.
رفض
رسالة المصالحة
ومن أشهر الرسائل المزورة المنسوبة لكيرلس
رسالتان تم تلاوتهما فى مجمع أصحاب الطبيعتين المجتمعين فى القسطنطينية عام 449
ميلادية ثم فى خلقيدونية عام 451 للميلاد وقيل أنهما الرسالة رقم 4 المرسلة من
كيرلس لنسطور والمعروفة بالرسالة العقائدية الثانية, والرسالة الثانية هي الرسالة رقم 39
المرسلة إلى يوحنا الأنطاكى المعروفة برسالة المصالحة, وهى رسالة من وضع ثيؤدورت
أسقف قورش حيث تثبت اعتراف ايمانه عندما
كان على معتقد نسطور والذى اثبته بالفصل الثالث من هذه الرسالة بقوله :
" نعترف أن ربنا يسوع المسيح هو إله
كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسم. لأنه قد حدث إتحاد بين الطبيعتين لأجل هـذا
نعترف بمسيح واحد, وبحسب هـذا الفهم للإتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء هى
والدة الإله لأن الكلمة وحد الهيكل ( الإنسان حسب نسطور ) الذى أخذه منها مع
ذاته " ( الرسالة 39 : 3 ص 43 -44 ).
وقد ثبت نسبة الرسالة إليه
بالقول:
أن الملك ثيؤدوسيوس صالح كل من ثيؤدورت أسقف
قورش ويوحنا أسقف أنطاكية بالقديس كيرلس, وأن ثيؤدورت كتب صك الاتفاق وفيه
الإعتراف بالإيمان القويم ونبذ أضاليل نسطور ( مجموعة الشرع الكنسى ص 400 ) وهذا
برهان على أن اعتراف الإيمان الوارد بالرسالة رقم 39 المزعومة بأنها رسالة المصالحة هي رسالة مزورة
بخط ثيؤدورت وهى غير رسالة القديس كيرلس المرسلة للأنطاكى بخطه والتى ما كان يمكن
أن يكتب فيها هذه الصيغة مطلقا.
والواقع أن فحوى هذه الرسالة يتفق حرفيا مع
الرسالة رقم 5 التى من نسطور لكيرلس والمتضمنة معتقده فى المسيح بأنه واحد
بطبيعتين لاهوتية وناسوتية, وهو ما يتعارض مع تعليم القديس كيرلس الذى يؤمن بطبيعة
واحدة لاهوتية للمسيح كلمة إلوهيم المتجسد ويرفض دنس النسطورية القائل بأن إلوهيم
الكلمة اتحد بإنسان يدعى يسوع المسيح مولود من مريم من نسـل داود, لهذا رفض القديس
كيرلس العقائد النسطورية بقوله فى الرسالة رقم 40
المرسلة إلى أكاكيوس عدم قبوله رسـالة الأنطاكى ما يقوم برهانا لا يدحض على أن كلمات
وثيقة الأنطاكى المعروفة برسالة المصالحة المزعومة مزورة للإيحاء بقبول كيرلس
للنسطورية.
والواقع أن الرسالة رقم 40 المرسلة من كيرلس
إلى أكاكيوس رغم تعرضها للتزوير والتحريف بتضمينها تعاليم نسطورية فقد أثبت كيرلس
فى ختامها حدوث تزوير لرسائل أثناسيوس ورسائله كما أثبت عدم صحة الرسالة رقم 39
المعروفة برسالة المصالحة المزعومة المرسلة منه ليوحنا الأنطاكى أو أى رسالة تتضمن
التعليم بطبيعتين متحدتين معا بقوله :
عندما سلمت لهم هذه الرسائل أرسلوا
للإسكندرية الأسقف بولس أسقف حمصة الذى كان لى معه أحاديث كثيرة .. سألته عما إذا
كان يحمل أى رسائل من الأسقف يوحنا فقدم لى رسالة لم تحتوى على الأشياء التى كان
يجب أن تحتويها وكتبت بطريقة لم يكن يصح أن تكتب بها فقد كانت مستفزة وغير مشجعة ولم
أقبل هذه الرسالة
وبينما كان من اللائق بهم أن يزيلوا حزنى باعتذارات عن ما حدث فى أفسس انتهزوا
الفرصة ليقولوا إنهم ثاروا ضدى بسبب غيرتهم على التعاليـم المقدسة.
وقد ختم كيرلس رسالته هذه بقوله :
إن كان بعض الناس يجوبون برسالة كأنها
مكتوبـة منى تفيد بأنى غيرت رأيى فى الأمور التى حدثت فى أفسس فليكن هـذا مثارا
للسخرية لأننا بنعمـة المخلص نتمتع بصحة عقلية جيدة ولـم نصل إلى نهاية حسن
استعمال العقل ( الرسـالة رقم 40 : 27 ص 58 ).
وبهذه الفقرة الأخيرة وضع كيرلس المسمار
الأخير فى نعش رسالة المصالحة المزعومة بينه وبين الأنطاكيين تلك الرسالة عينها
التى حاربها ديوسقوروس منكرا صحتها فى مجمع خلقيدونية.
تزوير
رسائل الآباء القديسين
وكتب كيرلس إلى الأنطاكى فى الرسالة رقم 67
يقول :
نرجوك أن لا ينسب أحد افتراءات ديودورس
وثيؤدوروس ( معلمى أصحاب الطبيعتين ) أو آخرين غيرهم وتأثيرها الهدام جدا ضد مجد
المسيح إلى آبائنا القديسين المستقيمى الرأى وأعنى بهم أثناسيوس وباسيليوس
وغريغوريوس وثيؤفيلوس والآخرين لئلا يصير الأمر سببا للعثرة بالنسبة للبعض لأنهم
ظنوا أن حراس التعليم الأرثوذكسى قد علموا حقا بهذه الطريقة وليس أنهم أبرزوا فى
مقاومة هذه الطريقة ضد الذين فكروا وكتبوا مثل آراء نسطوريوس قبله ( الرسالة رقم
67 : 7 ص 74 ).
كما حذر كيرلس من وجود مؤلفات مثبتة
للنسطورية منسوبة لأثناسيوس الرسولى بقوله فى الرسالة رقم 45 إلى أسقف ديو قيصرية
:
إن أبانا أثناسيوس المغبوط الذكر الذى كان
لفترة أسقفا للإسكندرية كتب رسالة إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس ممتلئة بالتعليم
الأرثوذكسى وحيث أنه كان فيها دحض لتعاليم نسطور, ولأن أولئك الذين اتفقوا على
الدفاع عن الإيمان المستقيم أخذوا منها براهين وأخجلوا بها أولئك الذين أرادوا أن
يفكروا مثله. فهؤلاء ( أى أصحاب نسطور ) إرتكبوا أمرا رديئا يتناسب مع عدم تقواهم
الهرطوقى لأنهم بعد أن أفسدوا الرسالة بحذف بعض الأجزاء وإضافة أجزاء أخرى فقد
نشروها حتى يبدوا أبونا المجيد كأنه يتفق مع فكر نسطور والذين معه. فلئلا يظهر
البعض عنده النسخة المفسدة كان من الضرورى أن نأخذ نسخة مماثلة تماما للنسخ التى
عندنا ونرسلها إلى وقاركم ( الرسالة رقم 45 : 14 ص 94 , 95 ).
وللأسف فإن رسالة أثناسيوس إلى أبكتيتوس
المنشورة فى كتاب " المسيح فى رسائل القديس أثناسيوس " هى رسالة مزورة (
الرسالة رقم 40 : 25 ) تختلف نوعية
التحريف بها عن تلك التى أشار إليها كيرلس وينم أسلوبها على أنها حرفت بواسطة
نسطور أو ثيؤدورت عندما كان على معتقد نسطور, وفيما يلى نعرض مقتطفات من هذه
الرسالة المزورة المنسوبة زورا لأثناسيوس الرسولى وهى طافحة بالنسطورية.
يقول نسطور :
أى عالم سفلى تقيأ القول بأن الجسد ( أى
المسيح حسب نسطور ) الذى من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة ( أى هو الكلمة ذاته
) .. ومن كفر إلى هذه الدرجة حتى يقول أن الذى سمر على الخشبة لم يكن هو الجسد (
أى المسيح الإنسان حسب المفهوم النسطورى ) بل هو جوهر الحكمة الخالق ذاته ( لأن
المسيح هو حكمة إلوهيم الممسوح أزليا الذى به خلق إلوهيم العالم ) .. فالذين
يكفرون يقولون أن الجسد ( أى المسيح باعتباره إنسان حسب نسطور ) الذى لبسه المخلص
( أى الكلمة ) من مريم إنما هو من جوهر الثالوث ( لأننا نؤمن أن المسيح هو نفسه
الأقنوم الثانى فى الثالوث وليس كما يزعم نسطور أنه إنسان مثلنا لبسه الكلمة ).
ومرة أخرى فمن أين تقيأ البعض ذلك الكفر
المساوى للكفر السابق حتى يقولون بأن الجسد ( أى المسيح الإنسان حسب نسطور ) ليس
أحدث من لاهوت الكلمة بل هو مساو له فى الأزلية وهو معه على الدوام حيث أنه قد
تكون من جوهر الحكمة ( الرسالة إلى أبكتيتوس فقرة 2 ص 34 - 35 ).
ويستطرد نسطور قائلا :
إنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن
الجسد ( المسيح حسب نسطور ) المولود من مريم كان موجودا قبل مريم, وأن الكلمة كانت
له نفس بشرية ( أى صورة بشرية حسب تعبير نسطور الذى كما أسلفنا فسر الصورة بالنفس
) قبل مريم, وأن هذه النفس ( أى الصورة التى يفسرها نسطور بالنفس ) كانت له دائما
حتى قبل مجيئه.
وهكذا سيكف أيضا الذين يقولون أن الجسد (
أى المسيح حسب نسطور ) لم يكن قابلا للموت وأنه كان من طبيعة غير مائتة ( لأن
المسـيح آدم الأخير روحا محييا ) لأنه لو لم يكن قد مات فكيف قال بولس أن
المسيح مات من أجل خطايانا وكيف قام إن لم يكن قد مات ( الرسالة إلى أبكتيتوس فقرة
8 ص 42 - 43 ).
ومما يثبت تحريف رسالة أثناسيوس إلى
أبكتيتوس ما سجله صاحب تاريخ كنيسة أنطاكية من أن الأساقفة الشرقيين أى الأنطاكيين
اتخذوا قرارا بوجوب الاتفاق مع كيرلس حول وحدة التعليم عن شخص المسيح فوضع ثيؤدورت
أسقف قورش النسطورى أسس تحقيق هذا الاتفاق على أساس رفض تعليم كيرلس سواء بالرسائل
أو الفصول ( الحرومات ) مكتفين بحفظ قانون الإيمان النيقاوى كما شرح فى رسالة
أثناسيوس إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس وهى التى أشار كيرلس إلى أن أصحاب نسطور
حرفوها وعرضوا باسم أكاكيس على كيرلس بواسطة أرسطولاوس ما يلى :
إننا باقون على إيمان الآباء القديسين
المجتمعين فى نيقية. الإيمان المتضمن التعليم الإنجيلى الرسولى من دون إضافة, وقد
تناول شرح هذا الإيمان بالتوضيح والجلاء المبين الجزيل القداسة أثناسيوس أسقف
الإسكندرية فى رسالته إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس إننا على هذا الإيمان الذى شرحته
تلك الرسالة من الحق الساطع المبين [5].
وواضح أن الرسالة إلى أبكتيتوس المنشورة
بكتاب " المسيح فى رسائل أثناسيوس "
والتى ذكرنا مقتطفات منها لا تتضمن شرح أثناسيوس لقانون الإيمان النيقاوى بل تتضمن
ردودا نسطورية على عقائد أرثوذكسية مما يدل على أن هذه الأخيرة غير تلك التى أشار
إليها كيرلس وثيؤدورت.
فالرسالة إلى أبكتيتوس المنشورة بكتاب
" المسيح فى رسائل أثناسيوس "
مزورة تزويرا كاملا حتى الفقرات القليلة المتضمنة تعبيرات أرثوذكسية مستها يد
التحريف والتشويه فأفسدتها. علما بأن قانون الإيمان من وضع الرسل وليس من وضع مجمع
نيقية كما جاء بالرسالة المزورة.
والخلاصة أن هـذه الرسالة المنشورة فى
الكتاب المذكور هى أخرى غير تلك التى أشار إليها كيرلس بأنه تم حذف أجزاء وإضافة
أخرى إليها لأن هذه المتداولة الآن لا تتضمن أى أثر لشروحات أثناسيوس لقانون
الإيمان المذكور مما يدل على أن هذه المتداولة حرفت وشوهت تشويها شبه كامل.
كما نشر أصحاب الطبيعتين العديد من المؤلفات
التى تثبت معتقدهم فى التأنس واتحاد إلوهيم الكلمة بإنسان منسوبة لأثناسيوس
الرسولى من ذلك كتاب " كمال البرهان على حقيقية الإيمـان " الذى تضمن
كتابان لثيؤدورت بعنوان " الجامع للطبيعتين " و" برهان
القياس ", والكتابان يثبتان مذهب خلقيدونية القائل بأن المسيح واحد بتوحيد
الأقنوم الجامع لجوهر اللاهوت وجوهر الناسوت ( كمال البرهان على حقيقة الإيمان ص
58 ) ومن الكتب المزورة المنسوبة لأثناسيوس أيضا كتابان لثيؤدورت الأول بعنون
" تجسد الرب " والثانى بعنوان " ظهور الثالوث المقدس المحيى
" وقد تم نشرهما الأول بعنوان "
تجسد ربنا يسوع المسيح " والثانى بعنوان " ظهور المسيح المحيى ". والكتابين
مثبتين لمعتقد نسطور بحلول الكلمة فى إنسان مثلنا له روح انسانية عاقلة, بقوله ردا
على القديس كيرلس الذى اتهمه بأنه يعبد انسان مثلنا حل فيه إلوهيم ومن ثم فهو لا يختلف
عن الأنبياء والقديسين, فرد عليه نسطور قائلا:
" أما الذين يقولون كلاما لا أساس له بالمرة، مدعين بأن إلوهيم الكلمة
جاء كما جاء من قبل للأنبياء نقول لهم أنه ولا واحد من
هؤلاء عندما جاء إليه الكلمة قيل عنه أن إلوهيم تجسد " (
تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 46 ).
أي أن المسيح مثل سائر الأنبياء الذين حل
عليهم الكلمة, والفرق بينه وبينهم أنه الوحيد الذى عندما حل عليه الكلمة قيل عنه
عن أن إلوهيم تجسد؟!
أين
التجسد هنا ؟! هل الحلول في إنسان نبى أو قديس يسمى تجسد؟ لو كان هذا صحيحا فيكون إلوهيم
قد تجسد في جميع الأنبياء. بما في ذلك يوحنا المعمدان الذى قال عنه الملاك أنه من
بطن أمه يمتلىء من الروح القدس ( لوقا 1 : 15 ).
وفي نفس المؤلف المنسوب زورا لأثناسيوس
الرسولى هاجم نسطور كيرلس منكرا وراثة الخطية الأبوية بقوله :
لقد اخترع هؤلاء كل هذه التصورات لأنهم
يعتقدون أن مصدر الخطية هو الجسد وليس الإنحراف الذى أصاب الإرادة ( تجسد ربنا
يسوع المسيح ف 12 ص 33 ).
وعلينا أن نلاحظ أن كل كتابات القديس كيرلس
تم دس واضافة تعاليم نسطورية إليها بحيث تظهر الأقوال وكأنها متصلة إذ كثيرا ما
نجد أقوال مستقيمة لكيرلس يعقبها فورا عبارة نسطورية تربك القارىء الواعى وتجعله
يشعر بأن هناك تضارب وتعارض غير منطقى وغير مفهوم قد يدفعه إلى الإحجام عن قراءة
الكتب اللاهوتية.
ولكن إن أدركنا العقائد الأساسية التى تقوم
عليها النسطورية وتعاليمها الباطنية مع فهم العقيدة الأرثوذكسية الواضحة والمؤيدة
بالحق الكتابى الواضح والصريح بأن روح
المسيح إلهية أزلية محيية ناطقة فى الأنبياء والنتائج المنطقية المترتبة على كل
تعليم دون خلط فسوف يمكننا أن نميز بين ما هو أرثوذكسى وما هو نسطورى أو خلقيدونى
أو انطاكى أو يعقوبى بأيسر مما نميز بين اللونين الأبيض والأسود.
كما أن علينا أن ندرك أيضا أن النسطورية
تستخدم تعبيرات أرثوذكسية بمعانى باطنية حتى تبدوا تعاليمهم الدنسة وكأنها
أرثوذكسية فيتقبلها الأرثوذكس على أنها مستقيمة دون أن يدركوا معانيها ودلالاتها الباطنية
فى المفهوم النسطورى.
ذلك أن نسطور إذ هو مخادع وضع شروحا نسطورية
لتعبيرات أرثوذكسية حتى يبدوا تعليمه وكأنه كتابى.
من ذلك أنه يستخدم لفظة " الجسد
" لتدل لا على اللحم والدم التى هى مكونات الجسد بل على الإنسان كله بقوله:
لذلك حيثما وردت كلمة جسد فإنها تعنى
الإنسـان كله كما تعنى المسيح نفسه ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ص 40 ) ( 3 ضد
الأريوسيين 26 : 30 ص 60 ) وهذا ما يجب أن ندركه لفهم النسطورية حتى لا يدلس
علينا.
كما أن لنسطور مفاهيمه الخاصة فى تفسير
معانى الكلمات بما يتفق مع معتقده الفاسد. من ذلك تفسيره قول بولس الرسول أن
المسيح إذ كان فى صورة إلوهيم أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس ( فيلبى
2 : 5 - 7 ) مفسرا لفظة صورة بأنها تعنى نفس أى روح, وأن صورة العبد هى كمال
الطبيعة الإنسانية أى النفس العاقلة, وقياسا على ذلك يكون المقصود بصورة إلوهيم هو
روح إلوهيم حسب زعمه, وبالتالى يكون الكلمة قد أخذ لا صورة العبد بل روحه مستهدفا
من ذلك إنكار الصورية وإثبات اتحاد الكلمة بروح إنسانية لا بشكل العبد ( ظهور
المسيح المحيى فقرة 1 ص 14 - 15 ) (
الرسالة إلى أبكتيتوس فقرة 8 ص 42 - 43 ).
والواقع أن صورة العبد يقصد بها شكل العبد
أى هيئته لا روحه. لهذا لم يقل الكتاب أن المسيح أخلى ذاته آخذا عبدا ولا روح عبد
بل صورة العبد أى هيئته ليظهر فى شبه الناس. لأنه كيف يظهر فى شبه الناس إذا اتخذ
المسيح روح العبد لا هيئته.
لهذا جاء رد كيرلس الحاسم على هذه المقولة
بقوله لو أن المسيح كان إنسانا كما تزعم فما هو الإخلاء الذى ناله باتخاذه روح عبد
إذا كان هو نفسه عبد.
كما يستخدم نسطور مصطلحا من اختراعـه
يستعيض به عن التعبير الكتابـى " تجسد " بالقـول
" بالتأنس " الذى معناه
فى المفهوم النسطورى أن إلوهيم الكلمة احتجب بالروح الإنسانية العاقلة وتأنس بها ,
لهذا فإن الكلمة حسب نسطور لم يولد ولم
يتجسد من العذراء بل تأنس أى اتحد بالإنسان المولود من مريم من نسل داود حسب سلسلة
الأنساب.
والواقع أن القائلين بأن إلوهيم الكلمة اتحد
بإنسان يدعى يسوع المسيح لا يدركون أنهم بهذا القول قد أبطلوا التجسد. لأن اتحاد
الكلمة بإنسان ليس تجسدا ولا ولادة بل هو لون من ألوان التقمص الذى ينزه عنه
إلوهيم.
من المحقق تاريخيا أن للقديس كيرلس عمود
الدين إثنى عشر حرما صدق عليها مجمع الإسكندرية الذى عقد برئاسته لإثبات التعليم
الأرثوذكسى المضاد للنسطورية وقد أرسلها القديس كيرلس إلى نسطور طالبا منه التوقيع
عليها غير أن نسطور أبى ذلك .
وقد وضع ثيؤدرت ردودا على الحرومات الإثنى عشر وقد تم نشرها بالرسالة رقم 17
المنسوبة زورا للقديس كيرلس فى حين أنها من تصنيف ثيؤدورت عندما كان على المذهب
النسطورى ذ وقد أعاد صياغتها فى صورة رسالة كأنها مرسلة من القديس كيرلس إلى نسطور
فى حين أن الردود النسطورية على الحرومات يثبت أنها مرسلة من نسطور إلى كيرلس حيث
ختمها بالقول : إن ما يلزم أن تحرمه تقواك هو ما ألحقناه بهذا الخطاب المرسل منا
".
والخلاصة أن ثيؤدورت عندما كان على معتقد
نسطور قام بالرد على حرومات القديس كيرلس بما يتفق ومعتقده, كما عمد إلى استخدام
بعض المصطلحات الأرثوذكسية بمعانى باطنية تبطن خلاف ما تظهر بما يوافق مذهبه.
بناء عليه رأينا إعادة صياغة هذه الحرومات
من واقع ردود ثيؤدورت عليها بما لا يتعارض مع المعتقد الأرثوذكسى كالتالى:
1
- كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح
هو عمانوئيل . لأنه هو بالحقيقة إلوهيم الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 )
لهذا فإن العذراء القديسة مريم تدعى والدة الإله. لأنها ولدت إلوهيم الكلمة حسب
الجسد. كما هو مكتوب: والكلمة صار جسدا . فليكن محروما.
2
- كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح كلمة إلوهيم الآب حل بشخصه فى الجسد. لذلك صار
الجسد خاصا به وحده. لذلك فإن المسيح واحد لأن ابن ( صورة ) إلوهيم هو نفسه ابن (
صورة ) الإنسان ( يوحنا 3 : 8 ) ( يوحنا 6 : 62 ) ( يوحنا 8 : 28 ) فليكن محروما.
3
- كل من يقسم المسيح الواحد إلى
طبيعتين عاقلتين. ثم يوحد بينهما فى
الكرامة والسلطة والمجد , ولا يعترف بالحرى بأن المسيح واحد بالطبيعة والجوهر.
فليكن محروما.
4
- كل من يفرق بين الأقوال المذكورة
فى الكتابات الإنجيلية والرسولية عن المسيح وينسبها إلى شخصين أى إلى أقنومين
عاقلين كل قائم بذاته, ويفهم أن البعض منها لائق بالمسيح كإنسان كأنه آخر غير كلمة
إلوهيم, وأن البعض الآخر لائق بكلمة إلوهيم كأنه آخر غير المسيح. فليكن محروما.
5
- كل من يتجاسر ويقول بأن المسيح
هو إنسان اتحد به كلمة إلوهيم, وليس أن المسيح هو إلوهيم حقا, وأنه الابن الوحيد
بالطبيعة والجوهر. لأن الكلمة صار جسدا باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين
2 : 14 ) فليكن محروما.
6
- كل من يتجاسر ويقول أن كلمة إلوهيم
الآب هو رب المسيح, ولا يعترف بأن المسيح
هو الكائن فى صورة إلوهيم منذ الأزل وأنه مساوى للآب في الجوهر, وأنه أخلى ذاته
آخذا شكل العبد , ليظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 8 ) ولم يحل فى إنسان . لأن
الكلمة صار جسدا حسب الكتب. فليكن محروما.
7
- كل من يقول أن يسوع المسيح كابن
إنسان كان يستمد القوة والقدرة من كلمة إلوهيم كأنه آخر غيره. أو أن مجد المسيح ليس
خاصا به. كما لو كان ليس هو ابن إلوهيم الحى. فليكن محروما.
8 -
كل من يتجاسر ويقول أن إلوهيم الكلمة اتخذ إنسانا يدعى يسوع المسيح وأنه جعله
واحدا معه في مجد الربوبية , وأنه ينبغى أن يمجد معه في سجدة واحدة, ولا يستحسن
أن يعترف بأن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم الذى تجسد باشتراكه معنا فى اللحم والدم ,
وبالتالي نكرمه بسجدة واحدة . لأن اسم المسيح هو اسم إلوهيم الذى جاء فى الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16
) ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) فليكن محروما.
9 -
كل من يقول أن الرب الواحد يسوع المسيح قد تمجد بالروح القدس بحيث استمد
منه قوة لم تكن له, واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها الآيات أمام الناس, ولا
يعترف أن الروح القدس هو روح المسيح ( رومية 8 : 2 , 9 ) ( بطرس الأولى 1 :
11 )( العبرانيين 9 : 14 ) الذى اجترح هذه الآيات. فليكن محروما.
10 -
كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح رسول اعترافنا ورئيس كهنتنا هو كلمة إلوهيم
الذى تجسد وظهر فى الهيئة كإنسان وبذل دمه عنا ( اعمال 20 : 28 ) بل قال أن
الكلمة حل في إنسان يسمى يسوع المسيح هو الذى ولد من العذراء وهو الذى بذل دمه على
الصليب ومات ودفن وقام بروحه الإنسانية عندما عادت إليه. فليكن محروما.
11 -
كل من لا يعترف بأن جسد الرب يعطى الحياة لكل من يتناول منه. لكونه جسد الوهيم
الذى اقتنانا بدمه ( اعمال 20 : 28 ) بل يقول أنه جسد الإنسان يسوع الذى تأنس به الكلمة
ووحده بذاته ليشترك معه في وحدة الاسم ويشركه في كرامة البنوة والربوبية, ولا
يعترف اعترافنا بأن يسوع المسيح هو كلمة إلوهيم, وأنه روحا محييا ( أي روح باعث
للحياة ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) لهذا فإن كل من يتناول جسده يحيا به. فليكن
محروما.
12
- كل من لا يعترف بأن كلمة إلوهيم ولد من
العذراء بحسب الجسد, وأنه صلب وتألم وذاق الموت بحسب الجسد, وأنه اباد الموت
وأبطله بمجرد أن التقى به في جسده واعتقنا من سلطانه ( العبرانيين 2 : 14 ) (
رومية 8 : 2 ) ( غلاطية 2 : 20 ) لأنه روح الحياة ( رومية 8 : 2 ) المحيى (
كورنثوس الأولى 15 : 45 ) للأجساد ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( كورنثوس
الثانية 13 : 4 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :
11 ) فليكن محروما.
ونرى إضافة حرم شامل ضد بدع أصحاب الطبيعتين
المستحدثة بعد مجمع افسس الأول وهى بدعة ثيؤدورت وبدع كل من ساويرس الأنطاكى
ويعقوب البرادعى بالنص التالى:
كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح ابن الإنسان الذى صعد إلى السماء.
هو نفسه الذى نزل من السماء دون أن يفارق السماء ( يوحنا 3 : 13 ) وأنه هو بالحقيقة
صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره , الممسوح
منذ الأزل ( أمثال 8 : 12 , 23 ) هو نفسه الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4
: 3 ) وهو المالىء الكل بلاهوته لأن روحه إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية (
العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) وأنه هو نفسه روح
الحياة ( رومية 8 : 2 ) المحيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 11 )
( غلاطية 2 : 20 ).
بل تجاسر بكل خديعة الإثم فى الهالكين وقال بأن العذراء لم تلد الكلمة بل
ولدت الإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة الذى احتجب به الكلمة وتأنس
به ووحده بذاته وجعله واحدا معه في مجد اللاهوت بحسب نسطور, أو قال بأن روح المسيح
الإنسانية مشخصة بالكلمة الذى ألهها منذ نشأتها, بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, أو
قال بأن للمسيح روح من روحين تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون ايا
منهما أو معا , وسواء قال أن هذه الطبيعة الممتزجة مشخصة بالكلمة بحسب مذهب ساويرس
الأنطاكى, أو قال أنها مشخصة بابن من ابنين بحسب مذهب يعقوب البرادعى, فليكن
محروما.
لماذا حرم نسطور في
مجمع أفسس الأول؟
حرم نسطور فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية لقوله:
بأن العذراء لم تلد الكلمة بحسب الجسد, بل ولدت انسانا مثلنا يدعى يسوع
المسيح له روح انسانية عاقلة زعم نسطور أنها هى التى تحيي الجسد وليس الدم, كما زعم
أن الكلمة حل فى هذه الروح الإنسانية العاقلة واحتجب بها وتأنس بعقلها أى صاحبه وشخصه
بأن صار يتكلم من خلاله دون أن ينحيه , أى دون أن يقوم مقامه فى تشخيص الروح
الإنسانية بحسب بدعة ثيؤدورت أسقف قورش , وأيضا دون أن يمتزج به بحسب بدعة يعقوب
البرادعي, لأن الإتحاد بين الطبيعتين أى الروحين الإنسانية والإلهية بحسب نسطور هو
بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. أى أن كل طبيعة عاقلة قائمة بعقلها
الخاص, وبهذا صار فى المسيح طبيعتين عاقلتين أى روحين عاقلتين.
وهذا معناه أن الكلمة لم يتجسد بل حل فى روح المسيح الإنسانية العاقلة
حلولا تشخيصيا ينزه عنه إلوهيم سواء كان الحلول التشخيصى على سبيل تأنس الكلمة
بالعقل البشري بالمصاحبة والإتفاق أو علي سبيل التقمص بالغصب بتنحية الكلمة للعقل
البشري والقيام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية العاقلة.
وبداهة أن الحلول التشخيصى يكون فى الجسد الخاص بإنسان لا فى روحه
الإنسانية العاقلة التى لا تسكن ولا تشخص من غيرها لا بالتأنس بمصاحبة
العقل البشرى والتوافق معه بحسب نسطور, ولا بالتقمص والغصب بتنحية العقل البشرى
والقيام مقامه فى تشخيص الروح الإنسانية بحسب ثيؤدورت.
هذه البدعة أى بدعة احتجاب الكلمة
بروح المسيح الإنسانية العاقلة وكأنها جسد مادى أثبتها ثيؤدورت أسقف قورش عندما
كان علي المذهب النسطورى فى كتابيه " تجسد ربنا
يسوع المسيح " ف 17 , 18 ص 42 , 43 و" ظهور الثالوث المقدس
" المنشور تحت عنوان " ظهور المسيح المحيى " ف 17 ص 38 بقوله : بأن اللاهوت
احتجب بروح المسيح الإنسانية العاقلة واستتر بها .
كما أثبتها أيضا فى بدعته الجديدة المؤسسة علي
ذات بدعة نسطور القائلة بأن
العذراء لم تلد الكلمة بحسب الجسد, أي أنه لم يتجسد بل حل في انسان مثلنا يدعى
يسوع المسيح له روح انسانية عاقلة مولود من العذراء زعم ثيؤدورت بحسب بدعته
الجديدة بأن أقنوم الكلمة شخص روح المسيح الإنسانية منذ وجدت
فصار هو وحده المشخص والجامع للطبيعتين أى للروحين الإنسانية والإلهية فى المسيح,
وهذا معناه أن الكلمة لم يتأنس بالعقل البشرى ويصاحبه بحسب نسطور بل نحاه وأبطله
وقام مقامه فى تشخيص روح المسيح الإنسانية, وبهذا صار أقنوم الكلمة وحده هو المشخص
للروحين الإنسانية والإلهية فى المسيح, وعدا ذلك فقد تمسك بذات معتقد نسطور القائل
بحلول الكلمة فى روح المسيح الإنسانية واحتجابه بها منذ وجودها. زاعما كأريوس بأن
صورة المسيح الروحية كإبن إنسان ليست أزلية بل مخلوقة. لأن إلوهيم خلقها وجعلها
صورته لتحقيق الإحتذاء, أى ليخلق آدم علي شبه صورته الإنسانية المخلوقة, أى أنه
يعتقد ذات معتقد أريوس في أن روح المسيح الإنسانية المخلوقة هي صورة إلوهيم وأنها
أول خلق إلوهيم , وهذا معناه أنه يعتقد ذات معتقد أريوس في أن روح المسيح
الإنسانية سابقة الوجود باعتبارها أول خلق إلوهيم أى أنها لم تخلق داخل جسدها مثل
سائر أرواح البشر بالمخالفة للحق الكتابي القائل : يقول الرب باسط
السماوات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 :
1 ) ثم مزج بين بدعة أريوس وبدعة نسطور بزعمه أن الوهيم سكنها واحتجب بها منذ
وجودها بقوله:
أن روح المسيح الإنسانية العاقلة هى صورة
إلوهيم, وأنها كانت أولى خلق إلوهيم بسكني إلوهيم واحتجابه بها .. وكانت النفس
الدمية ( أى الدم باعتباره نفسا حية ) لها حجابا, والجسد الغليظ حجابا لما هو ألطف
منه, وهى البدعة التي أثبتها في كتابه
" الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان
على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 2 ف 1 ص
25 + ق 3 ف 4 ص 51 – 52
وهذا معناه أن بدعة نسطور مؤسسة علي ذات بدعة
أريوس, والفرق بينهما قوله أن روح إلوهيم احتجب بروح المسيح الإنسانية التي هي أول
خلق إلوهيم التي عندما حان الوقت لتولد من العذراء احتجبت بالدم المحتجب بالجسد.
وهذا باطل لأن أرواح البشر ليست سابقة الوجود
علي جسدها بل تخلق في داخله بحسب الحق الكتابي , وهى ساكن لا مسكن تشخص الجسد
ولا تشخص من غيرها, كما أن الدم ليس حجابا للروح الإنسانية ولا يحتجب بالجسد بل هو
مكون جسدي هو علة حياة الجسد الحيواني أى الجسد الحي بالدم الذي هو مادة حية
متنفسة قابلة للموت والفناء يشترك فيها البشر والحيوانات التي لا روح لها.
هذه الكتب الثلاث هى كما قدمنا من وضع
ثيؤدورت أسقف قورش النسطوري الأمر الثابت في فهارس مؤلفاته, وقد وضع
ثيؤدورت كتابيه " تجسد ربنا يسوع المسيح " و" ظهور الثالوث
المقدس " المنشور تحت عنوان " ظهور المسيح المحيى " عندما كان على
المذهب النسطوري قبل سنة 444 ميلادية, وقد هاجم فيهما مقررات مجمع أفسس الأول
مثبتا بدعة نسطور القائلة بطبيعتين عاقلتين فى المسيح الواحد, وهى البدعة التى تم
حرمها فى مجمع أفسس الأول المنعقد سنة 431 ميلادية .
ثم فى نحو سنة 445 ميلادية وضع ثيؤدورت
كتابه " الجامع للطبيعتين " الذى أثبت فيه بدعته الجديدة بأن أقنوم
الكلمة هو وحده المشخص والجامع للطبيعتين الإنسانية والإلهية فى المسيح, فلما تصدى
له أوطيخا مثبتا المعتقد الأرثوذكسي بطبيعة واحدة إلهية ( أى روح واحدة إلهية )
للمسيح الكلمة المتجسد, عقد له فلبيانوس أسقف القسطنطينية النسطوري مجمعا محليا
سنة 448 ميلادية حرمه فيه بتحريض من ثيؤدورت لرفضه قبول بدعة ثيؤدورت الجديدة, واتهموه
زورا بأن قوله بطبيعة واحدة إلهية لما هو بطبيعتين ( أي بروحين ) حسب معتقدهم معناه
أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية العاقلة ( الرسالة رقم 46 ف 5
ص 98 ) الأمر الذى نفاه أوطيخا بالقول : حاشا لي أن
أقول أن ربنا من طبيعتين أى من روحين, لأن القول بأن الطبيعة الإلهية ابتلعت
الطبيعة الإنسانية العاقلة معناه أنه يقول بطبيعة إلهية من طبيعتين, وأن الطبيعة
الإلهية إبتلعت الإنسانية , الأمر الذى يجعله من أصحاب الطبيعتين مثلهم بصرف النظر
عن كيفية الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين هل هو على أساس أن أقنوم الكلمة نحي أو
لاشي العقل البشرى وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية بحيث صار هو وحده المشخص للروحين
الإنسانية والإلهية فى المسيح بحسب بدعة ثيؤدورت, أم أنه بطبيعة إلهية من طبيعتين بما
يعنى أن الروح الإلهية ابتلعت أو لاشت الروح الإنسانية بحسب الفرية المنسوبة إليه
زورا وتدليسا.
فلما
استفحل الأمر واشتهر أمر بدعة ثيؤدورت الجديدة التى استطاع أن يقنع بها لاون أسقف
روما ويستعديه مع أساقفة كنيستي أنطاكية والقسطنطينية ضد أوطيخا وأصحاب الطبيعة
الواحدة اللاهوتية, عندئذ تقرر عقد مجمع أفسس الثانى المسكونى سنة 449 ميلادية وفيه
تم حرم أقطاب النسطورية من أصحاب الطبيعتين المشخصتين بالكلمة, وتبرئة أوطيخا من
البدعة المنسوبة إليه من القول بطبيعة واحدة إلهية من طبيعتين أى من روحين, بما
يجعله من أصحاب الطبيعتين مثلهم بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بين الطبيعتين
العاقلتين هل هو بحسب البدعة التى نسبوها إليه وتبرأ منها, أم بحسب بدعتهم الجديدة
التى رفضها أوطيخا فى مجمع فلبيانوس أسقف القسطنطينية معلنا تعارضها مع الحق
الكتابى ومقررات مجمع أفسس الأول المسكوني الذى أثبت أن العذراء ولدت الكلمة ولم
تلد إنسانا يدعي يسوع المسيح له روح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة بحسب معتقدهم,
وذلك بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بينهما هل هو بالتأنس والمصاحبة أم بالتقمص والتنحية.
أيا كان الأمر فقد جدد البابا ديوسقوروس
الإسكندري حرم بدعة ثيؤدورت الجديدة مع كل من يقول بها فى مجمع خلقيدونية المسكوني
المنعقد سنة 451 ميلادية.
والواقع أن
الروح ليست حجابا لغيرها كما يزعم نسطور , ومن ثم فهى لا تسكن ولا تشخص من
غيرها كالجسد المادى, لأن الروح لا ترى إلا من خلال جسدها الذى تسكنه وتشخصه
وتحتجب به وتجعله خاصا بها وحدها.
وبحلول الكلمة فى روح المسيح الإنسانية العاقلة والتكلم من خلالها يزعم نسطور
أنه بهذا جعلها روحه الخاصة التى صار يتكلم منها بتوسط من عقلها البشرى الذى تأنس
به أى صاحبه دون أن ينحيه غصبا عنه أو يمتزج به أو يلاشيه , لأن الإتحاد بحسب
نسطور هو كما قدمنا بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, أى أن كل طبيعة
عاقلة قائمة بعقلها الخاص, وبهذا صار فى المسيح طبيعتين عاقلتين.
وهذا معناه أن العذراء لم تلد إلوهيم حسب الجسد بل ولدت إنسانا مثلنا يدعى
يسوع المسيح له روح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بعقلها وصاحبه, أي أن
المسيح كإنسان تحييه روح انسانية حسب معتقدهم غير مساو للآب فى الجوهر.
لهذا هاجم ثيؤدورت أسقف قورش عندما كان على المذهب النسطورى عقيدة مجمع
أفسس الأول التى أثبتت أن المسيح المولود من مريم هو الكلمة المساو للآب فى الجوهر
وليس انسان مثلنا تأنس به الكلمة حسب زعمه بقوله :
إن قصد القائلين بأن إلوهيم ولد من العذراء يكشف عن عدم اعترافهم بأنه
الإله المتأنس ( ظهور المسيح المحيى ف 5 ص 20 ) وهى ذات العقيدة التى أثبتها نسطور
فى رسالته الشهيرة بالخامسة بقوله:
أن الأباء لم يذكروا ولادة ( أى
تجسد ) بحسب التدبير بل تأنسا ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 5 ص 33 ).
وقد أثبت القديس كيرلس عمود الدين أن كلمة تأنس نهج نسطورى مبينا معناها
بقوله ما موجزه:
هذا هو اتجاه ايمان نسطور أنه يقول : بأن إلوهيم الكلمة اختار المولود من
العذراء وأنعم عليه أن يسمي بأسمائه .. وهذا معنى قوله أن كلمة إلوهيم " تأنس
" بمعني أن كلمة إلوهيم كان دائما معه ( أى مصاحبا له ) كما مع إنسان قديس
مولود من العذراء .. لهذا السبب قال أن الكلمة " تأنس " بمعني أن إلوهيم
كان معه فى إتصال وثيق ( الرسالة رقم 11 ف 1 ص 55 ).
نخلص مما تقدم أن كلمة " تأنس
" معناها أن المسيح ليس هو الكلمة بل انسان قديس أو نبي تأنس به الكلمة
وصاحبه وصار بينهما اتصال وثيق.
وبداهة أن مفهوم تأنس الكلمة
بإنسان قديس أو نبى ومصاحبته يكون على سبيل الإتصال الخارجى, ولا يعنى أبدا ما ذهب
إليه نسطور من أن التأنس معناه حلول الكلمة فى إنسان أو تشخيصه أو الإتحاد به بأى كيفية
بحسب مزاعم أصحاب الطبيعتين.
مما تقدم يتضح أن نسطور لم يحرم فى مجمع
أفسس الأول لقوله بأن العذراء ليست أم إلوهيم بل أم المسيح, لأن اسم المسيح هو اسم
إلوهيم, وإنما حرم لإنكاره لاهوت المسيح بالقول أن المولود من العذراء هو إنسان
وليس الكلمة, لهذا لم يقدح فى حرمه قوله بعد ذلك بأن العذراء هى أم إلوهيم بكيفية
تكشف عن إصراره علي أنكار لاهوت المسيح بقوله أن العذراء هى أم الوهيم المولود
منها انسانيا باعتبار أنه ولد منها بتوسط من الإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة
الذى تأنس به الكلمة من البطن. أى أنها ولدته متحدا بالإنسان الذى تأنس به.
لأن التأنس معناه أن العذراء لم تلد الكلمة
حسب الجسد, بل ولدت انسانا مثلنا له روح انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة حسب معتقد
نسطور, وهذا معناه من وجهة نظر النساطرة أنها ولدت الكلمة إنسانيا, بمعنى أنها
ولدت الإنسان الذى تأنس به الكلمة. لأن الكلمة حسب معتقد النساطرة لا يحتاج إلى
ميلاد زمنى من إمرأة , لهذا يفسرون ولادته من العذراء بأنه وحد الروح الإنسانية
العاقلة بشخصه بحلوله فيها بأقنوم الكلمة, فصارت حسب معتقدهم وكأنها روحه الخاصة
رغم أنها روح الإنسان الذى تقمصه, إلا أنهم يزعمون أنها بولادة الإنسان المتحد به
الكلمة يصير كمن ولد منها انسانيا, وهذا معناه أن العذراء لم تلد الكلمة جسديا بل
ولدت الإنسان المتحد به الكلمة, لهذا تدعى العذراء أم إلوهيم بهذا المعنى عند
النساطرة. اعتقادا منهم أنهم بذلك يفلتون من الحرم الواقع على منكرى لاهوت يسوع
المسيح ومجيئه فى الجسد بحسب الحق الكتابى القائل: كل روح لا يعترف بأن يسوع
المسيح جاء في الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).
وهذا معناه أن اسم يسوع المسيح هو اسم
إلوهيم وليس اسم انسان بحسب معتقد النساطرة.
أيا كان الأمر فقد اعلن نسطور أن المسيح باعتباره انسان مثلنا له روح
انسانية عاقلة ليس هو الكلمة المساو للآب فى الجوهر ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 9 ص
27 ) وذلك بالمخالفة للحق الكتابى الذى أثبت أن المسيح هو صورة إلوهيم منذ الأزل
وأنه مساو لإلوهيم فى الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) وبالمخالفة أيضا لقانون
الإيمان الرسولي الذى أثبت إلوهية المسيح وأنه مولود غير مخلوق ومن ثم فهو ليس
انسان مخلوق تأنس به الكلمة, ومن ثم فإن كلمة تأنس هى كلمة غريبة على قانون
الإيمان الرسولى الذى خلت نسخه القديمة من كلمة " تأنس " ( قانون
الإيمان للرسل – الديداكية ص 15 - 19 ) وهذا برهان فضلا عن الأدلة السابقة علي أن
كلمة " تأنس " هي نهج نسطورى أبتدعها نسطور ودسها على قانون
الإيمان الرسولي لإنكار لاهوت المسيح, وأنكار الحق الكتابي بأن اسم يسوع المسيح
الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) هو اسم إلوهيم الذي ظهر فى الجسد (
تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) وأن اسم يسوع المسيح لا يخص إنسان بل ابن إلوهيم (
غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ).
والواقع أن أنكار لاهوت المسيح
معناه أن صورة المسيح الروحية كابن إنسان ليست صورة إلوهيم التى هي بهاء مجده ورسم
جوهره التى نزل بها من السماء دون أن يفارق السماء ليتجسد من الروح القدس ومن مريم
العذراء بحسب الحق الكتابى القائل أن الإنسان الثانى ( أى المسيح المتجسد ) هو
الرب من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) ولا يفهم من ذلك ما فهمه
النساطرة بأن المسيح نزل بجسده البشرى من السماء, بل أنه نزل بصورته الروحية كإبن
إنسان من السماء, وهيأ جسده على صورة مجده الكائن بها فى السماء, الأمر الذي أثبته
الرب نفسه بقوله لتلاميذه : أهذا يعثركم, فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا ( بجسده )
إلى حيث كان أولا ( بصورته الروحية كإبن إنسان الكائن بها فى السماء )( يوحنا
6 : 61 , 62 ) أى أنه كان فى السماء بصورته الروحية كابن إنسان قبل أن ينزل
بها من السماء, لأنه ليس أحد صعد إلي السماء إلا الذى نزل من السماء ابن
الإنسان الذى هو فى السماء ( يوحنا 3 : 13 ).
أى أن صورة المسيح كإبن إنسان هى صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره, وهى
صورة روحية نزل بها من السماء وتجسد دون أن يفارق السماء .
وهذا ما أثبته قانون الإيمان الرسولى بالقول عن المسيح أنه نزل من السماء وتجسد
من الروح القدس ومن مريم العذراء.
وهذا معناه أن يسوع المسيح جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) وظهر فى
الهيئة كإنسان ( فيلبي 2 : 8 ) باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14
) الذي أخذه من مصدرين هما الروح القدس ومريم العذراء, بمعنى أنه أخذ الدم من الروح
القدس الذى صنع بقوته دما طاهرا كدم آدم قبل السقوط أخصب به بويضة العذراء التى
يتكون منها لحم الجنين فى الرحم, وبهذا صار دم المسيح هو الدم الوحيد الذى بلا عيب
ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ) لأنه الوحيد الذى ولد بدون زرع الرجل
الذى يصنع منه الدم ( الحكمة 7 : 2 ) أما نحن فنولد بواسطة زرع الرجل الذى يصنع
منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت, كما هو مكتوب : " بالخطية حبلت بى أمي "
( المزمور 51 : 5 ) وبداهة أن الخطية هنا هي كناية عن زرع الرجل الذي يصنع
منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت, أما اللحم فقد أخذه من بويضة العذراء التى
بدأت فى النمو بعد تخصيبها بالدم.
هذه العقيدة أى عقيدة نزول المسيح من السماء وتجسده بحسب الحق الكتابى
وقانون الإيمان الرسولى يرفضها النساطرة الذين ينكرون لاهوت المسيح لذلك نراهم إمعانا
منهم فى التضليل ومحاولة إخفاء كفرهم بقولهم بتأنس الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح,
يزعم النساطرة زورا وتدليسا أن كلمة " جسد " تعنى الإنسان كاملا بجسده
الذى تحييه روح انسانية عاقلة حسب معتقدهم, كما تعنى المسيح, حال أن كلمة جسد تعنى
الجسد الحي بالدم الذى يشترك فيه الإنسان والحيوان, ومن ثم لا يجوز اعتبار أن
كلمة جسد تعنى المسيح أو الإنسان التى يستخدمها النساطرة بهذا المعنى لانكار لاهوت
المسيح, مثال ذلك قولهم : لو كان الجسد ( ويعنون به المسيح الإنسان الذى تحييه روح
انسانية عاقلة حسب معتقدهم ) مساويا لجوهر الكلمة .. لصارت كل الخلائق أزلية ( تجسد
ربنا يسوع المسيح ف 12 ص 31 ).
وبداهة أننا لا نقول عن المسيح أنه جسد أو أنه مخلوق أو أنه كمخلوق مساو
للكلمة, بل نقول أن المسيح هو نفسه الكلمة المساو للآب فى الجوهر بحسب الحق
الكتابي وقانون الإيمان الرسولى.
وهم يزعمون - أي النساطرة - بأن الكلمة منزه عن الولادة وآلام الصلب والموت
ومن ثم القيامة, وأن هذه الأمور خاصة بالإنسان الذى ولد من العذراء لأنه وحده الذى
تألم وصلب عنا, وهو وحده الذى مات بمفارقة روحه الإنسانية جسده فمات ودفن وقام من
الموت بعودة روحه الإنسانية إليه فى اليوم الثالث, وهكذا صارت القيامة التى بها
أباد الموت بالموت ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ص 38 , 39 ) وبهذا صار الإنسان بحسب
معتقد النساطرة هو المخلص لنفسه, أى أنه أقام جسده بروحه الإنسانية من الموت.
والواقع أنه لو كانت روح المسيح إنسانية ولها هذه القدرة , فستكون لأرواحنا
أيضا هذه القدرة, ولو كان لأروحنا هذه القدرة لما مات الإنسان أبدا, ولما كنا فى
حاجة إلى الفداء, ولا إلي حياة جديدة بالروح القدس الذي به نولد ثانية ليس من دم ( كالميلاد
الأول ) بل من إلوهيم ( يوحنا 1 : 13 ) أى من روح إلوهيم .. إن كان روح
إلوهيم ساكنا فينا, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أى روح إلوهيم الذي هو
روح الحياة ) فذلك ليس له .. وإن كان روح الذى أقام يسوع من الأموات ( أى الروح
القدس ) ساكنا فيكم, فالذي أقام المسيح من الأموات ( أى الروح القدس الذى هو
روح الحياة التي فى المسيح يسوع ) سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية
8 : 2 , 10 - 11 ) أى أننا سنقوم من الموت بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 :
14 ) الذي هو روحا محييا ( كورنثوس الأولي 15 : 45 ).
من هذه الآيات يتضح أن قيامة جسد المسيح وقيامتنا هي بالروح القدس وليس
بروح انسانية حسب معتقدهم, لهذا ينكر النساطرة تألم الكلمة وصلبه وقيامته بجسده
الخاص بالقول:
لماذا تكذبون وتدعون بإن إلوهيم تألم وقام بالجسد, ولو أن إلوهيم تألم وقام
بالجسد, فإن هذا معناه أن الآب والبار قليط ( الروح القدس ) قد تألم لأن لجوهر
اللاهوت اسم واحد والطبيعة الإلهية للثالوث طبيعة واحدة ( " ظهور الثالوث
المقدس " المنشور تحت عنوان " ظهور المسيح المحيى " ف 13 ص 31
).
وهذا معناه أنهم ينكرون لاهوت المسيح وأنه الحياة والمحيي لجميع الأجساد
لاعتقادهم الفاسد بأن القيامة ليست بروح إلوهيم بل بالروح الإنسانية التي تمسك من جسد
الموت وتحدر معه إلي القبر أى الهاوية ( تكوين 37 : 35 ) ثم إلي جهنم ( أشعياء
66 : 24 ) إن لم تحصل علي الحياة الجديدة بالروح القدس بغسل الميلاد الثانى ( تيطس
3 : 5 ) لأن أرواح البشر ليست محيية للجسد بحسب معتقدهم الفاسد الذي جعلهم ينكرون
به لاهوت المسيح وقيامته بقوته, وهو ما أثبته نسطور نفسه في رسالته الشهيرة
بالخامسة بقوله ما موجزه :
أن خورس الآباء .. لم يقل أن اللاهوت يمكن أن يتألم, ولا أن اللاهوت قام من
الأموات عند اقامة هيكله المنقوض ( الرسالة رقم 5 لنسطور ف 3 ص 32 ).
ورغم أن الإنسان حسب معتقدهم هو الذى ولد وصلب وقام إلا أنهم ينسبون هذه
الأمور للكلمة بسبب حلوله فى روح المسيح الإنسانية التى خالطها بتوسط من عقلها
المالك للروح والجسد الخاصين به وهذا ما أثبته ثيؤدورت أسقف قورش فى مؤلفه " الجامع
للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان "
ك 1 ق 3 ف 5 ص 63
والواقع أنه لو كانت الروح الإنسانية العاقلة هى التى تحيى جسد المسيح حسب
نسطور وليس الدم, ومات المسيح بمفارقة روحه الإنسانية جسده لمدة ثلاثة أيام لدب
فساد الموت في الجسد فورا .
أما إن كانت روح المسيح إلهية ومات الجسد بموت الدم, فإن المسيح سيبطل موت
الجسد فورا بروحه المحيى كما هو مكتوب : مماتا فى الجسد ( بموت الدم ) ولكن ( أى
الجسد ) محيى ( أى مقام من الموت ) في الروح ( أى بالروح القدس ) الذى فيه أيضا
ذهب فكرز للأرواح التى في السجن ( بطرس الأولى 3 : 18 ) الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع
السماوات ، لكي يملأ الكل ( أفسس 4 : 10 ).
وبداهة أن الروح الذى ينزل ويصعد فوق جميع السموات لكي يملاء الكل لا يمكن
أن تكون روحا انسانية محدودة تعجز عن الحركة بدون جسد حي بقوة حياة ليست من ذاتها.
وأيضا فإن القول : " مماتا فى
الجسد ولكن محيى في الروح " تعنى أن الجسد كان حيا بروح إلوهيم رغم أن فيه
شىء ممات أى الدم. مثال ذلك قول الكتاب عن إبراهيم بأنه لم يرتاب فى وعد الرب (
بأن يمنحه إبنا ) رغم أن جسده صار مماتا إذ كان ابن نحو مئة سنة, ولا مماتية
مستودع سارة ( رومية 4 : 19 ).
وهذا معناه أن جسد المسيح وإن مات بحسب الدم على الصليب إلا أنه أى الجسد كان
محييا أى مقاما من الموت بروح الحياة التى فى المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 , 9 -11 )
لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ( أى أن الكلمة وإن مات على الصليب موتا شبيها بموتنا بموت
الدم ) لكنه ( أى جسد الكلمة ) حي بقوة إلوهيم ( أى بالروح القدس ) ( كورنثوس
الأولى 13 : 4 ) الذى به أيضا أى بالروح المحيى نزل إلى الهاوية ( أى طبقات الأرض
السفلى ) من قبل الصليب وصعد إلى أعلى السموات ليملاء الكل, أى كل الذين يخلصون به
بالمعمودية التي هي شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ( رومية 6 : 3 -5 ) ودون
أن يخلو منه مكان.
وهكذا أبطل المسيح موتنا بمجرد أن التقى به فى جسده بموت الدم على الصليب, إذ
لم يكن ممكنا لروح الذى هو الحياة والمحيى أن يمسك من جسد الموت مثلنا, وهكذا
بالموت أباد الموت وألبس الجسد عدم الموت, ولكنه ستر حياته تدبيريا ونزل إلى القبر
حيا بروحه المحيى, ليتم قول الرب بحسب الآية أو المعجزة التى ستعطي لليهود بقوله
تبارك اسمه:
لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، هكذا يكون ابن
الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ( متي 12 : 40 ).
وهذا معناه للفاهمين أنه كما كان يونان حيا فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث
ليال, قبل أن يخرج من بطن الحوت حيا, هكذا سيكون ابن الإنسان حيا فى قلب الأرض
ثلاثة أيام وثلاث ليال قبل أن يخرج من القبر حيا ويعلن قيامته لخاصته حتى لا تحل
الدينونة فورا لو أظهر للعالم كله أنه القدوس الذى لا يموت.
وهذا يتعارض مع قول النساطرة بأن المسيح مات بمفارقة روحه الإنسانية المتحدة
باللاهوت الذى يسكنها جسده وبعودتها إليه فى اليوم الثالث أحيته. رغم أن هذا معناه
أن الفساد دب فى الجسد بمجرد موته بمفارقة روحه التى تحييه جسده, ولا يجوز القول
أن اللاهوت لم يفارق الجسد المائت فى القبر, لأن اللاهوت محتجب بالروح الإنسانية
وليس بالجسد حسب معتقدهم.
وأيضا فإن وجود الكلمة في الجسد المائت
بعد أن فارقته الروح الإنسانية التي تحييه يجعله أمام خيارين لا ثالث لهما, الخيار
الأول أن يبطل موت الجسد ويقيمه من الموت بروحه المحيي حتى لا يدب فيه الفساد, وفى
هذه الحالة ما الحاجة للروح الإنسانية العاقلة إن كان اللاهوت هو الذي احيا الجسد
وأبطل فساده علي الصليب.
والواقع أنه إن كان الجسد حيا باللاهوت في القبر ليبطل فساده فهذا معناه
أنه تجسد.
والخيار الثاني أن يمسك من جسد الموت مثل البشر منتظرا عودة الروح
الإنسانية إليه فى اليوم الثالث لتقيم الجسد الذي تحلل بالموت.
وهذا ما أثبته ثيؤدورت نفسه بقوله ما موجزه
:
أن النفس ( أى الروح التي تحيي الجسد حسب
معتقده ) متي فارقت الجسد تحلل الجسد ( " ظهور المسيح المحيي " ف 1 ص 15
) فإذا كان الكلمة قد مات ( أى باتحاده بالجسد المائت ) واحتاج إلي آخر لكي يقيمه
( أى النفس الإنسانية العاقلة ) فيكون نصر الذي أقامه ( " ظهور المسيح المحيي
" ف 17 ص 38 ).
ووفقا لمعتقدهم فإن الروح الإنسانية العاقلة
هي التى ستقيم الجسد المائت وليس روح الكلمة الذي هو الروح القدس الرب المحيي.
والوقع أن الروح الإنسانية أعجز من أن تتحرك وتنزل إلى الهاوية فضلا عن
إقامة جسدها لأنها بالطبيعة والخلقة غير محيية للجسد ولا قدرة لها علي الحركة بدون
الجسد الحي بالدم , وبداهة فإن حلول روح إلوهيم في جسد إنسان أو روحه لن يجعله
إلها يعبد, ولن يعطي روحه القدرة على إحياء جسده, وإلا صارت روح الإنسان محيية
مثل روح إلوهيم, ومن ثم ستكون فى غير حاجة لإلوهيم نفسه.
والواقع أن أرواح الملائكة والبشر لا تستطيع أن ترى أو تسمع أو تتحرك بدون
جسد حى إما بالدم مثل أجساد البشر المصنوعة من تراب الأرض, وإما بالروح القدس مثل أجساد
الملائكة المصنوعة من رياح نارية.
ومن ثم فإن أرواح البشر والملائكة لا تستطيع أن تسمع أو ترى أو تتحرك إلا من
خلال جسد حى بالدم أو بالروح القدس, فإذا مات الجسد بموت الدم بالنسبة للبشر أو
فارق الروح القدس أجساد الملائكة الساقطة فى الدينونة فإنها تمسك من جسدها كما فى
سجن دون أن يكون لها أدني قدرة على تحريك الجسد أو احيائه لأنها ليست محيية كروح
الرب الذى هو الروح القدس الرب المحيى.
مما تقدم يتضح أن الروح الوحيد المحيى هو روح إلوهيم أى روح المسيح لأن
المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أى روح الحياة ( رومية 8 : 2 ) أى
أنه وحده روح القيامة والحياة الذى له وحده القدرة على احياء أجساد الملائكة
والبشر إما بحلوله في أجسادها ليحييها أو يقيمها من الموت, وإما بنفخة فيه فى أنف
آدم التى صيرته نفسا حية أى حى بالدم كما هو مكتوب نفس أنوفنا مسيح الرب ( مراثى
أرميا 4 : 20 ).
فروح المسيح المحيى هو وحده الذى ليس فى احتياج لجسد ليتحرك به إذ له وحده
القدرة على أن يتحرك دون جسد عكس جميع الأرواح المخلوقة التى لا تستطيع بدون الجسد
الحى إما بالدم أو بالروح القدس أن تتحرك, لهذا خلقت بأجساد حية بقوة حياة خارجة
عنها. أى أن الجسد الحى بالدم أو بالروح القدس بالنسبة لجميع الخلائق العاقلة مكمل
لها لانها بدونه لا تستطيع أن تتحرك أو ترى أو تسمع أو تتكلم.
لهذا فإن روح المسيح وحده إذ هو روحا محييا هو الروح الوحيد الذى ليس له أى
احتياج لجسد حى باعتباره مكمل له حتى يتحرك بواسطته لأنه هو الحياة والمحيى لجميع
الأجساد, لهذا قيل عنه عندما شاركنا فى اللحم والدم أنه تجسد ليس أنه فى احتياج
للجسد ليتحرك به مثلنا بل لكى يأخذ جسدا حيا بالدم القابل للموت مثل أجسادنا لكى
يموت به حتى يكفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة
الموت, ويبطل موت الجسد بمجرد أن يلتقى به فى جسده العديم الموت, وهذا هو المقصود
من القول بأنه : يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).
وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
لأنه لم يكن ممكنا أن يلبس الجسد المائت عدم موت إلا ربنا يسوع المسيح الذى
هو الحياة ( رومية 8 : 2 ) ( أثناسيوس الرسولي " تجسد الكلمة " ف 20 : 1
).
وهذا يتعارض مع بدعة نسطور المؤسسة على خطأ الخلط بين النفس الحية القابلة
للموت والفناء وبين الروح الخالدة التى لا
تفنى ولا تموت, وقد ترتب علي هذا الخلط أن اعتقد النساطرة أن الخطية فى الروح
وليست فى الجسد, وأن حكم الموت صدر ضد الروح التي أخطأت فكريا والتى قيل عنها
النفس التى تخطىء تموت ( حزقيال 18 : 4 ) ( تجسد ربنا يسوع المسيح
ف 19 ص 43 ) وبداهة أن المقصود بالنفس التى تموت الدم وليس الروح الخالدة
التي لا تموت , لأن نفس الجسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 11 ).
فكيف إن كانت روح المسيح الإنسانية قابلة للموت والفناء تبيد الموت بالموت,
وكيف أبادت الموت بالموت إن كانت الروح الإنسانية التى تحيي الجسد قد فارقته على
الصليب فمات؟! أى أن جسده خضع للموت والفساد الذي يدب في الجسد فور موته بمفارقة
روحه الإنسانية التى تحييه جسده بحسب معتقدهم.
وإن
كان حكم الموت قد صدر ضد روح آدم التى أخطأت فكريا حسب زعم النساطرة, فكيف ستعود لتحيى
جسدها وهى خاطئة ومحكوم عليها بالموت الأبدي, وكيف إن كانت محيية للجسد كروح الرب
يموت الجسد رغم أنه صار غير مائت لأن الروح التى تحييه لا تموت كالدم الذى هو
نفس حية التى هى بالحق علة حياة الجسد الحيواني الحي بالدم لا بالروح.
من الواضح أن النسطورية قائمة على سلسلة من الأخطاء والمغالطات والمتناقضات
والخرافات التى تقوض بعضها البعض, فضلا عن تعارضها مع الحق الكتابي والمنطق والعلم
ذاته.
بعد حرم بدعة نسطور فى مجمع أفسس الأول المنعقد سنة 431 ميلادية عمد أقطاب
النسطورية أمثال ثيؤدورت أسقف قورش ويوحنا الأنطاكى إلى تزوير رسائل وكتب للقديسين
أثناسيوس الرسولي وباسيليوس وغريغوريوس وغيرهم, كما حرفوا وزوروا كتابات للقديس
كيرلس عمود الدين نفسه وصاروا ينشرونها باسمه وكأنه غير معتقده وصار من أصحاب
الطبيعتين مثلهم, وقد أشار القديس كيرلس نفسه إلي هذا التحريف والتزوير فى رسائله
فى الرسالة رقم 40 ف 27 ص 58 كما أشار إلي التزوير في رسائل القديسين في الرسالتين
رقم 39 ف 8 ص 49 ورقم 67 ف 7 ص 74 وهي رسائل رغم أنها أيضا مزورة ومحرفة إلا أنها
تضمنت هذه الإشارات إلي التزوير حتي يعتقد من يقرأها أنها الصحيحة في حين أنها أيضا
محرفة لتضمنها تعاليم مضللة تحرم نسطور ظاهريا بزعم أنه يعلم بشخصين متصلين ومنفصلين
في المسيح, وكأن المشكلة هي في كيفية تأنس الكلمة بالإنسان يسوع المسيح هل هو علي
سبيل الإتصال أم الإتحاد ومن ثم يعلمون بذات تعاليمه المثبتة للطبيعتين المتحدتين
في المسيح, والتي يعبرون عنها بالقول بذات معتقد نسطور بأن الكلمة اتحد بالجسد
أقنوميا ( الرسالة رقم 17 ف 10 ص 26 ) ويعنون بالجسد الإنسان الذي تحييه روح
انسانية عاقلة ( الرسالة رقم 17 ف 14 ص 30 ) وهي البدعة التي تم حرمها في مجمع
أفسس الأول بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بين الكلمة والروح الإنسانية العاقلة التي
تأنس بها الكلمة حسب معتقدهم.
هذه الكتب والرسائل المزورة زعموا فيها كذبا وتضليلا أن نسطور حرم لرفضه
الإتحاد الأقنومي بين أقنوم الكلمة وأقنوم العقل البشرى في وحدانية اسم المسيح
ووحدانية اسم البنوة الأمر الذي ترتب عليه حسب زعمهم سقوطه في بدعة التعليم بابنين
ومسيحين وشخصين فى المسيح الواحد.
والواقع أن مجرد ذكر كلمة اتحاد بين ابنين أو طبيعتين عاقلتين فى المسيح بمعني
أن الكلمة أخذ جسدا تحييه نفس إنسانية عاقلة ( الرسالة رقم 55 ف 21 ص 35 ) يجعلهم
ساقطين فى بدعة التعليم بشخصين وابنين وطبيعتين عاقلتين فى المسيح بصرف النظر عن
كيفية الإتحاد بينهما المرفوضة علي كل وجه, لأن ما بني على باطل هو باطل.
وهذا ما حاول ثيؤدورت إثباته في رسالة منسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين
هاجم فيها عقيدة القديس كيرلس في الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد
بقوله بعد محاولة اثبات اتحاد الطبيعتين العاقلتين فى المسيح ما نصه :
وهذه المسألة أيضا ( أى مسألة اتحاد الطبيعتين العاقلتين في المسيح الواحد
) ليست محاربة لأولئك الذين يقولون أن هناك طبيعة واحدة ( أى روح واحدة ) متجسدة
للابن ( أى للمسيح باعتباره ابن إلوهيم الوحيد ) وأصحاب هذه المسألة ( أى أصحاب
الطبيعة الواحدة للمسيح الكلمة المتجسد ) يناضلون لكي يبرهنوا أن الطبيعتين ( أى
الروحين العاقلتين ) قائمتان دائما, راغبين أن يبرهنوا أن هذه الصيغة ( أي صيغة
اتحاد الطبيعتين العاقلتين ) هي بالحري بلا معني ( لأن مجرد ذكر كلمة اتحاد
بين طبيعتين عاقلتين يعنى وجود شخصين وابنين في المسيح ( الرسالة رقم 46 ف 12
ص 103 ).
وعلي هذا فباطلا يزعمون أنهم يؤمنون بابن واحد متحد مع جسده كما جاء في الرسالة
رقم 4 ف 6 ص 15 لأن الجسد عند النساطرة يقصد به الإنسان يسوع المسيح الذى تحييه
روح انسانية عاقلة حسب معتقدهم كما جاء في الرسالة رقم 17 ف 14 ص 30 والرسالة رقم 55 ف 21 ص 35 وكتاب
" ظهور المسيح المحيي " ف 18 ص 40 وفي العديد من مؤلفاتهم.
والواقع أن التعليم باشتراك الابنين في وحدانية اسم المسيح وبالتبعية في
وحدانية اسم البنوة بدون انفصال هو من مخترعات نسطور التي أثبتها فى رسالته
الشهيرة بالخامسة بقوله ما موجزه:
نحن نؤمن أن اسم يسوع المسيح .. هو الاسم الذي يشترك فيه اللاهوت والناسوت
.. حتي أن ما يختص بالبنوة والربوبية لا يكون فيه انفصال . وما يختص بالطبيعتين ( أى
بالروحين الإلهية والإنسانية ) لا يكون فيه خطر الإختلاط في وحدانية البنوة
.. لهذا وضع اسم المسيح أولا كإسم يشير إلي جوهر اللاهوت وجوهر الناسوت في شخص
واحد ( أى شخص المسيح )( الرسالة رقم 5 لنسطور ف 4 , 5 ص
32 ,33 ).
كما زعم أن المسيح كإنسان كرم بصفة خاصة بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 ف
6 ص 15 ).
وبهذا اشترك الإبن الزمنى مع الابن
الأزلى فى وحدانية اسم إبن إلوهيم وكرامته الإلهية كإله يعبد.
وهذا ما أثبته ثيؤدورت عندما كان علي المذهب النسطوري بقوله :
نحن نعترف بمسيح واحد ( أى الإنسان يسوع
المسيح ) ورب ( أى الكلمة ) ليس اننا نعبد انسانا مع الكلمة .. ولكننا نعبد
واحدا .. ليس كإبنين يجلسان مع الآب بل كابن واحد متحد مع جسده ( أى مع المسيح
باعتباره الجسد, لأن الجسد عند النساطرة حى بالروح الإنسانية العاقلة وليس بالدم
) ولكن اذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أى الذي بين الشخصين أي الإبنين فى وحدانية
اسم المسيح ووحدانية اسم الابن الوحيد ) سواء بسبب تعذر ادراكه أو بسبب عدم قبوله
( وهذه بديهية لعدم منطقية تعليم الإتحاد بين شخصين فضلا عن تعارضه مع الحق
الكتابى ) نسقط فى التعليم بإبنين ( والواقع أنهم ساقطين في التعليم بابنين أى
شخصين سواء قبلوا الإتحاد بين الشخصين أو لم يقبلوه, لأن قبول الإتحاد أو رفضه لن
يغير من حقيقة الوضع شيئا وهو وجود روحين فى المسيح أحدهما إنسانية والأخري إلهية
) ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).
وهذا معناه أنهم على ذات معتقد نسطور القائل
بطبيعتين عاقلتين فى المسيح. أى أنهم يحرمون نسطور ويقولون مقولته, لأن نسطور حرم
لإنكاره لاهوت المسيح بقوله بأن العذراء لم تلد الكلمة حسب الجسد بل ولدت إنسانا
مثلنا يدعى يسوع المسيح محيا بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة, لأنه بصرف
النظر عن كيفية اتحاد الكلمة بالروح الإنسانية العاقلة أي سواء تأنس الكلمة بعقلها
أى صاحبه وتكلم من خلاله دون أن ينحيه بحسب نسطور, أو تقمصه ونحي عقله وقام مقامه
في تشخيص الروح البشرية بحسب ثيؤدورت, فإن علة الحرم قائمة وهي أن العذراء لم تلد
الكلمة بل ولدت الإنسان الذي تأنس به الكلمة بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بينهما.
فنسطور لم يحرم فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية لرفضه الإتحاد بين الأقنومين فى وحدانية اسم البنوة بحسب مزاعم
أساقفة الشرق من النساطرة, لأن هذه المزاعم يجبها حرم أصل بدعة نسطور القائمة علي
أساس إنكار لاهوت المسيح ومجيئه وظهوره فى الجسد بإنكار ولادته وتجسده من العذراء
القديسة.
لهذا
تعجب القديس كيرلس من تعاليم يوحنا الأنطاكى وأساقفة الشرق النسطوريون الذين
يحرمون تعاليم نسطور ومع ذلك يفكرون وينطقون بتعاليمه ( الرسالة رقم 60 ف 3 ص
56 ).
ويبدوا أنه كان يشير إلى رسائل يوحنا
الأنطاكى على مثال تلك التى يقول فيها أن نسطور حرم لقوله بإبنين ومسيحين بمعني
أنه يعلم بابنين متصلين أى متجاورين ومتصاحبين أى متأنسان بمعني أن كل منهم تأنس
بصاحبه وأنس له, وليسا متحدين في وحدانية البنوة بدون انفصال بقوله :
نحن نعترف أن ربنا يسوع المسيح هو الابن
الوحيد لإلوهيم لأننا هكذا نعرف الإختلاف فى الطبائع وخصائصها ( بمعنى أن خصائص
روح الرب تختلف عن خصائص روح يسوع المسيح باعتباره انسان مثلنا حسب معتقدهم )
ولكننا نعرف مع ذلك الوحدة الفائقة غير المنقسمة ( أى غير المنفصلة بين الابنين فى
المسيح أى أنهم يميزون عقليا وباطنيا بين الإبنين المشتركين في وحدانية اسم البنوة
أى اسم الابن كما يشتركون في وحدانية اسم المسيح ) ونحن نعتقد فى نفس الوقت أن
الذين يقولون بابنين أو مسيحين هم غرباء عن الإيمان الصحيح , ونحن نعتنق ذلك القول
المقدس لوقارك الذي يصرح متفقا مع الكتاب المقدس رب واحد يسوع المسيح رغم عدم
تجاهل اختلاف الطبيعتين ( أى الروحين الإلهية والإنسانية في المسيح ) ( الرسالة
رقم 66 ف 11 ص 71 ).
وهذا معناه حسب الأنطاكى أن نسطور صار غريبا عن الإيمان لقوله بابنين
ومسيحين فى المسيح الواحد, رغم أنه هو نفسه أى الأنطاكى يقول بطبيعتين عاقلتين فى
المسيح الواحد وهو ذات معتقد نسطور الذى أثبته فى رسالته الشهيرة بالخامسة بقوله
ما موجزه:
بأنه يمتدح تميز الطبيعتين
العاقلتين فى شخص واحد أى شخص المسيح الواحد, وأن الطبيعتين غير مختلطتين فى
وحدانية البنوة, وأن اسم المسيح يشير إلى الجوهر القابل للآلام ( أى الروح الإنسانية
حسب معتقده ) والجوهر غير القابل للآلام ( أى الروح الإلهية ) فى شخص واحد.
والواقع أن الأرواح في ذاتها لا تتألم ولا تموت وإنما تشعر عقليا بما يقع
علي جسدها من آلام وتتأثر بها وتنفعل بها وجدانيا.
مما تقدم يتضح أن يوحنا الأنطاكى كان علي
ذات معتقد نسطور بتأنس الكلمة بإنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة , لهذا نراه يستخدم
ذات ترتيب الأسماء بحسب نسطور للدلالة على الإتحاد بين اللاهوت والناسوت, فالقول
يسوع المسيح يعنى به الإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة, والقول بالابن الوحيد
يعنى به الكلمة الذى تأنس بروح المسيح الإنسانية العاقلة أى صاحبها, لهذا يردف عقب
ذكر هذه الأسماء قوله مع عدم تجاهل اختلاف الطبيعتين العاقلتين أى تميزهما فى شخص المسيح.
وهذا معناه أنه على ذات معتقد نسطور القائل
بطبيعتين عاقلتين فى شخص المسيح الواحد. أى أنه يحرم نسطور ويقول مقولته لأن نسطور
حرم لإنكاره لاهوت المسيح بقوله بأن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت إنسانا مثلنا له
روح انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة وشاركها اسمها كما شاركته اسمه بحيث صار معا
يعرفان من خلال شخص أو عقل المسيح الواحد الذي تأنس به الكلمة.
أى أن العلة الأساسية للحرم قائمة وهى قولهم
مقولة نسطور بأن العذراء لم تلد الكلمة بحسب الجسد , وإنما ولدت انسانا مثلنا يدعى
يسوع المسيح محيا أى حي بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة, وسواء تأنس الكلمة بعقلها
حسب نسطور أو نحاه وقام مقامه فى تشخيص روح المسيح الإنسانية حسب ثيؤدورت, فعلة
الحرم قائمة.
أى أن الكلمة حسب نسطور حل فى روح المسيح الإنسانية حلولا تشخيصيا, وبهذا
جعلها روحه الخاصة حسب معتقدهم , فصار يتكلم منها بتوسط من عقلها البشرى دون أن
يبطله, لأن الإتحاد بحسب نسطور هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, أى أن
كل طبيعة عاقلة قائمة بعقلها الخاص, وبهذا أنكر لاهوت المسيح, فضلا عن تقسيمه شخص
المسيح الواحد إلى شخصين أحدهما إنسان والآخر إله كل قائم بعقله الخاص فى جسد
المسيح الواحد.
وهى العقيدة الباطلة المنافية للمنطق والمضادة للحق الكتابي التى تأسست
عليها جميع المذاهب النسطورية, وذلك بصرف النظر عن كيفية تأنس الكلمة بالروح
الإنسانية العاقلة هل حل فيها حلول تأنس ومصاحبة بحسب نسطور, أم أن الكلمة تقمص العقل
البشرى ونحاه وقام مقامه فى تشخيص روح المسيح الإنسانية بحسب معتقد ثيؤدورت ( الجامع
للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 4 ص 53 ) أم أن طبيعتي المسيح اتحدتا ( أى امتزجتا ) فى طبيعة
واحدة من الطبيعتين مشخصة بالكلمة بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى, أم أن الأبنين الأزلى والزمنى صارا بالإتحاد ( أى بالإمتزاج ) ابنا ثالثا ليس إلهيا ولا انسانيا
.. لذلك قالوا بابن من ابنين وجوهر من جوهرين بحسب يعقوب
البرادعى ( العلامة اليعقوبى ابن المكين " الحاوى " ص 44 – 45 ).
مما تقدم يتضح تفنن النساطرة فى محاولة الإلتفاف على الحرومات بأساليب
مخادعة لهلاك أنفسهم, لهذا نراهم يزعمون كذبا فى رسائلهم المضللة أن نسطور حرم
لقوله بشخصين متصلين وليس متحدين ( ممتزجين فى اقنوم واحد بحسب معتقد اليعاقبة )
فى المسيح, رغم أن نسطور نفسه أثبت فى رسالته الخامسة وفى مؤلفاته المنسوبة للقديس
أثناسيوس الرسولى وفى العديد من الرسائل المحرفة المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود
الدين اتحاد الطبيعتين العاقلتين في شخص المسيح بالقول :
إن الكلمة قد وحد مع نفسه أقنوميا ( أى مع
أقنومه ) جسدا محيا بنفس عاقلة .. وأنه على الرغم أن الطبيعتين ( أى الروحين )
اللتين اجتمعتا معا فى وحدة حقيقية مختلفتان, فإنه يوجد مسيح واحد وابن واحد من
الاثنين ( الرسالة رقم 4 ف 3 ص 13 ) ويستطرد
قائلا :
وهكذا فنحن نعترف بمسيح واحد ( أى الإنسان
يسوع المسيح ) ورب ( أى الكلمة ) ليس اننا نعبد انسانا مع الكلمة .. ولكننا
نعبد واحدا .. ليس كإبنين يجلسان مع الآب بل كابن واحد متحد مع جسده ( لأن الجسد عند النساطرة حى بالروح الإنسانية لا بالدم )
ولكن اذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أى الذي بين الإبنين ) سواء بسبب تعذر ادراكه
أو بسبب عدم قبوله نسقط فى التعليم بإبنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).
وقد أوضح القديس كيرلس في الفقرة الوحيدة
الصحيحة بالرسالة رقم 4 المنسوبة له زورا بأن تعليم الإتحاد الأقنومى أى الشخصي
بين ابنين هو تعليم غير كتابى بقوله:
" انه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا
حتى ولو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( الإبنين ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة
قد وحد شخصا من البشر بنفسه, بل أنه صار جسدا, والكلمة إذ قد صار جسدا لا يكون
آخرا , إنه اتخذ دما ولحما مثلنا. إنه جعل جسدنا خاصا به " ( الرسالة رقم 4 ف
7 ص 16 ).
كما أثبت نسطور فى رسالته الشهيرة بالخامسة أن
الابن والرب غير منفصلين وأن الطبيعتين غير مختلطتين فى وحدانية البنوة ( الرسالة
رقم 5 ف 4 ص 32 ) مثبتا وحدانيتهم فى شخص المسيح بقوله ما موجزه:
أنه
حتى لا يظن أحد أن الكلمة خضع للآلام وضع اسم المسيح أولا كاسم يشير إلى الجوهر
القابل للآلام ( الإنسان ) وإلى الجوهر الغير قابل للآلام ( الكلمة الذى سمى باسم
المسيح منذ حلوله فيه ) فى شخص واحد.
واستطرد منكرا لاهوت المسيح وتجسده بجعله
شخص آخر غير الكلمة بالقول :
أن الآباء القديسين لم يذكروا ولادة ( تجسدا
) حسب التدبير بل تأنسا ( أى أن الكلمة لم يولد من العذراء بل تأنس من البطن
بالإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة المولود منها ) ( الرسالة رقم 5
ف 5 ص 33 ).
وعلى هذا فباطلا يزعم يوحنا الأنطاكى
وأساقفة الشرق أن نسطور حرم لقوله بالإتصال بين الشخصين وليس بالإتحاد بينهما
بموجب اتحاد أقنومى أى شخصى حسب زعمهم مستخدمين ذات كلمات نسطور التى قالها لإثبات
الإتحاد بين الإبنين فى وحدة اسم وشخص المسيح الواحد.
وهم يزعمون هذا الفرق المصطنع ليظلوا على
نسطوريتهم لأن الابنين قائمين فى شخص المسيح سواء اتحدا او اتصلا.
وعن
اعتقاد نسطور فى الإتحاد الأقنومى أى البرسبونى يقول القمص تادرس يعقوب ملطى ما
نصه :
" كان نسطور نفسه يردد العبارة : توجد طبيعتان لكنه شخص واحد , فقد
أمن بالإتحاد البروسبونى " ( القمص تادرس يعقوب ملطى
" الإصطلاحان طبيعة وأقنوم " ص 39 ).
وهذا معناه أن نسطور كان يعتقد فى الإتحاد الأقنومى أى الإتحاد بين الشخصين
فى وحدانية البنوة, ومن ثم فإن نسبة تعليم الإتحاد الأقنومي للقديس كيرلس عمود
الدين غير جائز لأنه يجعله كنسطور من أصحاب الطبيعتين وليس من أصحاب الطبيعة
الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد .
والواقع أن نسطور كان يعتقد بأن المسيح كإنسان
مثلنا هو شخص الإتحاد الجامع للطبيعتين العاقلتين القائمتين كل بعقلها الخاص
والمتحدتين معا فى برسبون الإتحاد أى شخص المسيح الواحد باعتباره الإسم المشترك
بين الطبيعتين العاقلتين كما جاء فى رسالته الخامسة.
ويزعم القمص أن الإسكندريون جعلوا الإتحاد
بصيغة " من اثنين " للطبيعة الواحدة لكلمة إلوهيم المتجسد, وتبنوا
الإتحاد الأقنومى ( القمص تادرس يعقوب ملطى " الإصطلاحان
طبيعة وأقنوم " ص 39 ).
والواقع أن الذى جعل الإتحاد بصيغة " من
اثنين " أى " من طبيعتين " هو ساويرس الأنطاكى الذى رسم اسقفا على
كنيسة أنطاكية سنة 512 ميلادية على المعتقد الخلقيدونى, فعقد مجمعا فى العام
التالي رفض فيه معتقد خلقيدونية بالقول : بأن أقنوم الكلمة ( الذى أبطل العقل
البشرى فى الطبيعة الإنسانية وقام مقامها فى تشخيص روح المسيح الإنسانية ) ليس هو
المشخص والجامع للطبيعتين الإنسانية والإلهية فى المسيح حسب معتقدهم بل هو المشخص
لطبيعة واحدة من الطبيعتين العاقلتين , طبيعة تجمع صفات الطبيعتين دون أن تكون أيا
منهما على حدة ولا معا.
أى أن أقنوم الكلمة صار هو المشخص لروح واحدة
من الروحين بحيث صارت هذه الروح الجديدة تجمع خصائص الروحين الإلهية والإنسانية
معا دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا , ورغم أن هذا معناه امتزاج الطبيعتين
وملاشاة بعضهما البعض ونشوء طبيعة جديدة, إلا انه يقول بأن الإتحاد بدون اختلاط
ولا امتزاج ولا تغيير وهذا معناه فض الإمتزاج والخلطة والعودة إلى دائرة النسطورية
.
أما مقولة الإتحاد الأقنومى أى الذي بين
الشخصين فى شخص المسيح الواحد بحسب نسطور فلا محل لها فى بدع اصحاب الطبيعتين من
خلقيدونيين وانطاكيين ويعاقبة, لأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعتين فى معتقد
ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, وهو المشخص للطبيعة التى من طبيعتين عند ساويرس الأنطاكى
ومن ثم فلا وجود لأقنوم الابن البشرى فى هذه العقائد, ومن ثم فلا يوجد اتحاد
اقنومى بين الابنين لأن أقنوم الكلمة ابطل العقل البشرى وقام مقامه فى تشخيص روح
المسيح الإنسانية وهى العقيدة التى قال بها ثيؤدورت وأخذ بها مجمع خلقيدونية
وساويرس الأنطاكى, وهكذا أيضا لا يوجد اتحاد اقنومى بحسب يعقوب البرادعى لقوله
بابن من ابنين وجوهر من جوهرين.
وهكذا انحدروا من بدعة إلى بدعة أكثر جنونا
من سابقتها لأن جميعها مؤسسة على ضلالة أن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت الإنسان
يسوع المسيح المحيا بنفس انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة واحتجب بها من البطن.
وعلى هذا فإن الخلافات بين أقطاب النسطورية
حول كيفية الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين فى المسيح جميعها قائمة على باطل, وما
بنى على باطل هو باطل.
لأن الكلمة بحسب معتقدهم جميعا لم يتجسد ولم
يظهر فى الهيئة كإنسان, وإنما حل فى إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح انسانية
عاقلة جعلها واحدا معه فى اللاهوت, وهى العقيدة التى تم حرمها فى مجمع أفسس الأول,
كما تم حرم عقيدة ثيؤدورت فى مجمع أفسس الثانى وتجدد حرمها فى مجمع خلقيدونية وذلك
بصرف النظر عن كيفية الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين فى المسيح.
أيا كان الأمر فإن جميع المذاهب النسطورية
تفض اتحادتها بصرف النظر عن كيفيته فى جميع الأحوال التى يتعرض فيها جسد المسيح
للآلام.
فحتى
لا يتألم الكلمة المشخص للطبيعتين بحسب ثيؤدورت أسقف قورش أو المشخص للطبيعة
الواحدة من الطبيعتين بحسب ساويرس الأنطاكى فإنهم جميعا بما فيهم اليعاقبة يعودون
إلى دائرة النسطورية القائلة بروحين عاقلتين فى المسيح, وذلك حتى يتألم أقنوم
العقل البشرى وحده بعد أن يفارقه الكلمة قبل أن يتألم ثم يعود إليه بحسب قدرته أن
يفعل ذلك, وفي هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش
ما نصه:
وهو
الذى ترك نفس ( أى روح ) ناسوته حين أراد من قبل أن يطعن جسده .. ( الجامع
للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).
فالنسطورية بجميع مذاهبها تنكر ولادة الكلمة
وتألمه وصلبه وقيامته بالقول بأن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت انسان مثلنا محيا
بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بها بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
لهذا فإن الإنسان المولود من مريم هو الذى
تألم وصلب ومات بخروج روحه الإنسانية من جسده, وظل الجسد مخضعا للموت حتى عادت
إليه الروح الإنسانية العاقلة فى اليوم الثالث فأحيته من بين الأموات .
وبداهة أن حلول الكلمة فى انسان مثلنا بأى
كيفية لن يحوله إلى إله يعبد حتى وإن قدمه ليتألم ويموت على الصليب فهذا لن يجعل
منه فاديا أو مخلصا, لأن موت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل, وأيضا فإن إلوهيم
منزه عن الحلول فى انسان حلولا تشخيصيا أى حلول تقمص ليعطيه مجده وكرامته ويقدمه
ليعبد عوضا عنه, لأن العبادة ستقدم لروح المسيح الإنسانية العاقلة المحتجب بها
الكلمة حسب معتقدهم , بما يتعارض مع سر العبادة. لأننا سنعبد لا المسيح الكلمة
الذى لا يموت الذى هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره, بل انسان يموت على شبه
صورة إلوهيم فنتقى ونعبد المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك الى الأبد آمين.
فإن كان المسيح بروح انسانية عاقلة وليس
بروح أزلي ( العبرانيين
9 : 14 ) هو الذي أخلي نفسه وصلب عنا لإجل هذا رفعه الآب ومجده بالمجد الذى
كان له قبل الإخلاء, هو الذى كتب عنه: لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء
ومن على الأرض ومن تحت الأرض, ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم
الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) فسيتم فيهم قول الكتاب :
أنهم لما عرفوا إلوهيم لم يمجدوه أو يشكروه
كإله ، بل حمقوا في أفكارهم ، وأظلم قلبهم الغبي, وبينما هم يزعمون أنهم حكماء
صاروا جهلاء, وأبدلوا مجد إلوهيم الذي لا يموت بشبه صورة الإنسان الذي يموت .. الذين استبدلوا حق
إلوهيم بالكذب ، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق ، الذي هو مبارك إلى الأبد .
آمين ( رومية 1 : 21 – 25 ).
أى أنهم بسبب حمقهم حولوا سر عبادتنا العظيم
إلى عبادة لمخلوق مثلنا خلق على شبه صورة إلوهيم وليس هو صورة إلوهيم ذاتها التى
ينكرونها كما ينكرون مجيئه فى الجسد بما يتعارض مع القول : كل روح لا يعترف بأن
يسوع المسيح جاء فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3
) لأنه عظيم هو سر التقوي إلوهيم ظهر فى الجسد, كما يتعارض مع قول الرب : "
للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " ( لوقا 4 : 8 ) وأيضا :
" أنا الرب هذا اسمى ومجدى .. وكرامتي لا أعطيها لآخر " ( إشعياء
42 : 8 + 48 : 11 ).
هذه الأقول التى نطق بها الرب هى حجة على من
يستهين بها ويتقى ويعبد المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد أمين.
الفصل
الرابع
مجمع
أفسس الثانى سنة 449 للميلاد
كان أوطيخا يشغل منصب رئيس دير بالقسطنطينية
وكان صديقا للقديس كيرلس وأشتهر بعدائه للنسطورية ولكتابات ثيؤدورت أسقف قورش.
فما
كان من الأخير إلا أن نشر مؤلفا يقع فى اربع كتب بعنوان " الشحاذ "
أو المتسول ضمنه هجوما مطولا ضد أوطيخا متهما إياه بالأبولينارية نسبة إلى العلامة
أبوليناريوس تلميذ القديس أثناسيوس الرسولي الذى تم حرمه حسب زعم النساطرة في المجمع
المسكوني الثاني المنعقد بالقسطنطينية ( معقل النسطورية ) سنة 381 ميلادية. وهو
مجمع ملفق اصطنعه أصحاب الطبيعتين لحرم أصحاب الطبيعة الواحدة فى المسيح الكلمة
المتجسد.
إلا أن المحقق تاريخيا أن مجمع القسطنطينية
المنعقد سنة 381 ميلادية الذى قيل أنه حرم أبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى لم
يكن مسكونيا, وهنـاك من يشكك فى وجوده أصلا حيث لم يرد ذكره فى كتابات
القديسين كيرلس وديوسقوروس كما لم يرد ذكره فى كتابات نسطور وثيؤدورت الذين أشاروا
فقط إلى مجمعى نيقية وأفسس الأول , وما نسب إليه من
إكمال قانون الأيمان الرسولى يفنده أن هذا القانون من وضع الرسل, وكان يلخص إيمان
الكنيسة فى الثالوث القدوس, وقد وجدت نسخ من قانون الإيمان الرسولى في روما , وأيضا
وجدت نسخة من هذا القانون فى كتابات القديس إيريناؤس سنة 170 ميلادية وكذا فى
كتابات العلامة أوريجانوس سنة 230 ميلادية كما وجدت فى كتابات يوسابيوس القيصرى
سنة 325 ميلادية, وكذلك وجدت فى نسخة رسالة مجمع أنطاكية المرسلة لأسقف رومية سنة
342 ميلادية.
ثم بإيعاز من ثيؤدورت تأمر كل من أوسابيوس
أسقف دوريلوم وفلابيانوس أسقف القسطنطينية النسطورى على أوطيخا لإدانة معتقده فى
الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح.
وبالفعل عقد فلابيانوس أسقف القسطنطينية
مجمعا برئاسته عام 448 للميلاد للنظر فى معتقد أوطيخا بغية تخييره بين قبول
معتقدهم بطبيعتين فى المسيح أو حرمه كهرطوقى.
فرفض متمسكا بعبارة كيرلس الشهيرة طبيعة
واحدة لاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد .
فاتهمه فلابيانوس بأنه يعتقد معتقد
أبوليناريوس الذى حرمتـه مجامع أصحاب الطبيعتين, ونسبوا إليه القول بأن ليسوع
المسيح طبيعة واحدة لاهوتية وأن جسـده ( أى المسيح حسب المفهوم النسطورى )
غير مساو لجسدنا ( أى أنه ليس إنسان مثلنا ) فى جوهره بما أنه جسد إله ( أى
بما أن المسيح إله ) وأن الطبيعة البشرية ابتلعت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة
الإلهية وأوقعوا عليه قرار الحرم والتجريد من منصبه ( "مجموعة الشرع
الكنسى " ص 374 ).
وقد علق أوطيخا على ما نسبه خصومه إليه
بقوله أنه كان يعلن اعترافه طبقا لتحديدات الآباء القديسين فى مجمعى نيقية وأفسس (
دون أن يشير إلى مجمع القسطنطينية الذى تم فبركته فيما بعد من قبل النساطرة ) ولكن
كل شىء كان يحرف قبل تسجيله كما جرى ذلك التحريف على بقية القرارات ( " البابا
ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 105 ).
سعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور
ثيؤدوسيوس الثانى الذى كتب إلى فلابيانوس أسقف القسطنطينية مستفسرا أمر أوطيخا فرد
عليه فلابيانوس شارحا معتقده النسطورى بالقول :
نؤمن بميلادين للسيد المسيح الأول من الآب
للكلمة والثانى من العـذراء للإنسان. إله كامل وإنسان كامل. واحد مع الآب فى
الجوهر من حيث لاهوته, وواحد فى الجوهر من حيث ناسوته. لأننا نعتقد أن له طبيعتين
وأنه تأنس من العـذراء. لذلك نعترف بمسيح واحد ( الإنسان ) ورب واحد ( الكلمة )
كيـان واحد وأقنوم واحد. لذلك نؤمن بطبيعة واحدة متأنسة أو أقنوم واحد متأنس.
لم يرق لثيؤدوسيوس الثانى حكم المجمع
واستشعر نسطورية فلابيانوس فأمر بعقد مجمع مسكونى فى أفسس لإعادة النظر فى قضية أوطيخا
أسند رئاسته لديوسقوروس تلميذ كيرلس عمود الدين فالتئم المجمع فى كنيسة العذراء
مريم فى أفسس فى 8 أغسطس سنة 449 للميلاد وحضره 130 أسقفا بالإضافة إلى نواب لاون
أسقف روما الذين حضروا ومعهم رسالة للمجمع عرفت باسم طومس لاون صاغها له ثيؤدورت
أسقف قورش النسطورى أثبت فيها معتقد القائلين بطبيعتين فى المسيح منكرا تعليم
كيرلس بالطبيعة الواحدة بقوله أن الاعتقاد فى ذلك إرجاف مثبتا حرم أوطيخا إذا لم يتراجع
عن معتقده فى الطبيعة الواحدة اللاهوتية للكلمة المتجسد والإقرار بوجود روح
إنسانية مثل أرواحنا فى ابن إلوهيم الوحيد.
إنعقد مجمع أفسس الثانى برئاسة ديوسقوروس
فقام المجمع بفحص قضية أوطيخا وتثبت أرثوذكسية معتقده الذى حرم من أجله وثبوت
نسطورية الذين حرموه فأصدر المجمع قراره بحرم فلابيانوس أسقف القسطنطينية ودمنوس
أسقف أنطاكية وهيبا أسقف الرها وأوسابيوس أسقف دوريلوم وكل أقطاب النسطورية.
ويرجح أن ديوسقوروس قد أوقع الحرم أيضا على
لاون وطومسه لتضمنه جحدا لمعتقد الطبيعة الواحدة للمسيح. أما علة عدم إبعاد لاون
نفسه عن كرسيه رغم حرمه فلسبب إنتمائه سياسيا للإمبراطورية الغربية الأمر الذى كان
يوجب لتنفيذ الإبعاد أن يعتمد إمبراطور الغرب فالنتيانوس وكان نسطوريا قرار
المجمع.
وهكذا حرم مجمع أفسس الثانى جميع أقطاب
النسطورية وكل من رفض إقرار الإيمان الأرثوذكسى الذى أثبته مجمع أفسس الأول فى
الطبيعة الواحدة للمسيح وأصدر المجمع حكمه برد أوطيخا إلى رتبته باعتباره مستقيم
الإيمان ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 132 , 133 ) (
" مجموعة الشرع الكنسى " ص 377 - 378 ).
كان من الواضح للأسف الشديد أن النسطورية
تفشت فى الكنيسة الجامعة من خلال نشر كتابات ورسائل مزورة ومحرفة منسوبة لأثناسيوس
وكيرلس فى مقدمتها رسالة الصلح المزعوم التى أنكرها أوطيخا فى مجمع فلابيانوس كما
أنكرها ديوسقوروس من بعد فى مجمع أفسس الثانى.
كما كان لقرارات مجمع أفسس الثانى دورها فى
تألب أقطاب النسطورية والتفافهم حول لاون أسقف روما متربصين الدوائر بكرسى
الإسكندرية الرسـولى الذى كان الأول بقديسيه أثناسيوس وكيرلس وديوسقوروس حماة
الإيمان المستقيم فى المسكونة كلها إلى أن حانت الفرصة بوفاة الإمبراطور
الأرثوذكسى ثيؤدوسيوس الصغير وتولى ماركيانوس الحكم وكان نسطوريا فسعى إليه
ثيؤدورت أسقف قورش الهرطوقى المعزول موضحا له ضرورة الدعوة لعقد مجمع مسكونى جديد
( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 293 ) للثأر من أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية
للمسيح على أساس التصديق على طومس لاون المثبت للنسطورية فاستحسن الإمبراطور الرأى
وأمر بعقد المجمع الذى حشدت له النسطورية حشودها وأعدت عدتها إذ كانت ساعتها
وسلطان الظلمة لبذر زوان بدعتها على الأرض.
وتأيد ذلك بما ذكره المؤرخ القبطى يوحنا
النيقيوسى فى الفصل السابع والثمانون من مؤلفه " تاريخ العالم القديم "
بأن الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثانى أرسل خطابا إلى الآباء القديسين بصحراء سيتى فى
مصر ليسألوا من أجله لأنه لم يكن له ابناء ذكور يخلفونه على العرش فأجابوه "
عندما تترك هذا العالم فإن عقيدة آباؤك ستتغير, ولأن إلوهيم يحبك فلم يرزقك أولادا
ذكور حتى لا يشتركوا فى الشرور " .
وحدث عندما تولى ماركيان العرش أن أظلمت الأرض
كلها منذ الساعة الأولى من النهار واستمرت حتى المساء, لأن في عهده الذى بدأ
بالظلمة التي عمت الأرض انقسمت الكنيسة عندما استجاب لأقطاب النسطورية لعقد مجمع
في خلقيدونية للثأر من اًصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد.
الفصل
الخامس
مجمع
خلقيدونية سنة 451 ميلادية
انعقد مجمع خلقيدونية فى 8 أكتوبر عام 451
للميلاد برئاسة أناطوليوس أسقف القسطنطينية وحضره ممثلو روما كما حضره ديوسقوروس
ومعه ثلاثة وعشرون أسقفا مصريا وحشدت النسطورية حشودها فاجتمع نحو 336 أسقفا
أغلبهم نساطرة على مذهب ثيؤدورت أسقف قورش فرفعوا الحرم عن فلابيانوس أسقف
القسطنطينية السابق بعد تلاوة اعتراف إيمانه الذى اعتبروه رغم نسطوريته متفقا مع
تعليم القديس كيرلس رغم أن هذا الإقرار عينه كان علة حرمه كنسطورى ثيؤدورتى فى
مجمع أفسس الثانى.
وفى هذه الجلسة تليت أعمال مجمع فلابيانوس
المنعقد عام 448 للميلاد والمتضمن
رسـالتين مزورتين منسوبتين لكيرلس تثبت النسطورية هما الرسـالة رقم 4 المعروفة
بالرسالة العقائدية الثانية المرسلة لنسطور والرسالة رقم 39 المرسلة إلى يوحنا
الأنطاكى المعروفة برسالة المصالحة وهى التى رفض ديوسقوروس قبولها باعتبارها مزورة
مفندا إياها فى مجمع أفسس الثانى [6]
لأن محتواها يكشف نسطوريتها ويفضح تلفيقها من قبل ثيؤدورت أسقف قورش, ثم تلى طومس
لاون وجميعها مثبتة للنسطورية.
فلما سأل قضاة مجمع خلقيدونية ديوسقوروس كيف
برأ أوطيخا الذى لم يقبل صيغة رسالة المصالحة المرسلة من كيرلس للأنطاكى بينما حرم
فلابيانوس ويوسابيوس القابلين لها ؟ أوضح ديوسقوروس أن كيرلس تسنده كتابات القديس
أثناسيوس يرفض صيغة أن المسيح بطبيعتين متحدتين لذلك نعتقد بطبيعة واحدة للمسيح [7].
عانيا بذلك أن رسالة المصالحة المزعومة مزورة ولا تتفق مـع معتقدات القديس كيرلس.
أنهى المجمع جلسته الأولى على أن يعقد جلسته
الثانية فى 13 أكتوبر إلا أن أساقفة الشرق الأنطاكيين مع مندوبى أسقف رومية عقدوا
جلسة سرية خاصة بهم فى العاشر من أكتوبر إنتهوا فيها إلى أن السماح لديوسقوروس
بشرح معتقده فى الطبيعة الواحدة بالمجمع سوف يؤول إلى تبرئته فأصدروا حكمهم
بتجريده من رتبته مالم يوقع بقبول طومس لاون وأرسلوا الحكم إلى القيصر على وجه
السرعة فصدق عليه وأعلنه للبابا ديوسقوروس الذى لما أطلع عليه وعلى طومس لاون تلاه
على أساقفته فوقعوا على أربعة أركانه بحرم هذه العقيدة ومن يتمسك بها.
عندئذ أوعز ثيؤدورت لماركيانوس وبوليكاريا
أن يستدعيا ديوسقوروس لاستمالته إلى قبول طومس لاون فلما مثل ديوسقوروس أمام
الإمبراطور قال له أحد الأساقفة إنـه إن أراد أن يبقى فى منصبـه فعليه أن يذعن
لرغبة الإمبراطور ولا يخالفه فقال له أن على القيصر أن يشتغل بأمور مملكته ويدع
الكهنة يبحثون الأمانـة المستقيمة لأنهم يعرفون الكتب وخير له أن لا يميل مع الهوى
ولا يتبع غير الحق. فكان أن لطمته بوليكاريا لطمة قوية اقتلعت ضرسين من فمه
لشيخوخته فأنهال عليه بعض الحرس ضربا ونتفوا شعر لحيته فجمع كل ذلك وأرسله فى
رسالة إلى شعبه يقول فيها :
هذا ثمر جهادى لأجل الإيمان. إعلموا أنه قد
نالتنى آلام كثيرة فى سبيل المحافظة على أمانة آبائى القديسين. أما أنتم الذين
بنيتم إيمانكم على صخرة الإيمان القويم فلا تخافوا السيول الهرطقية ولا
الزوابع الكفرية.
ثم عقد المجمع جلسة ثالثة فى 13 أكتوبر دعى ديوسقوروس
لحضورها صوريا ثلاث مرات بينما كان قيد الإعتقال فلما لم يحضر أصدر المجمع حكمه
الذى جاء فيه أنه من حيث لم يحضر رغم استدعائه ثلاث مرات فقد حكم المجمع بتجريده
من رتبته لامتناعه عن حضور المجمع فصدق القيصر على الحكم وأمر بنفى ديوسقوروس إلى
جنجرة بأبولونيا بآسيا الصغرى.
وفى الجلسة الرابعة حكموا بتجريد أوطيخا من
رتبته رغم عدم حضوره المجمع حيث تم نفيه إلى شمال سوريا قبل عقد المجمع.
وفى الجلسة الثامنة تم رد أعتي أقطاب
النسطورية ثيؤدورت أسقف قورش وهيبا أسقف الرها ودمنوس أسقف أنطاكية وأوسابيوس أسقف
دوريليوم إلى مراكزهم.
وهكذا قبل المجتمعون فى خلقيدونية المعتقد
النسطورى وأثبتوه. فكان طبيعيـا أن يقطعوا كل من يتمسك بصيغة الإيمان الأرثوذكسى
بالطبيعة الواحدة اللاهوتية للكلمة المتجسد وأن ينسبوا إلى المتمسكين بتلك الصيغة
ما يستنتجوه من ذلك من خلال منظورهم فى الإعتقاد فى أقنوم واحد إلهى بطبيعتين (
روحين إنسانية وإلهية ).
فكان أن جاءت استنتاجاتهم مفندة لمعتقدهم
دون أن يدروا وأوقعوا الحرم على أنفسهم بأنفسهم فنالوا بذلك جزاء ضلالهم
المحق.
لأنهم بقولهم أن الكلمة هو المشخص للروح
الإنسانية فقد سقطوا في بدعة إبتلاع الكلمة
للعقل البشرى وملاشاته. لأن العقل البشرى لم يؤخذ في الإتحاد.
والعجيب أن ثيؤدورت نفسه أثبت في مؤلفه
الجامع للطبيعتين أن ما يترك في الإتحاد لا يخلص بقوله : فأقنوم الكلمة بكل
اللاهوت أخذ كل ما للناسوت لكى يهب الكل الخلاص .. لأنه
ما لم يؤخذ لم يبرر
" ( الجامع للطبيعيتن ق 3 ف 5 ص 63 ).
والواقع أن ما يميز النفس الإنسانية
العاقلة عن النفس الحيوانية غير العاقلة هو العقل. فإن كانت النفس الإنسانية بلا
عقل فقد صارت نفسا حيوانية.
ثم ان كان ابن إلوهيم الكلمة حسب الحق
الكتابى مولودا من الأب منذ الأزل ويحيا بروح الآب, فهذا معناه أنه المشخص لروحه
الإلهية . فكيف يصير الكلمة عقلا لروح إنسانية منبثقة من أب محدث.
الواقع أن هذه المقولة معناها أن الابن صار
ابنا لمخلوق , والمولود من مخلوق هو مخلوق مثله .
إذ المحقق كتابيا أن لجميع الكائنات العاقلة
ثلاثة أوجه لا قيام لها إلا بها. هي الوجود والعقل والحياة. وأن الوجود هو الجوهر
أو الأصل الذى يولد منه العقل وتنبثق منه الروح. فإذا لا شينا أي وجه من هذه
الأوجه نكون قد أبطلنا وجود الشخص تماما.
هل
كان أوطيخا هرطوقيا ؟
إن دراسة كتابات أصحاب الطبيعتين فى مفهومهم
عن معتقدنا فى الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد تكشف عن ذهن طافح
بالجهل والتعصب الأعمى. من ذلك قول صاحب تاريخ كنيسة أنطاكية :
فى أيام فلابيانوس أسقف القسطنطينية ظهرت
الهرطقة الجديدة هرطقة مذهب الطبيعة الواحدة على يد الأرشمندريت أوطيخا الذى تولى
دعمه ديوسقوروس رئيس أساقفة الإسكندرية. ثم يتجنى على أصحاب الطبيعة الواحدة بقوله
:
أن أصحاب الطبيعة الواحدة كانوا يرون أنه
كان للكلمة قبل التجسد طبيعتان ( أى روحان ) ولكن بعد الإتحاد بقيت للمسيح
طبيعة واحدة لإلوهيم الكلمة المتأنس.
ثم يستطرد قائلا :
" إن النبع الرئيسى الذى نبع منه مذهب
الطبيعة الواحدة كان مؤلفات أبوليناريوس التى كانت تنتشر باسم آباء الكنيسة
ومعلميها الأرثوذكسيين والتى استعملها كيرلس نفسه بثقة كونها أرثوذكسية غير مشتبه
فيها " ( " تاريخ كنيسة أنطاكية
" ص 275, 276, 296 ).
لأن كيرلس كان يستعمل بنية حسنة مؤلفـات
أبوليناريوس المزورة كأنها صحيحة وكان يستعمل بدون تردد عبارة أبوليناريوس "
طبيعة واحدة ( أى روح واحدة ) لاهوتية للكلمة المتجسد " على أنها عبارة
أثناسيوس الرسولى ( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 245 ).
لهذا لم يعترف أساقفة أنطاكية ورئيسهم يوحنا
بتجريد نسطور وبقوا يعتبرون كيرلس أبولينارى فى فصوله الإثنى عشر أى أنه يقول
بطبيعة واحدة للمسـيح ( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 253 ).
وفى مجمع خلقيدونية عندما تليت أعمال مجمع فلابيانوس
لعام 448 وفيها رسالتا كيرلس المزورتين والتى زعموا أنها رسالته الثانية لنسطور
ورسالته ليوحنا الأنطاكى المعروفة برسالة المصالحة فإنه لدى قراءة الثانية صاح
ثيؤدورت والأنطاكيين هكذا نؤمن مثل كيرلس.
ثم يستطرد صاحب تاريخ كنيسة أنطاكية قائلا :
أنه بمواصلة قراءة محضر المجمع تجلت العبارة
" طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد " وهذه العبارة تخص أبوليناريوس
ولكنها موجودة فى مؤلف يحمل اسم القديس أثناسيوس, ولما سمع الأنطاكيين هذه العبارة
قالوا هذا ما يقول به أوطيخا هذا ما يقول به ديوسقوروس " ( " تاريخ
كنيسة أنطاكية " ص 296 ).
إن ما يسعى صاحب تاريخ كنيسة أنطاكية
لإثباته بالإيحاء وكأنه عن اسـتحياء هو أنه بما أن عبارة أبوليناريوس " طبيعة
واحدة لإلوهيم الكلمة المتجسد " قد حرمتها مجامع أصحاب الطبيعتين باعتبارها
شنيعة وبدعة هلاك, وبما أن تلك العبارة عينها استخدمها أثناسيوس وكيرلس وديوسقوروس
وأوطيخا فجميعهم إذن أبوليناريين وجميعهم تحت الحرم عينه لأن الحرومات فى المسائل
العقائدية تنصب على المعتقد أصلا وتلحق كل من يعتنقه أو يعلم به.
والواقع إن حرم أبوليناريوس كمبتدع لقوله
" بطبيعة واحدة لاهوتية للكلمة المتجسد " كان حرما لأثناسيوس الرسولى
ومقدمة لحرم كل أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية كأبوليناريين من قبل مجامع أصحاب
الطبيعتين, وهو ما تحقق بحرم كيرلس وممنون فى أفسس ثم أوطيخا وديوسقوروس فى
خلقيدونية مع كل جهاز كنيسة الإسكندرية باعتبارهم ساقطين فى بدعة الطبيعة الواحدة
تلك البدعة الشنيعة حسب تصورهم أما الاعتقاد فى الطبيعتين فهذا هو المعتقد
الأرثوذكسى من وجهة نظرهم.
ومعلوم أن ديوسقوروس فى مجمع أفسس الثانى
رفض الرسالة إلى الأنطاكى المعروفة برسالة المصالحة المزعومة باعتبارها مزورة وحرم
جميع أقطاب النسطورية وعلى رأسهم فلابيانوس أسقف القسطنطينية الذى دانه كنسطورى
وقطعه من رتبته أما أوطيخا فقد حكم المجمع بأرثوذكسيته وصحة معتقده فى الطبيعة
الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد.
لهذا فهو من جهتنا صحيح الإيمان وما يلصقه
به خصومه من أصحاب الطبيعتين من اتهامات هى محض افتراء ولا يمكن قبولها إلا إذا
قبلنا أعمال مجمع خلقيدونية النسطورى التى هى بحق موضع إدانة لنسطوريتها.
أما برهاننا على براءة أوطيخا مما ألصقه به
خصومه إضافة للبراهين السابقة هو ما سجله لاون نفسه فى طومسه الذى جاء فيه ما
يبرىء أوطيخا ويثبت ترديه هو نفسه فى النسطورية باعترافه بوجود روح إنسانية فى ابن
إلوهيم الوحيد بقوله :
إن أوطيخا يجب أن يعتبر أنه لم يدرك سر هذا
الإيمان لأنه لا يعترف بأن طبيعتنا ( الروح الإنسانية ) موجودة فى ابن إلوهيم
الوحيد أما بواسطة صنعة الموت ( أى ببرهان طريقة الموت الذى لا يتحقق حسب
تصوره إلا بخروج روح المسيح الإنسانية من الجسد وهذه النقطة هى الأساس الباطل الذى
ترتب عليه الإعتقاد بروحين فى المسيح ) أو بواسـطة مجد القيامة ( أى ببرهان عودة
الروح الإنسانية للجسـد المائت الذى كان إلوهيم متحدا به فى القبر لتقيمه من الموت
) ( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 389 ).
ويكفى أيضا لإثبات براءة أوطيخا مما لصقه
به خصومه أنه عندما تليت العبارة " طبيعة واحدة لاهوتية للكلمة المتجسد
" صرخ الأنطاكيين وهاجوا وماجوا إذ كانت ساعتهم وسلطان الظلمة معتبرين
هذه العبارة سبة وشنيعة موجبة لحرم وقطع من يقول بها صارخين هذا ما يقول به أوطيخا
هذا ما يقول به ديوسقوروس.
فصرخ ديوسقوروس كما يزعم صاحب تاريخ كنيسة
أنطاكية قائلا :
نحن لا نقول بالخلط والفصل والتحول فى
الطبيعتين وليحرم القائلون بهذا .. أقبل بمسيح من طبيعتين بعد الإتحاد ولا أقبل
بمسيحين اثنين ( " تاريخ كنيســة
أنطاكية " ص 296 ).
والواقع أن ديوسقوروس ما كان لينطق بتلك
الأقوال التى تثبت عليه ذات البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا, وتجعله من أصحاب
الطبيعتين مثلهم.
لذلك فالصواب أنه قال كما قال أوطيخا : حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين
أو أن المسيح من طبيعتين ( بحسب البدعة المنسوبة لأوطيخا ) وليحرم القائلون بهذا. حارما
بذلك كل من يقول بطبيعتين في المسيح بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المحرومة على كل
وجه.
أما ما نسب إليه من القول أقبل بمسيح من
طبيعتين ( أي روحين ) بعد الإتحاد فهذا ما استنتجوه من منظورهم الأثنينى لقوله
بالطبيعة الواحدة الإلهية للكلمة المتجسد. لأن الطبيعة الواحدة من منظور الإثنينية
يعنى أن الطبيعة ( أي الروح ) الإلهية إبتلعت الطبيعة ( أي الروح ) الإنسانية
أي الناسوت حسب معتقدهم, وهو ما سبق ونسبوه للقديس كيرلس نفسه بقولهم أن قوله
بطبيعة واحدة متجسدة يعني أن الناسوت ( أي الروح الإنسانية ) قد ذابت في اللاهوت (
المسيح واحد ف 9 ص 51 ).
أما
قوله ولا أقبل بمسيحين اثنين. فهى إشارة
لرفضه بدعة نسطور. لأن الخلقيدونيين لا يقولون بمسيحين أي بشخصين في المسيح
بل بشخص واحد هو الكلمة المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية في جسد المسيح.
لهذا فإن إظهار المعتقد الصحيح للقديس ديوسقوروس
- بعد تجريده من المنظور الإثنينى - يثبت قوله بطبيعة واحدة لاهوتية للكلمة المتجسد
, وليس ما يستنتجه النساطرة من أقواله من منظور بدعتهم الخاصة ويسجلونه
منسوبا إليه زورا. لأنهم كما قال
ديوسقوروس يزورون كل شيء قبل تسجيله وبعبارة أخرى يسجلون كل شيء من منظور معتقدهم
الإثنينى. لذلك عندما يقول ديوسقوروس نعتقد
بطبيعة واحدة لاهوتية للمسيح الكلمة المتجسد يضيفون إليها من طبيعتين ليستنتجوا من
ذلك أن هذا معناه أن الروح الإلهية لاشت الروح الإنسانية وابتلعتها من منظورهم
الإثنينى.
والغريب أنهم حرموا ديوسقوروس لقوله بروح
واحدة إلهية بما يعنى عندهم ملاشاتها للروح الإنسانية. في ذات الوقت الذى قالوا
فيه بشخص واحد إلهي بما يعنى ملاشاته للشخصية البشرية.
أما برهاننا القاطع على براءة أوطيخا من
القول بطبيعة واحدة إلهية من طبيعتين وملاشاة الطبيعة اللاهوتية للطبيعة
الإنسانية, وهو ما ألصقه به خصومه زورا . هو ما قرره أحد مؤرخى النسطورية
بقوله :
إن كاتب فلابيانوس قال " إن أوطيخا لم
يقل اثنين لمن هم اثنان بل هو يسجد لطبيعة واحدة للإله المتجسد ".
فقال له أسقف سلوقيا " ما لم تقل
بطبيعتين بعد الإتحاد فإنك تقول بالامتزاج والتلاشى " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى
الإيمان " ص 91 ).
فقال أوطيخا رافضا معتقدهم وما يهددون بنسبته إليه
من القول بطبيعة من طبيعتين بما يعنى أن الطبيعة الإلهية الواحدة حسب معتقد أوطيخا
امتزجت بالروح الإنسانية ولاشتها الأمر الذى لم يقل به أوطيخا ورفضه قائلا بشهادة كاتب
فلابيانوس أنه قال :
" حاشا لى أن أقول أن
ربنا من طبيعتين
" ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ).
فلما تمسك بمعتقده ألصقوا به زورا ما فهموه
من قوله : بطبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد. بما يعنى من منظور الإثنينية أن الطبيعة
( أى الروح ) الإلهية إبتلعت الطبيعة ( أي الروح ) الإنسانية .
وهكذا بالبرهان سقطت دعوى اتهام أوطيخا
بالقول بطبيعة واحدة لاهوتية من طبيعتين, وهى البدعـة التى يترتب على القول بها
ثبوت ما ألصقه به خصومه من أن الطبيعة اللاهوتية ابتلعت الناسوتية وهى المقولة
التى تجعله من أصحاب الطبيعتين بصرف النظر عن كيفية الإتحاد ومحصلته.
ويقول كاتب فلابيانوس أيضا :
" إن أوطيخا يعترف بأن المولود إله
كامل وإنسان كامل ولكن ليس له جسد من طبعنا " ( أى لم يتحد بإنسان بطبيعة
إنسانية عاقلة ) (البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 109).
والواقع أن المسيح هو إله كامل وإنسان كامل
ولكن ليس حسب المفهوم النسطورى لأننا نؤمن أن المسيح هو إلوهيم الذى ظهر فى الهيئة
كإنسان مثلنا, وبهذا الظهور صار مثلنا من حيث المنظر والشكل لا الجوهر.
فالمسيح هو ابن الإنسان لأن صورته الإنسانية
هي عينها صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره وعلى هذه الصورة خلقنا إلوهيم على
صورته كشبهه.
فالمسيح هو إنسان حقيقى بجسد ودم وروح محيى
( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى.
لهذ فالمسيح ليس إنسان من حيث الجوهر (
غلاطية 1 : 1 , 11 – 12 ) بل من حيث
الهيئة والشكل ( فيلبى 2 : 7 – 8 ) لأنه من حيث الهيئة وإن كانت له صورة
إنسان إلا أنها كانت صورته الإلهية التي كانت له قبل تجسده ( فيلبى 2 : 5 ) أما من
حيث الجوهر فهو إلوهيم الظاهر فى الجسد ( تيموثاوس الأولى 3: 16 ) ( يوحنا الأولى
4 : 2 - 3 ).
فصورة المسيح الإنسانية هي ذاتها صورة إلوهيم
غير المنظور بهاء مجده ورسم جوهره , لهذا قيل أن ابن الإنسان نزل من السماء, أي
أنه نزل من السماء بصورته الروحية التي كانت له قبل تجسده وليس أنه نزل بجسده كما
يحسب الهراطقة, لأن كيف ان كان له جسد يقال نزل من السماء وتجسد من الروح القدس
ومن مريم العذراء, ولكنه بحسب الحق الكتابى رغم أنه كائن في صورة إلوهيم منذ الأزل
ومساوى للآب في الجوهر , لكنه أخلى ذاته آخذ شكل العبد, وإذ وجد في الهيئة كإنسان
باشتراكه معنا في اللحم والدم , لهذا قيل أيضا أن يسوع المسيح جاء في الجسد ,
لأنه هيا جسده بالروح القدس على ذات صورته
التي كانت له قبل تجسده , لهذا قال أيضا من رآنى فقد رأى الآب , لأنه رغم أن صورته
الإنسانية هى صورة إلوهيم بالطبيعة والجوهر التى ظهر بها فى الهيئة كواحد منا إلا
أنه ليس منا بل الرب من السماء الأمر الذى أثبته بولس الرسول بقوله " آدم
الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير ( أى المسيح ) روحا
محييا
.. الإنسان الأول من الأرض ترابى الإنسان الثانى الرب من السماء " ( كورنثوس
الأولى 15 : 45 , 47 ).
إن خطأ نسطور ومجمع خلقيدونية هو اعتقادهم
بأن المسيح المولود مـن مريم ليس هو ابن إلوهيم بل إنسان مثلنا اتحد به ابن إلوهيم.
والواقع أننا لسنا فى حاجة لأن نقرر أو نثبت
ما هو ظاهر للعيان بأنه لو أن إقرار الإيمان الذى صاغه لاون أسقف روما فى رسالته
الشهيرة بالطومس كان مستقيما ما حرمه ديوسقوروس مع كل من يقبله.
ثم لماذا أدان المجمع الخلقيدونى ديوسقوروس
وأوطيخا غيابيا ومنعهم من حضور المجمع أليس لأنهم لم يقبلوا طومس ( رسالة ) لاون
وصيغة الإيمان النسطورى التى أراد المجمع أن يثبتها بالقول ما موجزه:
" أن ربنا يسوع المسيح هو إله وإنسان
من نفس عاقلة وجسد. له ذات جوهر الآب حسب لاهوته, وذات جوهر الإنسان حسب ناسوته.
مولود من الآب قبل كل الدهور حسب لاهوته, وحسب الناسوت ولد من العذراء مريم. مسيح
واحد بطبيعتين ( روحين ) بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير لأن الوحدة لم
تبطل اختلاف الطبيعتين " الأب فرنسيس فرييه " التجسد " ص51 - 52 ).
من ذلك نرى أن إقرار الإيمان الخلقيدونى-
بصرف النظر عن تفسيره لكيفية الإتحاد بين الطبيعتين ( الروحين العاقلتين ) - هو
ذات معتقد نسطور القائم على انكار لاهوت المسيح بالقول بأنه إنسان بروح إنسانية
بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المختلف حولها بينهما, وأن الرسائل التى تليت فى
المجمع منسوبة لكيرلس هى رسائل مزورة لكونها مثبتة للنسطورية التى حاربها القديس
كيرلس.
لذلك فإن خير رد علي هذا الرسالة وعلى إقرار الإيمان الخلقيدونى النسطورى هو أن
نستدعى أقوال كيرلس الحقيقية التى يرد فيها على ثرثرة نسطور التى صاغوا منها إقرار
إيمانهم والتى يقول فيها :
إنك بثرثرتك الباطلة تنكر لاهوت المسيح
بقولك بابنين واحد زائف والآخر حقيقى. الحقيقى هو كلمة إلوهيم الآب والزائف هو
الذى اشترك فى كرامة الاسم رغم قولك أنه ابن إنسان ولد من نسل داود حسب الجسد.
فنحن لا نؤمن بإنسان وبإله ولكن برب واحد
الكلمة الذى هو من إلوهيم الآب الذى صار فى الهيئة كإنسان بأن اتخذ لنفسه جسدا.
لذلك فإنك بقولك أن المولود من مريم هو
إنسان مثلنا وليس كلمة إلوهيم بالحقيقة تعد ضمن من ينكرون لاهوته لذلك فدينونتك
أيضا ثقيلة لأنك تجهل سر المسيح ولم تفهم أنه هو بالطبيعة إلوهيم ( تفسير إنجيل
لوقا الجزء الثالث عظة 88 ص 115 ).
الفصل
السادس
هل
يتلى الاعتراف الخلقيدونى فى القداس الأرثوذكسى ؟
يقول موريس يقارينى فى مؤلفه " تاريخ
الكنيسة " ما موجزه :
فيما يخص الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فإنها
تواصـل تمسكها بالصيغة الكيرلسية وإن تكن منذ القرن الثانى عشر قد أدخلت فى
ليتورجية القداس بعض تعبيرات وردت فى القداس الخلقيدونى فعند ذكر سر القربان يقول
الكاهن دون أن يستخدم لفظة طبيعة أو أقنوم متكلما عن المسيح ( باعتباره إنسان
نظيرنا حسب معتقده ) " وجعله واحدا مع لاهوته بدون اختلاط ولا امتزاج ولا
تغيير ( موريس يقارينى " تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 36 ).
إن تفسير هذه الصيغة " جعله واحدا مع
لاهوته بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير " فى ضوء المعتقد الخلقيدونى
الثيؤدورتى يعنى أن روح المسيح الإنسانية تألهت باتحادها بإلوهيم الكلمة الذى
شخصها وصيرها واحدا معه فى اللاهوت وهذا معناه أن الروح الإنسانية رغم تشخيصها بالكلمة
ظلت روحا إنسانية إنما بعقل إلهى لا بشرى.
ومقتضى هذا التعليم أن الكلمة جعل روح
الإنسان واحدا معه فى اللاهوت بأن صار هو عقلها أى المشخص لها منذ أول لحظة من
كيانها ( الأب لويس برسوم " المسيح الإله والإنسان " ص 35 ).
ومعنى ذلك أن طبيعة المسيح البشرية تقوم بالكلمة
لا بعقلها الخاص, وإذ شخصها بالكلمة ألهها منذ لحظة وجودها ( الجامع للطبيعتين ق 3
ف 4 ص 56 ).
فعلى هذا الوجه من الإتحاد اتحد الكلمة
بالروح البشرية المقومة بأقنوم الكلمة بطبيعتين. فهو مسيح واحد بأقنوم واحد أزلى.
ورغم أن هذا التفسير الثيؤدورتى لكيفية
الإتحاد بين الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية فى أقنوم الكلمة هو المعتمد لدى
الكنيسة الخلقيدونية إلا أنه لا يستقيم مع قولهم أن هذا الإتحاد هو بدون اختلاط
ولا امتزاج ولا تغيير.
إذ الواضح أن الكلمة وفقا لتفسير ثيؤدورت
قد أحدث تغييرا فى الطبيعة الإنسانية بأن أبطل عقلها وصار هو المشخص لها.
وهذا معناه أن للمسيح روح إنسانية مشخصة
بالكلمة ما يعنى تشويش جوهر اللاهوت بإضافة روح إنسانية إليه.
وعليه لا يستقيم بعد الإقرار بأقنوم واحد
إلهى بطبيعتين القول بأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير لأن إبطال
العقل فى الطبيعة الإنسانية وقيام الكلمة مكانه هو تركيب وإحلال وتغيير فى جوهر
الطبيعة الإنسانية بما يبطل وجودها ذاته. لأن الطبيعة إنما تدرك وجودها بعقلها فإن
بطل عقلها بطل وجودها.
مما تقدم يتضح أن جميع الإجتهادات فى تفسير
كيفية الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين فى شخص المسيح تدور حول بدعة هى نتاج جهل
وفكر مضطرب ومحصلتها على جميع الأوجه هو الكفر بعينه.
لأنه إن اتحد ابن إلوهيم الكلمة بإنسان يسمى
المسيح وقدمه إلى اختبار الموت ثم أصعده إلى السماوات وأجلسه فى مجد الآب وقالوا
ليس اثنين بل واحد يجلس فى مجد الآب فمن هو ذاك ؟ هل هو الإنسان حسب نسطور أم ذاك
الذى من أنصاف الآلهة حسب ثيؤدورت والبرادعى.
إن هذه الاختراعات لا تخص بالمرة ذاك الذى
به كمال الناموس والأنبياء لأن الناموس يعلن سر المسيح ( المسيح واحد 7 ص 39 - 40
).
لأن الناموس مؤدبنا إلى المسيح صورة إلوهيم
وحكمته الممسوح منذ الأزل الذى حجب وجهه تدبيريا وأظهر فى الأيام الأخيرة لأجل
خلاصنا.
ويقول الأب لويس برسوم فى مؤلفه "
المسيح الإله والإنسان " ما نصه :
أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وإن لم
تعترف رسميا بمجمع خلقيدونية إلا أنها لكى لا تتهم بالأوطاخية - التى لا تعترف بأن
للمسيح روح إنسانية - أدخلت فى قداسها صورة الاعتراف كما يعلم به المجمع المذكور.
وفيما يلى نعرض لنص هذا الاعتراف الخلقيدونى
وتفسيره تفصيلا فى مبحث أول. ثم فى مبحث ثان نبين متى وكيف ومن أدخله على طقس
القداس الأرثوذكسى؟
المبحث
الأول
تفسير
الاعتراف الخلقيدونى
يتلو الكاهن الاعتراف الخلقيدونى كما ورد فى
القداس الباسيلى بالقول :
" أؤمن واعترف أن هذا هو الجسد المحيى
الذى لابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح أخذه من سيدتنا والدة الإله
القديسة مريم, وجعله واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير .. أؤمن أن
لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين " ( الأب لويس برسوم
" المسيح الإله والإنسان " ص 39 ).
الجسد المحيى فى مفهومه الكتابى هو الجسد
المقام من الموت بالروح القدس المحيى إلا أن أقطاب النسطورية ومجمع خلقيدونية
يعنون بالجسد المحيى الإنسان المركب من جسد تحييه روح إنسانية عاقلة ( الرسالة رقم
50 : 3 ص 115 ) لاعتقادهم الفاسد بأن الروح الإنسانية محيية للجسد كروح الرب
المحيى, ودليل ذلك قولهم بعد ذلك " أخذه من سيدتنا والدة الإله القديسة مريم
" وبداهة أنهم يعنون بذلك الإنسان المولود منها بروح إنسانية عاقلة هي علة
إحياء الجسد حسب معتقدهم ببرهان قولهم بعد ذلك " وجعله
واحدا مع لاهوته
" أى جعل الروح الإنسانية بتشخيصها بالكلمة واحدا معه فى اللاهوت منذ لحظة
وجودها حسب إقرار الإيمان الثيؤدورتى الخلقيدونى على الوجه الوارد بالقسمة
السريانية والتى جاء فيها ما نصه:
هكذا بالحقيقة تألم كلمة إلوهيم بالجسد ( أى
بالإنسان حسب المفهوم الأنطاكى ) وانفصلت نفسه ( أى روحه الإنسانية ) من جسده. إذ
لاهوته لم ينفصل قط من نفسه ولا من جسده ( أى أن إلوهيم ظل متحدا بالجسد المائت فى
القبر ممسكا منه كسائر الموتى من بنى البشر بعد أن انفصلت عنه روحه التي تحييه على
رجاء عودتها إليه لتحييه في اليوم الثالث رغم أنها بانفصالها عن الجسد لم تنفصل عن
إلوهيم ) وأتت نفسه ( أى روحه الإنسانية ) واتحدت بجسده فى اليوم الثالث. فقام من
القبر ( أي أن جسده قام من القبر بعد أن عادت إليه روحه الإنسانية وأحيته ) واحد
هو عمانوئيل وغير مفترق من بعد الإتحاد ( أي بعد اتحاد الروحين الإلهية والإنسانية
) وغير منقسم إلى طبيعتين ( أي إلى روحين عاقلتين ) ( القسمة السريانية رقم 17
).
التضاد في العبارة الأخيرة واضح فهم يقرون
بوجود اتحاد بين اثنين ثم يضادون أنفسهم
بالقول أن المتحد غير منقسم إلى روحين عاقلتين. لأن الإتحاد هو أساسا بين طبيعتين
مختلفين هما الروح الإلهية والروح الإنسانية. لأن الواحد غير منقسم, أما المتحد
فهو بالطبيعة بين اثنين إلوهيم والإنسان المتحد به , وهذا الإتحاد لا يحول الإنسان
إلى إله يعبد ولا يصيره واحدا مع إلوهيم
في اللاهوت. فلا يساغ أن يقال عن إنسان أنه صار واحدا مع إلوهيم في مجد
اللاهوت . فهذا تجديف ضد مجد إلوهيم القائل أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه
لآخر.
مما تقدم يتضح أن تعاليم المدرسة الأنطاكية
قائمة على اساس الخلط بين النفس والروح , فزعم نسطور أن الموت يتحقق ليس بموت الدم
الذى هو نفس حية بل بخروج الروح الإنسانية من الجسد , وهم يزعمون أن هذه النفس
نزلت الجحيم باللاهوت المحتجب بها وأنها بعودتها للجسد فى اليوم الثالث اقامته من
الموت.
وبداهة أنه إن كانت الروح الإنسانية هى التى
تحيى الجسد وخرجت منه فهذا معناه أن الفساد سيدب فى الجسد المائت فورا , لأن
الفساد يدب فى الجسد بمجرد موت الدم, ومن ثم فإنها عند عودتها إليه في اليوم
الثالث لتقيمه من الموت ستجده وقد بدأت عوامل الفساد والإنحلال تدب فيه بعد أن صار
مائتا لمدة ثلاثة أيام.
اما إن كانت روح المسيح إلهية فإن الجسد وإن
مات بحسب الدم سيظل حيا بحسب الروح , لأن روح الحياة الذى فى المسيح يسوع أباد
بموته الموت مبطلا سلطانه واعتقنا بروح الحياة الذى فيه من حكم الخطية والموت,
لهذا إن كان روح المسيح ساكنا فينا فالذى أقام المسيح من الأموات ( أى الروح القدس
المحيى الذى هو روح المسيح ) سيحيى أجسادنا المائتة أيضا بروحه الساكن فينا ( رومية
8 : 2 , 9 -11 ).
أما إن كانت روح المسيح انسانية مثل روح آدم
فإنها بموت الدم ستمسك من جسد الموت مثله, لأن الروح الإنسانية بدون الجسد الحى
بالدم لا تستطيع أن ترى ولا أن تسمع ولا أن تتحرك فتحبس فيه كما فى سجن إلى أبد
وستحتاج مثل سائر البشر لروح إلوهيم ليقيم جسدها المائت من الموت .
أما القول بأن اللاهوت لم يفارق الروح ولا
الجسد المائت فى القبر, فماذا يفعل هل ابطل موته حتى لا يدب فيه الفساد فإن كان قد
أحياه فما حاجته للروح الإنسانية وإن كانت الروح الإنسانية هى التى ستحيى الجسد لا
اللاهوت فهذا معناه أنه امسك من جسد الموت مثلنا لمدة ثلاثة أيام راقدا على رجاء
عودة الروح الإنسانية إليه لتنعم عليه بنعمة الحياة فى اليوم الثالث رغم أنه هو
الحى الذى لا يموت الذى بموته أبطل الموت إذ هو وحده الذى له عدم الموت.
ولكن أبت النسطورية إلا أن تخضع الطبيعة
الإلهية للموت حيث يمسك اللاهوت من جسد الموت فى القبر حتى اليوم الثالث بلا حول
له ولا قوة عاجزا عن إحياءه وإبطال موته منتظرا عودة الروح الإنسانية إليه
لتحييه وتخلصه من الموت ( ظهور المسيح المحيى ف 14 - 17 ص 33 - 38 ).
وهكذا قلبت النسطورية تدبير الخلاص رأسا على
عقب فعوضا عن أن نخلص بروح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس الذى أبطل الموت
بموته. صار إلوهيم حسب تعليم أصحاب الطبيعتين مخضعا لسلطان الموت ممسكا منه فى
القبر راقدا على رجاء القيامة والخلاص بعودة الروح الإنسانية إليه لتنعم عليه
بنعمة القيامة.
وهكذا تم خلاص إلوهيم بعودة الروح الإنسانية
إليه لتقيمه من بين الأموات فى اليوم الثالث.
فالروح الإنسانية وفقا لتعليم أصحاب
الطبيعتين هى التى أقامت جسد إلوهيم الكلمة من الموت. أى أن الذى هو القيامة
والحياة أقامته من الموت روح إنسانية.
هذه هى القيامة التى رأى فيها نسطور
وثيؤدورت ولاون أسقف روما برهان صحة معتقدهم فى الطبيعتين والتى يترتب على
الاعتراف بها الإقرار بأنه عوضا عن أن يخلصنا إلوهيم بروحه المحيى خلص هو بروح
إنسانية إذ صار هو المحتاج للخلاص بعودة الروح الإنسانية إليه لتقيم جسده المتحد
بلاهوته من الموت الممسك به.
وهكذا تحولت الخدمة الإلهية إلى عبادة إنسان
هو الذى ولد وصلب ومات بخروج روحه الإنسانية من جسده ثم بعودة روحه الإنسانية إلى
الجسد المائت الذى كان الكلمة متحدا به فى القبر قام من الموت وهكذا صارت القيامة
والحياة بروح إنسانية لا بروح إلوهيم ( رومية 8 : 9 -11 ).
إن هذا التعليم الظاهر الفساد يضاد الحق
الكتابى المعلن بأن قيامة المسيح وقيامتنا ليست بروح إنسانية بل بالروح القدس
المحيى لأنه مكتوب أننا نزرع جسما حيوانيا أى حى بالدم ونقام جسما روحانيا أى
محييا بالروح القدس المحيى.
هكذا مكتوب صار آدم الإنسان الأول نفسا حية
وآدم الأخير روحا محييا .. الإنسان الأول من الأرض ترابى الإنسان الثانى ( المسيح
) الرب من السماء .. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس أيضا صورة السماوى .. لأن هذا
المائت لابد أن يلبس عدم موت ومتى لبس المائت عدم موت تصير الكلمة المكتوبة ابتلع
الموت إلى غلبة.
أى أننا كما لبسنا صورة الجسد الحيوانى
سنلبس صورة الجسد الروحانى الذى به نصير روحانيين أى أحياء بالروح القدس المحيى
الذى هو روح المسيح.
وفى هذا يقول بولس رسول الأمم العظيم :
أما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح إن كان
روح إلوهيم ساكنا فيكم ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس للمسيح وإن كان
المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر وإن كان روح الذى
أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم فإن الذى أقام المسيح من الأموات سيحيى أجسادكم
المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 9 - 11 ).
فالمسيح ابن إلوهيم الحى وإن
كان قد صلب من ضعف (
أى ضعف الجسد الحيوانى القابل الموت ) لكنه حى ( أى الجسد المائت )
بقوة إلوهيم
( أى بروح إلوهيم ) فنحن أيضا ضعفاء فيه لكننا سنحيا معه بقوة إلوهيم .. أم
لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم إن لم تكونوا مرفوضين ( كورنثوس
الثانية 13 : 4 - 5 ).
وأيضا يقول بولس الرسول :
إلوهيم ( أى الآب ) قد أقام الرب ( أى
المسيح ابن إلوهيم ) وسيقيمنا نحن أيضا بقوته ( أى بروحه القدوس ) ألستم
تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح .. أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح
القدس الذى فيكم الذى لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 14 - 19 ).
فالأجسام كما أوضح بولس الرسول هى إما
حيوانية أى حية بالدم وإما روحانية أى محيية بالروح القدس المحيى, ولا توجد أجساد
حية بروح إنسانية لأن أرواح البشر غير محيية.
الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس الرب
المحيى لأنه وحده روح القيامة والحياة.
أما أرواحنا فلا تملك هذه القدرة ولو كانت
لأرواحنا هذه القدرة لما احتجنا للمعمودية ولا لشركة الروح القدس الذى يسكن فينا
ليقيم أجسادنا المائتة من الموت ولما كان هناك داع لتدبير الخلاص أصلا.
ويقول القديس كيرلس عمود الدين :
لو كان الابن مخلوقا وهو قادر أن يحيى الكل
لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيى نفسها وليست محتاجة بالمرة إلى إلوهيم ( شرح
إنجيل يوحنا 1 : 6 ص 69 ).
ويقول القديس كيرلس أيضا :
إن الإفتراض بأن إنسان مثلنا هو الذى خلصنا
هو مستحيل لأن المخلوقات الخاضعة للموت تنال القيامة من إلوهيم وحده القادر على أن
يهبها القيامة والحياة ولا يستطيع أن يقيمها واحد من الخاضعين للموت أى إنسان
مثلها ( المسيح واحد 12 ص 106 ).
أما النسطورية فقد استبدلت روح المسيح ابن إلوهيم
الحى بروح إنسانية زعمت أنها محيية وأنها بعودتها فى اليوم الثالث للجسد المائت
المتحد بإلوهيم فى القبر أقامته من الموت.
هكذا قلبت النسطورية تدبير الخلاص رأسا على
عقب فصارت روح الإنسان التى تقبض من جسد الموت عاجزة عن إحياءه هى التى أحيت إلوهيم
الراقد فى القبر عندما عادت إليه فى اليوم الثالث لتنعم عليه بالقيامة من الأموات.
رغم أن الروح القدس وحده هو الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى.
هكذا وفقا لنسطور صار الكلمة الذى نزل من
السماء ليبطل موتنا ويقيمنا من الموت بروحه المحيى هو الذى خلص من الموت بعودة
الروح الإنسانية إليه لتقيمه من الموت.
الذى يفتح قبور شعبه ويخرجهم من قبورهم ويجعل
روحه فيهم فيحيون
ويقومون على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ( حزقيال 37 : 14 ) أحيته حسب نسطور روح
إنسانية.
الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه
الساكن فينا
( رومية 8 : 11 ) ويغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل
استطاعته أن يخضع لنفسه كل شىء ( فيلبى 3 : 21 ).
الذى له مع أبيه السلطان فى أن يقيم الأموات
وأن يحيى من يشاء ( يوحنا 5 : 21 ) الذى له وحده عدم الموت ( تيموثاوس الأولى
6 : 16 ).
الذى لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت (
أعمال 2 : 24 ).
الذى وإن مات موتنا كان محييا أى مقاما من
الموت بروحه المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ).
الذى وإن صلب من ضعف الجسد لكنه كان حيا
بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ).
الذى بموته أبطل الموت وأعتقنا من عبوديته (
العبرانيين 2 : 14 - 16 ).
الذى له كالآب حياة فى ذاته ( يوحنا 5 : 26
).
الذى هو القيامة والحياة ( يوحنا 11 : 25 )
الذى فيه كانت الحيـاة ( يوحنا 1 : 4 ) الذى أتى إلى العالم لكى نحيا به
( يوحنا الأولى 4 : 9 ) هل تقيمه وتحييه روح إنسانية يملك عليها الموت كسائر
البشر.
هكذا فى ضوء الحق الكتابى الواضح يظهر ضلال
النسطورية وقبحها وكيف أنها حولت الخدمة الإلهية إلى عبادة إنسان مثلنا وقلبت
تدبير الخلاص رأسا على عقب وأفسدت السر الملوكى أى سر المسيح.
المبحث
الثانى
من
أدخل الاعتراف الخلقيدونى على القداس الأرثوذكسى؟
المحقق تاريخيا أن أول من أدخل الاعتراف
الخلقيدونى على طقس القداس الأرثوذكسى هو البابا غبريال الثانى الشهير بابن تريك
وهو السبعون فى تعداد البطاركة وكان يسمى قبل رسامته بأبى العلا بن تريك وقد رشحه
للرسامة الأنبا يوسف وهو سريانى الجنس وتوسط لتنصيبه رجل ملكانى خلقيدونى المذهب
يسمى أبو البركات. فتمت رسامة ابن تريك فى ظروف مريبة سنة 1131 ميلادية وكانت مدة
بطريركيته نحو خمسة عشر سنة.
وحدث أثناء تلاوته القداس أن زاد عليه صورة الاعتراف الخلقيدونى وهو " أؤمن
واعترف أن هذا هو الجسد المحيى الذى لابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح
أخذه من سيدتنا والدة الإله القديسة مريم وجعله واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا
امتزاج ولا تغيير .. أؤمن أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا غمضة عين ".
فاحتج عليه رهبان دير أبى مقار بأنه لم تجر
عادتهم بقول هذا الاعتراف فاعتذر بزعم أنه قاله حين تقدمته كما لقنه الأساقفة
الذين رسموه ولا يسوغ له الرجوع عنه ( وهذا معناه إما أنه كاذب وهذا هو
الأرجح, وإما أنه رسم من قبل أساقفة خلقيدونيين وهذا معناه أن الكنيسة كانت مخترقة
قبل عهده ) وأصدر قرار بطريركيا لجميع الكنائس بتلاوة الاعتراف فى القداسات
الثلاثة المشهورة بالصيغة الجديدة ( الأنبا إيسيذورس " الخريدة النفيسة فى
تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 372 – 373 ) ( كامل صالح نخلة
" القديس البابا غبريال بن تريك " ص 8 - 19 ) الخاصة بالاعتراف
الخلقيدونى الذى كان وما زال يتلى حتى الآن فى الكنائس الخلقيدونية ( موريس
يقارينى " تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 36 ) والذى صار يتلى
أيضا بذات اللحن القسطنطينى ( النسطورى ) فى كنائسنا الأرثوذكسية إلى يومنا
هذا ( راغب مفتاح " الموسيقى القبطية " مجلة معهد الدراسات القبطية 1958
ص 57 – 58 ).
وقيل أنه عندما تلى ابن تريك قوله " وجعله واحدا مع لاهوته " أن
الرهبان نقموا عليه وطلبوا منه أن يترك هذه الزيادة فاحتج بأن مجمع الآباء أمره
بتلاوتها فرضوا بها بشرط أن يضيف عليها قوله " بدون اختلاط ولا امتزاج ولا
تغيير " هربا من وصمة هرطقة أوطيخا ففعل وأصدر منشورا بذلك.
ونرى أن القصة بهذه الصورة ملفقة وأنها
مؤامرة قام بها الخلقيدونيين لدس الطقس الخلقيدونى على طقس القداس القبطى وأنه تلى
الاعتراف الخلقيدونى كاملا كما يتلى حتى اليوم فى القداسات الخلقيدونية. لأن
العبارة " بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير " هي لنسطور لإثبات أن
الطبيعتين العاقلتين كل قائمة بذاتها بعد الإتحاد المزعوم ( الرسالة رقم 39 ف
6 ص 46 ).
ذلك أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا
تعترف أصلا بالإتحاد بين الأشخاص لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من
البشر بنفسه بل أنه صار جسدا , والكلمة إذ صار جسدا لا يكون آخر أنه اتخذ لحما
ودما مثلنا . إنه جعل جسدنا خاصا به وحده ( الرسالة رقم 4 ف 7 ص 16 ).
وعليه فمن غير المستساغ أن يقال عن الكلمة
أنه وحد إنسانا مع لاهوته لأن هذا يؤول بالضرورة وفقا للمعتقد الخلقيدونى إلى أن
روح المسيح الإنسانية تشخصت بالكلمة الذى قام مقام العقل البشرى بها وهذا هو
مفهومهم عن الإتحاد.
والواقع أنه رغم نجاج ابن تريك في إدخال
الإعتراف الخلقيدونى على ليتورجية القداسات القبطية الثلاثة المعروفة بذات اللحن
القسطنطينى وبذات الكلمات التى تمثل المعتقد النسطورى الخلقيدونى لترسيخ
بدعتهم.
إلا أن بعض كنائس الصعيد خالفته واستمرت على
عادتها المألوفة فى استخدام القداسات الأرثوذكسية فأصدر ابن تريك كتابا يختص
بتنظيم أمور البيعة جاء بالمادة السادسة والعشرين منه ما نصه:
" انتهى إلى ضعفى أن قوما من أعمال الصعيد
يقدسون قداسات غير موافقة خارجا عن الثلاثة المعروفة للقديسين باسيليوس وغريغوريوس
وكيرلس وقد منعت من يعتمد ذلك إلى أن يحضر إلى القلاية ويحرر قداساته " ( كامـل
صالـح نخلة " القديس البـابـا غبريـال بن تريـك " ص 85 ).
الفصل
السابع
الإتفاقية
المشتركة بيننا وبين الكاثوليك بشأن طبيعة المسيح
فى 12 فبراير سنة 1988 اجتمعت لجنة مشتركة
للحوار اللاهوتى بين الكنيسة القبطية والكنيسة الخلقيدونية حيث تم الاتفاق على
صيغة مشتركة بخصوص طبيعة المسيح بالنص التالى :
1
- نؤمن أن ربنا وإلهنا ومخلصنا
يسـوع المسـيح الكلمة المتجسـد هـو
كامل فى لاهوته وكامل فى
ناسوته.
2
- وأنه جعل ناسوته واحدا مع لاهوته
بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
3
- وأن لاهوته لم ينفصل عن ناسوته
لحظة واحدة ولا طرفة عين.
4
- وفى نفس الوقت نحرم تعاليم كل من
نسطور وأوطيخا.
إن أول ما يؤخذ على هذه الإتفاقية هى أنها
أثبتت معتقد نسطور فى الفقرات من الأولى حتى الثالثة وحرمت تعاليمه فى الرابعة. أى
أنها حرمت بنود الإتفاقية لأنها مؤسسة على بدعة نسطور
كما أثبتت معتقد خلقيدونية فى الفقرتين
الأولى والثالثة التى هى فى الواقع تعاليم نسطور التى يمكن تأويلها بما يتفق مع
بدعة ثيؤدورت أسقف قورش ومجمع خلقيدونية, وفى الفقرة الرابعة حرمت تعاليم أوطيخا عدو
مجمع خلقيدونية المنعقد سنة 451 ميلادية الذى قبل تعاليم ثيؤدورت أسقف قورش فى حين
رفضها أوطيخا سابقا فى مجمع فلبيانوس أسقف القسطنطينية سنة 448 ميلادية لرفضه صيغة
الإيمان الثيؤدورتى بأن الكلمة بطبيعتين متمسكا بالإيمان القويم بأن للمسيح الكلمة
المتجسد طبيعة واحدة إلهية والذى لسبب تمسكه بإقرار الإيمان هذا تم تبرئته فى مجمع
افسس الثانى سنة 449 وتم حرم جميع أقطاب النسطورية .
لأجل هذا أدانه مجمع خلقيدونية النسطورى
غيابيا فى منفاه بشمال سوريا التى نفى إليها لعدم قبوله طومس لاون. فمنع لهذا
السبب من حضور مجمع خلقيدونية,
من المنطقى أن يحرم الخقيدونيين أوطيخا فى
اتفاقيتهم لأن مجمع خلقيدونية حرمه مع ديوسقوروس.
ولكن لماذا يحرم الأرثوذكسيين أوطيخا الذى
برأه مجمع أفسس الثانى المنعقد سنة 449 ميلادية, هل اكتشف الأرثوذكسيين أنه مجمع
لصوصى كما يزعم الخلقيدونيين, ولماذ لا يذكر هذا المجمع فى تحليل الخدام ويذكر
المجمع القسطنطينى الملفق الذى وضعه النساطرة لإثبات النسطورية دون أن يكون له أى
وجود تاريخى ولم يرد ذكره فى كتابات القديسين كيرلس وديوسقوروس الذين أشاروا فقط
إلى مجمعى نيقية وأفسس الأول .
والواقع
أن القديس ديوسقوروس الذى برأ أوطيخا فى مجمع أفسس الثانى حرم معه غيابيا لاستبساله
أيضا فى التمسك بالمعتقد الأرثوذكسى فى الطبيعة الواحدة اللاهوتية للمسيح الكلمة
المتجسد, وعدم قبوله صيغة الاعتراف النسطورى الخلقيدونى بإله متأنس.
لهذا فضل أبطال الإيمان التغرب عن أوطانهم
ومراكزهم عن الاعتراف بصيغة الإيمان النسطورى الخلقيدونى بأن فى المسيح طبيعتين إنسانية
وإلهية مشخصتين بالكلمة. تلك الصيغة التى تقلب تدبير خلاصنا رأسا على عقب وتحول سر
عبادتنا إلى عبادة كائن اسطورى له روح إنسانية مشخصة بعقل إلهى.
لهذا عندما أوعز ثيؤدورت لماركيانوس
وبوليكاريا أن يستدعيا ديوسقوروس لاستمالته إلى قبول طومس لاون وحله مع سائر
الأساقفة المقطوعين . قال أحد الأساقفة لديوسقوروس إنه إن أراد أن يبقى فى منصبه
عليه أن يذعن لرغبة الإمبراطور ولا يخالفه. عندئذ أدرك ديوسقوروس المؤامرة. فقال
له: إن على القيصر أن يشتغل بأمور مملكته ويدع الكهنة يبحثون الأمانـة المستقيمة
لأنهم يعرفـون الكتب وخير له أن لا يميل مع الهوى ولا يتبع غير الحق. فكان أن
لطمته بوليكاريا لطمة قوية اقتلعت ضرسين من فمه لشيخوخته وأنهال عليه بعض الحرس
ضربا ونتفوا شعر لحيته فجمع ذلك وأرسله فى رسالة إلى شعبه قائلا :
هذا ثمر جهادى لأجل الإيمان. إعلموا أنه قد
نالتنى آلام كثيرة فى سـبيل المحافظة على أمانة آبائى القديسين. أما أنتم الذين
بنيتم إيمانكم على صخرة الإيمان القويم فلا تخافوا السيول الهرطقية ولا
الزوابع الكفرية.
والواقع أن حرم كل من أوطيخا وديوسقوروس هو حرم
لمذهب " الطبيعة الواحدة اللاهـوتية للمسيح الكلمة المتجسد " ما يمثل
حرم غير مباشر لا لأثناسيوس وأبوليناريوس وكيرلس وكل اصحاب الطبيعة الواحدة
الإلهية, بل يمثل حرم للرسل القديسين أيضا الأمر الذى يسقطهم فى زمرة أضداد المسيح
المجدفين على الروح القدس بإنكارهم لاهوت الرب يسوع المسيح ومجيئه وظهوره فى الجسد
( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ( تيموثاوس الأولى 3 :
16 ).
وهو ما يكشف عنه تفسير الإتفاقية التى
نعرض لها فيما يلى.
تفسير
الإتفاقية :
الفقرة
الأولى من
الإتفاقية " نؤمن أن يسوع المسيح الكلمة المتجسد هو كامل فى لاهوته وكامل فى
ناسوته ".
يعلق الأنبا غريغوريوس على ذلك بالقول:
أن الكنائس الأرثوذكسية .. تنكر على أصحاب
الطبيعتين قولهم بأن المسيح إله كامل وإنسان كامل معا, وترى أن هذا التعبير يسلم
إلى القول بشخصين أو أقنومين في السيد المسيح ( " علم اللاهوت المقارن "
طومس لاون فقرة 3 ص 144 ).
والواقع أن هذا الإقرار بحسب معتقد النساطرة
معناه وجود طبيعتين عاقلتين فى المسيح , لأنهم يقصدون بأن الكلمة كامل فى لاهوته
أنه حل بكل ملء لاهوته فى الإنسان يسوع المسيح الكامل في انسانيته بأن له روح
إنسانية عاقلة هى علة إحياء الجسد حسب معتقدهم , وهذا القول هو الذى يؤول لوجود
شخصين في المسيح اجتمعا معا فى وحدة الاسم
وكرامة البنوة حسب نسطور.
والواقع أن القول بطبيعتين كاملتين أى
بروحين عاقلتين فى المسيح معناه أن إلوهيم الكلمة حل فى إنسان يدعى يسوع المسيح له
روح انسانية عاقلة احتجب بها وتأنس بها وتكلم من خلالها وجعلها روحه الخاصة حسب
نسطور , رغم أن الروح جوهر عاقل لا تسكن ولا يحتجب بها ولا تشخص من غيرها فهذه
كلها خرافات, ومحصلة هذا التعليم هو أنه
لا المسيح هو إلوهيم الكلمة ولا أنه تجسد أو ولد من مريم. لأن القول بأن
المولود من مريم هو إنسان مثلنا كامل فى ناسوته ( أي له روح إنسانية عاقلة ) هو
إنكار للاهوته. كما أن القول باتحاد الكلمة بإنسان مولود من مريم. ليتكلم من خلاله
ليس تجسدا ولا ولادة, ولا حلول نعمة, بل حلول تقمص ينزه إلوهيم عنه.
والواقع أن هذا الإقرار بأن المسيح كامل فى
لاهوته وكامل فى ناسوته وأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير لا يتفق
لا مع معتقد خلقيدونية ولا مع المعتقد اليعقوبى. لأن روح المسيح حسب خلقيدونية هي روح إنسانية مشخصة بالكلمة
الذى أبطل عقلها البشرى وقام مقامه أى انه أحدث اختلاط وتغيير فى الطبيعتين
الإنسانية والإلهية بإضافة روح إنسانية مشخصة بالكلمة للجوهر الإلهى, واضافة أقنوم
الكلمة للجوهر البشرى بتشخيص الكلمة لروحه الإنسانية مبطلا عقلها البشرى وتكميل
جوهرها المخلوق بالكلمة, وعلى هذا فإن روح المسيح الإنسانية بتشخيص الكلمة إياها
لم تعد كاملة فى إنسانيتها إذا ابطل
الكلمة عقلها وقام مقامه فى تشخيصها , ومن ثم فإن الجوهر البشرى لم يعد يدرك وجوده
بعقله الخاص , وهذا معناه أن الجوهر البشرى عدم وجوده إذ لا يمكن أن يدرك وجوده
بدون عقله الخاص.
وأيضا فإن تشخيص الكلمة لروح إنسانية يجعل الثالوث
رابوعا , وبهذا يصير الثالوث غير كامل وغير بسيط وكأنه عنصر مادى يقبل الإختلاط
والامتزاج والتغيير , وهذا باطل نقلا وعقلا
ولا
يقدح فى ذلك قولهم أن جوهر إلوهيم لم يدخله التغيير بل ظل كما هو. لأنه كيف يظل جوهر
إلوهيم كما هو وهم يزعمون أن أقنوم الكلمة بالتجسد سكن روح إنسانية واحتجب بها
وتأنس بها وشخصها وجعلها واحدا معه في مجد اللاهوت.
والواقع أن العقل والروح محمولان في الجواهر
العاقلة على أقنوم الوجود وجودا وعدما, فالكلمة يولد من الجوهر والروح تنبثق منه.
فإذا شخص الكلمة روحا إنسانية مبطلا عقلها .
فقد صار الكلمة بالتبعية محمولا على جوهر مخلوق هو بالولادة وهى بالإنبثاق منه.
فإن
صار الكلمة ابنا لجوهر مخلوق وصارت روحه المنبثقة من هذا المخلوق خاصة به. فقد
تغير عن جوهره إلى جوهر مخلوق حتى أن روحه صارت منبثقة من هذا المخلوق.
ولا يوجد عقل مولود من جوهرين أزلى وزمنى فى
نفس الوقت فهذا باطل نقلا وعقلا .
والواقع وفقا للحق الإلهيى أن المسيح هو اسم إلوهيم,
والقول بأن لإلوهيم روحين واحدة إلهية وإخرى إنسانية هو تجديف على الذات الإلهية, وعلى
هذا فإن كل تعليم يجعل جوهر إلوهيم خليط أو مزيج من خالق ومخلوق هو باطل نقلا وعقلا.
فالثالوث بالتجسد لم يزد بل ظل ثالوثا. لهذا فإن
معموديتنا تتم أيضا باسم الثالوث دون أن
يضاف إليه ما هو غريب عنه. لأنه إن كانت الروح التى أقامت جسد المسيح من الموت
إنسانية فينبغى أن هذه الروح عينها هى التى ننالها فى المعمودية لتحيى أجسادنا
المائتة بسكناها فينا, ولكن إذ هى محدودة وغير محيية للجسد فإنها ستمسك من جسد
الموت كسائر أرواح البشر.
ولكن إن كان الروح القدس الرب المحيى غير
المحدود هو روح المسيح الذى أحيا جسده كباكورة الراقدين فسيكون وحده القادر على أن
يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا بحسب الحق الكتابى, وهذا كاف لتخجيل
القائلين بهذه البدعة إن فهموا.
وأيضا فإن القول كامل فى لاهوته وكامل فى
ناسوته لا يتفق مع المعتقد اليعقوبى. لأن روح مسيح اليعاقبة ليست إنسانية ولا
إلهية ولا هما معا, بل هي روح واحدة من الروحين مشخصة بابن من أبنين أو مشخصة
بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى.
وبداهة أن الروح الممتزجة من طبيعتين التى
تجمع صفات الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما أو معا, لا يمكن أن تكون كاملة في
لاهوتها ولا ناسوتها.
الفقرة
الثانية
" وأنه جعل ناسوته واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير
".
هذا النص معناه حسب المعتقد النسطورى أن إلوهيم
باتحاده بالإنسان جعله واحـدا معه فى اللاهوت.
أما القول بأن الإتحاد بين اللاهوت والناسوت
هـو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير فمعناه حسب المفهوم النسطورى أن
الإتحاد لم يبطل اختلاف الطبيعتين القائمتين كل بعقلها الخاص.
الفقرة الثالثة وتخص الاعتراف القائل
" أن لاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين ".
ويقصد به حسب المعتقد النسطورى والخلقيدونى الثيؤدورتى أن الإنسان
يسوع المسيح مات بمفارقة نفسه المخلوقة جسده المخلوق’ إلا أن لاهوته ظل متحدا
بالجسد المائت فى القبر حتى عادت نفس ناسوته ( المشخصة بعقلها البشرى حسب نسطور
وبالكلمة حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية ) إلى جسده فأحيته فقام من الأموات فى اليوم
الثالث. فصارت القيامة.
وجدير بالذكر بأن الخلقيدونيين بسبب أنهم
جعلوا الكلمة هو المشخص لروح المسيح الإنسانية فحتى لا يتألم مع الروح الإنسانية
فى المسائل المتعلقة بالصلب والآلام ينحـون جانبا معتقدهم فى الكلمة الجامع
للطبيعتين عارجين للقول بالطبيعتين القائمتين كل بأقنومها العقلى الخاص بها. لأن
القـول بغير ذلك يوقع الآلام على الكلمة المشخص للروح الإنسانية حسب زعمهم.
وهكذا الذى نزل من السماء ليبطل بموته موتنا
ويقيمنا من الموت بروحه المحيى الساكن فينا مات مثل الناس عاجزا عن إبطال موت جسده
الخاص حتى اليوم الثالث عندما عادت إليه الروح الإنسانية وأنعمت عليه بنعمة
القيامة من الأموات.
ولما كانت قاعدة " أن لاهوته لم يفارق
ناسوته لحظة واحدة ولا طرفـة عين " من تصنيف نسطور القائل بأن روح المسيح
الإنسانية كانت مشخصة بعقلها البشرى , فى حين صارت روح المسيح الإنسانية مشخصة
بالكلمة حسب المذهب الخلقيدونى, كما صارت روح المسيح التى من روحين مشخصة أيضا
بالكلمة حسب مذهب ساويرس الأنطاكى أما بحسب يعقوب البرادعى فقد تشخصت بابن من ابنين , لهذا فقد نقض الخلقيدونيين
وساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى تعاليمهم كلها وعادوا جميعا إلى دائرة المعتقد
النسطورى عندما استوقفتهم صرخة الابن على الصليب التى يقول فيها : " إلهى
إلهى لماذا تركتنى " لأن هذه الصرخة حسب معتقدهم لا تصدر من الكلمة ولا من
ابن من ابنين بل من العقل البشرى بحسب معتقد نسطور القائل بأن روح المسيح الإنسانية
هى التى اضطربت وتألمت وحدها لأن لاهوت الكلمة لا يتألم لهذا فارقه على الصليب,
وهذا ما فعله أيضا أصحاب الطبيعة الممتزجة إذا فضوا الإمتزاج وعادت النفس
الإنسانية العاقلة لتتألم وحدها.
وقد أثبت ثيؤدورت أسقف قورش وهو أحد أشهر
أقطاب النسطورية فى مؤلفه الجامع للطبيعتين المنسوب زورا للقديس أثناسيوس المعتقد
النسطورى بقوله :
هو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد من قبل أن
يطعن جسده بقدرة لاهوتـه على أن يدع نفـس ناسـوته إذا شاء ويأخذها أيضا
إذا شـاء(
الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).
مما تقدم يتضح أن جميع مذاهب اصحاب
الطبيعتين القائمة على أساس الاختلاط والإمتزاج والتغيير بين الطبيعتين العاقلتين,
وبرغم ما تحمله من تعاليم متناقضة ومتعارضة إلا أنها جميعا تعود لدائرة تعاليم
نسطور عندما يتعلق الأمر بالآلام وعمل الفداء لينسبوه إلى إنسان بروح انسانية
عاقلة مثلنا هو الذى تألم عنا وهو الذى افتدانا بدمه.
إن تفسيرات الهراطقة أشبه بخفافيش الظلام لا
قبل لها بالنور بل حيث النفوس الخربة والعقول المظلمة تجد مأوى.
أما التفسير الأرثوذكسى لقول المسيح ابن إلوهيم
الحى " إلهى إلهى لماذا تركتنى " فلكى ينبه اليهود إلى مزمور "
إلهى إلهى لماذا تركتنى " ( مزمور 22 ) لأن اليهود كانوا يحفظون المزامير
ويسمونها بأول آية منها ومن تذكر كلمات المزمور يدركون أن المصلوب أمام أعينهم هو
المعنى بنبوات هذا المزمور التى تمموها فيه إذا ثقبـوا يديه ورجليه وقسموا ثيابه
بينهم وعلى لباسه اقترعوا وأنه رغم أنه يتألـم إذ هو أحد الثالوث الذى يتألم عقليا
لأنه الكلمة أى عقل إلوهيم, لهذا قال إلهى إلهى لماذا تركتنى إشارة إلى الآب
والروح القدس إلا أنـه غير متروك لم يحتقر ولم يرذل لا من الآب ولا من قوتـه أى
الروح القدس الذى يطلب نصرته ليبطل موته إذ هو روحه الذاتى.
وهكذا أدرك الذين فهموا كلمات المزمور حقيقة
المصلوب وأنه أتم كل ما كتب عنه فيه. هؤلاء خاطبهم الروح من خلال كلمات المزمور
قائلا :
" يا خائفى الرب سبحوه مجدوه يا معشر
ذرية يعقوب وأخشوه يا زرع إسرائيل جميعه لأنه لم يحتقر ولم يرذل بل ولم يحجب وجهه
( أى الآب ) عنه. بل عند صراخه ( أى الابن ) إليه استمع ( أى الروح القدس ) .. أمام
وجهه يسجد جميع عشائر الأمم ".
أما الذين أعمى إله هذا الدهر أذهانهم فلم
يفهموا قوله واعتقدوا أنه ينادى إيليا.
واستطرد ثيؤدورت قائلا :
هو الذى مات بناسوته ( أى بالإنسان )
المحتمل الموت بمفارقة نفسه المخلوقة جسده المخلوق وهو الذى حفظ جسد ناسوته فى
القبر بلا تغيير ولا فساد صحيحا سليما حتى رد لاهوته نفس ناسوته إلى جسده فقام فى
اليوم الثالث من الأموات ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).
أى أن القيامة تمت حسب ثيؤدورت بقوة الروح
الإنسانية المشخصة بالكلمة مناقضا بذلك تعليم نسطور الذى أثبته ثيؤدورت نفسه عندما
كان على مذهب نسطور فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " بقوله :
أن المسيح على الصليب أعلن عن نفسه الإنسانية التى أسلمها وبخروج نفسه من
جسده مات الجسد. أما اللاهوت فلم يفترق من الجسد فى القبر ولا من نفسه فى الجحيم
وبها اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الجحيم وتتحد بجسده فى
القبر وبذلك يبيد الموت ( ظهور المسيح المحيى ف 14 , 17 ).
من ذلك نرى أن المؤلفين " الجامع للطبيعتين " لثيؤدورت و"
ظهور المسيح المحيى " لنسطور رغم أنهما منسوبين لأثناسيوس زورا. إلا أن
القيامة حسب ثيؤدورت تمت بقوة الروح الإنسانية المتألهة. أما بحسب نسطور فتمت
بعودة الروح الإنسانية للجسد فأحيته, وهكذا صارت القيامة فى جميع الأحوال بروح
إنسانية لا بالروح القدس.
إن أى اتفاقية بيننا وبين الكاثوليك الخلقيدونيين ينبغى أن تكون على أساس
إقرار الإيمان المستقيم الذى سيعترف به كل لسان طوعا أم كرها بأن يسوع هو المسيح
بهاء مجد الآب ورسم جوهره الذى إكراما لاسمه ستجثو كل ركبة مما فى
السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب
لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) لأنه عظيم هو سر التقوى ( تيموثاوس
الأولى 3 : 16 ) إلوهيم الذى هو يسوع
المسيح جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).
وأن يراعى فى هذه الإتفاقية ما يلى
:
1 - قبول
حرومات القديس كيرلس الاثنى عشر الحقيقية الموضحة بهذا الكتاب.
2 -
الاعتراف ببطلان مجمع خلقيدونية وجميع أحكامه وقراراته وكافة أعماله وحرم
رسالة لاون المجمعية, وإقرار الإيمان الخلقيدونى بأن الكلمة شخص روح إنسانية
وألهها منذ نشأتها بأن جعلها واحدا مع لاهوته, وكذا كل من يعتقد بتأنس الكلمة
بإنسان يدعى يسوع المسيح بالمخالفة لقانون الإيمان الرسولى بأن يسوع المسيح مولود
غير مخلوق وأنه مساو للآب في الجوهر, وكذا كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح جاء في
الجسد بحسب الحق الكتابى ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) وأنه ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى
2 : 8 ) وأنه ليس انسان بحسب الجوهر ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ).
3
- حذف الاعتراف الخلقيدونى من
القداسـات الثلاثة المشهورة التي أدخلها البابا غبريال الثانى الشهير بابن تريك البطريرك الـ 70 فى
تعداد البطاركة.
4
- إسقاط كلمة " تأنس "
أينما وجدت أو استبدالها بالقول " وظهر في الهيئة كإنسان " ( فيلبى
2 : 8 ) إن كان لذلك محل.
5
- إسقاط وحذف كل إشارة لمعتقدات
أصحاب الطبيعتين وأى تعليم يقول " باتحاد اللاهوت بالناسوت " أو يستخدم
كلمة " ناسوت " وتستبدل بكلمة جسد أو انسان إن كان لذلك محل أو تحذف إن
كانت تعطى معنى غير أرثوذكسى أينما وجدت بالكتب الطقسية أو الكنسية.
|
|
صدر للمؤلف المكتبة الإلكترونية للباحث مجدي صادق في العلوم اللاهوتية والقانونية
والتاريخية |
|
|
|
المكتبة اللاهوتية |
|
|
1 |
الكتاب المقدس مفتاح العلـم وأسـرار
الكـون |
1992 |
|
2 |
تفنيـد الاعتراضــات على الكتـاب
المقـــــدس |
2006 |
|
3 |
الثالوث الواحد في الجوهر |
2018 |
|
4 |
ســـــــــــــر
المســـــــــــــيح |
2005 |
|
5 |
تجســـــــــد المســـــــــــــيح |
2005 |
|
6 |
طبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة
المتجسد |
2005 |
|
7 |
الخطية الجدية حسب تعليم الكتاب المقدس |
2019 |
|
8 |
الدم يكفر عن النفس لا الروح |
2019 |
|
9 |
تجسد وتأنس ضدان لا يجتمعان |
2019 |
|
10 |
المسيح في كتابات القديسين
أثناسيوس الرسولي وكيرلس عمود الدين |
2023 |
|
11 |
بدعة نسطور مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس والروح |
2005 |
|
12 |
اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة |
2009 |
|
13 |
تفنيد بدع النساطرة من مؤلفاتهم |
2016 |
|
14 |
المذاهب الأربعة لأصحاب الطبيعتين المتحدتين في المسيح |
2023 |
|
15 |
شـهود يهـوه والمؤامرة الماسونية ضد
المسـيحيـة |
1990 |
|
16 |
العقـائـــد والمذاهب المنحرفـــة |
1998 |
|
17 |
دحض البدع المتعلقة بالملك الألفى
للمسيح على الأرض |
2016 |
|
18 |
أسرار الملكوت |
2025 |
|
19 |
أين توجد أرواح الموتي؟ |
2023 |
|
20 |
ظهور أورشليم السمائية |
2025 |
|
21 |
مقالات في علم الأخرويات |
2023 |
|
22 |
عـبادة الشــــيطان ضــــد
المســــيح |
1998 |
|
23 |
المســـــيح الدجــال الخـطــر القــادم |
1993 |
|
24 |
الأطـباق الطـائرة هل هي مركبـات
الكروبيــــم؟ |
1993 |
|
25 |
موعـد مجىء المســيح الدجــال |
1997 |
|
26 |
ســر عــدد الوحـش 666 χξς΄ |
1995 |
|
27 |
كرازة الشاهدان إيليا وأخنوخ بأورشليم |
2023 |
|
28 |
شهادة الأنبياء لليهود والأمم بأن يسوع هو المسيح
الفادي والمخلص |
2024 |
|
29 |
جبل نيبو وعلامات المنتهى الكبرى |
1997 |
|
30 |
المجـىء الثـانـي علــي
الأبــــواب |
1994 |
|
|
المكتبة الطقسية |
|
|
31 |
أسـرار الكنيســة الســـبعة |
2016 |
|
32 |
خدمة إخــراج الشــياطـين |
1997 |
|
33 |
هل يجوز إبطال الوصية الإلهية بتقاليد وضعية؟ |
2023 |
|
34 |
تفنيد بدعة تطهير المرأة طبقا لناموس
الفرائض اليهوديـــة |
1989 |
|
35 |
صلاة العذراء حالة الحديد |
2025 |
|
|
المكتبة القانونية |
|
|
36 |
نظـــــــــم الكنيســـــــــــــــــــة
القبطيــــــــة |
1998 |
|
37 |
اختصاصات القضاء الكنسى فى مصر فى مختلف
العصور |
1994 |
|
38 |
مصادر الشريعة المسيحية ومراسيم
القوانين الرسولية |
1989 |
|
39 |
الطــلاق فى الشــريعـــة
المســـيحيــــة |
1995 |
|
40 |
أحكام الميراث والوصية والهبة فى الشريعة
المسيحية |
2014 |
|
|
المكتبة التاريخية |
|
|
41 |
التاريــخ الحقيقــى لمصـــر
القديمـــــــة |
2002 |
|
42 |
تاريـخ الأقبــاط فى ظل أنظمـة الحكـم
المختلفـة |
1998 |
|
43 |
تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية |
2018 |
|
44 |
تاريخ المجلس الملى العام للأقباط الأرثوذكسيين
نشأته واختصاصاتـه |
2008 |
|
45 |
رحلة العائلة المقدسة من الإكتتاب حتى
العودة إلى الناصرة |
2018 |
|
46 |
درب الصليب والقيامة المجيدة |
2020 |
|
|
|
|
|
|
المكتبة المنوعة |
|
|
47 |
هل حديث الحية مع حواء قصة حقيقية أم رمزية؟ |
2023 |
|
48 |
هل لم تعرف الشياطين السيد المسيح؟ |
2023 |
|
49 |
المتفرقات فى العلوم اللاهوتية المتنوعة |
2017 |
|
50 |
مقالات قانونية وكنسية متنوعة |
2017 |
|
|
المكتبة الإلكترونية الثانية |
|
|
|
المكتبة اللاهوتية |
|
|
51 |
إثبات حقيقة خلق الكون وتفنيد النظريات
المضادة |
2023 |
|
52 |
السموات الثلاث ومواقعها في الكون |
2023 |
|
53 |
الحقيقة حول محاكمة جاليليو |
2023 |
|
54 |
الضربات الثلاث التي سحقت الداروينية |
2023 |
|
55 |
قضية هيباتيا الفيلسوفة الساحرة |
2023 |
|
56 |
معجزة نقل جبل المقطم |
2023 |
|
57 |
لماذا ولد المسيح بدون زرع بشر؟ |
2023 |
|
58 |
المسيح القدوس الذي لا يموت |
2023 |
|
59 |
آية يونان النبي
ومعجزة طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد |
2023 |
|
60 |
روح المسيح بحسب الأسفار المقدسة
وكتابات الآباء الرسوليون |
2023 |
|
61 |
البراهين علي سلامة الكتاب المقدس من
التحريف |
2023 |
|
62 |
هل لا يعلم الابن بذلك اليوم وتلك الساعة؟ |
2023 |
|
63 |
نبوة السبعون أسبوعا |
2023 |
|
64 |
عودة الإمبراطورية اليونانية وأحداث
الأزمنة الأخيرة |
2023 |
|
65 |
المسيح الدجال ملك صور |
2023 |
|
66 |
مظاهر عبدة الشيطان |
2023 |
|
67 |
جوج وماجوج وخراب أورشليم |
2023 |
|
68 |
أبواب أورشليم قديما وحديثا |
2023 |
|
69 |
مفاتيح سفر الرؤيا المتعلقة بالضربات السبع الأخيرة |
2023 |
|
70 |
المدة ما بين 12 مايو والمجيء الثاني 1335 يوما |
2023 |
|
71 |
الهندوسية ورياضة التوحد بالبراهما
المعروفة باليوجا |
2023 |
|
72 |
الغنوسية والقبالية |
2023 |
|
73 |
الماسونية |
2023 |
|
74 |
حركة الروزيكروشان |
2026 |
|
75 |
حركة العصر الجديد ودورات التنمية البشرية لتأليه
الذات |
2023 |
|
76 |
بدع التصوف المسيحي وتأليه الذات |
2023 |
|
77 |
بدع اللاطائفية والمعتزلة |
2023 |
|
78 |
تفنيد ضلالات حركة الإلحاد المعاصر |
2023 |
|
79 |
تفنيد بدع تلاميذ مسيح بابل الدجال |
2023 |
|
80 |
تفنيد شيفرة دافنشي |
2023 |
|
|
المكتبة الطقسية |
|
|
81 |
سر المعمودية |
2024 |
|
82 |
سر المسحة المقدسة |
2024 |
|
83 |
سر الإعتراف |
2024 |
|
84 |
سر القربان المقدس |
2024 |
|
85 |
سر مسحة المرضي |
2024 |
|
86 |
سر الزيجة |
2024 |
|
87 |
سر الكهنوت |
2024 |
|
88 |
من هو ملكي صادق؟ |
2023 |
|
89 |
من أدخل الإعتراف النسطوري علي القداسات القبطية
الأرثوذكسية؟ |
2024 |
|
90 |
الحركة الكاريزماتية واللمسة المسقطة |
2023 |
|
|
المكتبة التاريخية |
|
|
91 |
قوائم مانيتون سجلات إحصائية للمقابر والأهرمات لا
قوائم أسرات |
2023 |
|
92 |
أصل المصريين وخرافة وجود دولة مصرية قديمة قبل
الطوفان وقبل برج بابل |
2023 |
|
93 |
2023 |
|
|
94 |
لماذا كانت هيلين في مصر أثناء حصار طروادة؟ |
2023 |
|
95 |
بناة الأهرام وأبو الهول |
2023 |
|
96 |
المقبرة الحقيقية
لعظماء ملوك مصر القديمة |
2023 |
|
97 |
سنوسرت فرعون إبراهيم |
2023 |
|
98 |
رعمسيس الملقب حور محب فرعون يوسف الملقب أرسو |
2023 |
|
99 |
تحوتمس الثاني الملقب أمنحتب الثاني فرعون الخروح |
2023 |
|
100 |
مرن بتاح حتب فرعون سليمان |
2023 |
|
|
|
|
|
|
المكتبة الإلكترونية الثالثة |
|
|
|
المكتبة القانونية |
|
|
101 |
المركز القانونـى للأقباط |
1998 |
|
102 |
مشكلة الأحوال الشخصية للمسيحيين
المصريين |
1998 |
|
103 |
الشريعة الواجبة التطبيق في مسائل الميراث والوصية علي
المسيحيين المصريين |
2026 |
|
|
المكتبة العامة |
|
|
104 |
مقالات في نظام الويندوز ومشاكل البرامج والألعاب |
2017 |
|
|
مكتبة الكتب المترجمة |
|
|
105 |
Mystery The Number of The Beast 666 χξς΄ |
2023 |
|
|
مكتبة الكتب مع التعليق |
|
|
106 |
سفر عهد الرب |
2004 |
|
107 |
مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
المصريين |
2026 |
|
108 |
لائحة الأحوال الشخصية للأقباط
الأرثوذكسيين الصادرة سنة 1938 وتعديلاتها |
2008 |
|
109 |
قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس فى مصر
|
2016 |
|
110 |
ملف الأوقاف القبطية |
1998 |
|
|
مكتبة الكتب العامة مع التعليق |
|
|
111 |
مبطلات حكم المحكمة الدستورية العليا وقانون
الإيجارات الجديد بالدستور |
2025 |
|
112 |
التفسير الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب
بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا |
2025 |
|
|
حقوق
الملكية الفكرية وضوابط النشر |
|
|
1 - |
جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة
للمؤلف مجدي صادق راغب |
|
|
2 - |
نأذن بترجمة ونشر جميع مؤلفاتنا لأي لغة
بشرط تحميلها من موقعنا الرسمي: https://magdysadek.blogspot.com وبشرط الأمانة في الترجمة, وعدم استغلال
الترجمة تجاريا, وارسال نسخة من الترجمة إلينا لنشرها. |
|
|
3 - |
يحظر علي الغير بيع أي من مؤلفاتنا, أو
اشتراط التسجيل أو الإشتراك أو طلب بيانات القارىء أو بريده الإلكتروني مقابل
تحميل الكتاب أو قرأته, كما يحظر نشر أو تداول نسخ قديمة من مؤلفاتنا الأمر الذي
يتعين معه علي الناشر الحصول علي أحدث اصدار بتحميله من موقعنا الرسمي. |
|
|
4 - |
أي مخالفة لهذه البنود يخرج العمل عن
نطاق الأذن الممنوح. |
|
مجدي صادق
باحث
ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية
حائز علي ليسانس في الحقوق, وعلي دبلوم في
العلوم اللاهوتية, وعلي دبلوم معهد الدراسات القبطية في التاريخ القبطي, شغل وظيفة
كبير باحثين قانونيين بدرجة مدير عام , كما عمل مدرسا بمعهد الدراسات القبطية في
الفترة من عام 1992 حتي 1998, كما قام بنشر العديد من المقالات بجريدة العامل
المصري عن "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" و"الديانات الجديدة التي
تغزو العالم" وغيرها من الأبحاث في المدة من سنة 2000 حتي 2006
اصدر مكتبة بحثية في العلوم اللاهوتية
والقانونية والتاريخية تضم 112 كتابا
اكثرهم مبيعا (1) "الكتاب المقدس مفتاح العلم وأسرار الكون" (2)
"العقائد والمذاهب المنحرفة" (3) "المسيح الدجال الخطر
القادم" (4) "جبل نيبو وعلامات المنتهي الكبري" (5) "المجىء
الثاني علي الأبواب" (6) "أسرار الكنيسة السبعة" (7) "صلاة
العذراء حالة الحديد" (8) "أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة
المسيحية" (9) "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" (10) "التفسير
الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة
الدستورية العليا".
يتسم منهجه البحثي بالتحليل المنطقي المجرد
الذي قاده للكشف عن حقائق جوهرية في مجالات العلوم اللاهوتية والقانونية
والتاريخية, وهي حقائق مدعومة بالشواهد المثبتة لصحتها من مصادرها الأصلية.
حظيت مؤلفاته باهتمام واسع في الأوساط
الأكاديمية والبحثية, حيث اتخذها بعض الباحثين والكتاب مرجعا في رسائل الماجستير
والدكتوراه والعديد من المؤلفات, كما كانت محورا للتناول الصحفي والأكاديمي,
وأثارت حراكا فكريا واسعا, مما يعكس قوة وتأثير ما يطرحه من قضايا, وبالرغم من التباين في
وجهات النظر حول أبحاثه, فقد حققت مؤلفاته انتشارا جماهيريا كبيرا حيث تجاوزت
مبيعاتها علي منصة جوجل بلاي وحدها أكثر
من 300 ألف نسخة.
Magdy Sadek
[1] - " الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم
ولاهوت " ص 100 - 103
- نقولا امبرازى " كنز النفائس فى اتحاد
الكنائس " ص 115
[2] - " مجموعة الشرع الكنسى " ص 386 - 389
[4] - " تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية
" الجزء الثانى ص 48 - 50 ( بتصرف )
[5] - " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 254 - 255
[6] - " تاريخ كنيسة أنطاكية " هامش ص 287