الثلاثاء، 19 مايو 2026

تفنيد بدع النساطرة من مؤلفاتهم بقلم مجدى صادق Refuting the heresies of Nestorians from their writings

 

تفنيد بدع النساطرة

من مؤلفاتهم

 

Refuting the heresies of Nestorians

 from their writings

  بقلم

مجدى صادق

 

Magdy Sadek

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

"حققت مؤلفاته مبيعات تزيد عن 300 ألف نسخة على جوجل بلاي وحدها"



باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

 


تفنيد بدع النساطرة من مؤلفاتهم

Refuting the heresies of Nestorians from their writings

 

المـــــؤلف          :   مجـــدى صــادق راغب

الطـــــبعة           :   الأولى     18 يونيو 2016

الطـــــبعة           :   الخامسة   1   مايو 2026

الموقع على النت  :                      https://magdysadek.blogspot.com

البريد الالكتروني  :                               L.magdysadek@gmail.com

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة والتوزيع محفوظة للمؤلف

 

 

 

 

  

            تفنيد بدع النساطرة من مؤلفاتهم

 

الفهرس

5

 

مقدمة

كشف كتابات النساطرة المنسوبة زورا للقديسين

 

9

 

تمهيد

15

           أولا    :

تعاليم نسطور الواردة بكتاباته تكشف نسطوريتها

21

           ثانيا   :

تعاليم ثيؤدورت الواردة بكتبه تكشف عن نسبتها إليه 

22

 

 

الباب الأول

كتاب تجسد ربنا يسوع المسيح

 

 

 

25

الفصل الأول         :

أساسات الإيمان فى تعاليم نسطور

27

الفصل الثانى        :

رد نسطور على اتهامه بأن الكلمة جاء إلى المسيح كما جاء إلى القديسين

29

الفصل الثالث        :

هل ولدت العذراء إنسانا مثلنا أم ولدت المساو للآب فى الجوهر

39

الفصل الرابع         :

هل تألم الكلمة أم اتحد بإنسان تألم عنا؟

43

الفصل الخامس     :

تفنيد بدعة قيامة المسيح بروح إنسانية لا بالروح القدس

45

الفصل السادس     :

رد نسطور على اتهامه بتحويل سر العبادة العظيم إلى عبادة إنسان نظيرنا

56

الفصل السابع       :

اعتقاد نسطور أن الخطية في الإرادة وليست في الجسد ومن ثم لا تورث

57

الفصل الثامن        :

الفداء بالدم أم بالروح

67

الفصل التاسع       :

تفنيد بدعة احتجاب اللاهوت بروح إنسانية عاقلة

71

الفصل العاشر       :

هل المسيح انسان مثلنا ام الرب من السماء ؟

73

الفصل الحادى عشر :

هل حلول إلوهيم في إنسان يصيره إلها يعيد؟

75

 

 

 



الباب الثانى

كتاب ظهور المسيح المحيي





77


الفصل الأول     :

ضلالة القول بأن كلمة جسد تعنى انسان

79

الفصل الثانى    :

إنكار ولادة إلوهيم من العذراء

82

الفصل الثالث    :

إنكار صلب وقيامة الكلمة بنسبتها لإنسان

83

الفصل الرابع     :

اعتقاده بأن الموت ملك على الإنسان الذى اتخذه الكلمة وأنه قام في اليوم الثالث بعودة الروح الإنسانية إليه

86

الفصل الخامس :

اعتقاده بأن الذى تألم وقام من الموت هو انسان وليس الكلمة

88

الفصل السادس :

إذا كان المسيح واحد من العالم, فلا يقدر ان يخلص العالم

89

الفصل السابع   :

هل اسم المسيح خاص بالثالوث أم أنه خاص بإنسان مثلنا

91

الفصل الثامن    :

اعتقاده أن صورة العبد تعنى روح العبد وليس شكل العبد

98

الفصل التاسع   :

تكفير القائلين ببدعة خلقيدونية في كتاب, وإثباتها في كتاب آخر والكتابين منسوبين لأثناسيوس

102

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

كتاب كمال البرهان على حقيقة الإيمان 

 

 

107

 

الفصل الأول    :

هل صورة الوهيم مخلوقة أم أزلية

113

الفصل الثانى    :

تفنيد بدعة أن اللوغوس هو المشخص للروحين الإلهية والإنسانية

115

الفصل الثالث    :

تفنيد بدعة " لا يخلص من الإنسان إلا ما قد اخذ في الإتحاد "

122

الفصل الرابع     :

تفنيد بدعة انكار لاهوت المسيح

125

الفصل الخامس :

تضاد القول بأن الكلمة ترك نفس ناسوته مع القول بأن لاهوته لم يفارق نفس ناسوته

127

 


 

الباب الرابع

الرسائل والكتابات النسطورية المنسوبة للقديس كيرلس عمود الدين

 

 

 

  131

الفصل الأول     :

الرسالة رقم ( 1 )

تتضمن بدعة أن الكلمة ليس هو المسيح وأنه انسان مثلنا مسح بالروح القدس

 

133

الفصل الثانى    :

الرسالة رقم ( 4 )

تتضمن بدعة الإتحاد بين إبنين في وحدة اسم المسيح

 

136

الفصل الثالث    :

الرسالة رقم ( 17 )

تتضمن ردود ثيؤودورت على الحرومات الإثنى عشر للنسطورية

 

141

الفصل الرابع     :

الرسالة  رقم ( 39 )

تتضمن قانون ايمان النساطرة بمختلف مذاهبهم

 

148

الفصل الخامس :

الرسالة رقم ( 46 )

تتضمن هجوما على أصحاب الطبيعة الواحدة لإثبات الطبيعتين

 

150

الفصل السادس :

الرسالة رقم ( 50 )

تتضمن حوارا حول هل تجسد اللوغوس أم حل في إنسان؟

 

152

الفصل السابع   :

الرسالة إلى أبكتيتوس

بشأن انكار أن يكون المسيح هو المساو للآب في الجوهر

 

159

 

صدر للمؤلف

161

 

 

 

 






































 

مقدمة

كشف كتابات النساطرة المنسوبة زورا للقديسين

 

     إن غاية هذا الكتاب هو الكشف عن الكتب والرسائل والكتابات النسطورية المنسوبة زورا للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين.

     وقد تم تقسيم هذا الكتاب إلى أربعة أبواب كالتالى :

     الباب الأول   : نعرض فيه لكتاب " تجسد ربنا يسوع المسيح " لثيؤدورت أسقف قورش الذى وضعه كنسطورى تحت عنوان " تجسد الرب " وقد وضعه ضد تعاليم مجمع أفسس وتعاليم القديس كيرلس عمود الدين وترجمه د. جورج حبيب بباوى ونسبه زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.

     الباب الثانى  : نعرض فيه لكتاب " ظهور المسيح المحيي " لثيؤدورت أسقف قورش الذى وضعه كنسطورى تحت عنوان ظهور الثالوث المقدس المحيى وهو الكتاب الثانى ضد مجمع أفسس وتعاليم القديس كيرلس عمود الدين وترجمه أيضا د. جورج حبيب بباوى ونسبه زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.

     الباب الثالث : نعرض فيه لكتاب " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " المنسوب زورا للقديس أإثناسيوس الرسولى, ويتضمن كتابين " الجامع للطبيعتين" و"برهان القياس" أو مبدأ الرسوم والشهادات وهما لثيؤدورت أسقف قورش الأب الروحى لمجمع خلقيدونية.

     الباب الرابع  : نعرض فيه للرسائل والكتابات النسطورية المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين.

 

     تتضمن الأبواب الثلاثة الأولى من هذا المؤلف الكشف عن ثلاث كتب نسطورية منسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى تتضمن تعاليم نسطورية مثبتة للطبيعتين المتحدتين معا بكيفية مختلف حولها بين كل من نسطور الذى يعتقد بأن فى المسيح الإنسان طبيعتين كل مشخصة بعقلها الخاص, وبين ثيؤدورت الذى صار يعتقد بأن فى المسيح الإنسان طبيعتين مشخصتين بالكلمة, وجميعها تتعارض مع التعاليم الصحيحة للقديس أثناسيوس الرسولى المؤيدة بالحق الكتابى, والتى تظهر معتقده الحقيقى فى أن للمسيح الكلمة المتجسد طبيعة واحدة إلهية. بما يتعارض مع عقائد أصحاب الطبيعتين المثبتة فى الكتب النسطورية الثلاثة التى سنعرض لها فيما يلى:

     الكتاب الأول بعنـــــوان  : " تجسد ربنا يسوع المسيح ".

    والكتاب الثانى بعنوان  : " ظهـور المسيح المحيى " .

    وهما يثبتان عقيدة نسطور وقد وضعهما ثيؤدورت أسقف قورش عندما كان على مذهب نسطور وفيهما أثبت معتقد نسطور بأن الطبيعة الإلهية حلت فى الطبيعة الإنسانية العاقلة واتحدت بها دون أن تبطل عقلها البشرى, فصار فى المسيح  طبيعتين عاقلتين ( أى روحين عاقلتين ) كل مشخصة بعقلها الخاص, لأن الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين حسب نسطور هو اتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير بما يحفظ تميز الطبيعتين العاقلتين المتحدتين فى وحدة اسم المسيح وشخصه, لأن المسيح الواحد الوحيد لا يكون اثنين حتى لو أدرك أنه من اثنين ومن كيانين ( جوهرين ) مختلفين ( الرسالة رقم 17 : 13 ) وأوضح ثيؤدورت أن القول بأن الكلمة صار جسدا, تعنى أنه صار إنسانا محيا بنفس عاقلة ( الرسالة رقم 17 : 14 ).

     أما الكتاب الثالث فهو بعنوان : كمال البرهان على حقيقية الإيمان " ويتضمن كتابين الكتاب الأول  : " الجامع للطبيعتين " والكتاب الثانى : " برهان القيـاس " أو مبدأ الرسوم والشهادات وهما لثيؤدورت أسقف قورش أثبت بهما معتقد مجمع خلقيدونية: بأن أقنوم الكلمة هو الأقنوم الجامع والمشخص للطبيعتين ( الروحين ) الإنسانية والإلهية معا فى جسد المسيح, وهى العقيدة التى ابتدعها ثيؤدورت وتبناها مجمع خلقيدونية.

      وجدير بالذكر أن هذه الكتب الثلاثة المتقدم بيانها لم يرد ذكرها فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات القديس أثناسيوس الرسولى, بل على العكس ثبت أن هذه الكتب الثلاث وردت فى فهارس الكتب المنسوبة لثيؤدورت أسقف قورش, حيث ورد فى هذه الفهارس أنه وضع كتابين ضد مجمع أفسس الأول وضد القديس كيرلس عمود الدين وضد أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية. الكتاب الأول فى تجسد الرب, والكتاب الثانى فى لاهوت الثالوث المقدس المحيى, وهما المنشوران تحت عنوان : " تجسد ربنا يسوع المسيح " و" ظهـور المسيح المحيى " منسوبين زورا للقديس اثناسيوس الرسولى.

      كما ثبت أن كتاب : " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " المنسوب زورا للقديس اثناسيوس الرسولى يتضمن أيضا كتابين لثيؤدورت أسقف قورش الكتاب الأول " الجامع للطبيعتين " والكتاب الثانى " برهان القياس " وقد ورد ذكر هذين الكتابين فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات ثيؤدورت أسقف قورش ( تاريخ كنيسة أنطاكية ص 469 ).

      وقد أثبت ثيؤدورت فى كتابيه " الجامع للطبيعتين" و" برهان القياس " عقيدة مجمع خلقيدونية بالقول بأن الكلمة احتجب بروح المسيح الإنسانية فقومها - أى شخصها - بقوام ابن إلوهيم الجامع للطبيعتين كلتيهما الإلهية والإنسانية ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 53 ) ( " برهان القياس " ك 2 : 3 ص 117 ) مخالفا بذلك معتقد نسطور الذى سبق وتبناه فى أن العقل البشرى هو المشخص لروح المسيح الإنسانية, وبذلك يكون تعليمه بكتابه " الجامع للطبيعتين " الذى يثبت معتقد مجمع خلقيدونية فى أن اللوغوس هو المشخص لطبيعتى المسيح الإنسانية والإلهية معا يتعارض مع ما جاء بالكتابين السابقين تجسد الرب, والثالوث المحيى, المثبتين لمعتقد نسطور بطبيعتين عاقلتين في المسيح والمنسوبين أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى .

    وبهذا صار القديس أثناسيوس الرسولى نسطوريا في بعض كتاباته, وخلقيدونيا في بعضها الأخر.

     إلا أن اسلوب الكتابين الأولين والعقيدة المبينة بهما هى عقيدة نسطور واسلوب الكتابين يختلف عن اسلوب ثيؤدورت فى كتابه الجامع للطبيعتين رغم توافق معظم العقائد الواردة بهما, وربما أن تغير الإسلوب هو من عمل مترجم الكتاب الأخير إلى العربية فضلا عن تغير العقيدة الذى يصل إلى حد أن بعض ما جاء بالكتاب الأول " تجسد ربنا يسوع المسيح " يهدم عقيدة ثيؤودرت فى الروح الإنسانية المشخصة بأقنوم الكلمة وليس بعقلها البشرى ( تجسد ربنا يسوع المسيح  ف 16 ص 39 ).

     ومع ذلك ووفقا لأقوال المؤرخين فيمكن أن تكون بعض الكتب التى نعتقد انها من وضع نسطور كونها تشرح العقائد النسطورية هى من وضع ثيؤدورت أسقف قورش عندما كان على المعتقد النسطورى ودليل ذلك ما ذكره المؤرخون من أنه هو الذى  وضع رسالة فى تفنيد الحرومات الإثنى عشر التى وضعها القديس كيرلس ضد نسطور بتحريض من يوحنا الأنطاكى وفيها رد ثيؤودورت على حرومات القديس كيرلس الذى يحرم فيها نسطور لقوله : بأن العذراء لم تلد الابن الوحيد الجنس بل ولدت انسانا مثلنا بروح انسانية عاقلة حل فيه الكلمة كما يحل فى الأنبياء والقديسين, وأن الكلمة وحد هذا الإنسان بنفسه فى كرامة ومجد الربوبية ولهذا أيضا صار الكلمة يسمى باسم المسيح, وبموجب هذا الإتحاد صاروا يسجدون للواحد مع الآخر أو فى الآخر.

   كما حرم كل من ينسبون الأقوال التى فى الأناجيل إلى انسان وإله كما إلى شخصين متحدين فى جسد الإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة التى احتجب بها الكلمة, وأنه لهذا السبب صار الإنسان يعبد مع الكلمة الساكن فيه, وبعد أن أخذ ثيؤدورت ينكر هذه الإتهامات ويرد عليها باسلوبه السوفسطائى ختمها بحرومات قال للقديس كيرلس أن هذا ما يجب أن تحرمه تقواك.

      وقد تم حرم هذه الرسالة سنة 553 فى المجمع الخلقيدونى الخامس, وبعد حرمها اختفت منذ هذا التاريخ لتعود للظهور تحت عنوان الرسالة رقم 17 المرسلة من كيرلس إلى نسطور حيث تم تزوير مقدمة رسالة ثيؤدورت بحيث صارت تظهر وكانها مرسلة من القديس كيرلس إلى نسطور وورد فى متن هذه الرسالة رقم 17 أنها الرسالة الثالثة ( الرسالة رقم 17 ف 3 ).

      كما وضع ثيؤدورت مؤلفا فى الدفاع عن ديودورس الطرسوسى وثيؤدور الموبسويستى معلمى نسطور ردا على تفنيد القديس كيرلس لتعاليمهما سنة 438 ميلادية . 

    ويقول المؤرخين أن ثيؤدورت كان على معتقد نسطور حتى سنة 436 ميلادية إلا أن كتاباته تبين أنه رغم قوله : بأن كل الأقوال التى فى الأناجيل تنسب لأقنوم الكلمة إلا أنه لم ينكر أن فى المسيح روح انسانية عاقلة وأن بعض الأقوال صدرت منه كإنسان ( الرسالة رقم 17 ف 14 ) وبصرف النظر عما فى هذه الأقوال من تعارض إلا أنها تثبت أنه كان على معتقد نسطور حتى نياحة القديس كيرلس عمود الدين سنة 444 ميلادية.

     ثم فى نحو سنة 445 ميلادية وضع ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى مؤلفه " الجامع للطبيعتين " والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا  للقديس أثناسيوس الرسولى أثبت فيه ثيؤدورت بدعته الجديدة التى أخذ بها مجمع خلقيدونية والتى يقول فيها: بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية فى جسد الإنسان يسوع المسيح.

    فتصدى له أوطيخا مفندا اياها, فوضع ثيؤدورت سنة 447 مؤلفا بعنوان الشحاذ أو المتسول أو الرجل المتعدد الأشكال (  Eranistes seu polymorphus) من أربع كتب يهاجم اوطاخى وتعليم الطبيعة الواحدة الإلهية ممثلا فى أوطاخى.

      جاءت الثلاث كتب الأولى ضد أوطيخا على شكل حوار بين مؤمن نسطورى والشحاذ " أى اوطيخا " متهما إياه بالأبولينارية باعتباره من أصحاب الطبيعة الواحدة, والكتاب الرابع يلخص الثلاث كتب الأولى فى 40 قياسا.

       مما تقدم يتضح أن كتاب ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " هو الذى اشعل الخلاف مجددا بين أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين والذى ترتب عليه عقد مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية والذى فيه تم حرم بدعته الجديدة التى تبناها مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية والتى يقول فيها : بأن أقنوم الكلمة هو الجامع والمشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية فى جسد الإنسان يسوع المسيح, فكان أن تجدد حرم هذه البدعة مع القائلين بها فى هذا المجمع الأخير.

       اما الباب الرابع من هذا المؤلف فنعرض فيه للرسائل والكتابات النسطورية المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين.

        الرب قادر أن يجعل من هذا الكتاب بركة تؤول لخلاص كثيرين بالنعمة لمجد إلوهيم مخلصنا.    

                                                                      مجدى صادق

 


 

تمهيد

       المحقق تاريخيا أن كنيسة انطاكية كانت على المعتقد الخلقيدونى , وحدث بعد أن تم رسامة ساويرس الأنطاكى أسقفا على أنطاكية سنة 512 ميلادية على المذهب الخلقيدونى أنه عقد مجمعا فى العام التالى رفض فيه معتقد خلقيدونية بأن الكلمة هو المشخص للطبيعتين فى المسيح, بالقول بأن الكلمة هو المشخص للطبيعة من طبيعتين فى  المسيح, مستنكرا وجود طبيعتين ( ديوفيزيس ) فى المسيح بحسب معتقد خلقيدونية معلما بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) ورغم اختلاف ساويرس الأنطاكى مع الخلقيدونيين فيما يتعلق بكيفية اتحاد الطبيعتين إلا أنه وافقهم فيما يتعلق بأن طبيعة المسيح كانت مشخصة باللوغوس منذ وجودها, بما يعنى أن اللوغوس لاشى العقل البشرى أو نحاه وقام مقامه فى تشخيص الروح الإنسانية قبل إئتلافها مع الروح الإلهية بحسب ساويرس الأنطاكى.

       إلا ان يعقوب البرادعى خالف معلمه ساويرس الأنطاكى بعد نياحته سنة 538 ميلادية بقوله لماذا تمتزج الطبيعتان ولا يمتزج الأقنومان فنادى بأن فى المسيح طبيعة من طبيعتين مشخصة باقنوم من أقنومين أى بابن من ابنين ( العلامة ابن المكين " الحاوى " ص 44 -45 ).

      ومن ثم فإن التعليم الذى ينادى بأن روح المسيح ( الإنسانية ) مشخصة بعقلها البشرى هو تعليم نسطور الذى يخالف تعاليم الخلقيدونيين القائلين بان روح المسيح الإنسانية تشخصت باللوغوس منذ وجودها, وهى العقائد التى تخالف معتقدات كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى على الوجه المتقدم بيانه.

     ورغم أن العقائد الواردة بالكتابين الأول والثانى تثبت معتقد نسطور بأنه صار للمسيح بحلول إلوهيم فيه روحين وعقلين (  تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 15 ص 39 )  إلا أن أحد النساطرة من الذين على المذهب اليعقوبى قبل ما جاء بهذين الكتابين باعتبارهما من تأليف أثناسيوس الرسولى رغم أنهما مثبتين لمعتقد نسطور ويهدمون معتقده اليعقوبى في الطبيعة الواحدة من طبيعتين بإثبات أن في المسيح روح إنسانية عاقلة وهو ما يضاد معتقد يعقوب البرادعى القائل بأن المسيح طبيعة من طبيعتين, وأقنوم من اقنومين, وجوهر من جوهرين لا يصح أن يقال عنه أنه جوهر إنسان ولا إله, بل هو جوهر الشخص المسمى يسوع المسيح ( العلامة ابن المكين ص 44 , 45 ).

     ومن منطلق هذين الكتابين هاجم هذا النسطورى الذى على المذهب اليعقوبى العقائد الأرثوذكسية والحق الكتابى نفسه, بل وبجهالة منقطعة النظير هاجم حتى معتقده اليعقوبى ذاته الذى يرفض مقولة نسطور بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بعقلها البشرى.

      وبرهان تعارض العقائد الواردة بهذين الكتابين مع المعتقد اليعقوبى هو أن د. جورج حبيب بباوى مترجم كتابى ثيؤدورت المثبتين لمعتقد نسطور المتقدم بيانهما للعربية أنكر فى مقدمة ترجمة الكتاب الثانى " ظهور المسيح المحيى " البدعة اليعقوبية القائلة بطبيعة واحدة من طبيعتين, بالقول ما موجزه : لا يمكن أن يكون الوسيط مزيجا من اللاهوت والناسوت أو كائن مكون من الإثنين, فالكائن الذى هو مزيج لا يكون الإله الحق لأن لاهوته امتزج بكائن آخر ,  ولا هو انسان كامل لأن ناسوته لم يعد يشبه الطبيعة ( الروح ) الإنسانية التى جاء لأجلها ( " ظهور المسيح المحيى " ص 5 ) لاعتناقه الفكر النسطورى الوارد بهذين الكتابين والمؤسس على بدعة اتحاد إلوهيم بإنسان نظيرنا ذي روح إنسانية عاقلة ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ص 5 ) اعتقادا منه أن هذا تعليم القديس اثناسيوس الرسولى.

    والواقع أن هذين الكتابين اللذين استند إليهم هذا اليعقوبى لإثبات معتقده فى الطبيعة الواحدة من طبيعتين هما في الواقع يفندان معتقده فى الطبيعة من طبيعتين, لأن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا ( الحاوى للعلامة ابن المكين ص 45 ).

     كما فند نسطور في كتابه الأول " تجسد ربنا يسوع المسيح " معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية بقوله:

     إذا افترضتم أن اللوغوس صار هو العقل المشخص للروح الإنسانية, فهذا يعنى أن الروح الإنسانية لم يعد لها إدراك بشرى بعد أن صارت تفكر بواسطة اللوغوس الذى صار عقلا لها , فهذا تجديف ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 16 ص 39 ).

    وبداهة أن نسطور لم يكن يقصد أن يهاجم بدعة أسقف قورش التي لم تكن قد ظهرت بعد, والتي تبناها مجمع خلقيدونية فيما بعد, والتي اثبتها ثيؤدورت في مؤلفه الجامع للطبيعتين ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 4 ص 53 ) والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " والمنسوب زورا أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى.

     وبداهة أيضا أنه من غير المنطقى أن يهاجم القديس أثناسيوس الرسولى عقيدة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية في كتاب " تجسد ربنا يسوع المسيح ف 16 ص 39 " المنسوب له زورا , ويثبتها فى كتاب أخر بعنوان " الجامع للطبيعتين " والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان ك 1 ق 3 ف 4 ص 53   " والمنسوب له زورا أيضا.

     والواقع أن ثيؤدورت كنسطورى عندما وضع مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " لم يكن يهاجم المعتقد الخلقيدونى الذى ابتدعه فيما بعد , وإنما كان يهاجم القديس كيرلس الذى انتقد بدعة  نسطور في إتحاد شخصين في جسد واحد بقوله:

     أن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه كما يقولون بل كما قلت : " أن اللوغوس إذ هو إلوهيم أصلا اشترك في اللحم والدم مثلنا ( العبرانيين 2 : 14 ) ( الرسـالة رقم 4 ف 7 ص 16 ) وأنه قد اتخذ جسدا وجعله جسده الذاتي ( الرسـالة رقم 50 ف 4 و 5  ص 116 – 117 ).

    فتصور ثيؤدورت كنسطور الذى يفهم الجسد بمعنى الإنسان كله ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ص 40 ) أن الكلمة إذا اتخذ جسدا وجعله جسده الذاتي بحيث صار هو مركز الشخصية في الجسد البشرى. فإن هذا معناه أن اللوغوس شخص الروح الإنسانية التي احتجب بها ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ) فصار هو عقلها, وبالتالي يكون اللوغوس قد أبطل عقلها البشرى وقام مقامه, وليس أن الكلمة تجسد باشتراكه معنا فى اللحم والدم بحسب المعتقد الأرثوذكسى ( العبرانيين 10 : 20 ) .

     ويبدوا أن ما فهمه نسطور من تعليم القديس كيرلس هو ما فهمه ثيؤدورت أيضا وأسس عليه بدعته الجديدة التي تم حرمها في مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية وتجدد حرمها في مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية.

    أيا كان الأمر فجميع هذه الكتب سواء المثبتة لعقيدة نسطور أو لعقيدة مجمع خلقيدونية تضاد وتناقض عقائد أصحاب الطبيعة من طبيعتين سواء كانت  على مذهب ساويرس الأنطاكى أو على مذهب يعقوب البرادعى.

    والواقع أن الكثير من تعاليم أصحاب الطبيعتين ( الروحين ) تم دسها على كتب ورسائل القديس أثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس عمود الدين على وجه الخصوص لنشر النسطورية بكافة مذاهبها. وهذا الدس  يفسر علة التعارض والتناقض بين التعاليم الواردة بهذه الكتب أو الرسائل.

   وقد تم حرم مذهب كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى بالقانون رقم 8 الصادر من مجمع القسطنطينية الخلقيدونى المنعقد سنة 553 ميلادية والذى جاء فيه ما موجزه :

     كل من يستعمل العبارة " طبيعة موحدة من طبيعتين " للكلمة المتجسد ( حسب ساويرس الأنطاكى ) .. ولا يعنى بذلك أن أقنوم الكلمة وحد الطبيعتين ( الروحين ) في شخصه ( حسب معتقد مجمع خلقيدونية ) ولكنه يعنى بالطبيعة الموحدة امتزاج الطبيعتين الإلهية والإنسانية في طبيعة جديدة ليكن محروما , وكذلك كل من يقول بشخصين ( حسب نسطور ) وكذا كل من يقول بطبيعة .. واحدة من الطبيعتين فليكن محروما ( " مجموعة الشرع الكنسى " القانون رقم 8  ص 469 ).

   وأيضا حرم هذا المجمع القسطنطينى فى القانون رقم 14 منه  كل من يصف المسيح بالهيكل أي الجسد ويبطن به الإنسان بالقول ما موجزه :

    " كل من ينكر تجسد الكلمة من العذراء مريم بالقول أنها ولدت انسانا عاديا ويسميه بالجسد أو الهيكل مبطنا بالهيكل الإنسان المولود منها باعتباره شخصا آخر غير شخص الكلمة .. فليكن محروما ".

      ذلك أن كلمة جسد تشمل اجساد البشر والحيوانات وجميعها مركبة من اللحم والدم فقط.

     والواقع أن هذا الحرم يمثل حرما لجميع المذاهب النسطورية بما فيه مذهب خلقيديونية نفسه كونها جميعا تعتقد هكذا , وهو ما أثبته نسطور فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " والتي تفسر الجسد بالإنسان ( " ظهور المسيح المحيى " ف 18 ) كما تم نشر ذات هذا التعليم فى رسالة لثيؤدورت نسبت زورا للقديس كيرلس عمود الدين قال فيها : أن الكلمة صار جسدا أى صار انسانا محيا بنفس عاقلة ( الرسالة رقم 17 ف 14 ص 30 ).

      لهذا يتعين على قارىء المؤلفات والرسائل المنسوبة للآباء أن يكون على معرفة بالحق الكتابى  والمعتقد الأرثوذكسى بالطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد حتى لا ينقاد خلف ضلالات أصحاب الطبيعتين وأن يكون على بينة بالخلافات بينهم حول كيفية اتحاد الطبيعتين العاقلتين الباطلة نقلا وعقلا والتى تم حرمها فى مجمعى أفسس الأول والثانى. أما المذاهب النسطورية المنشقة على المذهب الخلقيدونى فقد تم حرمها من قبل مجامع خلقيدونية بعد فترة من ظهورها .

    لهذا لزم التنويه أننا رغم استنادنا لبعض التعاليم الصحيحة الواردة بهذه الكتب والرسائل إلا أن هذه الكتب والرسائل عينها تتضمن أيضا ما يعارضها أو ما يعتبر ردا عليها, ومن هذه الردود نستطيع أن نستخلص العقيدة الصحيحة المتفقة مع الحق الكتابى والتسليم الرسولى فى ضوء قانون الإيمان الرسولى بالرجوع إلى مصادره فى القرون الثلاثة الأولى.

     ورغم تناقض تعاليم أصحاب الطبيعتين في شرح كيفية الإتحاد فيما بينهم. إلا انهم جميعا نسبوا هرطقاتهم على أنها التعليم الصحيح لهذين القديسين. فتلقفها مقدسى الأشخاص بلا فحص أو فهم أو تمييز بين الحق الكتابى وتعليم الناس, أو بين الحق والباطل فتقبلوا تعاليم الهراطقة على أنها مسلمات آبائية وليس على أنها تعاليم أناس مرتدين عن الحق .

   وبداهة أنه يستحيل أن تكون كل هذه التعاليم المتناقضة والمتعارضة مع التعاليم الصحيحة لهذين القديسين مسلمات آبائية.

    لهذا فإن الفيصل فيما يعتبر مسلمات آبائية صحيحة من عدمه. هو في عدم تعارضها مع الحق الكتابى. فإن تعارضت معه أو خالفته تطرح جانبا كنفاية أيا كان قائلها. عملا بقول بولس الرسول :

    إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم ، فليكن أناثيما ( غلاطية 1 : 8 ) اى محروما.

   والواقع أن هناك اختلافات عقائدية بين المعتقد الأرثوذكسى القائل بأن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية من جهة, وبين معتقدات النساطرة والخلقيدونيين واليعاقبة القائلين بروحين في المسيح من جهة أخرى. حيث يختلفون فيما بينهم حول تفسير كيفية اتحاد الكلمة بالإنسان يسوع المسيح المولود من مريم حسب زعمهم .

     فنسطور يرى أن الكلمة وحد روح المسيح الإنسانية العاقلة بنفسه دون أن يبطل عقلها البشرى لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. إلا أن ثيؤدورت أسقف قورش خالفه بالقول بأن اللوغوس هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية فى المسيح وهى البدعة أخذ بها المجتمعون في خلقيدونية والقائمة على أساس أن روح المسيح الإنسانية تشخصت باللوغوس وليس بعقلها البشرى. بالقول ما موجزه :  "    

     فعلى هذا خالط الكلمة الخالق جوهرية الإنسان .. وصار الكلمة بقوامه قواما لذلك الناسوت الذى كمل جوهره بتقويم ( تشخيص) كلمة إلوهيم إياه . لأنها لم تخلق إلا بقوام .. ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين كلتيهما الإلهية والناسوتية ( " الجامع للطبيعتين " ك 1  ق 3  ف 4 ص 52 - 53 ). 

    وقد ظهرت البدعتين رغم تعارضهما في كتب منسوبة للقديس أثناسيوس الرسولى على الوجه المتقدم بيانه. بما يستحيل أن تكون هذه التعاليم المتعارضة لكاتب واحد. بحيث يثبت الكاتب معتقده في كتاب ويفنده مسفها إياه في كتاب آخر على الوجه المتقدم بيانه, أيا كان الأمر فقد تم حرم بدعة نسطور فى مجمع افسس الأول سنة 431 ميلادية , كما تم حرم بدعة ثيؤدورت التى اخذ بها مجمع خلقيدونية فيما بعد بمجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية وتجدد حرمها مع كل من يقول بها فى مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية.

     لهذا سوف نعرض فيما يلى لبعض التعاليم الكاشفة عن نسطورية كتابى نسطور المتقدم بيانهما عن طريق إظهار توافق هذه الكتابات مع عقيدة نسطور وتعاليمه المنكرة لولادة الكلمة وصلبه وقيامته ( " ظهور المسيح المحيى " ف 13 ص31  ) كما سنعرض ايضا لبعض التعاليم الواردة بكتاب ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " والمثبتة لمذهب مجمع خلقيدونية المؤسس على الفكر النسطورى على الوجه التالى:

 

أولا  : تعاليم نسطور الواردة بكتاباته تكشف نسطوريتهما

 

     من البراهين الموضوعية التي تثبت أن كتاب" تجسد ربنا يسوع المسيح " و" ظهور المسيح المحيى " المنسوبين زورا للقديس أثناسيوس الرسولى هما من وضع ثيؤدورت النسطورى هو تواقق عقيدة نسطور الواردة في رسالته رقم 5 المرسلة للقديس كيرلس مع ما جاء في هذين الكتابين.

   لذلك فإن مقارنة تعاليم نسطور الواردة برسالته الخامسة الشهيرة مع تلك الواردة بالكتابين المتقدم بيانهما يكشف بأجلى بيان نسطوريتهما .

     والخلاصة أن أن كل تعليم ينكر تجسد ربنا يسوع المسيح ومجيئه في الجسد. زاعما أنه مجرد إنسان نظيرنا نال حلولا إلهيا ( ظهور المسيح المحيى ف 5 ص 20 ) وليس أنه جاء في الجسد حسب الحق الكتابى ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) هو لنسطور القائل بطبيعتين عاقلتين في المسيح.

 

ثانيا : تعاليم ثيؤدورت الواردة بكتبه تكشف عن نسبتها إليه

 

     والواقع أنه  وبصرف النظر عن كيفية الإتحاد بين الطبيعتين المختلف حولها بين أقطاب النسطورية فإن جميع أوجه الإتحاد باطلة نقلا وعقلا. لأن ما بنى على باطل هو باطل, وما بنى على بدعة هو بدعة .

    وبرهان ذلك أن ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى وضع مؤلفا بعنوان" دفاع الأسقف ثيؤدورت عن ديودورس وثيؤدورس ( معلمى نسطور ) ردا على كتاب القديس كيرلس ضد ديودورس وثيؤدورس انتقد فيه كتابات القديس كيرلس بالقول :

   إن كتاب كيرلس ضد ديودورس كله على هذا النمط أي " لم يأخذ إنسانا لكن هو صار إنسانا ( الصواب ظهر في الهيئة كإنسان ) لم يتدبر ( أي لم يظهر ) في الإنسان. بل تدبر بشريا ( أي في الجسد ) وأن الوحيد نفسه تألم وذاق الموت".

    وفى عظة لثيؤدورت بكنيسة أنطاكية قال بحضور دومنوس أسقف أنطاكية  ( 441 - 449 ) ما نصه:

    " أن إلوهيم اتخذ إنسانا ولو أبى بعضهم " ( أعمال مجمع أفسس الثانى بالسريانية ) ( " تاريخ الكنيسة السريانية الإنطاكية " الجزء الثانى ف 25 ص 83 ). 

    كما أنكر بمؤلفه الجامع للطبيعتين لاهوت المسيح بقوله :

    " لو قال المسيح أنى إلوهيم لأدخل من أمن به فى خطأ كبير .. فلو قال المسيح إنى إلوهيم فقد نسب نفسه إلى أنه الآب والابن والروح القدس ( وذلك لاعتقاد ثيؤدورت بأن المسيح إنسان مثلنا بروح انسانية مشخصة بالكلمة الذى ابطل عقلها البشرى منذ وجودها ) ( " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 5 ص 61 ).

     وهذه العقائد كما هو واضح تضاد عقيدة القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين المؤسسة على الحق الكتابى القائل بأن المسيح ليس إنسانا مثلنا من حيث الجوهر كما يزعم نسطور, وأنه لم يأخذ إنسانا, وإنما ظهر في الهيئة كإنسان. آخذا صورة ( أي هيئة ) العبد صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 7 ) وأنه ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم, وليس فى إنسان.

    والواقع أن وحدة إسلوب أصحاب الطبيعتين في شرح معتقداتهم المضادة للحق الكتابى هو من البراهين الموضوعية التي تكشف عن كتاباتهم  المنسوبة زورا للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين.

    هذا الإسلوب الذى اتبعه ثيؤدورت في مهاجمة القديس كيرلس هو ذات الإسلوب الذى اتبعه كنسطورى في هجومه على القديس كيرلس في مؤلفاته المتقدم بيانها والمنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى .

     مثال ذلك هجومه كنسطورى في مؤلفه " ظهور المسيح المحيى على القديس كيرلس قائلا:

     " لماذا تقولون: لقد ظهر كما لو كان إنسانا ( أي ظهر في الهيئة كإنسان ) لماذا هذا الغموض المتعمد الذى يتكرر في كل مناسبة. خصوصا عندما تحاولون شرح الإيمان " ( ظهور المسيح المحيى ف 4 ص 18 ).

     ويستطرد ثيؤدورت كنسطورى مهاجما القديس كيرلس قائلا:

     لماذا لا تعترفون علنا بأنه جاء وتجسد وأخذ صورة العبد ( ظهور المسيح المحيى ف 1 ص 14 ).

     ويرى ثيؤدورت كنسطور أن صورة العبد هي بشكل خاص العقل أو النفس أي الإنسان كاملا ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 36 ).

    بداهة أن القديس كيرلس لم ينكر التعليم بأن الكلمة تجسد بأن أخذ شكل العبد أي هيئته, ولكنه أنكر تفسير نسطور لهذا التعليم بأن صورة العبد تعنى روح العبد, وليس شكل العبد أى صورته الظاهرية, واستنادا لهذا المفهوم المغلوط بشأن صورة العبد, قال ثيؤودرت كنسطور أن روح الكلمة احتجبت بصورة العبد أى بروحه الإنسانية العاقلة ( تجسد ربنا يسوع المسيح فصل  18 , 19 ) وهو ما أخذ به ثيؤدورت أيضا فى بدعته الجديدة التى تبناها مجمع خلقيدونية (  ثيؤدورت " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 – 52 ).

 

 



الباب الأول

كتاب تجسد ربنا يسوع المسيح

 

     هذا الكتاب هو الكتاب الأول الذى وضعه ثيؤدورت أسقف قورش عندما كان على المذهب النسطورى قبل عام 445 ميلادية, وقد ورد ذكره فى الفهارس الخاصة بمؤلفاته تحت عنوان " تجسد الرب " وقد وضعه للرد على تعاليم القديس كيرلس المؤيدة بالحق الكتابى والتى أقرها مجمع أفسس الأول المنعقد سنة 431 ميلادية والتى تحرم كل من ينكر إلوهية المسيح ابن إلوهيم الوحيد ويقول أنه انسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة وأنه الذى ولد من العذراء وليس الكلمة, لهذا تسمى العذراء بأم المسيح باعتباره انسان بروح انسانية عاقلة مثلنا وليست أم إلوهيم  بحسب الحق الكتابى, وقد تم نشر هذا الكتاب مؤخرا  منسوبا للقديس أثناسيوس الرسولى من قبل مترجم الكتاب الذى يزعم أن القديس اثناسيوس يهاجم الأبولينارية أى أنه يهاجم تعاليم تلميذه أبوليناريوس أسقف اللاذقية بسوريا رغم أنه لم يرد اسم ابوليناريوس فى هذا الكتاب مطلقا بزعم أن هذا الكتاب يهاجم كل من ينكر وجود روح انسانية عاقلة فى المسيح بحسب معتقد نسطور وهو التعليم الذى يرفضه كل من القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين بل أن مجمع نيقية عقد ضد اريوس الذى انكر لاهوت المسيح بقوله أنه انسان مثلنا وأنه اول خليقة إلوهيم وهى ذات عقيدة نسطور وثيؤدورت التى تم حرمها فى مجامع مسكونية.

     لهذا يهاجم الكتاب كل الذين يقولون أن العذراء لم تلد انسان يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة بل ولدت المسيح المساوى للآب فى الجوهر معتبرا أن قولهم هذا يعنى أنهم جعلوا المسيح ( الجسد عند النساطرة ) من ذات جوهر اللاهوت حال أنه حسب معتقده إنسان بروح إنسانية عاقلة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 9 ص 26 - 27 ).

    كما أنكر وراثة الخطية وأن الخطية فى الجسد لهذا جاء المسيح فى شبه جسد الخطية بقوله أن مصدر الخطية ليس فى الجسد وإنما فى إنحراف الإرادة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 11 ص 33 ) أى أن الخطية فى الروح الإنسانية التى أطأت فكريا فصارت تحت حكم الموت والفناء ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 19 ص 43 ) رغم أن الروح خالدة لا تفنى ولا تموت بل الدم أى النفس الحية التى هى علة حياة الجسد لا الروح.

   وبما أن الروح هى التى أخطأت فإن الخطية أو انحراف الإرادة لا يورث  فأنكر بذلك وراثة الخطية من خلال زرع الرجل . كما هاجم العقائد الكتابية المثبتة لتألم الكلمة بقوله أن الإنسان يسوع المسيح هو الذى تألم باعتباره آخر غير الكلمة المتجسد, كما أنكر قيامته ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 10 و 11 ص 28 - 29 ) زاعما أن كل هذه الإمور تخص الإنسان يسوع المسيح وليس الكلمة الغير متألم . ورغم اقراره بإله هو الكلمة وإنسان هو يسوع المسيح يقول ونحن لا نقول هذا بقصد تقسمه إلى إثنين حاشا ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 11 ص 30 ) ثم يعود ويقول أن اللاهوت احتجب فى النفس الإنسانية العاقلة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 11 ص 30 ) أى أن الكلمة عند نسطور لم يتجسد وإنما حل واحتجب فى روح انسانية عاقلة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ) .

 

 

الفصل الأول

أساسات الإيمان فى تعاليم نسطور

 

      جاء فى الرسالة الخامسة لنسطور التى أرسلها للقديس كيرلس ما نصه:

      نحن نؤمن بربنا يسوع المسيح ابنه الوحيد الجنس لاحظ كيف يضعون أولا كأساسات هذه الأسماء الرب يسوع المسيح الوحيد الجنس والابن, وهى الأسماء المشتركة بين اللاهوت والناسوت. حينئذ يبنون عليها تقليد التأنس والآلام والقيامة ( نسطور " الرسالة رقم 5 " ف 4 ص 32 ).

     أنه وضع اسم المسيح أولا كإسم يشير إلى الجوهر القابل للآلام وإلى الجوهر غير القابل للآلام في شخص واحد ( نسطور " الرسالة رقم 5 " ف 5 ص 33 ).

    وهو ذات الأسلوب الذى نجده في كتابه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى والذى يقول فيه :

    والحقيقة الأولى من هذه الأساسات .. أن اسم المسيح يعلن حقيقتين اللاهوت والناسوت, وهكذا يدعى المسيح إنسانا وهو ذاته يدعى إلوهيم , وأحيانا يسمى الإله المتأنس ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 13 ص 33 - 34 ).

       وهو ذات الإسلوب الذى نجده في الرسائل والمؤلفات المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين والذى يبدوا أنها كانت في الأصل عبارة عن مناظرات أو مؤلفات تشرح عقائد نسطور وترد عليها بطريقة السؤال والجواب التى كانت متبعة فى ذلك العصر, وتم إزالة أشخاص المناظرة بحيث يظهر أن كل التعليم لعديمى التمييز وكأنه كله للقديس كيرلس عمود الدين رغم أن بعضه يفند بعضه الآخر.

      والواقع ان كل من يعمل الفكر فيما يقرأءه سيدرك أن بعض هذه الكتابات تتضمن تعاليم نسطور وردود القديس كيرلس عليها.

     كما يمكن للباحث المدقق أن يفحص تعاليم النساطرة من مؤلفاتهم ويميز ما يقابلها فى الكتابات المنسوبة زورا للقديسين, بحيث يمكنه أن يميز بين تعاليم أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد , وبين تعاليم أصحاب الطبيعتين التى تكشف عن معتقداتهم على مثال ما جاء برسالة نسطور الشهيرة بالرسالة الخامسة والتى جاء فيها ما نصه:

    أنه يمتدح تميز الطبيعتين وارتباطهما ( أى اتحادهما أو اشتراكهما ) معا في شخص واحد ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 6 ص 33 ).

    هذه العبارة رغم أنها مثبتة للمعتقد النسطورى إلا أنها أيضا مثبتة للمعتقد الخلقيدونى والخلاف بينهما هو خلاف في تفسير كيفية هذا الإتحاد.

    أى أن تعليم الإتحاد بين طبيعتين عاقلتين فى شخص المسيح هو اساس إيمان جميع المذاهب النسطورية بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المختلف حولها بين اقطاب النسطورية, وفى هذا يقول نسطور:

    لذلك نحن نضع الاتحاد كأساس للإيمان ( شرح تجسد الابن الوحيد 37 ص 70 ).

    لهذا هاجم ثيؤدورت القديس كيرلس قائلا :

    أنه ينكر الإتحاد الذى بمقتضاه يسجد للواحد مع الآخر, وليس بسبب أن الواحد في الآخر ( الرسالة رقم 17 ف 11 ص 27 ).

      والواقع أن قول ثيؤدورت القائم على سفسطة فارغة بأنه ينبغي أن يسجد للواحد مع الآخر, وليس بسبب أن الواحد في الآخر. رغم عدم وجود أي فرق بينهما لأنهم في جميع الأحوال يسجدون للإنسان سواء كان الكلمة معه أو فيه, وهذه التعبيرات جميعا لا تعنى ما ذهب إليه المترجم اليعقوبى بالقول أن السجود يقدم للمسيج الذى فيه يتحد اللاهوت والناسوت معا في طبيعة واحدة ( أى من الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية ) ( الرسالة رقم 17 ف 11 هامش 19 ص 27 ).

     والواقع أن ثيؤدورت لم يقل بطبيعة من طبيعتين بل قال أن السجود يكون للطبيعتين معا دون أن يعنى ذلك أنهما صارا طبيعة واحدة من طبيعتين بحسب المعتقد اليعقوبى.

      لأن تعليم الإتحاد بين طبيعتين عاقلتين هو أساس الإيمان النسطورى بصرف النظر عن كيفيته المختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين والمرفوضة نقلا وعقلا.



الفصل الثانى

رد نسطور على اتهامه

بأن الكلمة جاء إلى المسيح كما جاء إلى القديسين

 

      انتقد القديس كيرلس تعاليم نسطور بقوله:

       كيف يريدون أن يدعوا مسيحيين هؤلاء الذين يقولون بأن الكلمة قد حل على إنسان قديس كما كان يحل على أي واحد من الأنبياء, ولم يصر هو نفسه إنسانا باتخاذه الجسد من مريم , ويقولون أن المسيح هو شخص وأن كلمة إلوهيم .. هو شخص آخر ( الرسالة إلى ابكتيتوس ف 2 ص 35 ) .

    هذه الرسالة إلى ابكتيتوس هي رسالة مزورة من وضع نسطور يرد فيها على انتقادات القديس كيرلس له , وقد نسبها زورا للقديس اثناسيوس الرسولى لنشرها كتعليم أرثوذكسى بعد ان تم حرم كتاباته.

    فرد ثيؤدورت عندما كان ما يزال على المعتقد النسطورى على أقوال القديس كيرلس قائلا بما نصه:

    " أما الذين يقولون كلاما لا أساس له بالمرة مدعين بأن إلوهيم الكلمة جاء كما جاء من قبل للأنبياء. نقول لهم أنه ولا واحد من هؤلاء عندما جاء إليه الكلمة قيل عنه أن إلوهيم تجسد ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 46 ).

    واستطرد في مؤلفه " ظهور المسيح المحيى"  قائلا ما موجزه:

      اما الادعاء بأنه إنسان صار مع إلوهيم حسب تعبيركم الردىء فهذا يقضى على سر التقوى. وإنما الحق هو أن الابن الوحيد بكل ملء إلوهيته قد سر أن يأخذ لذاته من أحشاء العذراء.. الطبيعة ( الروح ) الإنسانية التى خلقت من البدء ( ظهور المسيح المحيى ف 5 ص 20 ).

    والواقع أن القول بأن روح المسيح الإنسانية كانت أولى خلق إلوهيم هو ذات معتقد اريوس الذى تبناه ثيؤدورت أسقف قورش وأثبته بمؤلفه " الجامع للطبيعتين " وجعلها مسكن لإلوهيم الذى حل واحتجب بها ( " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 2 ف 1 ص 25 + ق 3 ف 4 ص 51 – 52 ).

      وعن انتقاده لقوله بحلول الكلمة فى انسان قديس مثلنا رد نسطور على القديس كيرلس فى مؤلف آخر قائلا :

     " كثيرون قبله كانوا قديسين, ولكن ولا واحد منهم دعى عمانوئيل. لماذا ؟ لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا " ( شرح تجسد الإبن الوحيد ف 7  ص 17, 18 ).

       وفى موضع آخر بنفس المؤلف استطرد نسطور قائلا:

       " أن المسيح ليس مثل باقى القديسين حل فيه اللاهوت .. ونحن نؤمن بأن الجسد الذى اتحد به فيه نفس عاقلة " ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 26 ص 42 ).

     وفى نفس الموضوع استطرد ثيؤدورت كنسطورى قائلا فى الرسالة رقم 17 ما نصه :

     " لسنا نقول أن كلمة إلوهيم حل في ذلك المولود من العذراء القديسة كما يحل في إنسان عادى .. فإنه أيضا قد قيل أن في المسيح يحل كل ملء اللاهوت جسديا .. فلا يقال عن حلوله أنه مثل الحلول في القديسين, ولا نحدد هذا الحلول في أنه يتساوى وبنفس الطريقة كالحلول في القديسين ..  ولكن الكلمة حقق حلولا مثلما يقال عن حلول نفس الإنسان في جسدها الخاص " ( الرسالة رقم 17  ف 8 ص 24 - 25 ).

     هذه الرسالة رقم 17 منسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين حال أنها من وضع ثيؤدورت يرد فيها على حرومات القديس كيرلس الإثنى عشر ضد تعاليم نسطور الهرطوقية.

     فرد القديس كيرلس على هذه التعاليم التى تعتبر أن المسيح نبى مثل الأنبياء بقوله ما موجزه:

    مع انهم يقولون أنه نبى إلا أنهم يقولون بأنه يفوق الأنبياء الذين سبقوه لأنه مملوء من اللاهوت من لحظة ميلاده, وعلى هذا فالفرق بين المسيح والأنبياء هو في كم النعمة والفترة الزمنية .. لو صح ذلك فإنه مهما تفوق فسيكون مثل القديس يوحنا المعمدان الذى إمتلء من الروح القدس من بطن أمه ( لوقا 1 : 15 ) ومع ذلك قال عن نفسه أنه من الأرض أما المسيح فهو من فوق أي من السماء و" الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع " ( يوحنا 3 : 31 + 6 : 38 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) ( المسيح واحد ف 11  ص 69 , 70 ).

     واستطرد القديس كيرلس قائلا في موضع آخر :

     " فإذا قالوا أنه دعى عمانوئيل بمعنى أنه مثلنا نحن البشر قد سكن إلوهيم فيه. فليعترفوا علانية أنهم عندما يشاهدوننا نحن والملائكة في السماء وعلى الأرض نعبده يخجلون من هذه الفكرة  " ( شرح تجسد الإبن الوحيد ف 18  ص 36 ).

    واستطرد قائلا في موضع آخر بذات المؤلف :

     " لو كان المسيح انساناً حل فيه إلوهيم فكيف يسمى " إلوهيم العظيم " ؟  وكيف يكون رجاؤنا فيه مباركاً ؟ والنبي أرميا يقول " ملعون هو الرجل الذي يتكل على انسان " ( أرميا 17 : 5 ) ولو كان المسيح إنسان حل فيه إلوهيم  فهذا لا يجعله الهاً, وقياساً على ذلك لو دعونا كل من حل فيهم إلوهيم آلهة .. فماذا يمنعنا من عبادتهم؟ لكن الرسول بولس يسمي المسيح " إلوهيم العظيم " ( تيطس 2 : 13 ) وأن مجيئه مبارك, وبولس أيضاً قال لليهود عن عمانوئيل : " الذين منهم الآباء والعهد والمواعيد، ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلوهيم المبارك إلى الأبد " ( رومية 9 : 4 – 5 ) ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 24 ص 35 , 36 ).

     واستطرد القديس كيرلس قائلا في موضع آخر بذات المؤلف :

     لقد حدد الناموس عبادتنا لإلوهيم.. للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ( تثنية 6 : 13 )( متى 4 : 10 ) وعبادتنا لإلوهيم ليس شيئا يستهان به حتى أننا نعبد بدلا منه إنسانا حل إلوهيم فيه .. ولو كان المسيح إنسانا حل فيه اللاهوت. فما معنى القول شاركنا في اللحم والدم , ولو كانت مشاركته في اللحم والدم تجعل منه إنسانا على النحو الذى يتصوره المعارضون للإيمان فإلوهيم حل في قديسين كثيرين, وهذا يعنى أنه لم يتجسد مرة واحدة بل عدة مرات ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 25 ص 41 ).

 

     مما تقدم يتضح أن المسيح بحسب معتقدات النساطرة هو إنسان قديس ونبى مثله مثل القديسين والأنبياء ولا يفترق عنهم في نوعية حلول إلوهيم فيهم إلا فى كيفيته وتوقيته.

   فإن كان ذلك كذلك فعلينا أن نطوبه دون باقى القديسين والأنبياء لأنه وهو إنسان قديس ونبى دعى إلها يعبد. لأن الكلمة جعله واحدا معه فى لاهوته أى انه اشركه معه فى كرامة الربوبية والبنوة ومجد اللاهوت عندما حان الوقت ليتكلم من خلاله معلنا تأنسه بهذا الإنسان أي مصاحبته له رغم أن التأنس هو علاقة خارجية بين انسان وأخر يأتنس به ويصاحبه. أما الحلول في روح إنسان والتكلم من خلالها فرغم استحالته فهو لون من ألوان التقمص ينزه عنه إلوهيم إن جاز أصلا أن روح تسكن روحا وتشخصها. كما أن حلول إلوهيم في إنسان يدعى يسوع المسيح لن يصيره إلها يعبد دونا عن سائر القديسين والأنبياء الذين حل فيهم مثله. لأن هذا التعليم يضاد قول الرب أن مجده ( أشعياء 42 : 8 ) وكرامته ( أشعياء 48 : 11 ) لا يعطيمهم لآخر.

     والواقع أن هناك فرق بين حلول روح إلوهيم في الأنبياء لمنحهم موهبة النبوة ( كورنثوس الأولى 12 : 10 ) وبين حلوله في قديسى العهد الجديد حلول سكنى بالروح المحيى ليحيى أجسادهم المائتة بروحه الساكن فيهم ( رومية 8 : 11 ).

       فنسطور يجهل الفرق بين حلول الموهبة, وحلول النعمة أو السكنى لمنح الجسد نعمة القيامة من الموت, وبين الحلول التشخيصى الذى بموجبه تحل الروح فى جسدها الخاص لتشخصه وتجعله خاصا بها وحدها, وبين حلول التقمص الذى بموجبه تحل روح في إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة لتتكلم من خلاله, وهذا الحلول هو حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم, سيان حل الروح في جسد الإنسان أو احتجب بروحه الإنسانية حسب معتقد النساطرة وفى هذا يقول ثيؤدورت  ما نصه :

     إن الجحيم لم يكن يستطيع أن يحتمل ظهور اللاهوت غير محجوب في النفس الإنسانية ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ) وأيضا في قوله : " وكيف يمكن أن نحسب أن الذي نزل إلى الجحيم هو آدم الثاني الإنسان إذا كان الكلمة نزل بلاهوته بدون حجاب النفس الانسانية " ( ظهور المسيح المحيى ف 17 الفقرة الأولى ) ( الجامع للطبيعتين ق 3 ف 4 ص 51 ).

   وهذا التعليم مرفوض نقلا وعقلا لأن الروح ساكن لا مسكن  أى أنها تحتجب بالجسد وتشخصه ولا يحتجب بها ولا تشخص من غيرها.

    كما أن التعليم بروح إنسانية عاقلة في المسيح يضاد المعتقد اليعقوبى بأن روح المسيح بعد الإتحاد ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا.

     لأن القول بأن روح المسيح التى من روحين إنسانية. معناه أن الروح الإنسانية ابتلعت الروح الإلهية, وهى بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

    وأما لو قيل إنها إلهية فهذا معناه أن الروح الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية بحسب البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا لأنه لم يقل أبدا بطبيعة من طبيعتين للكلمة المتجسد. حتى ينسبوا إليه بدعة ملاشاة طبيعة لأخرى. بل قال بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد.

    وأيضا فأن الطبيعة الواحدة من طبيعتين بحسب المذهب اليعقوبى هي روح لا جنس لها تجمع بين صفات وخواص الطبيعتين  دون أن تكون أيا منهما أو معا بما يعنى أنها مزيج جديد لا يصح ان يقال عنه انه انسان أو إله بل هى طبيعة خاصة بالمسيح.

    وفى هذا يقول نيافة الأنبا غريغوريوس معترفا بأنه من أصحاب الطبيعتين المتحدتين في طبيعة واحدة بما نصه :

       ولا يعتذر أصحاب الطبيعتين عن تعبير الطبيعة الواحدة بزعم أن القول بطبيعة احدة لها صفات الطبيعتين معناه القول بطبيعة ثالثة ( مناقضا بذلك ما جاء في كتاب الحاوى للعلامة اليعقوبى ابن المكين ص 45 ) .. لأن هذا القول يتضمن الاعتقاد بالامتزاج والاختلاط ( وهذا هو الحق ) ثم تراجع عن هذا الإنكار مثبتا الطبيعة الثالثة بالقول :

    ولكننا نؤكد أن هناك أمرا جديدا قد نجم عن هذا الإتحاد لم يكن حادثا من قبل ( أي نشوء طبيعة جديدة محدثة لا جنس لها ) هو لقب .. السيد المسيح. فهذا اللقب الجديد لا يصح اطلاقه على الكلمة قبل التجسد بل هو اللقب الذى عرف به منذ يوم التجسد فقط ( الأنبا غريغوريوس " اللاهوت المقارن " ص 209 ).

    وهذا معناه أن اسم يسوع المسيح لا يخص الكلمة قبل تجسده بل يخص الروح التي نشأت حديثا من اتحاد الروحين الإلهية والإنسانية. دون أن يبين جنسية هذه الروح الجديدة هل هي إلهية ام إنسانية أم أنها عدمت الروحين معا ونشأت روح جديدة تجمع خواص وصفات الطبيعتين دون ان تكون أيا منهما أو معا تشخصت بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى.

      ورغم انكاره أن تكون الروح المتحدة التى لها صفات الطبيعتين طبيعة ثالثة أي طبيعة محدثة لم تكن موجودة قبل الإمتزاج, إلا أنه لم يلبث ان أثبت ما أنكره بقوله  :

      ولكننا نؤكد أن هناك امرا جديدا ( أي روح جديدة أو ثالثة ) قد نجم عن هذا الإتحاد ( أي بين الطبيعتين ) لم يكن حادثا من قبل. هو لقب .. السيد المسيح " .

      ونحن لا يعنينا ماذا تلقب بعد الإتحاد ولكن يعنينا معرفة جنسيتها بعد الإتحاد هل هي إلهية أم إنسانية أم انها روح محدثة لا جنس لها, بما يعني أن الطبيعة الجديدة عدمت الطبيعتين معا  ونشأت طبيعة ثالثة خاصة بالسيد المسيح بالمخالفة للحق الكتابى القائل :

   بأن المسيح يسوع الذي إذ كان ( أي منذ الأزل ) في صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 ) وأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) وأنه بروح أزلي ( العبرانيين 9 : 14 ).

     أيا كان الأمر فإن حلول روح إلوهيم في إنسان له روح انسانية عاقلة بحسب الفكر النسطورى يسمى حلول تقمص وليس حلول تجسد. فإن كان أحد لا يستطيع أن يميز بين مفهوم حلول التجسد ومعناه أن يتخذ الكلمة لنفسه جسدا خاصا به وحده, وبين حلول النعمة ومقتضاه أن يسكن الروح القدس في قلوبنا لإحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا , وبين حلول المواهب والذى بمقتضاه ينال الإنسان موهبة النبوة أو التعليم أو إخراج الشياطين أو التكلم بألسنة, وبين حلول التقمص الذى تقوم به الشياطين التي تتقمص أجساد البشر لتتكلم من خلالهم عنوه . أو يعتقد في إمكانية حلول روح في روح أخرى تحتجب بها وكأنها مادة حاجبة لتتكلم بتوسط منها " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 , 18 ص 42 , 43 ) ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 4 , 5 ص 51 , 52 , 63 , 64 ) هو إنسان عديم التمييز كنسطور وثيؤدورت وكل أصحاب الطبيعتين ومن على دربهم. وأمثال هؤلاء لا يقام لرأيهم وزن .

     لهذا حرم القديس كيرلس بدعة نسطور في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية, وحرم القديس ديوسقورس بدعة ثيؤددورت فى مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية.

     وأما عن مقولة نسطور القائل :

    " لسنا نقول أن كلمة إلوهيم حل في ذلك المولود من العذراء القديسة كما يحل في إنسان عادى ".

     فمردودة بأنه لا يوجد شىء اسمه حلول في إنسان عادى, وحلول في إنسان غير عادى. فالحلول في إنسان أيا كان نوعه ليس تجسد على الإطلاق.

     فالبشر سواسية وحلول إلوهيم فيهم هو حلول نوعى وهو نوعين الأول حلول سكنى نناله في المعمودية لإحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا, والثانى حلول مواهب فيه يعطى للبعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض معلمون وآخرون التكلم بألسنة وإخراج شياطين وشفاء مرضى إلى آخره, وأيا كان نوع هذا الحلول في إنسان. فهذا لن يحوله إلى إله يعبد. لأن الرب نفسه يقول " أنا الرب هذا إسمى ومجدى لا أعطيه لأخر ", وأيضا " أنا الرب هذا اسمى وكرامتى لا أعطيها لآخر ".

     لذلك فإن الذى يتصور أو يتخيل أن المخلوق العاقل يمكن أن يشارك الرب مجده وكرامته بحيث يتقبل العبادة مع إلوهيم هو عادم المنطق والبصيرة ولا يختلف عن عابدى البشر والملائكة في شيء.

      فحلول الروح القدس على إنسان في بطن أمه لن يحوله إلى إله يعبد. فيوحنا من بطن أمه امتلاء من الروح القدس ( لوقا 1 : 15 ) أي إمتلاء من اللاهوت, ومع ذلك لم يقل أن إله.

     ولو كان المسيح إنسان كيوحنا امتلاء من بطن أمه بكل ملء اللاهوت كما يزعم النساطرة لكان أولى أن يرد ذلك فى البشائر, وحيث خلت الأناجيل المقدسة من هذا التعليم الكفرى, فإن تعاليم النساطرة بكافة مذاهبهم إذ ليس لها أي سند كتابى بل على العكس هى متعارضة مع الحق الكتابى فإنها تحسب كنفاية, وكل نفاية نهايتها الحريق.

     فلو كان المسيح إنسان مثلنا وقيل أن فيه حل كل ملء اللاهوت. فهذا لن يغيره ويصيره إلها يعبد. لأننا نحن أيضا ممتلئين بملء اللاهوت ( افسس 3 : 19 ) إن كان روح إلوهيم ساكنا فينا.

   فروح إلوهيم لا يحل فينا بكيل أو بجزء منه بل بكل ملء اللاهوت, وفى التناول أيضا لأنأكل جزء من جسد المسيح بل نأكل المسيح كاملا. لأنه يقول من يأكلنى يحيا بى.

   لهذا فإن الروح القدس عندما يحل فينا لا يحل بمعزل عن الآب والابن بل يحل بكل ملء لاهوته بأقنوم الروح القدس وهذا ما أعلنه الرب نفسه بقوله:

   إن أحبني أحد يحفظ كلامي ، ويحبه أبي ، وإليه نأتي ، وعنده نصنع منزلا ( يوحنا 14 : 24 ).

   أن الآب والابن يأتون ويسكنون الإنسان بالروح القدس, وهذا القول هو عين قول بولس فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيا. فالمسيح يحيا فينا بالروح القدس الذى يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    والروح القدس يسمى باسم المسيح لأنه روح المسيح .

     أما لماذا قيل أنه في المسيح ابن إلوهيم حل كل ملء اللاهوت في الجسد رغم أنه بالطبيعة ملء إلوهيم الظاهر في الجسد.

     فهذا ردا على جهالات البعض حتى في أيامنا هذه الذين يتصورون بجهالة أن الابن تجسد بمعزل عن أبيه والروح القدس (  " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 11  ).

     فجاءت الآية لتثبت أن الابن حل بالآب في الروح القدس في جسده الخاص بوجه الأبن .

    أي أن الأبن هو المعلن للآب الذى فيه بالروح القدس الذى هو روح المسيح ابن إلوهيم الأب لهذا قال أنا والآب واحد ومن رآنى فقد رأى الآب.

    كما أن بولس الرسول لم يقل أن الكلمة حل بكل ملء اللاهوت فى إنسان يسمى المسيح . بل قال أنه في المسيح الذى هو صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 ) حل كل ملء اللاهوت جسديا ( كولوسى 2 : 9 ) أي في الجسد وليس في إنسان.

     أما تشبيه نسطور لحلول إلوهيم الكلمة في إنسان له روح انسانية عاقلة حلولا تقمصيا ليتكلم من خلاله, بأنه مثل حلول روح الإنسان في جسدها الخاص فهو لون من ألوان السفه العقلى وعدم التمييز, لأن مثل هذا الحلول هو حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم.

     لأن حلول روح إلوهيم في جسد إنسان إنما هو حلول نعمة لمنحه نعمة الحياة أو حلول موهبه لمنحه إحدى مواهب الروح القدس, ولا يقال عنه أنه مثل حلول روح الإنسان في جسدها الخاص , لأن حلول روح الإنسان فى جسدها الخاص هو حلول تشخيصى, وجسدها الخاص لا يعنى أنها تحل فى جسد انسان آخر, بل هى تحل فى جسد من لحم ودم.

    ومعلوم أن الشياطين تحل في أجساد البشر وتتقمصها بالتكلم من خلالها فهل يسمى هذا الحلول الشيطانى بأنه مثل حلول روح الإنسان في جسدها الخاص .

     لو كان حلول التقمص يسمى تجسدا. لصارت هناك تجسدات للشياطين لا تحصى.

     لهذا فإن هذا القياس الفاسد إن دل على شيء فيدل على فساد عقل قائله. لأن حلول إلوهيم في إنسان له روح انسانية عاقلة ليتكلم من خلاله لا يسمى تجسدا, بل تقمصا ينزه عنه إلوهيم.

     فإلوهيم يحل فينا حلول نعمة لمنح أجسادنا نعمة القيامة من الموت, وبهذا الحلول يتصور المسيح في قلوبنا ( كورنثوس الثانية 1 : 22 ) ( أفسس 3 : 17 ) .

      وعليه فإن حلول إلوهيم في أجسادنا لا يسمى تجسدا بل هو حلول نعمة وإلا كان لإلوهيم تجسدات كثيرة لأنه حل ويحل في قديسين كثيرين.

     أما الحلول التشخيصى فهو الحلول الذى فيه تتخذ الأرواح سواء كانت أرواحا بشرية أو روح إلوهيم جسدا خاصا بها وحدها تشخصه وتصيره جسدها الخاص بها وحدها دون شريك. فهذا وحده هو حلول التجسد بحسب التحديد الكتابى . بحسب ما أعلنه بولس الرسول بالقول :

    " إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم. إشترك هو أيضا فيهما لكى يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).

      فأرواح البشر يشتركون فى الجسد بحكم الخلقة لأنهم لايستطيعون أن يتحركوا أو يروا أو يسمعوا بدون الجسد الحى  بالدم , فإن مات يمسكوا منه كما فى سجن, روح المسيح فهو روح الحياة المحيى الذى ليس فى حاجة إلى جسد ليتحرك به ولكنه شاركنا فى اللحم والدم ليكون قابلا للموت حتى متى التقى به فى جسده ابطله ومنح الجسد حياة جديدة ليس من دم يموت كما فى الميلاد الأول بل مما لا يموت بروحه المحيى, أى بروح الحياة الذى فيه الذى به اعتنقنا من حكم الخطية والموت الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 . 9  - 11 ).

    بهذه الشركة حقق إلوهيم الكلمة بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) حلولا مثل حلول روح الإنسان في جسدها الخاص.

    لأنه أخذ له جسدا خاصا به ليظهر في الهيئة كإنسان صائرا في شبه الناس. فنحن لم نقبل الإنجيل من إنسان ولا بحسب إنسان بل من المسيح ابن إلوهيم الحى ( غلاطية 1 : 1 , 11 – 12 ).

   لأن المسيح هو حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( أمثال 8 : 23 ) الذى جاء في الوقت المعين من أجل خلاصنا الذى هو صورة إلوهيم ومساو لإلوهيم ( فيلبى 2 : 5 ) الذى بروح أزلى قدم دمه لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) لهذا إن كان أحد لا يعترف بأن يسوع المسيح هو إلوهيم الظاهر في الجسد فهذا ليس من إلوهيم بل هو روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).    

      فالمسيح كما أعلنها بولس الرسول صريحة ثلاث مرات مؤكدا بأن المسيح ليس إنسانا مثلنا ( غلاطية 1 : 1 , 11 – 12 ) وكل من يأتي بخلاف هذا التعليم هو تحت الحرم الرسولى ( غلاطية 1 : 6 – 1 ).

 

 

 

الفصل الثالث

هل ولدت العذراء إنسانا مثلنا أم ولدت المساو للآب فى الجوهر

 

    انتقد ثيؤدورت عندما كان على المذهب النسطورى القديس كيرلس في العديد من مؤلفاته لقوله بتجسد المساوى للآب في الجوهر وعلى رأسها مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى .

    وفى هذا المؤلف يقول ثيؤدورت مهاجما القديس كيرلس لقوله بأن العذراء ولدت المسيح المساوى للآب فى الجوهر حسب قانون الإيمان الرسولى بما نصه :

    هكذا حسب كلماتكم التي تقولونها : " نحن نعترف بأن الذى ولد من العذراء مريم هو مساوى للآب في الجوهر . هذه العبارة التي تعتبرونها دليلا على صحة الإيمان سوف نشرحها لكى يظهر لكم أنكم لا تفهمون معناها. بل صار معناها حماقة بالنسبة لإستعمالكم .. فالكلمة الذى من إلوهيم هو مساو للآب فى الجوهر ..      فالمسيح حسب سلسلة الأنساب وحسب الجسد هو من نسل داود. فكيف لا تخجلون من الادعاء بأن الجسد ( أي المسيح كإنسان مثلنا ) الذى سجل في سلسلة الأنساب من نسل داود يصبح مساويا لجوهر إلوهيم ..  فكيف يمكنكم أن تنسبوا صفات وكمال اللاهوت إلى الجسد ( أي إلى المسيح كإنسان مثلنا ) مدعين أنه مساو للكلمة في الجوهر ( " تجسد ربنا يسوع المسيح "  ف 9 ص 27 ) لأن الناسوت ( الإنسان ) هو الذى يدخـل فى سلسلة الأنساب, فالجسد عند النساطرة  يعنى الإنسان أى المسيح الإنسان المولود من مريم ( " ظهور المسيح المحيى " ف 18 ص 40 ).

   ويستطرد ثيؤدورت كنسطورى قائلا :

    إن قصدكم الواضح من هذه العبارة " إلوهيم ولد من العذراء " يظهر من عدم اعترافكم بأنه الإله المتأنس ( ظهور المسيح المحيى ف 5 ص 20 ).

     أى الإله الذى احتجب بروح المسيح الإنسانية العاقلة وتأنس بها.

    مما تقدم يتضح أن نسطور ينكر لاهوت المسيح ويعتبره آخر غير كلمة إلوهيم ويرفض اعترافنا في قانون الإيمان الرسولى "  بأن  المسيح الذى ولد من العذراء مريم هو نفسه الكلمة المساوى للآب فى الجوهر" .

     والغريب أن هذا التعبير بالذات " مساو للأب في الجوهر" استخدمه القديس أثناسيوس الرسولى فى إثبات لاهوت المسيح ضد بدعة أريوس رافضا تغيير حرف واحد من كلمة " مساو " لتصير " مشابه " فهل ينكره الآن في هذه الكتابات المنسوبة زورا إليه لإثبات أن المسيح المولود من مريم من نسل داود ليس مساو للآب فى الجوهر بالمخالفة لتعليمه ولقانون الإيمان الرسولى الذى نعترف فيه بإيماننا برب واحد يسوع المسيح إبن إلوهيم الوحيد ... مولود غير مخلوق . مساو للآب في الجوهر . نزل من السماء وتجسد .. من مريم العذراء, وصلب .. تألم وقبر وقام من الأموات.

    أما نسطور فينكر قانون الإيمان الرسولى بالقول:

     أن اللاهوت لا يولد حديثا أي من امرأة ولا أن يتألم ولا أن يقيم جسده من الموت ( الرسالة رقم 5 ف 3 ).

      لهذا ينسب هذه الأمور لإنسان وبسبب الاتحاد والإشتراك في الاسم تصير الولادة والصلب والقيامة وكأنها وقعت على الكلمة ( الرسالة رقم 5  ف 5 ).

     وفى نفس المعنى يقول نسطور:

      إذا كان أحد يعلم بأن العذراء حبلت بالطبيعة التى هى فوق الخليقة ( أى الطبيعة الإلهية ) فإن هذا هو الجنون بعينه. لأن الطبيعة الإلهية لا تولد, ولا تلك المائتة ( أى العذراء ) تصبح أما لغير المائت ( أى الكلمة ) لكننا نؤكد أن الكلمة أخذ جسدا مثل جسدنا ( أى إنسان حسب المفهوم النسطورى ) واتحد به اتحادا حقيقيا وأنه تأنس ( أى اتحد بإنسان ) ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 28 ص 49 - 50 ).

     ويقول نسطور أيضا:

    لقد كان إلوهيم في الشكل البشرى ولم يأخذ جسدا بلا نفس عاقلة كما ادعى بعض الهراطقة وإنما جسدا له حياة عاقلة .. حسبما أكد الآباء نزل من السماء وتجسد وتأنس أي أنه ولد ميلادا إنسانيا من امرأة ( أي أنه اتحد بالإنسان المولود من مريم ) وظهر في الشكل البشرى وهذا ما يعنيه الآباء بكلمة تأنس ( شرح قانون الإيمان ف 13 ص 19 ).

     إن الآباء القديسين لم يذكروا ولادة بحسب التدبير بل تأنسا ( الرسالة رقم 5 : 5 ص 33 ).

     فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

     إنهم يقولون أنه من المستحيل أن الكلمة المولود من الآب يولد ثانية من امرأة ( المسيح واحد 4 ص 25 – 26 ).

   " لقد وصل البعض إلى درجة الجنون حتى أنهم لا يخجلون عندما يقولون أن إلوهيم الكلمة بسكناه في ابن معين ( أى انسان مثلنا ) الذى ولد من العذراء قد آلهه ( جعله واحد مع لاهوته ) ولكن أيها الفضلاء أود أن أقول لكم هذا ليس .. تجسد. بل بالحرى الحلول في إنسان, وهو بالطبع مثل الحلول في أحد الأنبياء القديسيين " ( الرسـالة رقم 50 : 7  ص 118 ).

     واستطرد القديس كيرلس قائلا :

     إذا كان المسيح إنسان مثلنا حل عليه إلوهيم لكان عليه أن يبدأ كلامه كما يبدأ الأنبياء بالقول: هكذا يقول الرب ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 25 ص 40 ) .

     إن الاعتراضات كلها تدور حول نقطة واحدة وهى أن الكلمة لم يتجسد بالمعنى الثابت فى الكتب المقدسة. بل حسب تعليم الهراطقة الذى يتصور أن الكلمة مجرد ساكن في إنسان, ولو صح ذلك لوجب أن ندعوه ساكن إنسان وليس إنسانا.. وإذا كان ملء الثالوث القدوس الواحد فى الجوهر يحل فينا بأقنوم الروح القدس, فلماذا لا ندعوه بسبب ذلك إنسانا .. ومع هذا فالآب الذى يسكن فينا لا يدعى انسان بسبب سكناه فينا, ولا الروح القدس أيضا ( المسيح واحد 11 ص 68 ).

      لو كان المسيح إنسانا حل فيه اللاهوت ( كولوسى 2 : 9 ) فما معنى القول " شاركنا فى اللحم والدم " ( العبرانيين 2 : 14 ) كيف يتحقق هذا لو كان إلوهيم قد حل فى إنسان " ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 25 ص 41 ).

     " ألا يصبح هذا الإنسان إلها جديدا له اسم إلوهيم .. وهو فى الحقيقة له طبيعة ( روح ) مخلوقة ومختلفة وغير مساوية لإلوهيم " ( المسيح واحد ف 7 ص 42 – 43 ).

     كما أنكر القديس كيرلس بدعة اتحاد الكلمة بإنسان بقوله :

    " أن الكلمة .. لم يتخذ إنسانا كما يعتقد نسطور " ( الرسالة رقم 45 ف 10 ). 

      لأن إلوهيم يسكن فينا نحن بالروح القدس وهذا لا يسمى تجسدا بل شركة أو اتحاد أو حلول بجسد إنسان لإحياءه وليس لتقمصه والتكلم من خلاله ضد إرادته لأن مثل هذا الحلول لا يسمى حلول تجسد بل حلول تقمص ينزه عنه إلوهيم. 

     وقد أقر ثيؤدورت أسقف قورش فى عظة ألقاها بكنيسة أنطاكية بحضور دومنوس         أسقف أنطاكية ( 441 - 449 ) بمعتقده الذى يرفضه القديس كيرلس واوطيخا قائلا :

    " أن إلوهيم اتخذ إنسان ولو أبى بعضهم " ( أعمال مجمع أفسس الثانى بالسريانية ) ( " تاريخ الكنيسة السريانية الإنطاكية " الجزء الثانى ف 25 ص 83 ).

 

 

 

 

الفصل الرابع

هل تألم الكلمة أم اتحد بإنسان تألم عنا؟

 

    يقول ثيؤدورت بحسب معتقد نسطور:

     باطلة هى سفسطة الأريوسيين القائلة بأن المخلص أخذ جسدا فقط ( هذا ليس تعليم أريوس بل تعليم الإنجيل المقدس القائل : الكلمة صار جسدا ) وهم بهذا يكفرون. لأن هذا معناه أنهم ينسبون الآلام إلى إلوهيم غير المتألم, وباطل أيضا ..  قولكم أن الابن شخص الصورة الإنسانية ( الصورة عند النساطرة تعنى الروح ) التى لبسها. فكيف تألـم وحزن وصلى واضطرب بالروح ( يوحنا 14 : 21 ) هذه أفعال لا تمت إلى جسد بلا عقل ولا تمت إلى إلوهيم غير المتألم وإنما إلى نفس إنسانية عاقلة لها شعور وتتألم وتضطرب وتحزن وتتألم فكريا ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 15 ص 39 ).

    لأنه من الحماقة أن تقول أن الكلمة كان يشعر بلاهوته بالإهانات لأن إلوهيم لا يشعر بما نشعر به نحن البشر, وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل اللاهوت بما تألم به ( الإنسان ) ولكنه كان يعرف ما يحدث له. لذلك قيل عنه أنه عطش وجاع وتألم لأجلنا ( باعتبار أن آلام الإنسان بسبب الإتحاد صارت تخصه وكأنه هو الذى تألم لذلك يقال أنه تألم دون أن يتألم ) ( شرح تجسد الابن الوحيد 8 ص 19 ).

 

    فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

     إن الابن الوحيد هو وحده الوسيط فى التدبير لأن وجود آخر معه كوسيط يجعل موته على الصليب بلا قيمة. فهو بذاته وليس آخر الذى مات على الصليب ببرهان قول الرب " هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 16 ) فإن كان الآب ببذل ابنه الوحيد أظهر عظم محبته نحونا فلماذا يشتتها أعداؤنا بقولهم أنه لم يكن الحقيقى الذى بذل عنا وانما واحد مثلنا اخترعوه ليضعوه فى مكان الابن الحقيقى. ألم يكن الابن الحقيقى هو الذى بذل عنا ( المسيح واحد 12 ص 94 ).

     لقد افترض هؤلاء المجانين كاليهود المخالفين أن المصلوب لا يمكن أن يكون ابن إلوهيم بل مجرد إنسان .. ولكن ما ظنه الناس ضعفا هو القوة لأن ابن إلوهيم خلصنا وأخذ شبهنا ( أي صورة شبيهة بنا ) لكى إذا تألم فى الجسد وقام من الموت أعاد تجديد طبيعة الحياة التى فينا بأن جعلها أقوى من الموت والفساد لنصير فيه خليقة جديدة ( المسيح واحد 12 : 103 ) لأن ألوهيم ارسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

       فهل نترك الكلمة الذى أشرق علينا من إلوهيم الآب ونلصق مجد الربوبية .. بابن آخر مختلف عنه أى بابن آخر تألم عنا ( شرح قانون الإيمان ف 28 ص 29 ).

     لأنهم يقولون أنه لا ينبغى أن يسموا كلمة إلوهيم بالمسيح على حدة. لأنه كما أن الآلام غريبة عن الكلمة حينما ينظر إليه بدون المسيح الإنسان. هكذا أيضا المسـحة لا تليق بكلمة إلوهيم بل بالإنسان يسـوع المسـيح. لأن إلوهيم مسـح يسـوع ( الإنسان حسب نسطور ) بالروح القدس. أما كلمـة إلوهيم فهو كامل فى ذاتـه ولا يحتاج لمسحة الروح القدس.

      وهكذا أنكروا التدبير وحولوا الابن الوحيد بعيدا عن محبته للعالم, وبالتالي لا يجب أن يدعى بالمسيح ( لقولهم بأنه آخر غير المسيح ) ولا أن يعترف به أنه ظهر فى الهيئة كإنسان ( لأنهم يقولون أنه حل فى انسان يدعى يسوع المسيح ) لكى يقول لهم المسيح أيضا : تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة إلوهيم ( الرسالة رقم 55 : 42 ص 48 – 49 ).

 

 

  

 

الفصل الخامس

تفنيد بدعة قيامة المسيح بروح إنسانية لا بالروح القدس

 

     هاجم نسطور القديس كيرلس والحق الكتابى لقوله: بأن الموت بالنسبة للإنسان كما الحيوان هو بموت النفس الحية التى فى الدم, وأن قيامتنا ستكون بالروح القدس المحى الذى هو روح المسيح الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) اعتقادا منه أن الموت والقيامة هما بالروح الإنسانية.

   وفى هذا يقول ثيؤدورت بحسب معتقد نسطور : 

    أنتم تقولون أن الكلمة اتخذ جسدا بلا جوهر عقلى ( أى بلا روح إنسانية عاقلة ) وهذا يعنى أنه عند الموت انفصل الكلمة عن الجسد ( هذا هو مفهوم نسطور عن الموت بأنه انفصال الروح عن الجسد وليس أن الجسد يموت بموت الدم ) وأن هذا هو الموت الذى حدث .. وهذا يعنى أن المسيح لم يمت موتنا نحن بل موتا خاص به لو انفصل اللاهـوت عن الجسد .. وحسب رأيكم أيضا فإن الكلمة هو الذى قام من الأموات لأن القيامة يجب أن تتم بقوة معينة فإن لم تكن قد تمت بعودة النفس للجسد المتحد بالكلمة فقد تمت بقيامة الكلمة ذاته وهو ذاته الذى نزل إلى الجحيم حيث الأرواح قد سجنت وهذا مضاد للتعليم الصحيح ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 37 ).

     واستطرد ثيؤدورت قائلا:

     هم يفترضون أن المسيح لم تكن له روح إنسانية بل نفس حية رغم أن الرب قال أن النفس لا يمكن أن تقتل لذلك عليكم أن تعتقدوا بأن النفس العاقلة هى التى تحيى الجسد مثل الدم بالنسبة للحم.

     إن الروح الإنسانية هى التى اضطربت فى يسوع وكانت هى التى فارقت الجسد وهو معلق على الصليب وهنا مات الجسد وانفصلت النفس عنه بينما كان إلوهيم الكلمة متحدا بالجسد والنفس .. وهكذا بروحنا التى صارت روحه اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الهاوية وتتحد بجسده فى القبر وبذلك يبيد الموت بالموت .. أما أنتم الذين تؤمنون بجسد بلا نفس إنسانية عاقلة فتعجزون عن فهم الخطية والموت والقيامة .. لأنه بدون النفس الإنسانية لا يمكن أن نتكلم عن التدبير ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ص 38 , 39 ).

 

    ويقول ثيؤدورت مهاجما القديس كيرلس قائلا:

     كيف تستطيع يا من تدعى التمسك والاعتراف بالوحدة الجوهرية بين الآب والابن أن تهين اسمه بأن تنسب إليه الآلام وتقول أن اللاهوت قام حيا وتنسب الآلام والقيامة إلى إلوهيم الكلمة .. وإذا كنت لا تؤمن بأن الكلمة تألم لأنه تأنس ( أى اتحد بإنسان ) وغير متألم لأنه إلوهيم وضيقنا عليك القول ستجيبنا بأنك لو اعترفت مثلنا بأن المسيح إله وإنسان فإن هذا يعنى أنه ليس واحد بل اثنين فإن جوابنا على قولك هذا أنك تتبع الهراطقة الذين يقولون أن لاهوت الكلمة تألم ( ظهور المسيح المحيى ف 12 ص 30 ).

     واستطرد قائلا:

      فلماذا تكتب وتدعى بأن إلوهيم تألم وقام بالجسد ولو أن إلوهيم الكلمة تألم وقام بالجسد فإن هذا يعنى أن الآب والروح القدس تألموا لأن جوهر اللاهوت واحد ( ظهور المسيح المحيى ف 13 ص 31 ).

    واستطرد قائلا فى مواضع أخرى:

    لذلك فمن الواضح أنك أسأت فهم ما قرأته فى الأسفار وكتابات الآباء إذ اعتقدت أن الكلمة الذى من إلوهيم الآب يمكن أن يتألم دقق فى أقوالهم وستجد أن خورس الآباء لم يقولوا أن إلوهيم الكلمة يمكن أن يتألم ولا أن اللاهوت الأزلى مع الآب قد ولد حديثا ولا أن اللاهوت قام من الأموات عند إقامة هيكله المنقوض ( الرسالة رقم 4 : 4 , 5 , 6 ) ( الرسالة رقم 5 : 3 ص 32 ) بقولهم أن الروح الإنسانية فارقت الجسد فمات. بينما ظل الكلمة - محيى الكل - متحدا بالجسد المائت فى القبر إلى اليوم الثالث - عاجزا عن إحياءه - حتى عادت إليه الروح الإنسانية وأحيته, وهكذا صارت قيامة الجسد المتحد بالكلمة من الموت بروح إنسانية ( ظهور المسيح المحيى لنسطور ف 14 و15  ).

 

    فرد عليه القديس كيرلس قائلا :

     إن الافتراض بأن إنسان مثلنا هو الذى خلصنا هو أمر مستحيل لأن المخلوقات الخاضعة للموت تنال القيامة من إلوهيم القادر وحده أن يهب الحياة ولا يستطيع أن يقيمها واحد من الخاضعين للفساد أى بشر مثلنا أخذ حياته هبة أى أنه لا يملكها ولا يستطيع أن يمنحها لغيره.

     لكن إذا كان إلوهيم الكلمة هو الذى تجسد فإن جسده يصير محييا ( المسيح واحد 12 ص 106 ) وبه يصير المسيح هو البداية الثانية للذين على الأرض الذين يتحولوا فيه إلى الحياة الجديدة حياة عدم الموت بالقيامة من الأموات.

     هكذا صارت نهاية الموت لأن الذى بالطبيعة هو الحياة لم يقبل أن يخضع جسده للموت لأنه لم يكن ممكنا أن يملك الموت على المسيح ( المسيح واحد 12 ص 100 ).

     فالمسيح الذى هو واهب الحياة للآخرين لا ينبغى أن يسود عليه الموت وهـذا ما كان ممكنا أن يحدث لو كان المسيح إنسانا مثلنا حسب قولك لأن جميع البشر خاضعون للموت ( 2 ضد الأريوسيين 15 : 16 ص 32 ).

       إن منطق نسطور يعنى أن قيامتنا بالروح الإنسانية ستكون بذات الجسد الحيوانى الذى مات لأن موت الجسد عند نسطور ليس هو بموت الدم بل بخروج الروح من الجسد وبخروجها يفسد الجسد. لذلك وبالمنطق ذاته فإنه بعودة الروح الإنسانية للجسد يسترد حياته أى دمه رغم أن الحق الكتابى المعلن هو أن لحما ودما لا يرثا ملكوت السماوات.

     لهذا رفض نسطور قبول الحق الكتابى المعلن بأن جسد الرب بالقيامة كان مركبا من لحم وعظام فقط لأن لحما ودما كما يقول الكتاب لا يرثا ملكوت إلوهيم. بقوله :

     أنه يستطيع أن يفند أقوال من يقولوا أن جسد الرب تحول إلى لحم وعظام لأن الرب بعد قيامته قال لتلاميذه إنى أنا هو جسونى وأنظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لى. ليدل بذلك على أنه كانت له هذه الأشياء قبل الموت ( الرسالة إلى أبكتيتوس ف 7 ).

     أى أن نسطور يعتقد أن قيامة المسيح بروحه الإنسانية ستكون بذات الجسد الحيوانى الذى كان له قبل الموت.

     وهكذا أفرغ نسطور تدبير الخلاص من مضمونه وسلك طريقا آخر كارزا بمسيح آخر نفسانى كآدم الأول وهو مثله له ذات الجسد الحيوانى الذى زرع فى فساد وقام فى فساد. زرع فى هوان وضعف وقام فى هوان وضعف. زرع جسما حيوانيا وقام به مبطلا بذلك الحق الكتابى الوارد فى كورنثوس الأولى 15 : 43 -50         

     والواقع أن قيامة المسيح وقيامتنا فى ضوء الحق الكتابى لم تكن بروح إنسانية بل بروح إلوهيم الذى هو روح المسيح الذى بموته أبطل الموت وصار باكورة بالقيامة من الأموات بروحه المحيى الذى باشتراكنا فيه بالمعمودية تصير قيامتنا نحن أيضا بروحه الساكن فينا. الأمر الذى أوضحه بولس الرسول بقوله :

     أما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له, وإن كان المسيح فيكم ( بالروح القدس المحيى ) فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر ( بر الإيمان الذى بمقتضاه نلنا الروح بالمعمودية ) وإن كان روح ( الآب ) الذى أقام المسيح ( ابن إلوهيم ) من الأموات ساكنا فيكم فالذى أقام المسيح من الأموات سيحيى أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 9 - 11 ).

     فمن هى الروح التى أقامت جسد المسيح ابن إلوهيم من الأموات هل هى روح إنسانية أم روح إلوهيم الآب؟

      إن قلنا حسب نسطور أن روح إنسانية هى التى أحيت الجسد المائت الذى كان الكلمة متحدا به فى القبر فإن الكلمة نفسه سوف يصير مدينا بحياته لروح إنسانية هى التى أبطلت موت جسده وأحيته وبهذا نكون قد عكسنا تدبير الخلاص بأن صار الذى نزل من السماء لنحيا به ( يوحنا  الأولى 4 : 9 ) هو الذى أحيته روح إنسانية.

    والواقع أنه إن قلنا أن للمسيح روح إنسانية قادرة على إحياء جسدها الخاص فستكون لأرواحنا أيضا ذات القدرة فما حاجتنا إذن لروح إلوهيم والمعمودية وبالتالى يصير قول بولس الرسول عن إحياء أجسادنا المائتة بروح إلوهيم الساكن فينا بلا معنى.

     إنه جنون أن نعتقد أن روح إنسانية تقيم جسد المسيح آدم الآخير الذى هو روحا محييا من الموت فى حين أنه هو الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

     فالمسيح آدم الأخير كما يقول بولس الرسول ليس نفسا حية بل روحا محييا أى أنه كان بطبيعة غير مائتة ومحيية.

     هكذا الذى لا يعرف الموت. لأنه الحياة والمحيى تألم ( ذاق موتنا ) فى الجسد .. لذلك توصف آلام المسيح بأنها شبه موت  ( رومية 6 : 5 ) .. لأن جسد الكلمة ظل حيا رغم أنه ذاق الموت لكى يبيد الموت وتنال الإنسانية قوة القيامة ( المسيح واحد 12 ص 88 ).

     من ذلك ترى أن قيامة المسيح وقيامتنا لم تكن بروح إنسانية بل بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح ابن إلوهيم الحى الذى جاء إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

     فالمسيح وإن مات على الصليب من ضعف الجسد بسفك دمه الطاهر لكنه كان حيا بقوة لاهوته. لأن جسده تغير فى لحظة فى طرفة عين بأن ألبس الكلمة جسده المائت عدم موت بقوة روحه المحيى مبطلا بذلك موت الجسد. حينئذ صارت الكلمة المكتوبة ابتلع الموت إلى غلبة ( كورنثوس الأولى 15 : 42 - 54 ).

      هذا التحول من الجسد الحيوانى للجسـد الروحانى أى المحيى بالروح القدس هو ما حدث على الصليب فبمجرد موت دم المسيح صار جسده مقاما بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح وبهذا صار المسيح بكرا بالقيامة من الأموات بالجسد الروحانى الممجد.

     وفى يوم المجىء الثانى فى لحظة الاختطاف سيتغير الأحياء عند البوق الأخير مماتين فى الجسد بموت الدم ولكن مقامين من الموت بالروح القدس المحيى على مثال ما حدث على الصليب مع الفارق أننا نأخذ الروح كنعمة أما هو فبروحه الذاتى.

     لذلك قال بطرس الرسول أن المسيح تألم .. مماتا فى الجسد ( أى حسب الدم باعتباره من مكونات الجسد المركب من لحم ودم ) ولكن محيى ( أى مقام من الموت ) فى الروح الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن. إذ عصت قديما .. إذ كان الفلك يبنى الذى فيه خلص قليلون أى ثمانى أنفس بالماء ( بطرس الأولى 3 : 18 - 20 ).

     لذلك يقول الكتاب أنه إذ صعد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى. الذى نزل هو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 8 - 10 ).

     ودلالة ذلك أن الرب نفسه هو الذى سبى الهاوية وأطلق أسرى الرجاء وأعطى الناس أى أولئك الذين من العالم الأول الذى فنى بالطوفان عطايا بروحـه المحيى الذى أخرجهم من قبورهم وأتى بهم إلى مدينته السمائية فى موكب نصرته.

     من ذلك ترى أن قولهم بأن الروح الإنسانية هى التى أحيت جسـد المسيح بعودتها إليه فى اليوم الثالث يضاد الحق الكتابى المعلن بأن قيامة المسيح وقيامتنا إنما هى بروحه المحيى الذى هو الروح القدس ( رومية 8 : 9 - 11 ).

      فضلا عن أن القول بأن روح المسيح الإنسانية هى التى أحيت جسده إنما يكشف عن ذهن عاطل عن إدراك أبسط المسلمات البديهية وهى أنه إذا كانت لأرواح البشر القدرة على إحياء أجسادها كروح الرب المحيى فلماذا نموت ؟

     الوحيد الذى له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى 6 : 16 ) أى الذى لا يمكن أن يمسك من الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) هو المسيح الذى بروح محيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أبطل موت جسده ليصير باكورة الراقدين ونزل من قبل الصليب إلى أقسام الأرض السفلى. الذى نزل هو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 9 - 10 ).

     وخلاصة ما تقدم أن ما يراه نسطور بأنه مضاد للتعليم الصحيح. هو عين التعليم الصحيح. لأنه إن كان المسيح إنسان وكانت القيامة بالروح الإنسانية فما حاجتنا لتجسد كلمة إلوهيم.

     كما أن الموت ليس بإنفصال الروح عن الجسد فهذا انتقال اختصت به أرواح الأبرار بعد فتح الفردوس ليكونوا مع المسيح في الفردوس, لهذا يقال في القداس ليس موت لعبيدك يارب بل انتقال. إنما الموت هو بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد, والذى بموته تمسك الروح الإنسانية من جسد الموت كما في سجن دون أن تقوى على إقامته من رقدته .

     لإن الجسد يحيا بالدم فإن مات الدم سقط الجسد تحت حكم الموت. لهذا فإن حاجتنا هى إلى إقامة الجسد من الموت . ليس من دم مائت بسبب الخطية. بل بقوة حياة جديدة من الروح القدس الذى هو روح المسيح الذى أبطل موت جسده الخاص بروحه المحيى الذى هو روح القيامة والحياة.

   فإلوهيم أرسل ابنه لكى نحيا به لا لكى نحيا بأرواحنا التي تقبض من جسد الموت ولا قوة  لها لإقامة الجسد المائت . لأن أروح البشر ليست محيية.

     الروح الوحيد المحيى أى الذى له القدرة على إقامة أجسادنا المائتة هو الروح القدس روح المسيح لأنه وحده الرب المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) لهذا إن كان روح المسيح ساكنا فينا فالذى أقام المسيح من الموت سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

      وقد سبق حزقيال وتنبأ بأن قيامة الموتى ستكون بروح إلوهيم الذى بجعله فيهم يحيون ( حزقيال 37 : 14 ) الذى به نصير هياكل لإلوهيم ومسكن للروح القدس. الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ). 

     إذن قيامة البشر وقيامة جسد المسيح لم ولن تكون بروح إنسانية. بل بروح إلوهيم. روح المسيح الإلهية, وليس بروح إنسانية. لأن المسيح لم يتحد بإنسان لأن الإنسان لا يقدر أن يخلص نفسه. فإن كان غير قادر على خلاص نفسه فكيف نخلص به.

     والواقع أن أن القول بأن روح المسيح إنسانية معناه أنه ليس إلوهيم الذى ولد من العذراء. بل إنسان نظيرنا بروح إنسانية عاقلة. وهذا معناه أن الكلمة لم يتجسد بل سكن إنسانا نظيرنا ما يمثل إنكارا للاهوت المسيح وتجسده وولادته من مريم .

     أما قول ثيؤدورت بأن الروح الإنسانية فعلت ذلك بقوة اللاهوت الساكن فليعلم يقينا أن الروح لا تسكن روحا ولا تشخصها لأن الروح ليست مسكنا بل الجسد, وأن ما يقوله هى خرافات اليونانيين التى افسدت ذهنه بتعاليم أنصاف الآلهة .    

     إذ المحقق نقلا وعقلا أن الروح لا تسكن أخرى. لأن الأرواح لا تسكن بعضها البعض. إذ هى ساكن لا مسكن, وهى تسكن الجسد وتشخصه ولا تشخص من غيرها.

   والواقع أن القول بأن إلوهيم سكن روح إنسانية أو احتجب بها أو وحدها بذاته حسب معتقدات النساطرة هو برهان جنونهم وجهلهم.

     والواقع أن الخلاف بين معتقد نسطور ومعتقد ثيؤدورت فى كيفية اتحاد إلوهيم بروح انسانية عاقلة هو خلاف فى كيفية اتحاد الطبيعتين العاقلتين فى المسيح الإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة. لأن كل منهم متفق على أن الكلمة لبس الروح الإنسانية واحتجب بها وتأنس بها, وهذا يعنى أن الروح الإنسانية مسكن لا ساكن. وهذا باطل نقلا وعقلا.

     والخلاف بين نسطور وثيؤدورت وفقا لبدعته الجديدة حول كيفية اتحاد الطبيعتين يكمن أيضا فى قول نسطور بوجود روحين وشخصين فى المسيح لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. أما ثيؤدورت فصار يقول بوجود عقل واحد مشخص للروحين الإنسانية والإلهية هو اللوغوس . ثم ينقض ذلك بالقول ومع ذلك فالروح الإنسانية باقية بعقلها فإذا خلا العقل من الأفضل أظهر سلطان نفسه ولكنه كان يغلب من الأقوى .. فصار العقل الإنسانى مأوى للاهوت المخالط له, والبشر ( الإنسان ) مأوى للعقل. إلى أخر الهلاوس التي تدل على فساد العقل والتي تظهر خلاف ما تبطن ( " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 ).

     وهنا نجد لا منطقية العقل النسطورى الذى يثبت الشىء ونقيضه معا. لأنه كيف يشخص العقل الازلى روحا مخلوقة مشخصة أصلا بعقلها البشرى دون أن يعنى ذلك ملاشتها. ثم يعود بعد أن يزعم أنها مشخصة باللوغوس ليهدم مقولته على الوجه السالف بيانه.

     من ذلك نرى أن تلك التعاليم المضادة للحق الكتابى والمنطق ذاته هى تعاليم نسطورية فى الأساس ولا يمكن بحال من الأحوال أن تصدر عن القديس أثناسيوس الرسولى.

 

      أما عقيدة القديس أثناسيوس الحقيقية فى هذا الصدد فواضحة فى مؤلفه " تجسد الكلمة " والذى يقول فيه :

     " إن الكلمة أخذ جسدا قابلا للموت ولكنه بفضل اتحاده بالكلمة لم يعد خاضعا للفساد (  أى الموت ) بمقتضى طبيعته. بل خرج من دائرة الفساد ( الموت ) بسبب الكلمة الذى أتى وحل فيه, وهكذا تم عملان عجيبان فى الحال ( أى فى لحظـة فى طرفة عين ) أولهم إتمام موت الجميع فى جسد الرب , والثانى القضاء على الموت والفساد كلية بفضل اتحاد الكلمة بالجسد " ( تجسد الكلمة 20 : 4 - 6 ص 70 ).

     " لأنه إن كان الكلمة قد اتخذ لنفسه جسدا .. فما الذى يصنعه الرب بهذا الجسد ؟ أو ماذا يمكن أن تكون نهاية الجسد إذ حل الكلمة فيه ؟ لأنه لم يكن ممكنا إلا أن يموت إذ هو جسد قابل للموت ليقدم للموت عن الجميع , ولأجل هذه الغاية صوره المخلص لنفسه على أنه كان مستحيلا أن يبقى مائتا إذ صار هيكلا للحياة. لهذا فإذ مات كجسد مائت عاد إلى الحياة بفضل الحياة التى فيه ( بطرس الأولى 3 : 18 ) " ( تجسد الكلمة 31 : 4 ص 97 - 98 ).

 

     أما القديس كيرلس عمود الدين فيقول :

     " عندما تجسد الكلمة لم يترك جسده خاضعا للموت والفساد كما فعل آدم الذى نقل إلينا عقوبة المعصية. أما المسيح فقد أعطانا جسده الإلهى غير الفاسد ( غير المائت ) والذى فيه صار الجسد غير خاضع للموت والفساد " ( المسيح واحد 3 ص 24 ).

 

     من ذلك نرى أن تعليم كل من أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين خلوا من التعليم بأن روح إنسانية هى التى خرجت من جسد الكلمة فمات موتنا وبعودتها إليه ردته إلى الحياة.

     إن العقيدة الأرثوذكسية قائمة على أساس الإعتقاد بأن الكلمة اتخذ لنفسه جسدا قابلا للموت مثلنا حتى بموته يبطل موتنا بروحه المحيى.

     لهذا فإذ مات كجسد مائت بموت الدم ( أى النفس الحية ) عاد إلى الحياة فى الحال بفضل الروح القدس المحيى الذى فيه. 

    فمن هو حكيم فى عين نفسه هذا الذى يظن أن الروح القدس المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا لم يكن قادرا على إحياء جسده الخاص عندما مات موتنا بسفك دمه على خشبة الصليب. بل أخضع جبرا لسلطان الموت مثلنا ممسكا من جسد الموت المتحد به فى القبر منتظرا عودة روح إنسانية إليه لتقيمه من الموت فى اليوم الثالث.

     إن الموت بمجرد أن إلتقى بجسد الحياة فقد سلطانه ولم يعد له وجود. لأن الظلمة لم يكن ممكنا أن تدرك النور. بل بمجرد أن تلتقى به تتبدد وتنتهى . هكذا الذى هو الحياة لم يكن ممكنأ أن يمسك منه مثلنا. لهذا فإن إلوهيم الكلمـة لم يكن فى حاجة إلى مخلوق ليعيد إليه حياته بل نحن الذى نحتاج إليه ليقيم أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     فهل لو أن الروح الإنسانية كانت محيية أى قادرة على إبطال موت الجسد الحي بالدم. هل كنا نحتاج إلى الروح القدس المحيى ليقيم أجسادنا من الموت.

     الواقع أن الروح الإنسانية العاقلة ليست محيية كروح إلوهيم المحيى. لأنه وحده الرب المحيى , ولو كانت أرواحنا محيية وقادرة على إقامة أجسادها من الموت لما مات الإنسان أصلا. لأن الروح لا تفنى ولا تفسد ولا تموت.

     كما أن خروج الروح من الجسد لا يسمى موتا بل انطلاقا أو انتقالا للروح لتكون مع المسيح فى الفردوس الأمر الذى لم يحدث إلا منذ اللحظة التى أبطل فيها الرب موت البشر. لهذا قال للص اليمين :  اليوم - وليس في اليوم الثالث - تكون معى في الفردوس. وهذا برهان على أن الرب بالموت أبطل الموت فاتحا لنا بدمه أبواب الفردوس مظهرا لنا شجرة الحياة.

     أما قبل الفداء فإن أرواح الموتى كانت تمسك من جسد الموت إذ تعجز عن إقامته فتحدر مع أجسادها إلى الهاوية أى الحفرة أو القبر. لهذا قال يعقوب فى العهد القديم إنى أنزل إلى ابنى نائحا إلى الهاوية أى القبر ( تكوين 37 : 35 ).

     وحتى فى العهد الجديد فإن انطلاق الروح قاصر فقط على المنتقلين فى المسـيح. أما أرواح المخالفين الذين لن يروا حياة فيبقون فى جسد الموت إلى الأبد ( إشعياء 66 : 23 - 24 ).

      من ذلك نرى أن خروج الروح من الجسد ليس موتا بل انتقال مؤقت حتى لا نمسك من جسد الموت كالذين لا رجاء لهم. لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح ( يوحنا 11 : 25 - 26 ) ثم متى أظهر المسيح حياتنا بإقامتنا من الموت حينئذ نظهر معه فى المجد ( كولوسى3 : 1 - 4 ).

     أما الموت فهو موت الدم أو النفس الذى هو مادة حية متنفسة يشترك فيها الإنسان مع سائر الحيوانات من ذوات الأنفس الحية, ولو كان الموت هو بخروج الروح من الجسد فكيف تموت الحيوانات وليس لها روح عاقلة مثلنا.

     ولو أن النسمة التى جعلها إلوهيم فى أنف آدم وصيرته نفسا حية هى روح محيى عاقل لصارت جميع الحيوانات من ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ) أرواحا محيية كروح الرب المحيى حال كونها نفسانية لا خلود لها. 

     كما أن الدم يكفر عن النفس ( أي عن الدم الذى هو حياة متنفسة ) لا عن الروح ( لاويين 17 : 11 - 14 ) لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ).  

     لذلك إن كان الحكم قد صدر ضد الروح لا الدم فلا شىء يكفر عنها بل تكون واجبة الفناء فلا تكون روح ولا خلود ولا قيامة.

     فالروح الإنسانية العاقلة كما قدمنا ليست محيية وهى لا تحيى جسدها بل النفس الحية أى الدم. لذلك فإن الحكم صدر ضد النفس الحية التى يشترك فيها البشر مع سائر ذوات الأنفس الحية والتى بموتها تمسك روح الإنسان من جسد الموت إذ تعجز عن تحريكه أو إقامته أو إحياءه لأن أرواح البشر غير محيية لأن الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس الرب المحيى.

 

 

 

الفصل السادس

رد نسطور على اتهامه بتحويل سر العبادة العظيم إلى عبادة إنسان نظيرنا

     

    يقول القديس أثناسيوس الرسولى:

     إن العالم إذا لم يدرك إلوهيم بالحكمة استحسن إلوهيم أن يظهر ربوبيته بالظهور فى صورة إنسان ليجتذب الجميع إليه ولم يكن من اللائق أن يصنع هذا بواسطة إنسان مثلنا حتى لا نصير عابدى بشر باتخاذنا الإنسان ربا لأجل ذلك صار الكلمة نفسه جسدا ( 2 ضد الأريوسيين ف 15 : 16 ص 32 ).

      كما اتهم القديس كيرلس نسطور بأنه حول الخدمة الإلهية إلى عبادة انسان مثلنا ( المسيح واحد 11  ص 69 ) .

 

      فرد عليه نسطور فى مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى قائلا :

     نحن لا نعبد المخلوق مع غير المخلوق أيها الناس الذين بلا إدراك. لماذا تقولون أن جسد ربنا ( أى الإنسان المتحد بإلوهيم حسب نسطور ) رغم أنه مخلوق تقدم له العبادة على إنفراد إننا بالحق نعبده لأن الكلمة تجسد ( أى تأنس حسب نسطور ) ولكننا لا نعبد الناسوت ( أى الإنسان ) دون اللاهوت أو اللاهوت دون الناسوت ( أى أنه يعبد إلوهيم والإنسان معا ) ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 6 ص 22 ).

   واستطرد نسطور قائلا ردا على القديس كيرلس:

  لأنكم تتهموننا بأننا نقول بأننا نؤمن بإبنين وتدعونا " عابدين الإنسان " وتثيرون موضوع علاقة الخطية بالعقل ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 46 , 48 ).

 

  

 

الفصل السابع

اعتقاد نسطور أن الخطية في الإرادة وليست في الجسد ومن ثم لا تورث

 

     أثبت القديس كيرلس عمود الدين فى مؤلفه " المسيح واحد " أن القدوس الذى لا يموت أسلم جسده الذى بلا عيب ولا دنس للموت ليبطل حكم الموت بموته بقوله :

    " لكى يدين ناموس الخطية الكائن فى أعضائنا ( رومية 7 : 23 ) ولكى يتم القضاء على الموت كان يجب أن الذى لا يعرف الموت أن يموت . لأننا إن إتحدنا معه فى شبه موته نشترك أيضا فى قيامته " ( المسيح واحد ص 26 ).

    وفى ذات المعنى يقول القديس أثناسيوس الرسولى فى مؤلفه " تجسد الكلمة "  أن المسيح أسلم جسده ( أى دمه للموت ) عوضا عن الجميع لكى يحرر البشر من الخطية القديمة الكائنة فى الجسد ( أى فى الدم الذى هو مكون جسدى ) وأنه أبطل الموت فورا بقوته لأن جسده إذا صار خاصا بالكلمة فقد صار غير مخضع للموت الذى لم يقوى عليه, وبالتالى لم يسلم جسده للموت مثلنا.  بالقول أن المسيح  " سلم هيكله للموت عوضا عن الجميع.  أولا  :  لكى يحرر البشر من الموت من معصيتهم القديمة ( أى من خطية آدم التي توارثوها أبا عن جد  ) وثانيا :  لكى يظهر أنه أقوى من الموت بإظهار أن جسده عديم الفساد ( الموت ) " ( تجسد الكلمة 20 : 2 ص  69 ).

      فأنكر نسطور في مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى. تعليم القديس كيرلس بأن الخطية كائنة في الجسد وأنها تنتقل بالوراثة  أبا عن جد بقوله :

   " كيف تفهمون الطبيعة الإنسانية بشكل سليم, وأنتم تعتقدون أن الخطية جزء من تركيبها وتكونيها " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 14 ص 37 , 38 )  ثم يقول:

    " لقد اخترع هؤلاء ( أي القديس كيرلس ) كل هذه التصورات.  لأنهم يعتقدون أن مصدر الخطية هو الجسد, وليس الإنحراف الذى أصاب الإرادة " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 12 ص 33 ).

 

توارث الخطية من خلال النطفة الأدمية عند ثيؤدورت

    هذا التعليم المنسوب للقديس أثناسيوس الرسولى نجده معارضا بتعليم آخر لثيؤدورت أسقف قورش في مولفه الجامع للطبيعتين والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان "  منسوب زورا أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى يقول فيه :

    " فاحتجب الكلمة الخالق بإنسان مخلوق خلقه لنفسه بمسرة إلوهيم الآب ومؤازرة روح القدس خلقا جديدا من غير نطفة أدمية جرت عليها الخطية " ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 ).

      وبداهة أن الخطية تورث من هذه النطفة الادمية المدنسة بالخطية الأبوية, وهكذا نجد تعارض في التعليم حتى بين الكتب النسطورية المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.

       ففي كتاب ثيؤدورت أسقف قورش " الجامع للطبيعتين" المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.  يعترف  ثيؤدورت أسقف قورش على خلاف نسطور بأن الخطية تورث عن طريق النطفة الآدمية الحاملة للخطية ويتفق مع نسطور فى أن الكلمة سكن الروح الإنسانية  كحجاب مثل الجسد. إلا أنه خالفه  بالقول  بأن الكلمة صار هو المشخص للروح الإنسانية لا العقل البشرى فأخضع العقل البشرى لسلطان لاهوته بحيث لم تعد له إرادة خاصة,  بزعم أنه العقل كان بلا شخصية أي بلا عقل!

    وهذا القول يهدم النسطورية لأنه يثبت على خلاف نسطور أن نطفة آدم جرت عليها الخطية وأن الجسد لا الروح هو الذى تدنس بالخطية وهو الذى صار إليه حكم الموت وبالتالى فهو وحده المحتاج للفداء بسفك دم المسيح الذى بلا عيب ولادنس والذى بموت دم المسيح أبطل موت الجسد بإقامته من الموت.

    لهذا فإن عمل المسيح الخلاصى هو بإقامة أجسادنا من الموت بروحه الساكن فينا.

     ويستطرد نسطور في إنكار وراثة الخطية في مؤلفه تجسد ربنا يسوع المسيح قائلا:

     " على أي شيء ملك الموت أليس على النفس التي أخطأت فكريا التي قيل عنها النفس التي تخطىء تموت ( حزقيال 18 : 4 ) من أجل ذلك أسلم المسيح نفسه ( روحه ) عوضا عن كل نفس وقدم نفسه ( أى روحه العاقلة حسب المعتقد النسطورى ) فدية عن الكل " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 19 ص 43 -44 ) .

       في هذا الكتاب وقع نسطور في جملة أخطأ تضاد الحق الكتابى والتعاليم الصحيحة للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين أهمها ما يلى :

   1 -    انكر  نسطور وراثة الخطية القديمة من خلال زرع الرجل. معتقدا أن الخطية فكرية, وبالتالي لا تورث . فأنكر بذلك الحق الكتابى بأننا في المعمودية نخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح أي بسفك دمه (  كولوسى 2 : 11 ) للتكفير عن دمائنا المدنسة بالخطية. لأنه بدون سفك دم ( أي موت جسم الخطية ) لا تحصل مغفرة.

   2 -  خلطه بين خواص النفس العاقلة ( الروح ) والنفس الحية ( أي الدم ) الأمر الذى ترتب عليه اعتقاده بأن حكم الموت صدر ضد النفس العاقلة لا النفس الحية أو الحيوانية التي يشترك فيها البشر والحيوانات ( تكوين 1 : 24 ) .

     ولو حدث ذلك فإن حكم الموت. يصير حكما شخصيا ضد روح آدم وحده لأن مثل هذا الحكم لا يورث. لأن الروح العاقلة لها ذاتيتها وشخصيتها التي تخصها وحدها ولا تنتقل لغيرها لأنها لا تورث,  وبالتالي لا تصلح للفداء, ولا فداء لها  لأن سقوطها هو سقوط شخصى .   

   وعلى ذلك إذا كان المسيح إنسانا مثلنا فسيكون مثل آدم قابلا للموت حتى لو نال حلولا إلهيا.  فإذا افتدانا بسفك دمه عنا فسيمسك من جسد الموت مثل آدم . فكيف سيحيى نفسه أو يحيينا وهو نفسه في حاجة إلى من يحييه ويقيم جسده من الموت.  في الواقع أن لا قيمة لفدائه إلا بزيادة ميت إلى عالم الأموات. لأن ذبيحة نفسه لن تختلف عن أي ذبيحة حيوانية عدا أنه روحه ستقبض من جسد الموت كروح آدم.

    لأنه رغم أن الدم يكفر عن الدم . إلا أن الذبائح الحيوانية إذ لا روح لها تفنى بالموت حياة مقابل حياة ,ولكنها تعجز عن إقامة الجسد الذى كفرت عنه بموتها. لهذا كانت الحاجة أن يكون للفادى روح قادر على إقامة جسده وأجساد كل الذين ينوب عنهم بالموت. لهذا كان لابد أن يأتي الذى لا يمكن أن يمسك من الموت مثلنا متخذا جسدا قابلا للموت مثلنا حتى متى مات موتنا بسفك دمه أبطل موت جسده الخاص وأجساد كل الذين ينوب عنهم بالفداء.  فيأخذ الذى لنا أي الدم المائت ليموت به ليعطينا الذى له روح الحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    فإذا كانت الخطية بالفكر كما يزعم نسطور. فإننا نصير كالملائكة لا كفارة لنا. لأن خطايا الفكر لا تورث وكل روح تحمل خطيئتها وتهلك بها. لأن الروح كما ذكرنا لها ذاتيتها وشخصيتها الخاصة, وبالتالي لا تنتقل لغيرها ولا تورث كالنفس الحية أي الدم الذى نرثه من خلال زرع الرجل أبا عن جد. لأن النفس الحية أي الدم مادة غير ذاتية  أي لا تخص آدم وحده بل تخص الجنس البشرى كله لأننا جميعا نشترك في ذات دم آدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لأننا جميعا نحيا بدم آدم  ( أعمال 17 : 26 ) الذى نرثه من خلال زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) الفانى ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     أما المسيح فلكونه ولد بدون زرع بشر فقد صنع لنفسه دما كريما بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 – 20 ) لم تجر عليه الخطية ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " ب 3 ف 4 ص 51 ) كدم آدم قبل السقوط  .

       مما تقدم يتضح أن الدم أي النفس الحية أو الحيوانية. هي نفس حية مادية وغير ذاتية تنتقل بالوراثة أبا عن جد عن طريق زرع الرجل القابل للموت والفناء ( بطرس الأولى 1 : 23 ) ( الحكمة 7 : 2 ) لهذا فإن حكم الموت صدر ضدها ليكون قابلا للتنفيذ.

     لهذا فإن الدم إذ هو غير ذاتى ويورث بل يمكن التبرع به لمنح الحياة لجسد أي انسان من ذات الفصيلة أما الروح العاقلة فلا تنتقل بالوراثة  وهى تخص صاحبها فإذا أخطأت وصدر الحكم ضدها بالموت أي فناء الحياة فلا كفارة لها وتهلك بخطيئتها كالملائكة. رغم أن الملائكة التي أخطأت لم يحكم عليها بالموت بل بالسقوط من الروح القدس وحفظت مقيدة إلى يوم الدينونة.

      والخلاصة ووفقا للحق الكتابى أن الخطية وعقوبة الموت بالنسبة للبشر لم تكن ضد الروح بل ضد النفس الحية ( الدم ) الذى هو علة حياة الجسد.  لهذا فإنه بموت الدم سقط الجسد تحت حكم الموت الأبدى. لهذا كان الجسد وحده هو المحتاج لقوة حياة جديدة ليس من دم يموت كما في الميلاد الأول بل مما لا يموت بروح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس الذى أحيا جسده وأقامنا معه بروحه الساكن فينا. هذا الذى نأخذه في المعمودية .

     وفى هذا يقول القديس كيرلس عمود الدين :

     " إن الجسد وحده هو الذى وقع فريسة للموت أما الروح فلم تفقد خلودها لأنـه عن الجسد وحده قيل " تراب أنت وإلى التراب تعود " لذلك كانت الحاجة ماسة إلى الذى فينا والذى صـار فى خطر دائم وتحول إلى الإنحلال أن يتجدد بقـوة, وأن يتم نسجه من جديد بنسيج الحياة القادرة بطبيعتها على عدم الموت وكانت الحاجة إلى رفع عقوبة " تراب أنت وإلى التراب تعود " أن يتحد الجسد المائت بالكلمـة الذى يحيى الكل, وعندما يصبح الجسد جسد الكلمة فإنه يشترك فى عدم الموت الخاص بالكلمـة " ( شرح انجيل يوحنا 1 : 9 يو 1 : 14 ص 129 - 130 ).

      لهذا فإن معتقد نسطور بأن الموت ملك على الروح الإنسانية العاقلة وليس على النفس الحية أي الدم التي هي علة حياة الجسد لا صحة له وليس لها أي سند كتابى وعلى هذا فإن التعليم الصحيح وفقا للحق الكتابى هو أن الفداء كان بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 – 20 ) ( العبرانيين 9 : 14 ) وليس بروح إنسانية.

     هذه هى العقيدة التى أنكرها نسطور معارضا الحق الكتابى الذى يثبت أن الخطية في الجسد وأن السيد المسيح  أخذ شبه جسد الخطية ) لأنه ولد بدون زرع بشر( ( رومية 8 : 3 )  لكى بموته يبطل جسد الخطية ( رومية 6 : 6 , 7 ) لكى يعتقنا بروحه المحيى من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) ويقيمنا من الموت بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 ) الذى أخذناه في المعمودية التي هي شركة موت وقيامة مع المسيح ( رومية 8 : 2 - 8 ).

     وأما إننا نرث الخطية والموت. فلأنه صنع من دم واحـد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ) لهذا جاز بدم واحد دم المسيح . أن يكفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ) ( العبرانيين 9 : 14 ) عن دم البشرية كلها التي تحيا بدم واحد.هو دم آدم.

    من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم , وبالخطية الموت, وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس. إذ أخطأ الجميع ( رومية 5 : 12 ).

    ونحن نرث هذا الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت من خلال زرع الرجل ( أي من خلال الحيوان المنوى ) كما هو مكتوب : 

     صـورت جسـدا فـى جـوف أمـى .. وصنعت مـن الـدم بـزرع الرجـل ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

     وهذا ما أثبته داود النبى أيضا بقوله :

     هأنذا بالإثم صورت, وبالخطية ( أى بالدم المحمول على الحيوان المنوى المدنس بالخطية وشوكة الموت ) حبلت بي أمي ( مزمور 51 :  5 ).

     وعن وراثة الخطية عن آدم يقول القديس كيرلس :

     عندما تجسد ( المسيح ) لم يترك جسده خاضعا للموت والفساد كما فعل آدم الذى نقل إلينا عقوبة المعصية ( المسيح واحد ف 3 ص 24 ) بل أعتقنا من ناموس الخطية الكائنة في أعضاء جسد هذ الموت ( رومية 7 : 20 - 24 ) ( المسيح واحد ف 4 ص 26 ).

     وهذا برهان على أن الخطية فى الجسد وليس الفكر  حسبما زعم نسطور في مؤلفه تجسد ربنا يسوع المسيح الذى يهاجم فيه تعاليم القديسين كيرلس عمود الدين وأثناسيوس الرسولى.

    إن علة خلط نسطور بين الروح العاقلة والنفس الحية أو الحيوانية التي يشترك فيها البشر والحيوانات هو اعتقاده بأن النفس الحية التي نفخها إلوهيم في أنف آدم ( تكوين 2 :  7 ) هي روح حياة وليس نفس حية أو حيوانية ( تكوين 2 : 20 )( كورنثوس الأولى 15: 45 ) أي دم ( لاويين 17 : 14 ) يشترك فيها البشر والحيوانات. 

    من الواضح أن  نسطور لسبب جهله. خلط بين الروح العاقلة التي وصفها بالنفس التي أخطأت فكريا, وبين النفس الحية أي الدم التى هي مكون جسدى حامل للخطية وشوكة الموت.

     لهذا فإن الدم يكفر عن نفس الجسد أي دمه ( لاويين 17 : 11 -14 ) فالفداء تم بتقديم دم المسيح عوضا عن دمائنا وليس أرواحنا. لأن حكم الموت صدر ضد الحياة الجسدانية " موتا تموت " ولم يصدر ضد الروح, لأن شوكة الموت تعمل في النفس الحية أي الدم وتورث من خلاله عن طريق الدم الذى يصنع من زرع الرجل. أما الروح فليست مادة وبالتالي لا تحمل الخطية ولاتورثها.

     وأما دليل خلط نسطور بين الروح والنفس الحية. فهو قوله فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ردا على كتابات للقديس كيرلس منكرا وراثة الخطية بقوله :

    " ولكنكم تقولون كيف تستطيع الطبيعة التي .. ورثت الخطية أن تصبح بلا خطية .. وهذا ما جعلكم تصفون النفس بأنها جسدانية .. وإذا كانت النفس كما تقولون أنتم جسدانية. فلماذا لا تموت وتتحلل مع الجسد " ( ظهور المسيح المحيى ف 8 ص 23 - 24 ).

     لقد أنكر نسطور على القديس كيرلس تعليمه بوراثة الخطية الأبوية معتبرا أن ما يقوله القديس كيرلس هو بدعة. نتيجة خلطه بين النفس الحية الجسدانية أى الدم القابل الموت, وبين الروح العاقلة التي اسماها نفسا عاقلة ومحيية اعتقادا منه أنها هي التي تحيى الجسد وليس الدم ( تكوين 9 : 4 ) وأنها بمفارقة الجسد يموت. 

   أي أنه منح للروح الإنسانية العاقلة ما للنفس الحية أو الحيوانية من قدرة على إحياء جسدها. فمزج بين خصائص الروح والنفس بسبب عدم قدرته على التمييز بينهما, وهذا علة تمسكه بوجوب وجود روح إنسانية في المسيح. اعتقادا منه أنها علة إحياء الجسد, وأنها بخروجها منه يموت, وبعودتها إليه في اليوم الثالث ترده حيا .

      فإن كانت الروح الإنسانية العاقلة هي التي تحيى الجسد البشرى؟ فكيف تحيا أجساد الحيوانات. آلعل الأنفس الحية التي للحيوانات غير الناطقة ( تكوين 1 : 24 ) عاقلة أيضا.

     أم أن أجساد البشر كأجساد الحيوانات حية بالدم, ونسمة واحدة للكل.

      لقد خلط نسطور بين النفس الحية أى الدم, وبين الروح الإنسانية العاقلة, ولم يدرك أن النفس هى الدم وأن المسيح فدانا بدمه. كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 – 19 ) لأن الدم يكفر عن النفس .

      إن مالا يدركه نسطور هو أن حكم موت النفس الحية معناه فناء الحياة وعودتها إلى العدم , فلو صدر حكم الموت ضد الروح الغير مائتة فهذا معناه فنائها.

    أما نسطور في مؤلفه المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى فكما نسب الولادة لإنسان نسب الآلام والصلب والقيامة لروح إنسانية بقوله  :

    لقد كانت هى بذاتها ( النفس ) هى الروح التى اضطربت فى يسوع, وكانت هى التى فارقت الجسد وهو معلق على الصليب, وهنا مات الجسد وأنفصلت النفس عنه .. وبهذا اختبر موتنا. لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الجحيم, وتتحد بجسده فى القبر وبذلك يبيد الموت ظهور المسيح المحيى ف 17  ص 38 ).

     أى أن موت المسيح تحقق بخروج روحه الإنسانية منه وبعودتها إليه عاد حيا .

    وهذا يضاد الحق الكتابى وتعليم القديس كيرلس المؤسس على الحق الكتابى والذى يقول فيه : لأن الذى بالطبيعة هو الحياة لم يقبل أن يخضع جسده للفساد ( الموت ) لأنه لم يكن ممكنا أن يسود الموت على المسيح ( أعمال 2 : 24 ) ( المسيح واحد ف 12 ص 100 ) لأنه ببساطة روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أى روح له القدرة على بعث الحياة للجسد المائت. لأنه وحده روح القيامة والحياة ( رومية 8 : 9 - 11 ) لهذا فإن جسد المسيح وإن مات بحسب الجسد ( بموت الدم ) لكنه أى الجسد عاد حيا بسبب روح الحياة التى فيه ( بطرس الأولى 3 : 18 ) الروح الذى اعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) الروح التى أحيث جسده الخاصكورنثوس الثانية 13 : 4 ) كما ستحيى أجسادنا المائتة أيضا بروحه الساكن فينا رومية 8 : 11 ).

    فهل الروح التى أحيت جسد المسيح وأحيتنا إنسانية أم إلهية.

    الواقع أن الروح الإنسانية لو كان لها القدرة على إحياء الجسد لم مات الجسد أصلا.

      ولكن إن مات الدم تمسك الروح من جسد الموت أى تحبس فيه كما فى سجن ( أعمال 2 : 24 ) دون أن تستطيع أن تحرك جسدها المائت,  وبهذا تقبض في جسد الموت. كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( إشعياء 66 : 24 ).

    إن عقيدة نسطور بأن قيامة المسيح كانت بروحه الإنسانية تهدم الفداء وتجعل الإنسان هو المخلص لنفسه.

     لهذا هاجم نسطور فى مؤلفه ظهور المسيح المحيى كل  من القديسين كيرلس وأثناسيوس الرسولى بسبب وحدة تعليمهما بقوله :

  وحسب رأيكم أيضا فإن الكلمة هو الذى قام من الأموات .. وهو ذاته الذى نزل إلى الجحيم وهذا مضاد للتعليم الصحيح ظهور المسيح المحيى ف 16  ص 37 ).

    ويقول القديس كيرلس ردا على العقائد النسطورية التي تنكر ولادة المسيح وصلبه وقيامته بقوله :

    أن طريقتهم في فهم آلام المسيح وهي مجرد نسبة الالام له. لا اعرف كيف اخترعوها. لانهم بهذه الوسيلة قد سلبوا من عمانوئيل مجده ( أى لاهوته ) وجعلوه مثل باقي الانبياء. هذا فعلوه بكل يقين، وهذا ما سوف ابرهن عليه من الاسفار الإلهية ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 37 ص 67 - 68 ). 

     وقد شرح القديس أثناسيوس الرسولى فى مؤلفه تجسد الكلمة كيف أن المسيح نفسه وليس إنسان هو الذى تألم وأبطل الموت فورا دون انتظار عودة روح إنسانية من الجحيم لتحيى جسده في اليوم الثالث بقوله بما يتفق والحق الإلهى ما نصه:

    ولما كان مستحيلا كما قدمت سابقا أن يموت الكلمة لأنه غير قابل للموت. فقد أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت. حتى يمكن أن يقدمه كجسده نيابة عن الجميع. حتى إذا ما تألم نيابة عن الجميع باتحاده بالجسد يبيد بالموت .. الموت ( تجسد الكلمة 20 : 6 ص 70 ).

      على أنه كان  مستحيلا أن يبقى مائتا إذ صار هيكلا للحياة, ولهذا فإذ مات كجسد مائت. عاد إلى الحياة بفضل الحياة التى فيه ( تجسد الكلمة 31 : 4  ص 98 ) ( تجسد الكلمة 44: 6  ص 135 ).

    فقيامة المسيح كما نرى كانت بروح  الحياة التي فيه ( رومية 8 : 2 ) أى بالروح القدس الرب المحيى _ حسب قانون الإيمان الرسولى _ الذى هو روح المسيح ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الأزلى العبرانيين 9 : 14 ) وليس بروح إنسانية ( غلاطية 1 : 11 ) تمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ).

   وقد أثبت بولس الرسول أن قيامة جسد المسيح لم تكن بروح إنسانية بل بالروح القدس الذى هو روح الحياة بقوله:

    فإلوهيم إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد لكي يتم حكم الناموس فينا. نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ( الروح القدس) .. وأما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح ( روح إلوهيم ) إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح  ( أي روح إلوهيم ) فذلك ليس له ( أى ليس له نصيب مع المسيح )  وإن كان المسيح فيكم ( بروح إلوهيم )  فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح ( الروح القدس ) فحياة بسبب البر, وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ( أي الروح القدس ) ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات ( أي الروح القدس الرب المحيى ) سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحـه الساكن فيكم ( رومية 8 : 3 , 8 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) ( رؤيا 11 : 11 ).  

 

 

 

 

الفصل الثامن

الفداء بالدم أم بالروح

  يقول نسطور:

    " باطلة هى سفسطاتكم كيف يتم الموت إذا كان الكلمة لم يأخذ لنفسه.. الجسد والنفس .. وكيف حل سلاسل الموت .. إذا لم يأخذ لنفسه وبلا خطية ذات الذى أخطأ بالفكر أى النفس. فإذا لم يأخذ نفسا إنسانية يظل الموت يملك على الإنسان الداخلى  ( أى الروح الإنسانية ) وعلى أى شىء ملك الموت أليس على النفس التى أخطأت فكريا والتى قيل عنها النفس التى تخطىء تموت "  ( حزقيال 18 :4  ) ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 19 ص 43  ).

   لقد اخترع هؤلاء كل هذه التصورات لأنهم يعتقدون أن مصدر الخطية هو الجسد وليس الإنحراف الذى أصاب الإرادة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 12 ص 33  ).

    ويقول نسطور فى مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 18 ص 43 ما نصه:

     أن جسد الكلمة إلوهيم عندما صرخ بصوت عال وأحنى رأسه ولفظ روحه. أعلن بذلك عما فى داخل جسده أى نفسه الإنسانية؟

 

     من أهم أخطاء نسطور العقائدية خلطه الدائب بين الروح والنفس بالقول عن الكلمة أنه أحنى رأسه ولفظ روحه فى حين أن ما يلفظ هو انفاسه الأخيرة أى نسمة الحياة التى نفخها المسيح فى أنف آدم فصيرته نفسا حية كسائر ذوات الأنفس الحية أى الحية بالدم, لأن نفس الجسد أى قدرته التنفسية هى فى الدم .

     أما الروح فلا تلفظ بل تسلم أى تستودع بالموت فى يد الموت, أى تقبض من جسد الموت الذى لفظ أنفاسه الأخيرة.

     وهذا ما كان يحدث قبل الفداء حيث كانت جميع الأرواج تستودع فى يد الموت فتمسك من جسد الموت وتحدر معه إلى  إلى القبر أى الحفرة أو الهاوية, وفى هذا يقول يعقوب بعد أن اسلم روحه أى استودعها فى يد الموت : إنى أنزل إلى الحفرة ( جسدا وروحا ) نائحا على إبنى.

     وهذا التعبير أسلم الروح الغرض منه إثبات خلود الروح وأنها تستودع فى يد الموت ولا تعنى خروج الروح من الجسد بل تعنى أنها استودعت فى يد الجسد المائت إلى الأبد واستمر هذا إلى أن صرخ السيد المسيح على الصليب قائلا : يا آبتاه فى يديك الذى هو المسيح ( يدى الآب ) أستودع روحى. الذى هو الروح القدس. 

     وقال هذا من أجلنا لأنه بهذه الكلمة صارت أرواحنا تستودع فى يدى المسيح فى الفردوس. لهذا أيضا قال للص اليمين : اليوم تكون معى فى الفردوس, وواضح أنه سيكون معه فى الفردوس فى ذلك اليوم بالروح. أما جسده فيرقد على رجاء القيامة فى اليوم الأخير, وهذا دليل على أن الروح الإنسانية خالدة لا تموت. وأن الذى يموت هو الدم الذى هو نفس حية قابلة للموت والفناء, والذى بموته يفقد الجسد قدرته الحركية, وتعجز الروح عن تحريك الجسد المائت. فتمسك منه , وهذا هو الموت الجسدى الذى ملك على جميع الأرواح من آدم إلى المسيح.

     مما تقدم يتضح أن الروح لا تموت وأن النفس التى تموت هى النفس الحية ( أى الدم ) التي هي علة حياة الجسد, والتي بموتها يعود الجسد إلى التراب.

    أما الروح فإنها بموت دم الخطية تمسك من جسد الموت إلى الأبد ولا يتحرر من جسد هذا الموت إلا الذين نالوا القيامة الأولى مع المسيح في المعمودية سواء كانت معمودية ماء أو معمودية دم التي هي شركة موت وقيامة مع المسيح عندئذ تنطلق بالموت لتكون مع المسيح في الفردوس على رجاء القيامة.ين

     مما تقدم يتضح أن حكم الموت والفناء الأبدى لم يصدر ضد الروح بل ضد الدم الذى هو نفس حية لهذا فإن الكفارة أيضا كانت بدم المسيح وليس بروحه الذى أقامنا من الموت.

    والخلاصة أن  الدم الذى هو نفس حية هو الذى تدنس بالخطية وشوكة الموت نتيجة الأكل من الثمرة المحرمة. لهذا ولد المسيح بدون زرع بشر. ولهذا أيضا لم يرث الخطية الأبوية التى تورث عن طريق الدم من زرع الرجل. لهذا  كان دم المسيح هو الدم الوحيد الذى بلا عيب ولا دنس. لهذا جاء المسيح فى شبه جسد الخطية لأن دمه كان طاهرا ليكفر به عن دمائنا . عالمين أننا افتدينا بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولادنس دم المسيح.. الذى بروح أزله قدم نفسه ( دمه ) لإلوهيم بلا عيب ولادنس.

    من ذلك نرى أن الدم وحده هو الذى تدنس بشوكة الموت فصار تحت حكم الموت والفناء الأبدى. أما الروح فخالدة لا تموت. لأن الموت معناه فناء الحياة النفسانية فى الدم. لأن الدم حياة نفسانية أى متنفسة والموت هو أن يتوقف الدم عن التنفس فيلفظ الجسد أنفاسه أو نسمته فيموت والموت هو فناء الحياة النفسانية أو المتنفسة. أما الروح فلا تموت ولا تفنى ولكنها تمسك من جسد الموت. أى تحبس أو تقبض من جسد الموت كما فى سجن إلى الأيد كما هو مكتوب ويكون من سبت إلى سبت .. ويرون جثث الذين عصوا على, والجثة هى جسد مائت به روح إنسانية ممسكة فى سجن الجسد المائت فلا تستطيع تحريكه. لأن النفس الحية أى الدم التى هى علة حياة الجسد قد ماتت إلى الأبد.

    أما إن كانت الروح تموت فإنها تصير عدما ولا تكون خالدة على الإطلاق. فإذا كانت الروح مائتة وغير خالدة فلا تكون هناك قيامة ولا روح خالدة بل مجرد أنفس حية مائتة لهذا أنكر الصدوقيين القيامة والروح الخالدة نتيجة التفسير الخاطىء لهذه الآية, وسار على ذات الدرب شهود يهوه إذ أخطأوا فى تفسير هذه الآية وخلطوا بين النفس والروح فقالوا بموت الأنفس إلى الأبد وأنكروا وجود الروح الخالدة كالصدوقيين.وقد سقط فى ذات البدعة د. جورج حبيب بباوى فى مؤلفه " القديس أثناسيوس الرسولى فى مواجهة التراث الدينى غير الأرثوذكسى" ص 187 بالقول " فإن كانت أرواحنا بالطبيعة خالدة _كما يدعى البعض فى أيامنا_ وأجسادنا فقط هى التى تحتاج للتجديد ( أى القيامة من الموت ) .. وإذا كان الفساد والموت فى الجسد دون الروح فما قيمة التجسد؟ ولماذا أخذ ابن إلوهيم نفسا إنسانية إذا كنا لا نحتاج إلا لتجديد الجسد فقط ( أى لا نحتاج إلا لإقامة أجسادنا من الموت ) " .   

     هنا نجد تأثر جورج حبيب بباوى بتعاليم نسطور الخاطئة المنسوبة زورا لأثناسيوس الرسولى فى مؤلف بعنوان "  تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 19 ص 43  الذى يمزج فيها بين الروح والنفس ( الدم ) فيقول أن النفس هى التى أخطأت فكريا لهذا قيل لها النفس التى تخطىء تموت ( حزقيال 18 : 4 ).

     ليت الذين تأثروا بتعاليم النسطورية المنسوبة زورا لأثناسيوس الرسولى يراجعوا كتاباتهم ومعتقداتهم فى ضوء الحق الكتابى وحده إذا كانوا عاجزين عن التمييز بين الكتابات الحقيقية لأثناسيوس الرسولى وتلك المنسوبة له زورا.

    لأن الروح الإنسانية العاقلة لا تكفر عن روح إنسانية عاقلة مثلها وإلا لزم فنائهما معا. لهذا فإن الكفارة حسب الحق الكتابى تكون بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس الذى يكفر عن دمائئنا المدنسة بشوكة الخطية والموت.

    لهذا يقول الرب:

    لأن نفس الجسد هي في الدم ، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس. لذلك قلت لبني إسرائيل : لا تأكل نفس منكم دما ، ولا يأكل الغريب النازل في وسطكم دما.. لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ، فقلت لبني إسرائيل : لا تأكلوا دم جسد ما ، لأن نفس كل جسد هي دمه ( اللاويين 17 : 11 -14 ).

    وعلى ذلك فإن الفداء يكون بموت وفناء نفس حية غير دنسة أي لم يصدر ضدها حكم الموت. للتكفير عن نفس حية أي دم تنجس بالخطية وشوكة الموت وصدر ضده حكم الموت الأبدى . تراب وإلى التراب تعود .

 

 

 

الفصل التاسع

تفنيد بدعة احتجاب اللاهوت بروح إنسانية عاقلة

 

    يقول نسطور في مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ما نصه :   

    " كيف يمكن للاهوت أن ينزل إلى الجحيم علانية بدون حجاب يستتر به " تجسد ربنا يسوع المسيح ف 18  ص 43 ).

     " أن الجحيم لم يكن يستطيع أن يحتمل ظهور اللاهوت غير محجوب في النفس الإنسانية " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42  ).

   ويقول ثيؤدورت أسقف قورش أن إلوهيم احتجب بروح المسيح الإنسانية التى هى اول خلق إلوهيم, فكانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد الغليظ حجابا لما هو ألطف منه ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4  ص  51 -52  ).

     ويقول أيضا :  أن روح المسيح الإنسانية خلقها إلوهيم لنفسه قبل خلق العالم, وسكنها وجعلها صورته التي خلق الإنسان على صورتها وشبهها ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا لأثناسيوس الرسولى ك 1 ق 2 ف 1 ص 24 - 26 + ق 3 ف 4 ص 51. 52 ).

    وهذا معناه أن المسيح صورة إلوهيم مخلوق , وأن روح المسيح الإنسانية حجاب للاهوت. وأنها سابقة الوجود على تجسدها حسب زعمه.

     وبداهة أن جميع هذه العقائد ظاهرة الفساد لكل ذي فهم. لأن روح المسيح أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) وليست مخلوقة في البدء حسب زعم ثيؤدورت أسقف قورش.

     كما أن الأرواح العاقلة عموما ساكن لا مسكن. أي أنها تسكن الجسد وتشخصه ولا تسكن ولا تشخص من غيرها . فالروح ليست حجاب ولا جسد مادى حتى تسكن من غيرها بحسب مخترعات أصحاب الطبيعتين ( أي القائلين بروحين متحدين في المسيح بصرف النظر عن كيفية هذا الإتحاد ) المضادة للمنطق والحق الكتابى.

     والواقع أن التعليم الصحيح للقديس أثناسيوس الرسولى يثبت أن المسيح صورة الآب غير مخلوق, وأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه في جوهر مخلوق. فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته ( 1 ضد الأريوسيين 6 : 20 ص 44 ).

     وهذا هو ما يتفق مع الحق الكتابى ( فيلبى 2 : 5  - 6 ) ( العبرانيين 1 : 2 , 3 ).

      كما أن القول بأن الكلمة احتجب بروح إنسانية يضاد صورة التعليم الصحيح بأن الكلمة شاركنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) .

    وفى هذا يقول بولس الرسول :

    فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقا كرسه لنا حديثا حيا ، بالحجاب ، أي جسده ( العبرانيين 10 :  19 – 20 ).

    هنا نلاحظ أن يسوع هو الذى احتجب بالجسد , وهذا معناه أن يسوع هو نفسه الكلمة, وبالتالي فإن روحه ليست إنسانية بل أزلية, وهذا ما أثبته بولس الرسول بقوله:  

     أن المسيح بروح أزلى قدم نفسه ( أي دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ) ولم يرد في أي موضع أن روح المسيح إنسانية أو أن الكلمة احتجب بها أو اننا افتدينا بروح المسيح وليس بدم المسيح ( بطرس الأولى 3 : 18  - 20 ).

 

  

 

الفصل العاشر

هل المسيح إنسان مثلنا أم الرب من السماء؟

 

    هاجم ثيؤدورت بحسب معتقد نسطور القديس كيرلس قائلا:

    إنك تتخيل أن اسم المسيح يخص شخص قادم إلينا من السماء وسكن بيننا, ولكن الحق أن المسيح دعى ابن إنسان لأنه بميلاده من العذراء صار ابن آدم الأول ولا يوجد غير آدم واحد عاش على الأرض . كما لا يوجد آدم آخر جاء من السماء وكل من يولد من آدم هو ابن إنسان ولم يحصل على جسد سمائى من السماء. هـذا ما تؤكده الأناجيل ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 8 ص 25 - 26 ).

     وباطل أيضا قولكم عن الجسد ( أى عن المسيح حسب نسطور ) بأنه غير مخلوق وسمائى ومساوى للآب فى الجوهر. إن هدفكم من هذا وبكل وضوح إنكار التأنس ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 47 ). 

     ويقول ايضا:

     إن تعليمنا هو تعليم الكنيسة أما أنتم فتخالفون هذا التعليم وتقولون أن الجسد ( المسيح حسب نسطور ) نزل من السماء .. إنه لم يحتقر الوجود الإنسانى ولم يهمله فأخذ خيالا إنسانيا ( أي أن المسيح نزل من السماء بصورته الروحية كإين انسان دون أن يتجسد , وهذا هو مفهوم نسطور لنزول المسيح بصورته الروحية كإبن انسان من السماء إذ يعتبرها خيالا إنسانيا أي روح لها هيئة إنسانية. وأنه ظهر بهذه الصورة الروحية ) بدلا من الجسد الإنسانى ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 7 ص 23 , 24 ).

 

    فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

     ولكن حينما علمت أن بعضا من أولئك الذين اعتادوا ان يتصيدوا الأخطاء .. كانوا يتقيأوا بكلمات حقيرة ضدى. كما لو كنت أقول أن جسد المسيح المقدس قد نزل من السماء وليس من العذراء القديسة ..  أيها الجهال الذين تعرفون فقط أن تتهموا زورا كيف تجاوزتم الصواب فى الرأى وفكرتم بهذه الحماقة .. لأننا حينما نقول أن ربنا يسوع المسيح هو من السماء ومن فوق. فلا يفهم من ذلك أنه نزل بجسده المقدس من السماء. بل أن ما قلناه هو ما أعلنه الوحى المقدس على فم بولس الرسول القائل:

     " الإنسان الأول من الأرض ترابى. الإنسان الثانى الرب من السماء " ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) وهذا ما أعلنه المخلص نفسه بالقول:

     ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء ( يوحنا 3 : 13 ) ( الرسالة رقم 39 : 4 , 5 ص 44 - 46 ).

        فالمسيح الذى من فوق ومن السماء هو صورة الآب بهاء مجده ورسم جوهره الممسوح أزليا الذى نزل من السماء وأظهر فى الأزمنة الأخيرة من أجل خلاصنا, وهذا ما تعترف به الكنيسة وتردده فى كل صلاة يتلى فيها قانون الإيمان الرسولى بالقول:

     " نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد .. مساو للآب فى الجوهر .. هذا الذى من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء ".

     فيسوع المسيح الذى نزل من السماء هو ابن إلوهيم الوحيد الذى تجسد من العذراء وليس إنسان. لهذا يقول بولس الرسول:

     " أن المسيح يسوع الذى إذ كان فى صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا فأخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض .. ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب " ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     من ذلك ترى أن الذى نزل من السماء بحسب الأقوال الرسولية وقانون الإيمان الرسولى هو يسوع المسيح صورة إلوهيم المساوى للآب فى الجوهر الذى من أجل خلاصنا أخلى نفسه آخذا شكل العبد. باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ).

    لهذا فإن كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح جاء فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).




الفصل الحادى عشر

هل حلول إلوهيم فى إنسان يصيره إلها يعبد؟

 

    يقول ثيؤدورت مهاجما كيرلس:

     إنك تقاوم الحق باختراع شعارات ضدنا بدعوتنا أننا نعتقد بابنين وتدعونا بعبدة الإنسان ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 48 ).

      نحن نؤمن بربنا يسوع المسيح ابنه الوحيد الجنس لاحظ كيف يضعون أولا كأساسات هذه الأسماء الرب يسوع المسيح الوحيد الجنس والابن وهى الأسماء المشتركة بين اللاهوت والناسوت حينئذ يبنون عليها تقليد التأنس والآلام والقيامة ( الرسالة رقم 5 من نسطور إلى كيرلس ف 4 ص 32 ).

والحقيقة الأولى من هذه الأساسات هى أن اسم المسيح يعلن حقيقتين اللاهوت والناسوت وهكذا يدعى المسيح إنسانا وهو ذاته يدعى إلوهيم وأحيانا يسمى الإله المتأنس ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 13 ص 33 - 34 ) لذلك نحن نضع الاتحاد كأساس للإيمان ( شرح تجسد الابن الوحيد 37 ص 70 ).

 

فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

     لقـد حدد الناموس عبادتنـا لإلوهيم بالقول للرب إلهك تسجد وإياه وحـده تعبد ( تثنية 6 : 13 ).

    فإذا كان المسيح هو غاية الناموس والأنبياء وقيل عنه أنه إنسان لبسه إلوهيم ألا يصير ذلك مثار سخرية أن غاية الناموس وبشارة الأنبياء أدت فى النهاية إلى ذنب عظيم هو عبادة إنسان.

     لقد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح إلى معرفة أرقى من تلك التى حصل عليها الذين عاشوا فى الظلال.

    ثم كيف يكون سر التقوى عظيما ويذاع فى العالم كله إن كنا نؤمن بالأقوال المكتوبة التى تحرفونها مدعين بأن إلوهيم الكلمة اتصل بإنسان هو الذى مات وقام وصعد إلى السماوات حيث يقف لخدمته الملائكة ورؤساء الملائكة والسرافيم فهل يليق أن يقف هؤلاء لخدمته وتسبيحه وهو مجرد إنسان مثلنا وليس ابن إلوهيم الوحيـد ( المسيح واحد 7 ص 40 ).

     لماذا تسلكون طريقا مختلفا عن طريقنا بقولكم أن الكلمة قد اتخذ إنسانا نظيرنا وتزعمون أنه يقبل العبادة التى تقدم له من كل الخليقة. ثم تقولون بعد ذلك لا يوجد ابنان ولا ربان لأن الكلمة باتصاله بهذا الإنسان كرمه بأن أشركه معه فى اسم البنوة وكرامة الربوبية, ولسبب هذا فإن هذا الإنسان يحسب مع الابن واحدا فى اسم البنوة وكرامة الربوبية ( المسيح واحد 7 ص 37 , 38 ).

     إنكم بثرثراتكم الباطلة تنكرون لاهوت المسيح بقولكم بمسيحين واحد زائف والآخر حقيقى. الحقيقى هو كلمة إلوهيم الآب والزائف هو الإنسان المولود من مريم. لهذا فدينونتكم ثقيلة لأنكم تنكرون الرب الذى اشتراكم بدمه ولم تفهموا سر التجسد لأنه يوجـد رب واحد وإيمان واحد.

     لأنكم تقولون أن المسيح ابن داود إنسان منفصل عن إلوهيم الكلمة. إلا أنه ينال العبادة من الخليقة بسبب صلته بإلوهيم الكلمة .. فكيف لا تجعل هذه الصلة ابن داود على قدم المساوة مع ابن إلوهيم .. طالما أننا إذا أكرمنا ابن داود أكرمنا ابن إلوهيم .. ألا يصبح هذا الإنسان إلها جديدا له اسم إلوهيم .. وهو فى الحقيقة له طبيعة ( روح ) مخلوقة ومختلفة وغير مساوية لإلوهيم .. فكيف يعبد مع الطبيعة الإلهية بل ويشترك معها فى المجد الذى يقدم لها من المخلوقات ( المسيح واحد ف 7 ص 42 - 43 ).

     لو كان المسـيح إنسانا حل فيه اللاهوت ( كولوسى 2 : 9 ) فما معنى القـول " شاركنا فى اللحم والدم " ( العبرانيين 2 : 14 ) كيف يتحقق هذا لو كان إلوهيم قـد حل فى إنسان ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 25 ص 41 ).

 






الباب الثانى

كتاب ظهور المسيح المحيى

     هذا هو الكتاب الثانى لثيؤدورت أسقف قورش أصدره عندما كان على المذهب النسطورى, وقد ورد ذكره فى الفهارس الخاصة بمؤلفاته تحت عنوان " ظهور الثالوث المقدس " وقد وضعه للرد على عقائد مجمع أفسس الأول وتعاليم القديس كيرلس عمود الدين وتم نشره منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى .

     وفيه استكمل هجومه على تعاليم مجمع افسس الأول والقديس كيرلس عمود الدين مستنكرا تعليمهم بأن العذراء هى أم إلوهيم  بقوله أن قصدهم ذلك يظهر من عدم اعترافهم بأنه الإله المتأنس ( ظهور المسيح المحيي ف 5 ص 20 ) أى أن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت الإنسان يسوع المسيح الذى تأنس به الكلمة.

    كما هاجم تعاليم القديس أثناسيوس الرسولى القائل :

   ليس فى وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصا للخليقة إذ هو نفسه في حاجة إلى الخلاص ( أثناسيوس الرسولى " المقال الثانى ضد الأريوسيين " ف 69 ص 107 ).

    وأيضا قوله:

     " إن لم يكن الكلمة هو الابن بل الإنسان فكيف يمكنه أن يخلص العالم وهو نفسه واحد من العالم ؟ " ( 4 ضد الأريوسيين ف 20 ص 31 ).

     فرد عليه نسطور فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى قائلا :

     أنتم تقولون إذا كان المسيح إنسان فهو جزء من العالم, وجزء من العالم لا يستطيع أن يخلص العالم . يا للضلال والتحريف الجنونى ( ظهور المسيح المحيى ف 7 ص 22 ).

     كما أنكر لاهوت المسيح بقوله أن روح المسيح إنسانية معارضا الحق الكتابى القائل بأن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ).

 

 

الفصل الأول

ضلالة القول بأن كلمة جسد تعنى انسان

 

     يقول ثيؤدورت في مؤلفه ظهور المسيح المحيى ما نصه :

     " وحيثما وردت كلمة الجسد فإن الإشارة تتضمن كيان الإنسان كله وفى حالة المسيح يصبح من الواضح أن استخدام كلمة جسد يعنى – أن المسيح انسان – بلا خطية " ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ).

     وعلى ذات النهج الذى يثبت نسطورية الكاتب يقول نسطور في كتابات تم دسها على كتب لقديس أثناسيوس الرسولى جاء فيها ما نصه:

     إن الكتاب كثيرا ما يطلق اسم المسيح على الجسد ( باعتباره إنسان حسب نسطور ) ( 4 ضد الأريوسيين ف 35 ص 49 ).

     كما أن الأسفار الإلهية غالبا ما تسمى الإنسان كله جسدا كما هو مكتوب ويبصر كل جسد خلاص إلوهيم ( لوقا 3 : 9 ) ( شرح تجسد الابن الوحيد ف 27 ).

 

     هذه التعاليم المنحرفة التي تزور الحق الكتابى نفسه مردودة بأن الأسفار الإلهيـة تقول ويبصر " كل بشـر " خلاص إلوهيم ( لوقا 3 : 9 ) ولم تقل " كل جسد " لأن لفظة جسد تشمل الحيوانات, ومن غير المنطقى أن تكون ضمن المخاطبين بمعاينة خلاص إلوهيم. هذا أولا.

    وأما ثانيا. فإن كلمة " جسد " لا تعنى الإنسان كله بل تعنى مكونات الجسد المادية أى اللحم والدم مالم يكن هناك تخصيص صريح يثبت خلاف الأصل بنسبة الجسد لشخص ما.

    أم لماذا يسمي نسطور يسوع المسيح بالجسد باعتباره إنسان وليس ابن إلوهيم. فهو من باب التضليل والخداع حتى أن من ينكر وجود روح إنسانية في المسيح يقول أنه ينكر الجسد وليس أنه ينكر الروح الإنسانية فقط .

   وعندما يقول القديس كيرلس أن يسوع المسيح هو المساوى للاب في الجوهر يقول ثيؤدورت أن الجسد ( قاصدا به يسوع المسيح ) غير مساو للآب في الجوهر فيبدو تعليمه مستقيما. في حين يقصد بالجسد الإنسان يسوع المسيح ليس باعتباره ابن إلوهيم بل باعتباره إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة, وبداهة إن كان المسيح انسان مثلنا فلا يكون مساو للآب في الجوهر.

     ولكن حيث أن المحقق كتابيا أن يسوع المسيح ليس انسان وإنما هو ابن إلوهيم فيكون بالحق مساوى للآب في الجوهر بحسب الحق الكتابى وقانون الإيمان الرسولى : القائل :

    نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد.. مساو للأب في الجوهر .

   فهل لو كان المسيح إنسان مثلنا وليس ابن إلوهيم الوحيد هل كان يقال أنه مساوى للآب في الجوهر, وهل اتحاد الكلمة بروح إنسانية عاقلة يجعلها واحدا مع الكلمة فى مجد اللاهوت. وهل الجواهر الروحية البسيطة  تقبل التركيب والخلطة كالعناصر المادية.

    لهذا قطع بولس الرسول الطريق على هؤلاء الذين ينكرون لاهوت المسيح بالقول بأن يسوع المسيح ليس إنسانا ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) بل هو صورة إلوهيم .. الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد. صائرا فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) وأنه الذى أتى فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ).

    من ذلك يتضح أن العذراء ولدت القدوس ابن إلوهيم نفسه ( لوقا 1 : 35 ) الذى شهدت له أليصابات وهو بعد فى بطن أمه بأنه ربها ( لوقا 1 : 43 ). 

     فالعذراء لم تلد إنسانا ذي روح إنسانية عاقلة. بل ولدت ابن إلوهيم الوحيد الذى ارسله إلوهيم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) .. لننال التبنى بروح أبنه الذى أرسله إلى قلوبنا ( الذى هو الروح القدس وليس روح إنسانية ) ( غلاطية 4 : 4 : 6 ).

      فالمسيح يسوع ليس إنسان بل هو الكائن من الأزل في صورة إلوهيم وهو مساوى لإلوهيم في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 , 6 ).

     فروح المسيح آدم الأخير لم تكن روحا إنسانية بل روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 :22 , 45 , 47 ) والروح المحييى أي الباعث للحياة هو الروح القدس. لأنه وحده حسب قانون الإيمان الرسولى هو الرب المحيى. لأنه وحده روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    فالروح القدس المحيى هو روح المسيح الذى نحيا به ويحيا فينا كما هو مكتوب فأحيا لا أنا بل المسيح ( أي روح المسيح المحيى ) يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ).

 

  

 

الفصل الثانى

إنكار ولادة إلوهيم من العذراء

 

   يقول ثيؤدورت في مؤلفه  " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى. مهاجما تعاليم القديس كيرلس بولادة الكلمة من العذراء ورفض بدعة التأنس بالقول:

    إن قصدكم الواضح من هذه العبارة " إلوهيم ولد من العذراء " يظهر من عدم اعترافكم بأنه الإله المتأنس ( ظهور المسيح المحيى ف 5 ص 20 ) .

 

    لأن إلوهيم كما يتضح من كتابات نسطور لم يولد من العذراء. بل تأنس بالإنسان المولود منها , وهو الذى ولد وصلب وقام من الموت بعودة روحه الإنسانية إليه في اليوم الثالث, وليس ان المسيح أقام جسده المائت بقوة روحه المحيى أي الروح القدس بحسب الحق الكتابى . الأمر الذى ينكره نسطور بالقول في رسالته الخامسة ما نصه :

    أن الآباء القديسين لم يذكروا ولادة حسـب التدبير بل تأنسا ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 5 ص 33 ).

     وبهذا انكر نسطور ولادة الكلمة وتجسده مستبدلا به تعليم التأنس أي الإئتناس بإنسان ومصاحبته . كما يأتنس إنسان بصاحبه.

     لهذا فقد تضمنت الكتب التى وضعها ثيؤدورت بحسب معتقد نسطور بأن العذراء لم تلد المساوى للآب في الجوهر بل ولدت الجسد أي المسيح الإنسان ذي الروح الإنسانية العاقلة ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ص 40 ) ( رسالة نسطور رقم 5 ف 5 ص 32 ) هذه العقيدة هي التي دفعت نسطور للرد على اتهامات القديس كيرلس له بأن التعاليم التي ينادى بها بأن العذراء ولدت إنسان مثلنا, معناه إنكار ولادة المساوى للأب في الجوهر من العذراء مريم ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 9 ص 27 ).

 

 


الفصل الثالث

إنكار صلب وقيامة الكلمة بنسبتها لإنسان

 

        وكما أنكر نسطور في رسالته الخامسة ولادة الكلمة أنكر أيضا صلبه وقيامته بنسبتها إلى الإنسان يسوع المسيح المولود من مريم الذى اتحد به الكلمة من البطن, والذى بسبب هذا الإتحاد اعتبر أن الكلمة ولد إنسانيا وصلب إنسانيا وقام إنسانيا أي بهذا الإنسان, وليس أنه ولد جسديا وصلب جسديا وقام بالجسد. وفى هذا يقول نسطور:

       " إن خورس الأباء .. لم يقل .. أن الإله الواحد في الجوهر يمكن أن يتألم ( منكرا صلبه وآلامه على الصليب ) ولا أن الإله الأزلى مع الآب قد ولد حديث ( منكرا ولادته من العذراء معتبرا أنها ولدت انسان مثلنا يدعى يسوع المسيح ) ولا أن الإله قام من الأموات عند إقامة هيكله ( أي جسده ) من الموت ( منكرا قيامته بروحه المحيى الذى هو الروح القدس روح القيامة والحياة ) ( رسالة نسطور رقم 5  ف 3 ).

      لهذا ينسب هذه الأمور للإنسان وبسبب الاتحاد والإشتراك في كرامة اسم البنوة ووحدة اسم المسيح تصير الولادة والصلب والقيامة وكأنها وقعت على الكلمة ( رسالة نسطور رقم 5  ف 5 ).

     مما تقدم يتضح أن نسطور انكر تجسد الكلمة مستبدلا به إنسان مثلنا تأنس به الكلمة . كما أنكر تألم الكلمة أي صلبه كما أنكر قيامته بجسده الخاص الذى أخذه من مريم. معلما بأن العذراء ولدت إنسان مثلنا هو الذى ولد وصلب وقام من الموت, وبسبب اتحاد الكلمة به صارت هذه الأمور خاصة به  على الوجه المتقدم بيانه.

   وفى هذا يقول نسطور أيضا:

     إننا تسلمنا وتعلمنا أن آدم الثانى كان له نفس آدم الأول ( أى روح إنسانية ) وجسده وكل ما يخصـه ( ظهور المسيح المحيى ف 10 ص 28 ).

   عانيا بذلك أن العذراء لم تلد إلوهيم بل ولدت إنسان مثلنا . زاعما أنه تسلم من آبائه التعليم بأن المسيح آدم الثانى مثل آدم الأول له روح إنسانية عاقلة وكل ما يخص آدم الآول وهو ما أخذ به بلا فحص المعترض اليعقوبى فى مؤلف له ص 314 زاعما أن المسيح  ليس الرب من السماء بالمخالفة للحق الكتابى القائل أن آدم الأول من الأرض ترابى وآدم الثانى أي المسيح هو الرب من السماء, وأن آدم الأول نفسا حية, وآدم الأخير روحا محييا ( أي روحا باعثا للحياة ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) .

    والسؤال الذى لا بد منه هو : إذا كان آدم الأول ذي النفس الحية  المائتة قد عجز عن إحياء جسده فامسكت روحه البشرية من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) فإن امسكت روح الأول من جسد الموت فستمسك روح الثانى أيضا , وإن كانت قيامته بمساندة الروح القدس فسنحتاج لذات الروح ليقيم اجسادنا المائتة أيضا , فأى ميزة تميزه عن سائر البشر .

    إذا كان آدم الثانى مثل آدم الأول يحيا بالنقس الحيوانية القابلة للموت والفناء أي بالدم فأى فرق بينه وبيننا. لأننا أيضا مثل آدم الآول.

      أما إذا كانت روح المسيح آدم الثانى روحا محييا أي روح له القدرة على إقامة الجسد المائت من الموت, فإنه وإن مات موتنا بموت الدم  إلا أن روحه لن تمسك من جسد الموت مثلنا بل ستبطل موت الجسد وتجعله مقاما من الموت أي محييا بروحه المحيى الذى سيحيي  أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا,

     بناء عليه إذا كان مسيح نسطور قد حقق القيامة بروحه الإنسانية بسبب سكنى إلوهيم في روحه الإنسانية. رغم استحالة ذلك لأن الروح ساكن لا مسكن.

    فإن محصلة ذلك هو أن قيامة المسيح حسب نسطور ستكون بروح إنسانية وهذا باطل نقلا وعقلا . لأن قيامة جسد المسيح وقيامتنا هي بقوة روحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45  ) الذى هو الروح القدس الرب المحيى الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 – 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) والذى به صرنا هياكل للروح القدس ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ) .

    ورغم وضوح الحق الكتابى إلا أن نسطور أصر على تعليمه بأن القيامة ليست بروح المسيح الإلهية بل بروحه الإنسانية باعتباره إنسان مثلنا بالقول : وهكذا بصوتنا التي صارت صورته ( أي بالروح الإنسانية العاقلة ) اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الجحيم وتتحد بجسده في القبر, وبذلك يبيد الموت بالموت ( ظهور المسيح المحيى بند 17 ص 38 ).

     وهكذا تحققت القيامة بروح إنسانية عاقلة, وليس بالروح القدس روح المسيح  ابن إلوهيم الذى صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا ( العبرانيين 1 : 3 ) ( عبرانيين 9 : 14 )  وليس آخر.                                    

         كما أنكر تألم الكلمة وصلبه معلما بأن هذا الإنسان هو الذى تألم على الصليب وليس الكلمة ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 5 ص 20 ) ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 36 ) ( رسالة نسطور رقم 5 ف 7 ص 34 ) .

     كما أنكر قيامة الكلمة بالجسد معلما بأن هذا الإنسان هو الذى قام بروحه الإنسانية من الموت, وليس أن الكلمة هو الذى أقام جسده من الموت ( ظهور المسيح المحيى ف 16 , 17 ص 37  - 38 ) ( رسالة نسطور رقم 5 ف 3 ص 32 ).

    ثم زعم أن هذه الأمور أي الولادة والصلب والقيامة تنسب للكلمة بسبب إتحاده بهذا الإنسان الذى ولد وصلب وقام من الموت بروحه الإنسانية,  وليس أن الكلمة نفسه هو الذى ولد وصلب وقام من الموت بجسده الخاص وليس بالإنسان المتحد به.

     فتصدى أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية أي  القائلين بروح واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد لهذه التعاليم المنكرة لولادة الكلمة وصلبه وقيامته بترديد الثلاث تقديسات التي يقولون فيها أن القدوس نفسه - وليس إنسان مثلنا - هو الذى ولد وصلب وقام من الموت وصعد إلى السموات .

 


 

الفصل الرابع

اعتقاده بأن الموت ملك على المسيح ثلاثة أيام حتى عودة الروح الإنسانية إليه  

 

     اعتقد نسطور أن إلوهيم الكلمة كان متحدا بجسد مائت فى القبر ممسكا من الموت الذى ملك عليه كسائر البشر بلا حول ولا قوة منتظرا عودة الروح الإنسانية إليه لتقيم جسده  من الموت فى اليوم الثالث ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ).

    والعجيب أن هذا المعتقد ظاهر الفساد منطقيا لأنه لو كان للروح البشرية القدرة على إحياء الجسد أو كانت هى علة إحياه لما مات البشر مطلقا لأن الروح لا تموت. أم لماذا يموتون فلأن أجسادهم حية بالدم الذى هو نفس حية ( تكوين 9 : 4 ) فالدم بطبيعته هو مادة حية متنفسة قابلة للموت والفناء, وبموتها تمسك الروح الإنسانية من الجسد المائت عاجزة عن إحياءه وإقامته من الموت ( اشعياء 66: 23 – 24  ) ولو كان للروح الإنسانية هذه القدرة لما احتاج البشر إلى الفداء ولا إلى روح المسيح المحيى الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فيها ( رومية 8 : 9 -11 ) ويحولها من أجساد حيوانية أى حية بالدم المائت إلى أجساد روحانية ( كورنثوس الأولى 15 : 42 -50 ) أى مقامة بالروح القدس الذى هو روح المسيح المحيى ( رومية 8 : 2 , 11 ).

     ولو كانت الروح الإنسانية هي علة حية الجسد وصدر ضدها حكم الموت لفنت بالموت لأن معنى كلمة موت هو فناء الحياة التي في الجسد.

     فإذا كانت الروح هي علة حياة الجسد لفنت بالموت, وإن كانت هي التي تدنست بالخطية فكيف تعود لإحياء الجسد وحكم الموت والفناء قائم ضدها.

     أما نسطور الذى لا يدرك ما يقرره فيقول : وهكذا بصورتنا ( أى بالنفس الإنسانية العاقلة حسب معتقده ) التى صارت صورته ( أى روحه حسب نسطور ) اختبر موتنا لكى يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه الإنسانية العاقلة من الجحيم وتتحد بجسده فى القبر وبذلك يبيد الموت بالموت. أما أنتم الذين تؤمنون بجسد بلا نفس ( أى بلا روح إنسانية عاقلة ) فأنتـم تعجزون عن فهم الخطيـة والدينونـة وانقضـاء المـوت وكمـال القيامـة ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ).

     وهكذا قلب التنين الجديد تدبير الخلاص كله رأسا على عقب فصار إلوهيم هو المحتاج إلى الخلاص والقيامة من الموت بعودة روح إنسانية إليه بحسب معتقده بأن حكم الموت صدر ضد الروح لا الدم.

      يقول نسطور: أن في المسيح نفس إنسانية عاقلة ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ) أي أن روح المسيح الإنسانية مشخصة بعقلها البشرى.

    وهذا المعتقد يضاد معتقد الخلقيدونيين القائلين بأن اللوغوس هو المشخص للروحين الإلهية والإنسانية معا. كما يخالف معتقد اليعاقبة القائل بأن طبيعة المسيح التى من طبيعتين وأنها تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما أو معا , وأنها مشخصة باقنوم من أقنومين.

     وهذا برهان على أن هذا الكتاب يتضمن تعاليم نسطور القائلة بروح إنسانية عاقلة في المسيح, وأيضا بقوله أن هذه النفس العاقلة هي التي فارقت الجسد وهو معلق على الصليب. وهنا مات الجسد، وانفصلت النفس عنه، بينما ظل إلوهيم الكلمة غير متغير في الجسد وفي النفس ( أي محتجب بالروح االإنسانية ) .. وهكذا بصورتنا ( أي بروحنا حسب نسطور ) التي صارت صورته، وبها اختبر موتنا ( بخروجها من الجسد بسحب معتقده الفاسد ) لكي يؤسس بها القيامة عندما تعود نفسه من الجحيم وتتحد بجسده في القبر، وبذلك يبيد الموت بالموت ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 38 ) بالمخالفة للحق الكتابى بأن القيامة هي بروح إلوهيم وليس بروح انسانية.

 

 

 

الفصل الخامس

 اعتقاده بأن الذى تألم وقام من الموت هو انسان وليس الكلمة

 

     يقول نسطور  مهاجما كيرلس لقوله أن الكلمة تألم وأنه أقام جسده من الموت بالروح القدس ( اللاهوت ) بقوله :

    " لقد اعتقدت أنهم قالوا أن الكلمة الذى هو أزلى مع الآب يمكن أن يتألم ( إنكار تألم الكلمة ) أنظر بتدقيق إلى أقوالهم, وستجد أن خورس الآباء .. لم يقل أن اللاهوت الواحد في الجوهر يمكن أن يتألم,  ولا أن اللاهوت الأزلى مع الآب قد ولد حديثا ( إنكار ولادة الكلمة من العذراء )  ولا أن اللاهوت قام من الأموات عند إقامة هيكله المنقوض ( إنكار قيامة الكلمة من الموت ) " ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 3 ص 32  ).

    وهو لم يقل لليهود انقضوا لاهوتى وأنا في ثلاثة أيام أقيمه ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 6 ص 34  ).

     هذه الثلاث إنكارات لللولادة والصلب والقيامة تم الرد عليها بالثلاث تقديسات التي تثبت أن  المسيح هو نفسه القدوس الذى ولد, وصلب , وقام من الأموات وليس آخر.

    وجدير بالذكر أن أسلوب نسطور في شرح معتقداته المنكرة لولادة وتألم وقيامة الكلمة هي عين ما جاء في كتابه " ظهور المسيح المحيى "  التي يرد فيها على اتهامات القديس كيرلس له, ويكرر فيها ذات أقوله بالرسالة الخامسة بالقول :

      " كيفت تستطيعون أنتم الذين تدعون التمسك والإعتراف بالمساواة بين الابن والآب في الجوهر . أن تهينوا اسمه وأن تنقصوا من قدره الإلهى وأن تنسبوا إليه الآلام . كيف تحطون من كرامته الإلهية وتقولون أن اللاهوت قام حيا وتنسبون الآلام والقيامة إلى اللاهوت " ( ظهور المسيح المحيى ف 12 ص 30  ).

      ويكرر نسطور نفس الأقوال في الفقرة التالية من كتابه ظهور المسيح المحيى قائلا:

     " لماذا تكتبون وتدعون بأن إلوهيم تألم وقام بواسطة الجسد, لو أن إلوهيم تألم وقام بالجسد فإن يعنى ان الآب والبارقليط قد تألم . لأن لجوهر اللاهوت اسم واحد , والطبيعة الإلهية للثالوث هي طبيعة واحدة " ( ظهور المسيح المحيى ف 13 ص 31  ).



الفصل السادس

إذا كان المسيح واحد من العالم, فلا يقدر أن يخلص العالم

 

     يقول  القديس أثناسيوس الرسولى فى مؤلفه ضد الأريوسيين الجزء الثانى ما نصه:

     ليس في وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصا للخليقة . إذ هو نفسه في حاجة إلى الخلاص"  ( 2 ضد الأريوسيين ف 69 ص 107 ).

     ويقول أيضا  فى الجزء الرابع من ذات مؤلفه ضد الأريوسيين ما نصه :

     " إن لم يكن الكلمة هو الابن بل الإنسان فكيف يمكنه أن يخلص العالم وهو نفسه واحد من العالم ؟ " ( 4 ضد الأريوسيين ف 20 ص 31 ).

 

     فرد عليه نسطور فى مؤلفه " ظهور المسيح المحيى " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى قائلا :

     أنتم تقولون إذا كان المسيح إنسان فهو جزء من العالم, وجزء من العالم لا يستطيع أن يخلص العالم . يا للضلال والتحريف الجنونى ( ظهور المسيح المحيى ف 7 ص 22 ).

        أي أن نسطور في هذا الكتاب المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى يهاجم التعاليم الصحيحة للقديس أثناسيوس الرسولى في مؤلفة " ضد الأريوسيين " متهما أقواله بأنها أقوال الضلال والتحريف الجنونى.

        وبداهة أنه لا يمكن للقديس أثناسيوس الرسولى أن يقول في كتابه " ضد الأريوسيين " أن إنسان مخلوق مثلنا لا يمكن أن يخلص العالم , ويقول في كتاب آخر بأن هذا التعليم هو عين الضلال والتحريف الجنونى, ويكون كلا القولين له .

       إذن البديهى والمنطقى أن أحد هذين الكتابين منسوب زورا  للقديس أثناسيوس الرسولى بهدف الترويج له لنشر بدع مضادة لتعليمه.

      لهذا فإن التمييز بين أى القولين هو الصحيح وإيهما هو المنسوب له زورا يكون بالرجوع للكتاب المقدس. فالنص الذى يتفق مع آيات الكتاب المقدس يكون هو التعليم الصحيح لأثناسيوس الرسولى والمخالف يكون للهراطقة.

 

    والقضية المختلف حولها هى :

     هل المسيح  جزء من هذا العالم. أما أنه ليس من هذا العالم.

     بالرجوع للكتاب المقدس نجد أن السيد المسيح نفسه يقول لليهود المخالفين ما نصه :

     " أنتم من أسفل ، أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم. أما أنا فلست من هذا العالم. فقلت لكم إنكم تموتون فى خطاياكم. لأنكم إن لم تؤمنوا أنى أنا هو تموتون فى خطاياكم " ( يوحنا 8  : 23 - 24 ).

     وهذا معناه أن المسيح  جاء من فوق أي من السماء ( يوحنا 3 : 13 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء بحسب قانون الإيمان الرسولى , وأنه ليس إنسان من العالم مثلهم , وأنهم إن لم يؤمنوا بهذه الحقيقة يموتون فى خطاياهم لأن يسوع المسيح هو نفسه إلوهيم الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 , 3 ) ( تبيموثاوس الأولى 3 : 16 ) .

    وضح إذن أن كتاب " ظهور المسيح المحيى " هو لنسطور لأنه يثبت النسطورية , وهو كما رأينا يهاجم كتابات صحيحة للقديس أثناسيوس الرسولى.

     وبداهة أن الكتاب المقدس وحده. هو الفيصل الذي يبين التعاليم الصحيحة لهذا القديس من تلك المدسوسة أو المنسوبة زورا إليه.

 

  

 

الفصل السابع

هل اسم المسيح خاص بالثالوث أم أنه خاص بإنسان مثلنا

 

    يقول القديس كيرلس ما موجزه :

         خبرني هل يعترفون  - أي النساطرة - بأن الابن الوحيد كلمة إلوهيم هو المسيح الواحد ..

      ربما يقولون ذلك. لكنهم يعلنون أن اسم المسيح لا يخص الكلمة المولود من إلوهيم الآب, لأنه لم يمسح كإله ( لأنه كإله لا يحتاج للمسحة حسب معتقدهم ) لهذا فإن اسم المسيح لا يمكن أن يستخدم في  الكلام عن الآب والروح القدس وبالتالى لا يجب أن يستخدم فى حديثنا عن الابن .. طالما أنه لا يمكن استخدامه للآب والروح القدس .. وبالتالي لا يمكن استخدامه للابن الوحيد الأقنوم الثاني طالما أنه لا يمكن استخدامه للآب أو الروح القدس , وهذا يعني أنه يستخدمونه ققط للإنسان الذي ولد من نسل داود لأنه وحده الذي مسح بالروح القدس, وهذا ما يعتبرونه المعتقد الصحيح ( المسيح واحد ف 6 ص 34 ).

     هذه العقيدة النسطورية اثبتها ثيؤدورت عندما كان علي مذهب نسطور بقوله ما موجزه :

      ولنفس السبب - أن المسيح كإنسان - مسح بالروح القدس, ليس لأن اللاهوت قد مسح أو أنه يحتاج إلي المسحة .. فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نصف الكلمة بالمسيح بدون الجسد البشري ( المحيا بنفس عاقلة حسب نسطور ) .. وإنما هو أخذ صورة العبد ( أي روح العبد حسب نسطور ) بغير استحالة , التي فيها جوهر الحياة الإنسانية ( يعتقد النساطرة أن الروح الإنسانية هي التي تحيي الجسد الحيواني وليس الدم, وأن الجسد يموت بخروج الروح منه وبعودتها إليه ترده حيا بالمخالفة للحق الكتابي ) وهذا ما أعلنته صراحة الآلام والقيامة والتدبير كله ( " ظهور المسيح المحيى " ف 3  ص 16 ).

      أوضح القديس كيرلس في رده علي العقائد النسطورية أحد الأسس التي تقوم عليها النسطورية وهى اعتقادهم أن المسيح ليس هو الكلمة وبهذا جعلوا في المسيح شخصين وزعموا أن المسيح هو الإنسان الذي ولدته العذراء وأن الكلمة احتجب وتأنس بروحه العاقلة, الأمر الذى يترتب عليه إنكار لاهوت المسيح الأمر الذي أثبتوه بقولهم أن اسم المسيح لا يخص الكلمة المولود من مريم. لأنهم يقولون أن العذراء لم تلد الكلمة بل ولدت إنسانا مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية عاقلة اتحد بها الكلمة بكيفية مختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين , وبالتالي فإن الكلمة في عقائد أصحاب الطبيعتين لم يعرف قبل تأنسه بروح المسيح الإنسانية واتحاده بها باسم المسيح.

    هذه العقيدة الفاسدة التي أثبت القديس كيرلس أنها من المعتقدات النسطورية نجدها ثابتة في مؤلفاتهم المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولي وفي هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش وهـو من أشـهر أعلام النسطورية في كتاباته التي يهاجم فيها مقررات مجمع افسس عندما كان علي المذهب النسطوري ما نصه .

    " كيف يمكن للكلمة الإله أن يدعى المسيح قبل تجسده؟ لو كان اسم المسيح خاصا بإلوهيته فقط ولا علاقة له بالتجسد, لصار من الحتمى أن نستخدم ذات الاسم " المسيح " للآب والروح القدس , وكذلك أيضا ننسب الآلام للآب والروح القدس كما ادعي بعض الهراطقة " ( قاصدا القديس كيرلس ومجدفا علي الحق الكتابي ) ( " ظهور المسيح المحيى  " ف 2  ص 16 ).

     من الواضح أننا لا نستطيع أن نصف الكلمة بالمسيح بدون الجسد البشرى ( أي بدون الإنسان المسمى المسيح حسب نسطور ) .. ولو كان اسم المسيح خاصا بإلألوهية فقط ولا علاقة له بالتجسد ( الحلول في إنسان يدعي المسيح حسب نسطور ) لصار من الحتمى أن نستخدم ذات الإسم " المسيح " للآب والروح القدس, وكذلك أيضا ننسب الألام  للآب والروح القدس كما إدعى بعض الهراطقة ( يقصد القديس كيرلس ) ( ظهور المسيح المحيى ف 3 ص 16 ).

     وفى ذات المعنى يقول ثيؤدورت أسقف قورش بعد أن ترك النسطورية ووضع بدعة جديدة زعم فيها أن الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح وهي البدعة التؤ تم إقرارها في مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية بقوله فى مؤلفـه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقية الإيمان "  منسوبا للقديس أثناسيوس الرسولى ما نصه :

     " إن المسيح لو قال أنه إلوهيم لأدخل من آمن به فى خطأ كبير لأن من قال إلوهيم فقد سمى الجوهر الإلهى وجمع فى قوله الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس. فلو قال المسيح إنى إلوهيم فقد نسب نفسه إلى الآب والابن والروح القدس وأن الأقانيم الثلاثة له وأنه الوالد والمولود والمنبثق وذلك باطل وإذن لقلنا أن الجوهر كله قد تجسد " ( الجامع للطبيعتين 3  ف 5 ص 61 ).

      مما تقدم يتضح أن ثيؤدورت عندما كان علي المذهب النسطوري زعم في عدة مواضع من مؤلفاته أن الكلمة لم يسمى باسم المسيح إلا بعد اتحاده بالإنسان يسوع المسيح بالمخالفة للحق الكتابى بأن الحكمة مسح مسيحا منذ الأزل ( أمثال 12 , 23  ) وأنه الكائن في صورة إلوهيم قبل تأسيس العالم ( بطرس الأولى 1 : 19 -20 ) ( فيلبى 2 : 5 ) ( العبرانيين 13 : 8 ).

     مما تقدم يتضح أن هذا التعليم المضاد للحق الكتابى ولتعاليم القديس كيرلس عمود الدين . لا يمكن أن يصدر عن القديس أثناسيوس الرسولى بل عن ضد المسيح ممثلا في نسطور وثيؤدورت المنكر للاهوت المسيح بالقول: 

     " إن المسيح لو قال أنه إلوهيم لأدخل من آمن به فى خطأ كبير.

      ولكن المسيح قال أنه إلوهيم وأكثر من ذلك قال لتلاميذه القديسين:

     " أنتم تؤمنون بإلوهيم فآمنوا بى .. لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه " ( يوحنا 14 : 1 - 7 ).

     من ذلك نرى أن المسيح بقوله لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه وأن من رآه فقد رأى الآب. لم يدخل من يؤمن به فى خطأ ما. بل الواقع أن من لا يؤمن بأن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم وأن من رآه فقد رأى إلوهيم لكونه بالحقيقة إلوهيم الذى جاء فى الجسد هو فى خطر حقيقى.

    لأن المسيح صورة إلوهيم هو كمال الإعلان عن ذات إلوهيم الحقيقية الذى إشتهى أنبياء أن ينظروه ولم ينظروا. أما الذين نظروه فشهدوا بالحق بأن هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.

     لهذا يقول لهم " أنا أتيت باسم أبى ( أي باسم المسيح  صورة الآب ) ولم تقبلونى " ( يوحنا 5 : 43 ).

     ثم وجه حديثه للواحد معه في الجوهر  قائلا : أيها الآب ..  أنا أظهرت اسمك ( أى اسم يسوع المسيح ) للناس الذين أعطيتنى من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لى .. قد عرفتهم اسمك وسأعرفهم ، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم ( بالروح القدس الذى هو روح المسيح )( يوحنا 17 : 6 , 26 )  وفى هذا يقول بولس الرسول:

    " ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم " ( أفسس 3 : 17 ).

     وأيضا قال يسوع :

     " وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي ( أي باسم المسيح لأنه روح المسيح ) فهو يعلمكم كل شيء " ( يوحنا14 :16, 17, 26 ).

      من الأيات السابقة يتضح أن المسيح هو اسم إلوهيم أي اسم الآب والكلمة والروح القدس. لهذا يقول الكتاب  عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر فى الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) وفى نفس المعنى استخدم اسم إلوهيم بالقول " كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه أتى ( ظهر ) فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ).    

     والواقع أن اسم المسيح هو اسم خاص بالثالوث بسبب وحدة الجوهر أى أنه اسم خاص بالآب والابن والروح القدس بدليل قول الابن نفسه :

    " أنا أتيت باسم أبى ولم تقبلونى " ( يوحنا 5 : 43 ) وأيضا يقول للآب:

     " أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتنى كانوا لك وأعطيتهم لى " ( يوحنا 17 : 6 ).

     أى أن اسم المسيح هو اسم خاص بالآب الذى أظهره الابن كونه صـورة الآب المعلن له.

    والروح القدس يسمى أيضا بالمسيح لأنه يأتى باسمه بدليل قوله :

    " أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمي " ( يوحنا 14 : 26 ) أى باسم المسيح.

    من ذلك يتضح أن اسم المسيح هو اسم إلوهيم وأن وحدة الاسم فى الثالوث لا تبطل تمايز الأقانيم ( أمبروسيوس الروح القدس 1 : 13 ف 133 - 139 ).

      من ذلك يصير محققا أن اسم المسيح هو اسم خاص بإلوهيم وليس بإنسان. فالمسيح ليس إنسان نظيرنا بل هو  إلوهيم الأمر الذى أثبته بولس الرسول بقوله تصريحيا:

      البشارة التى بشرت بها لم أقبلها من إنسان بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 12 ).

     وأيضا شهد فى مقدمة رسالته إلى أهل غلاطية قائلا :

     بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 ).

     من ذلك ترى أن اسم المسيح ليس خاصا بإنسان بل بإلوهيم وأن الذى مسح ليس إنسان بل إلوهيم. الأمر الذى أثبته داود النبى بقوله :

     " كرسيك يا إلوهيم إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك إلوهيم إلهك بزيت الإبتهاج أفضل من شـركائك " ( مزمور 45 : 6 - 7 ).

    إن الكلمات تفصح عن نفسها أن إلوهيم ( الابن ) مسحه إلوهيم ( الآب ) بزيت الإبتهاج أى بالروح القدس أفضل من شركائه أى من البشر الذين يأخذون المسحة كهبة أو عطية أما هو فمسحته ذاتية أزلية, وفى هذا يقول المسيح ابن إلوهيم نفسه:

      " أنا الحكمة .. منذ الأزل مسحت " ( أمثال 8 : 12 , 23 ).

       من ذلك يتضح أن إلوهيم الكلمة مسح بالروح القدس منذ الأزل ولسنا مضطرون كما يزعم ابن الهلاك للاعتراف بأنه كانت هناك أزمنة لم يكن فيها الحكمة ممسوحا. لأنه مسح مسيحا قبل الزمان أي منذ الأزل. لأن الروح الذى يمسح هو روحه الذاتي. أي المسحة عينها. لأن به يملك الملوك ( أمثال 8 : 15 ) إذ هو ملك الملوك.  

  هذا التعليم المنكر للاهوت المسيح نجده أيضا فى كل الكتابات المزورة المدسوسة على كتابات كل منن أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين ,

     من هذه الكتابات المزورة المنكرة للاهوت المسيح والمنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين قول نسطور:

     " إنه أمر مرعب أن يقال أن إلوهيم الممتلك يدعى باسم الذى امتلكه ( أي باسم المسيح كإنسان ) كل من يقول هذه الأشياء فإنه يقسم المسيح الواحد إلى إثنين. .. وهو ينكر الإتحاد الذى بمقتضاه يسجد للواحد مع الآخر , وليس بسبب أن الواحد في الآخر ( الرسالة رقم 17 ف 11 ).

   في مقدمة هذه الفقرة استنكر نسطور أن يسمى الكلمة ( الآخذ ) باسم المسيح كإنسان ( مأخوذ ) ودان نفسه بأن من يقول بذلك يقسم المسيح الواحد إلى إثنين إله ( آخذ ) وإنسان ( مأخوذ ) كل على حدة, وبالتالي ينكر الوحدة التي بمقتضاها نسجد للإله مع الإنسان وليس بسبب أن الإله حل في الإنسان.

   وهكذا وفقا لهذا السفسطة العادمة المنطق . يمكن للبشر أن يسجدوا بعضهم لبعض. طالما أن الروح القدس اتحد بأجسادهم. عندئذ يجوز أن يسجدوا للروح القدس مع الإنسان, وليس بسبب أن الروح القدس حل في جسد هذا الإنسان ؟!!.

  اما مترجم النص ففسره حسب هواه من منطلق معتقده كيعقوبى بالقول: أن السجود يقدم للمسيح الذى فيه يتحد اللاهوت مع الناسوت في طبيعة واحدة ( أي روح واحدة ) ( الرسالة رقم 17 : هامش 19 ص 27 ) رغم أن نسطور لم يقل ذلك بل أعلن تصريحيا بأن الكلمة صار إنسان محيا بنفس عاقلة بقوله :

   إنه رغم كونه إلها بحسب الطبيعة فقد صار إنسانا محيا بنفس عاقلة ( الرسالة رقم 17 ف 14  ص 30 ).

    وهذا التعليم الذى نادى به ثيؤدورت في الرسالة رقم 17 عندما كان علي المذهب النسطوري يضاد المعتقد اليعقوبى القائل بطبيعة واحدة من طبيعتين, لأن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين ليست حية بروح إنسانية عاقلة حسب المعتقد النسطوري .. فإن قبل اليعاقبة الرسالة رقم 17 مع قولهم بالطبيعة الواحدة من طبيعتين. فإن هذا معناه أن الطبيعة الإنسانية من طبيعتين وهذا معناه أنها ابتلعت الطبيعة الإلهية, وبهذا سنجدهم ساقطين في بدعة هي على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

   لأن المسيح في هذه الفقرة وفقا لنسطور يحيا بروح إنسانية عاقلة , وهذا المعتقد  بتعارض ليس مع بدعة يعقوب البرادعى فقط بل أيضا مع بدعة ثيؤدورت الجديدة التي أقرت في مجمع خلقيدونية والتي يقول فيها ما نصه :

     " فعلى هذا الوجه من الخلطة دبر كلمة إلوهيم الخالق خلطته بالطبيعة البشرية ( أي الروح البشرية ) .. بقوام واحد قوام ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين ( الروحين ) كلتيهما الإلهية .. والناسوتية ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 4 ص 53  منشور تحت عنوان "  كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ).

     وهذا يتعارض مع البدعة اليعقوبية حيث لا وجود لطبيعتين عاقلتن أو مشخصتين بالكلمة لاعتقادهم بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بابن من ابنين.

 

  

  

 

الفصل الثامن

اعتقاده أن صورة العبد تعنى روح العبد وليس شكل العبد

 

     يقول ثيؤدورت معلما بذات تعاليم نسطور عندما كان علي مذهبه في مؤلفه المنشور تحت عنوان " ظهور المسيح المحيى ما نصه:

     " صورة العبد هي كمال الطبيعة الإنسانية وبشكل خاص العقل أو النفس ( النفس العاقلة حسب معتقده ) .. فالطبيعة ( الروح ) الإنسانية لا تكون كاملة بدون الجوهر أو الكيان العقلى  " ( ظهور المسيح المحيى ف 1 ص 14 ). 

       ويقول أيضا :

       كيف .. صار إنسانا ؟ إذا لم يكن قد أخذ صورة العبد أي أخذ النفس الإنسانية العاقلة وتجسد .. وظهر كإنسان عاقل, وهو الإله في نفس الوقت ( ظهور المسيح المحيى ف 16 ص 36 ). 

     هذا التعليم يضاد الكتاب المقدس لأن الذي أخذ صورة العبد هو المسيح فإن كان عبدا بالطبيعة فلماذا يأخذ صورة العبد أي شكله لكي يظهر بين البشر, فالمسيح الكلمة الأزلي أخذ صورة العبد أي جسده ولم يأخذ عبدا ولا روح العبد , لأنه لو حل في روح العبد حسب معتقد النساطرة صائرا في شبه الناس فهذا معناه أن الناس أرواح غير منظورة وانه صار شبيها بهم, ولكن لكي يصير شبيها بهم لابد أن يأخذ ذات جسدهم باشتراكه معهم في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لكي يظهر كإنسان مثلهم من حيث الهيئة لا الجوهر, لذلك قيل عظيم هو سر التقوي إلوهيم ظهر في الجسد.

    هناك فرق بين القول أن يسوع المسيح أخذ صورة العبد أي هيئته المنظورة وبين القول أخذ عبدا, أو روح عبد, وفى هذا يقول بولس الرسول ليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع الذى إذ كان في صورة إلوهيم ( أي أن صورة المسيح كابن إنسان هي صورة إلوهيم الكائن بها منذ الأزل ) لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لإلوهيم. لكنه أخلى نفسه. آخذا صورة عبد ( أي شكل العبد ) صائرا في شبه الناس, وإذ وجد في الهيئة ( أي فى المنظر الخارجي ) كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ( فيلبى 2 : 5 – 8 ).

       لاحظوا دفة هذه التعبيرات التي تثبت أن يسوع المسيح ليس عبدا وليس إنسانا بل إذ هو الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ومساو لإلوهيم في الجوهر أخلى نفسه آخذا صورة العبد أي شكل العبد صائرا في شبه الناس ( دون أن يكون من الناس ) فظهر في الهيئة كإنسان, ولم يظهر في إنسان, وهذا معناه أن يسوع المسيح المساو للآب في الجوهر لم  يأخذ إنسان وإنما ظهر في الهيئة كإنسان. وكإنسان أسلم حياته أي دمه لموت الصليب.

    وعلى ذلك فإن حلول إلوهيم في إنسان نظيرنا لا يسمى ظهور في الجسد, كما لا يسمى تجسد,  وإلا كان لإلوهيم ظهورات وتجسدات كثيرة. لأنه حل  ويحل في القديسين كما حل على يوحنا المعمدان الذى إمتلىء من الروح القدس من بطن أمه ( لوقا 1 : 15 ).

     فإن كان جوهر المسيح إنسانى كما يزعم نسطور. فلماذ يقال عنه أنه ظهر في الهيئة كإنسان إن كان هو بالطبيعة إنسان.

     أما إن كان الذى أخذ شكل العبد هو المساو للآب في الجوهر. فإنه عندئذ يمكن أن يقال أنه ظهر في الهيئة كإنسان. عندئذ يمكن أن ندعوه إنسانا أو عبدا بحسب الجسد. أما بحسب الجوهر فهو إبن إلوهيم ( أي صورة إلوهيم ) وابن الإنسان ( أي صورة الإنسان التي هي بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره . 

     مما تقدم يتضح أن هذه الأقول المضادة للحق الكتابى لا يمكن أن تصدر عن أثناسيوس الرسولى وإنما تصدر عن شخص جاهل بالكتب المقدسة. شخص ينكر للاهوت المسيح وتجسده وصلبه وقيامته بالقول أن المولود من مريم ليس هو إلوهيم الكلمة بل إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة هو الذى ولد من العذراء وهو الذى تألم وصلب عنا وقام من الأموات وجلس مع إلوهيم في مجد الإلوهية لتقدم له العبادة مع إلوهيم.

     وهم يزعمون أن هذا الإنسان المسمي يسوع المسيح مات بمفارقة روحه الإنسانية جسده ثلاثة أيام ثم في اليوم الثالث عادت إليه وهكذا صارت القيامة , وهكذا صار الإنسان هو المخلص لنفسه.

      لهذا حرم القديس كيرلس هذه البدعة في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

    كما فند القديس كيرلس بدعة نسطور القائلة بمسيح واحد من من شخصين زاعما أنه يعبد واحد هو إلوهيم الكلمة حيث أن الروح الإنسانية العاقلة خاصة به, بقوله ولكن إن رفضنا الإتحاد الشخصى بسبب عدم قبوله نسقط في التعليم بابنين بقوله أي نسطور:

     ونحن نقول أنه على الرغم أن الطبيعتين ( الروحين العاقلتين ) اللتين إجتمعتا معا في وحدة حقيقية مختلفان. فإنه يوجد مسيح واحد ( بسبب وحدة الإسم ) وابن واحد من الإثنين ( بداهة أن القول واحد من إثنين معناه أن واحد إبتلع الآخر أو انهما امتزجا في ابن جديد حسب معتقد اليعاقبة. إلا أن هذه ليست عقيدة نسطور لذلك فإنه يقصد بواحد من إثنين إتحادهما في وحدة اسم المسيح ووحدة اسم البنوة الجامع للشخصين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير أي أنه كل منهما قائم بذاته في وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة ).

 

فقال له كيرلس:

  " إنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( الإتحاد االبرسبوني ويترجم أقنومي ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه. بل أنه صار جسدا, والكلمة إذ صار جسدا لا يكون آخر ( لأن النساطرة يفسرون الجسد بأنه إنسان بروح إنسانية عاقلة ) إنه اتخذ دما ولحما مثلنا إنه جعل جسدنا خاصا به ( الرسالة 4 : 7 ).

    هذا الجزء من الرسالة الرابعة من كيرلس إلى نسطور هو فقط الذى يحتوى التعليم الأرثوذكسى. الذى يقوض كل ما تضمنته الرسالة من بدع نسطورية.

     القديس بتكرار الكلام  في الفقرة السابقة يحاول إفهامهم أن الكلمة شاركنا في الجسد المركب من لحم ودم ليصيره جسده الخاص لا ليتخذ جسدا خاص بآخر, ولكن هيهات, فالكتاب مغلق عليهم حتى أنهم ينظرون ولا يفهمون.

      وهكذا إستبدلوا حق إلوهيم بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد أمين ( رومية 1 : 25 ).

    لأنهم استبدلوا صورة مجد إلوهيم الذى لا يموت الذى هو المسيح صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره بإنسان مائت مثلنا بروح إنسانية عاقلة زعموا أنه المسيح المولود من مريم وليس إلوهيم الكلمة  فحق فيهم قول الرسول: وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا مجد إلوهيم ( المسيح ابن إلوهيم ) الذى لا يفنى ( أي لا يموت لأنه روحا محييا كورنثوس الأولى 15 : 45 ) بشبه صورة الإنسان الذى يفنى ( رومية 1 :  22 )  بقولهم أن المسيح المولود من مريم إنسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة ونفسا حية مائتة كأدم الأول وأثبت نسطور ذلك بكل جهالة في مؤلفه " ظهور المسيح المحيى ف 10 ص 28 " والكتاب منسوب لأثناسيوس الرسولى في حين أنه يرد على قول لأثناسيوس منشور في مؤلفه ضد الأريوسيين الجزء الأول ف 69 ص 107  يصف أقوال أثناسيوس بأنها ضلال وتحريف جنونى ( ظهور المسيح المحيى ف 7 ث 22 ).


 

 

 

الفصل التاسع

تكفير القائلين ببدعة خلقيدونية في كتاب, وإثباتها في كتاب آخر 

والكتابين منسوبين لأثناسيوس

 

     يقول القديس أثناسيوس الرسولى :

     عندما كتب الرسول إلى أهل فيلبى يقول :

     ليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضا الذى إذ كان فى صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا ( أو شىء يتشبث به ) فأخلى ذاته آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب, لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض .. ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب " ( فيلبى 2 : 5 - 11 )( المقالة الأولى ضد الأريوسيين  ف 40 ص 78 - 79 ).

    والمعنى أن المسيح يسوع الكائن فى صورة إلوهيم منذ الأزل أخفى مجد أبيه باحتجابه فى شكل العبد باشتراكه معنا فى اللحم والدم ليصير قابلا للموت مثلنا, وبعد أن تمم الفداء فإن الآب نفسه الذى أخلي الابن نفسه من مجده هو الذى مجده بالمجد الذى كان له قبل كون العالم وأعطاه اسمه الذى هو اسم الآب أى اسم يسوع ( ومعناه يهوه يخلص لأنه يخلص شعبه من خطاياه ) المسيح ( أى الممسوح من الروح القدس ملكا وكاهنا ومخلصا منذ الأزل ) وبما أن يسوع المسيح هو بالطبيعة والجوهر بهاء مجد الآب ورسم جوهره. لهذا فإنه بعد قيامته ومجيئه الثانى للدينونة ستجثو باسمه كل ركبة معترفة بأنه هو صورة الآب بهاء مجده ورسم جوهره.

     وجدير بالذكر أن بعض كتابات أثناسيوس بهذه المقالة الأولى تعرضت للتحريف باستبدال كلمة تجسد بالتأنس, واستبدال كلمة جسد بإنسان فى بعض المواضع للإيحاء بأن الذى مجد ليس المسيح صورة إلوهيم بل الإنسان الذى تأنس به الكلمة وهو يستخدم لتحقيق ذلك اسلوب باطنى قائم على الإطالة والمراوغة رغم أن المسيح صورة الآب مجد بالمجد الذى كان له قبل تأسيس العالم بعد أن أتم عمله الكفارى من أجلنا وليس انسان هو الذى مجد بل الذى أخلى ذاته هو الذى رد له ابيه مجده الذى كان له ليعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الاب وليس انسان ( المقالة الأولى ضد الأريوسيين  ف 41 ص 80 ).

     مما تقدم يتضح أن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم الذى تجسد وهو سر العبادة الذى ستجثو له كل ركبة مما فى السماء وعلى الأرض لنه هو الذى تألم ومات وقام بالجسد وأقامنا معه, وهذا هو التعليم الصحيح الذى يضاد تعاليم ضد المسيح التي وضعها نسطور في مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " ونسبه زورا للقديس أثناسيوس الرسولى وفيها يقول نسطور مهاجما تعاليم القديس كيرلس عمود الدين من منطلق مفاهيم بدعته الخاصة القائمة على أساس أن الاتحاد بين شخصين في المسيح هو من البديهيات أو المسلمات وليس ان المسيح بحسب الحق الكتابى شخص واحد إلهي غير متحد بآخر. فكتب يقول ما نصه:

    إذا افترضتم أن اللوغوس صار هو العقل الإنسانى للنفس ( الروح ) الإنسانية في الرب. فهذا يعنى أن نفسه لم تكن نفسا ( روحا ) بشرية. ولم يكن لها إدراك بشرى لأنها كانت تفكر بواسطة اللوغوس الذى صار عقلا لها, وهذا تجديف. لأن من يتصور بأن عديم التغير قد تغير فصار يشعر بالآلام والحزن والثقل هو كافر ( تجسد ربنا يسوع المسيح  ف 16 ص 39 ).

     هذه العقيدة التى فندها ثيؤدورت عندما كان على المعتقد النسطورى هى عينها التى اثبتها فى مؤلفه الجامع للطبيعتين والذى أثبت فيه أن اللوغوس شخص الروح الإنسانية فى المسيح فصار هو المشخص للطبيعتين أى الروحين الإلهية والإنسانية فى المسيح. 

    مشكلة نسطور والنساطرة عموما بكافة مذاهبهم هو اعتقادهم بأن للمسيح المولود من مريم روح إنسانية عاقلة وأن اللوغوس سكن هذه الروح الإنسانية العاقلة كحجاب ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ) ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4  ص  51 -52 ).

     فالروح عند النساطرة بكافة مذاهبهم تقبل التركيب والإختلاط  والتغيير باعتبارها مسكن أو حجاب. بالمخالفة للحقائق الكتابية المثبتة بأن الروح غير مادية وانها ساكن لا مسكن. تسكن الجسد وتحتجب به, ولا يحتجب بها لأنها روح غير منظورة , وليست حجاب كالجسد ( العبرانيين 10 : 20 ).

     لهذا عندما شرع نسطور يفند أقوال اثناسيوس الرسولى القائل : بأنه لا يوجد كيان للجسد الخاص بالمسيح إلا باللوغوس نفسه.

       شرع يهاجمه من منطلق مفهومه الخاص بأن العذراء لم تلد ابن إلوهيم بل ولدت إنسان مثلنا يدعى المسيح. اتحد به ابن إلوهيم بأن سكن روحه الإنسانية وجعلها روحه الخاصة دون أن يبطل عقلها البشرى.

     لهذا عندما قال القديس كيرلس ان اللوغوس هو المشخص لجسده الخاص فهم نسطور الأمر من منظور بدعته. فاعتقد أن اللوغوس شخص الروح الإنسانية العاقلة المحتجب بها مبطلا عقلها البشرى. فهاجم دون أن يدرى بدعة ثيؤدورت أسقف قورش قبل ظهورها, والتي يبدوا أن ثيؤدورت بعد أن هاجمها من منظور بدعة نسطور وجد فيها الحل لتوحيد الشخصين في المسيح فأثبتها وروج لها في مؤلفه الجامع للطبيعتين والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " والمنسوب زورا أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى والذى أثبت به معتقده الجديد الذى صار العقيدة الرسمية لمجمع خلقيدونية, وهى العقيدة المؤسسة على فكرة  أن الكلمة هو الجامع ( المشخص ) للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 4  ص 56 ) وهى العقيدة التي اعتبر نسطور من يقول بها أنه كافر.

    والمفارقة ان الكتابين منسوبين زورا للقديس اثناسيوس الرسولى. حيث كفر نسطور في كتابه الأول ( تجسد ربنا يسوع المسيح  ف 16 ص 39 ) والمنسوب لأثناسيوس الرسولى ما اثبته ثيؤدورت في الكتاب الثانى ( الجامع للطبيعتين " ك 1 ق3  ف 4  ص 56 ) والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ) منسوبا أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى .  

     ثم لم يلبث ثيؤدورت في مؤلفه الجامع للطبيعتين أن هدم عقيدة أن الكلمة هو المشخص للطبيعتين بإثبات عقيدة نسطور في الإقنومين العاقلين الذين يتبادلان الأدوار في صراع بين عقل اللوغوس والعقل البشرى الذى كان يظهر سلطان نفسه فينغلب من الأقوى وهو يزعم أن العقل الإنسانى مأوى للاهوت المخالط له, والجسد مأوى للعقل البشىرى ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك1 ق3  ف 5  ص 63 ).

    فالعقيدة النسطورية كما نرى مؤسسة على فكرة أن إلوهيم سكن روحا إنسانية وجعلها حجابا له ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ) وهذا الحجاب احتجب بحجاب النفس الدمية, والنفس الدمية احتجبت بحجاب الجسد , وعلى هذا الوجه خالطت كلمة إلوهيم الخالق جوهرية الإنسان ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4  ص  51 -52 ).

    وكهرطوقى أنكر ثيؤدورت لاهوت المسيح بالقول :

    " لو قال المسيح أنه إلوهيم فقد نسب نفسه إلى الأب والابن والروح القدس .. وإذن لقلنا أن الجوهر كله قد تجسد  " ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك1 ق 3 ف 5 ص 61 ) مناقضا قول الكتاب عن المسيح الكلمة " بأنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا " ( كولوسى 2 : 9 ) أي أنه في جسد المسيح الكلمة يحل كل جوهر اللاهوت, وأيضا عظيم هو سر التقوى. إلوهيم ( أي يسوع المسيح ) ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) وأيضا كل روح لا يعترف بيسوع المسيح ( أى إلوهيم ) أنه قد جاء ( ظهر ) في الجسد ، فليس من إلوهيم , وهذا هو روح ضد المسيح  ( يوحنا الأولى 5 : 2 ).

   فيسوع المسيح هو صورة الوهيم المساوى له في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 -6 ) لأنه بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ).

 



 

 

الباب الثالث

كتاب كمال البرهان على حقيقة الإيمان

 

     هذا الكتاب منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ويتضمن كتابين الأول بعنوان: " الجامع للطبيعتين " والثانى بعنوان " برهان القياس " أو مبدأ الرسوم والشهادات, وهما من تأليف ثيؤدورت أسقف قورش الأب الروحى لمجمع خلقيدونية.

     وعلى هذا فإن موضوع هذا الباب هو شرح وتفنيد كتاب " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى, والذى يحتوى فى حقيقته على كتابين لثيؤدورت أسقف قورش النسطورى الأب الروحى لمجمع خلقيدونية أصدرهما سنة 445 ميلادية تحت عنوان " الجامع للطبيعتين" و"برهان القياس" أو مبدأ الرسوم والشهادات, أثبت فيهما بدعته الجديدة التى يقول فيها بأن أقنوم الكلمة احتجب بروح المسيح الإنسانية فقومها - أى شخصها - بقوام ابن إلوهيم الجامع للطبيعتين كلتيهما الإلهية والإنسانية ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 53 ) ( " برهان القياس " ك 2 : 3 ص 117 ) .

      وجدير بالذكر أن هذين الكتابين لم يرد ذكرهما فى الفهارس المعتمدة لمؤلفات القديس أثناسيوس الرسولى, بل على العكس ثبت أن هذين الكتابين ورد ذكرهما فى فهارس الكتب المنسوبة لثيؤدورت أسقف قورش ( تاريخ كنيسة أنطاكية ص 469 ).

   ومن البراهين الموضوعية التى تثبت أيضا عدم صحة نسبة هذين الكتابين للقديس أثناسيوس الرسولى هو أن العقائد الورادة بهذين الكتابين تثبت العقيدة التى ابتدعها ثيؤدورت وتبناها مجمع خلقيدونية والتى تم حرمها فى مجمع أفسس الثانى سنة 449 وتجدد حرمها فى مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية, ومن ثم فهى تتعارض مع التعاليم الصحيحة للقديس أثناسيوس الرسولى المؤيدة بالحق الكتابى, والتى تظهر معتقده الحقيقى فى أن للمسيح الكلمة المتجسد طبيعة واحدة إلهية. بما يتعارض مع عقائد أصحاب الطبيعتين ومع عقيدة مجمع خلقيدونية المثبتة فى هذين الكتابين.

    والثابت أن ثيؤدورت كان على معتقد نسطور القائل : بأن فى المسيح الواحد طبيعتين ( أى روحين ) كل مشخصة بعقلها الخاص لأن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير حتى نياحة القديس كيرلس عمود الدين سنة 444 ميلادية.

     ثم فى سنة 445 ميلادية وضع ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى مؤلفه " الجامع للطبيعتين " الذي أثبت فيه بدعته الجديدة التى أخذ بها مجمع خلقيدونية والتى يقول فيها ما موجزه:

 بأن كلمة إلوهيم خالط البشر بتوسط من العقل المالك للنفس والجسد كليهما ( أى المشخص لهما ) الذى ملك عليه إلوهيم ( أى شخصه بأن قام مقام العقل البشرى فى تشخيص الروح الإنسانية ) .. فخالط الكلمة كيان ( جوهر ) البشر وقومه بأقنومه المقوم ( المشخص ) لكيان ( جوهر ) اللاهوت وذاته ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 - 64 ).

    فتصدى له أوطيخا مفندا اياها, فوضع ثيؤدورت سنة 447 ميلادية مؤلفا بعنوان " الشحاذ " أو المتسول المتعدد الأشكال من أربع كتب يهاجم فيهم اوطيخا وتعليم الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد ممثلا فى أوطيخا.

      جاءت الثلاث كتب الأولى ضد أوطيخا على شكل حوار بين نسطورى والشحاذ " أى أوطيخا " متهما إياه بالأبولينارية باعتباره من أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد, والكتاب الرابع يلخص الثلاث كتب الأولى فى 40 قياسا.

       مما تقدم يتضح أن كتاب ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " الذى وضعه سنة 445 ميلادية هو الذى أشعل الخلاف مجددا بين أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعتين والذى ترتب عليه عقد مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية وفيه تم حرم بدعة ثيؤدورت الجديدة التى تبناها مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية والتى يقول فيها :

     بأن المسيح واحد بشخص واحد أزلى مكون من طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية خلقها له والتحم بها من مريم العذراء, وبقوامه ذلك شخص الطبيعتين فيه بدون اختلاط ولا فرقة ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 4 ص 53 - 54 ) وبصرف النظر عما فى اقوال ثيؤدورت من تعارض وعدم منطقية فقد جدد القديس ديوسقوروس حرم هذه البدعة مع القائلين بها فى مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية.

     والواقع أن هذه البدعة مؤسسة على ذات بدعة نسطور القائلة بأن العذراء لم تلد الكلمة وإنما ولدت إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة هى علة إحياء الجسد وليس الدم , وأن إلوهيم الكلمة احتجب بهذه الروح الإنسانية ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 ص 42 ) وشخصها بأن صار يتكلم من خلالها, وتأنس بعقلها أى صاحبه بدون أن يلاشيه أو ينحيه, لأن الإتحاد بحسب معتقده بدون اختلاط أو امتزاج أو تغيير, وبهذا صار فى المسيح طبيعتين عاقلتين كل قائمة بعقلها الخاص.

     فالتأنس عند نسطور معناه أن الكلمة اتحد " حسب الطبيعة " ( المقصود بالطبيعة الروح الإنسانية العاقلة التى اتحد بها الكلمة وشخصها وصيرها روحه الخاصة كما تشخص الروح جسدها الخاص )( الرسالة رقم 17 : 9 ص 25 ) فحقق بها حسب زعمه حلولا مثلما يقال عن حلول روح الإنسان فى جسدها الخاص ( الرسالة رقم 17 : 9 ص 25 ). 

     فتأنس الكلمة عند نسطور لم يتحقق بحلول الكلمة فى جسد الإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة لئلا يصير شريكا له فى الجسد حسب معتقده بحيث يتألم الكلمة مع الروح الإنسانية فى جسدها الخاص, لذلك احتجب الكلمة بروح المسيح الإنسانية ولم يحتجب بجسدها حتى متى تألمت وحدها نسبت آلامها إلى الكلمة.

     فكان أن تم حرم هذه البدعة مع القائلين بها فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية, وذلك بصرف النظر عين كيفية الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين, لأن مجرد القول بان العذراء لم تلد الكلمة وإنما ولدت إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة معناه أنكار لاهوت المسيح وتجسده ومجيئه فى الجسد .

   وجدير بالذكر أن حلول الكلمة فى روح المسيح الإنسانية حلولا تشخيصيا حسب معتقد نسطور يعد حلول تقمص وليس تأنس أى مصاحبة, لأن التأنس بإنسان أى مصاحبته يكون على سبيل الإتصال والمجاورة من الخارج , وهكذا أيضا الإتحاد بين شخصين يكون على سبيل الإشتراك فى كيان واحد له اسم واحد يجمع بينهما على سبيل الإتصال والمجاورة من الخارج أيضا, ومن ثم فإن مفهوم التأنس أو الإتحاد بين شخصين لا يعنى أن يتقمص أحدهما روح الآخر ويسكنها ويشخصها لإستحالة ذلك نقلا وعقلا. لأن الروح العاقلة هى جوهر روحانى بسيط وليست مادة تقبل الإختلاط أو الإمتزاج بغيرها, كما أنها ليست حجاب أو مسكن لغيرها لأنها روح عاقلة تسكن الجسد وتشخصه ولا تسكن ولا تشخص من غيرها.

     كما لا يعنى التأنس أو الإتحاد امتزاج الروحين العاقلتين فى روح واحدة من الروحين بحسب بدعة كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى, لأنه فضلا عن استحالة ذلك, فإن هذا معناه إما أن إحدى الروحين العاقلتين ابتلعت الأخرى, أو انهما لاشيا بعضهما البعض ونشأت روح جديدة من الإثنين لا جنس لها أى أنها ليست انسانية ولا إلهية مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ومشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى, فإن قالا بأن الإتحاد بدون امتزاج ولا اختلاط فقد أبطلا الإمتزاج وبالتالي يعود الأنطاكى إلى المعتقد الخلقيدونى القائل بشخص بطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية, ويعود البرادعى إلى المعتقد النسطورى القائل بشخصين وطبيعتين فى المسيح الواحد.

 

شرح عقيدة نسطور التى تأسست عليها عقيدة ثيؤدورت

   بعد حرم بدعة نسطور سنة 431 ميلادية وضع ثيؤدورت أسقف قورش سنة 445 ميلادية بدعة جديدة مؤسسة على ذات بدعة نسطور نشرها فى مؤلفه " الجامع للطبعتين " إلا أنه خالفه ظاهريا بالقول : بأن اقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبيعتين أى للروحين الإنسانية والإلهية فى المسيح, فصارت طبيعتى المسيح مشخصتين بشخص الكلمة وحده عوضا عن شخصين, ولكنه سرعان ما يعود إلى ذات معتقد نسطور فى توسط العقل البشرى بين الكلمة والجسد حتى لا يتألم لاهوت الكلمة الذى يفارق الروح الإنسانية فيعود عقلها البشرى إليها ليتألم وحده.

   وفى هذا يقول ثيؤدورت:

     فخالط كلمة إلوهيم البشر بتوسط من العقل ( البشرى ) .. فكان إذا خلا العقل من الأفضل أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان ينغلب من الأقوى وينقاد إليه ( هذا تقمص وليس تأنس أى مصاحبة ) ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 ).

     وهذا معناه أنه فى جميع أحداث الآلام والصلب وكل ما هو انساني حسب نسطور وحتى لا يتألم الكلمة يفض ثيؤدورت الخلطة بين الأقنومين ويفارق أقنوم الكلمة اقنوم العقل البشرى الذى نحاه وقام مقامه فى تشخيص روح المسيح الإنسانية, وبعباره أخرى يفارق أقنوم الكلمة روح المسيح الإنسانية التى تقمصها ونحى عقلها البشرى وقام مقامه فى تشخيصها, فيعود سلطان عقلها على جسدها البشرى وبهذا يتألم الإنسان وحده.

  كما شرح ثيؤدورت فى مؤلفه هذا عقيدة نسطور فى أن إلوهيم لا صورة له وأنه خلق صورته روحانية وأن إلوهيم احتجب بهذه الروح الإنسانية المخلوقة التى هى أول خلق إلوهيم إلى آخر العقائد النسطورية المستمدة من تعاليم أريوس وكيرنثوس الغنوسى القائمة على المغالطات والمتناقضات والخرافات المضادة للمنطق والحق الكتابى, وفى هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورش ما موجزه:

     أن إلوهيم خلق لنفسه وجوهره الذى لا يرى ولا يوصف صورة خلقها لنفسه .. لأنه أولى أن يعمل صورة نفسه .. فخلق صورته روحانية لا ترى ولا تموت ولا تبلى لتحقيق الإحتذاء, وأنها صورة إله ..  حتى احتاجت إلى جسد يهيأ لها فتوضع فيه لتوجد وتعرف به لأنها لا توجد ولا تعرف بانفرادها ؟!

     ثم جبل إلوهيم جسد آدم أولا ونفخ فيه روحا مخلوقة على صورته كشبهه ( هنا خلط نسطور بين نفخة المسيح فى أنف آدم والتى صيرته نفسا حية بالدم كما فى مراثى أرميا 4 : 20 وبين الروح التى يخلقها إلوهيم فى داخل الإنسان كما فى زكريا 12 : 1 ).   

     واستطرد قائلا : أن صورة إلوهيم المخلوقة أشد شبها به وحذوا من صور الناس التى عملها على شبه هذه الصورة ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 2 ف 1 ص 24 - 27 ).

     واستطرد قائلا :

     ولما جاء ملء الزمان .. احتجب الكلمة الخالق بإنسان مخلوق .. من غير نطفة أدمية جرت عليها الخطية .. انسان تام بجسد ونفس دمية وروح عاقلة كلمانية هى صورة إلوهيم التى كانت أولى خلق إلوهيم بسكنى إلوهيم وحلوله واحتجابه بها .. كما فسرنا فى أول هذا الكتاب .. لذلك كانت أولى خلق إلوهيم بحجاب إلوهيم , فكانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد الغليظ حجابا لما هو ألطف منه.

     فعلى هذا الوجه من الخلطة دبر كلمة إلوهيم الخالق خلطته بالطبيعة البشرية .. بقوام ( شخص ) واحد قوام ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين الإلهية والناسوتية ( " الجامع للطبيعتين "  ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 53 ).

     واستطرد قائلا :

    فعلى هذا خالطت كلمة إلوهيم الخالق جوهرية الإنسان كاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمانية, وصار كلمة إلوهيم بقوامه قواما ( عقلا ) لذلك الناسوت الذى كمل جوهره بتقويم ( تشخيص ) كلمة إلوهيم إياه. لأنها لم تخلق .. إلا بقوام كلمة إلوهيم.

     فعلى هذا الوجه من الخلطة دبر كلمة إلوهيم خلطته .. بابن مريم العذراء المولود منها .. بقوام ( عقل ) واحد قوام ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين ( الروحين ) كلتيهما الإلهية .. والناسوتية ( " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك1 ق 3 ف 4 ص 52 -53  ). 

    ثم استطرد ثيؤدورت قائلا:

    فأقنوم الكلمة بكل اللاهوت أخذ كل ما للاهوت, وخالط الكل بالكل لكى يهب الخلاص بكل للكل, لأنه ما لم يؤخذ لم يبر , فخالط كلمة إلوهيم البشر بتوسط من العقل .. فكان

إذا خلا العقل ( أي العقل البشرى ) من الأفضل ( أي من اللوغوس ) أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى. فيفعل ما تريده الإرادة الإلهية ( هذا تقمص ينزه عنه إلوهيم ) فصار العقل الإنسانى مأوى للاهوت المخالط له, والبشر مأوى للعقل ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 ).      

     ثم استطرد ثيؤدورت قائلا:

     " وهو الذى طعن جنبه فجرح بناسوته , وهو الذى ترك نفس ( روح ) ناسوته حين أرد من قبل أن يطعن جسده .. وهو الذى مات بناسوته المحتمل الموت بمفارقة نفسه ( روحه ) المخلوقة جسده المخلوق .. حتى رد لاهوته نفس ناسوته ( أى روحه الإنسانية ) إلى جسده فقام فى اليوم الثالث من الأموات " ( " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ).

     هذه البدع المتناقضة والمتعارضة مع الحق الكتابى ومع التعليم الصحيح للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين هو ما سنتولى اثباته مع تفنيد هذه البدع فى الفصول التالية.




الفصل الأول

هل صورة الوهيم مخلوقة أم أزلية ؟

 

     والواقع أن التعليم بأن صورة الوهيم روحانية مخلوقة وانها أول خلق إلوهيم هى بدعة أريوس التى تبناها نسطور وأثبتها ثيؤدورت أسقف قورش فى مؤلفه الجامع للطبيعتين على الوجه المتقدم بيانه وجعلوها حجابا لإلوهيم وهذا يتعارض مع الحق الكتابى والتعليم الصحيح  للقديس أثناسيوس الرسولى الذى أثبت فى مقالته الأولى ضد الأريوسيين بأن المسيح صورة الآب غير مخلوق, وأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه في جوهر مخلوق. فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته بقوله :

      أن الابن هو صورة وبهاء الآب , وهو شكله ( المعبر عنه ) وحقيقته, لأنه بما أن النور موجود هكذا صورته أيضا أى بهائه وكيانه الحقيقي وهو رسمه الذي يعبر عنه تعبيرا كاملا.

     وأيضا بما أن الآب كائن هكذا تكون حقيقته .. لأن الكيان الموجود ( أى الجوهر الكائن بذاته ) يجب أن يكون في نفس الوقت هو الشكل المعبر ( عن الجوهر ) والصورة, لأن صورة إلوهيم ليست صورة مرسومة من الخارج ( أى مخلوقة ) بل أن إلوهيم نفسه هو والدها ( مولود غير مخلوق , أى أن الابن هو صورة الآب المولود منه منذ الأزل ) والتى فيها ينظر الآب ذاته ويبتهج, لهذا يقول الابن أيضا : " كنت أنا بهجته " ( الأمثال 8 : 30 السبعينية ).

     فمتى إذن لم يكن الآب يرى نفسه فى صورته؟ أو متى لم يكن يبتهج , حتى يتجاسر أحد ويقول أن الصورة هى من عدم ( أى مخلوقة ) ولم يكن الآب مبتهجا قبل أن تخلق الصورة , وكيف يستطيع الخالق والصانع أن يري نفسه فى جوهر مخلوق وصائر؟ فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته.  

     ثم يستطرد قائلا:

    هلم بنا اذن نرى خصائص الآب بتدقيق لكى ندرك أن الصورة هى صورته الذاتية.

     فالآب هو أزلى , غير مائت , قدير, نور, ملك , ضابط الكل , إله , رب , خالق, صانع.

   هذه الخصائص هى التى يجب أن تكون فى الصورة حتى يكون حقيقيا أن من يرى الابن يرى الآب أيضا ( 1 ضد الأريوسيين 6 : 20 ,21 ص 43 , 44 ).

    هذا هو التعليم الصحيح للقديس أثناسيوس الرسولى الذى أثبته فى مقالته الاولى ضد الأريوسيين والذى يتفق مع الحق الكتابى ( فيلبى 2 : 5  - 6 ) ( العبرانيين 1 : 2 , 3 ) ( الأمثال 8 : 23 , 30 ).

  

 

 

الفصل الثانى

تفنيد بدعة أن اللوغوس هو المشخص للروحين الإلهية والإنسانية

 

    أثبت ثيؤدورت في مؤلفه " الجامع للطبيعتين " أن الكلمة الخالق احتجب بإنسان مخلوق خلقه لنفسه .. من غير نطفة أدمية جرت عليها الخطية .. فعلى هذا خالطت كلمة إلوهيم الخالق جوهرية الإنسان كاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمانية.   وصار كلمة إلوهيم بقوامه قواما لذلك الناسوت الذى كمل جوهره ( الذى بدون أقنوم العقل البشرى ) بتقويم كلمة إلوهيم إياها ( الجامع للطبيعتين ف 4  ص 51 , 52 ).

     فعلى هذا الوجه من الخلطة ( أى الإتحاد ) دبر كلمة إلوهيم ( اللوجوس) خلطته بالطبيعة ( الروح ) البشرية . فهو مسيح واحد ابن إلوهيم المولود من الآب قبل الآدهار .. وهو إياه ابن مريم العذراء المولود منها فى آخر الزمان. بقوام واحد ( بعقل واحد ) قوام ابن إلوهيم الوحيد ( اللوجوس) الجامع للطبيعتين ( الروحين ) كلتيهما الإلهية .. والناسوتية .. المقومة ( المشخصة ) بالقوام الأزلى ( اللوجوس ) ( الجامع للطبيعتين ف 4 ص 53 ).

      ويقول أيضا لم يعرف ذلك البشر بغير قوام ( شخص ) كلمة إلوهيم قط .. فبأى شيء يكون المسيح واحد من غير توحيد الأقنوم إن لم يجمع لاهوته وناسوته قواما واحدا ( الجامع للطبيعتين ف 4 ص 56 , 57).

   ثم عاد كسفسطائى يثبت الشىء ونقيضه في نفس الوقت بهدم ما تقدم بالقول:

   أن الكلمة سكن العقل البشرى وأخضعه لإرادته ( الجامع للطبيعتين ف 5 ص 63 ).

بعد أن أثبت ثيؤدورت أن روح المسيح كانت بلا عقل بشرى وأن كلمة إلوهيم كمل الجوهر البشرى بتشخيصه إياه , وهذا واضح من قوله كمل الجوهر البشرى . لأن تكميل الجوهر البشرى دليل عى وجود نقص به وتكميل الكلمة لجوهر آخر معناه حدوث تشويش في الجوهرين الإلهى والإنسانى معا لأن تكميل الكلمة لجوهر مخلوق معناه  إضافة أقانيم هذا الجوهر المخلوق لجوهر الثالوث وهذا يدخل التشويش على الجوهرين الإلهى والبشرى معا. ثم عاد ثيؤدورت وأثبت وجود العقل البشرى واللوغوس معا بإسلوب أقرب للهذيان حيث يثبت الشىء ونقيضه في نفس الوقت بالقول:

    ولا نقول أن أقنوم الآب ولا أقنوم الروح القدس تجسدا ولا أنهما شاركا الكلمة في الخلطة بالناسوت إلا بالإرادة والمسرة ( من قال أنهما شاركا بالغصب كما أنهما غير منفصلين عن الكلمة حتى يشتركا بالإرادة والمسرة لأنهم اشتركا في تجسد الكلمة بحكم وحدة الجوهر )؟!

    ثم ينقض ذلك بالقول: ونقول أن كل كيان اللاهوت خالط كل كيان الناسوت .. وضمه إليه الجسد والنفس والروح العاقلة الكلمانية .. لأنه ما لم يؤخذ لم يبر ( لا يخلص ) فخالط كلمة إلوهيم البشر بتوسط من العقل ( أي سكن العقل البشرى أي الروح الإنسانية العاقلة ) .. لأن ملك النفس ( الروح العاقلة ) والجسد كليهما العقل .. وملك العقل إلوهيم .. فكان إذا خلا العقل ( أي العقل البشرى ) من الأفضل  ( أي من اللوغوس ) أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى. فيفعل ما تريده الإرادة الإلهية ( هذا تقمص ينزه إلوهيم عنه ) فصار العقل الإنسانى مأوى للاهوت المخالط له, والبشر مأوى للعقل ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 ).      

     والواقع ان التعليم بأن الكلمة سكن الروح الإنسانية وشخصها بإخضاع عقلها كرها لعقل إلوهيم حسب زعم ثيؤدورت الذى هدم به مقولته الأولى بأن روح المسيح الإنسانية كانت بلا عقل بشرى يشخصها . معناه عدم ملاشاة العقل البشرى المشخص للروح الإنسانية ,  وهذا معناه أن الجوهر البشرى كامل ولم يكمل بأقنوم اللوغوس حسب زعمه , وبالتالي ما دام العقل البشرى قائما بذاته فلا تكون الروح البشرية مقومة بعقل إلوهيم بل بالعقل البشرى حتى وإن إخضعت كرها لعقل آخر يتكلم من خلال جسدها وينحيها كما تفعل الأرواح المتسلطة على  أجساد البشر .

     وأما عن استحالة تشخيص العقل الأزلى لروح إنسانية منبثقة من آب مخلوق فثابت نقلا وعقلا . لأن العقل والروح الإنسانية يأتيان من أب مخلوق ( أي موجود بغيره ) وجوهر الوجود بطبيعتيه جوهر بسيط لا يقبل إضافة ولا خلطة ولا تركيب.

     ومن ثم فإن الروح المنبثقة منه هي روحه الذاتي, وهى ساكن لا مسكن, وهى  تسكن الأجساد وتشخصها دون أن تحييها. الروح الوحيد المحيى للأجساد هو الروح القدس لأنه وحده روح القيامة والحياة , وحلول روح إلوهيم فى إنسان حلولا تقمصيا لا يسمى تجسد بل تقمص. كما أن إخضاع اللوجوس للعقل البشرى حسب زعم ثيؤدورت لا يبطل قوامته على روحه الإنسانية. لأنه حتى لو سيطر اللوجوس على جسد إنسان وقيد روحه العاقله  وقهرها ونحاها وصار هو المتكلم من خلال هذا الجسد البشرى. فإن اللوجوس سيظل هو الضيف, وهذا لا يعنى أن إلوهيم تجسد بل تقمص إنسان ليتكلم من خلاله بإخضاع جسد الإنسان وعقله لإرادته. أما تقمص الروح الإنسانية حسب المفهوم الخلقيدونى الظاهرى بأن  الكلمة صار عقلا للروح الإنسانية بتكميل جوهرها الناقص فهو ضلالة . لأن العقل البشرى مولود من آب مخلوق, والروح الإنسانية منبثقة من هذا الآب المخلوق . أى أن العقل البشرى والروح البشرية يستمدان وجودهما من آب مخلوق يدوران معه وجودا وعدما, لأن المخلوق لا يلد إلا مخلوق والأزلى لا يلد إلا الأزلى , وبالتالي لا يمكن للابن الأزلى أن يستمد وجوده بالولادة من آب مخلوق بحيث يدرك هذا الآب المخلوق وجوده بعقل أزلى. كما لا يمكن للعقل الأزلى أن يستمد حياته من روح محدثة منبثقة من آب مخلوق, والقول بغير ذلك باطل نقلا وعقلا.

     وقد فند ثيؤدورت عقيدة مجمع خلقيدونية التى ابتدعها فى مؤلفه الجامع للطبيعتين القائلة بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية بقوله عندما كان على المعتقد النسطورى ما نصه :

     إذا قام العقل السمائى مقام العقل البشرى فكيف تألم وحزن وصلى واضطرب بالروح الإنسانية العاقلة هذه أفعال لا تمت إلى اللاهوت وإنما إلى روح إنسانية عاقلة تتألم وتضطرب وتحزن وتحس بالآلام فكريا.

  فإذا افترضتم – والكلام ما زال لثيؤدورت عندما كان على المذهب النسطورى - أن اللوغوس صار هو العقل للروح الإنسانية فهذا يعنى أن روحه الإنسانية كانت تفكر باللوغوس وهذا تجديف ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 15 و 16  ص 39 , 40 )

      والسؤال هو هل يعقل أن يهاجم أثناسيوس الرسولى نفسه في مؤلفين أحدهم يثبت عقيدة نسطور في الطبيعتين العاقلتين المتحدين في جسد الإنسان  والثانى يثبت عقيدة خلقيدونية في أن أقنوم الكلمة هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية قائلا أن ذلك البشر لم يوجد بغير قوام كلمة إلوهيم .

    والسؤال هو أين العقل البشرى في  بدعة ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية , واضح أن الكلمة بعد الإتحاد بالروح البشرية أبطل عقلها البشرى وقام مقامه. أي أنه لم يأخذ العقل البشرى في الإتحاد المزعوم, وحسب مقولة نسطور ما لم يأخذ في الإتحاد لا يخلص.

    والواقع أنه لا يوجد قيام للروح بدون عقلها البشرى. فإن فنى العقل البشرى فنى الجوهر كله .

   لا شك أن هذه التعاليم جميعا ليس لها أي سند كتابى وهى تضاد الحق الكتابى والآيات التي يسوقها الهراطقة لإثبات معتقدهم مجتزئة ويفسرونها تفسيرا خاطئا كباقى الكتب أيضا لهلاك أنفسهم. لأن هناك قواعد حاكمة لأى تفسير فعندما يقول الكتاب عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر في الجسد. لا يجوز لأى إنسان أن يظن أنه أحكم من إلوهيم فيقول أن المقصود من هذا القول أن إلوهيم ظهر في إنسان كامل له روح إنسانية وجسد. هل يظن هذا الإنسان أن إلوهيم عاجز لو كان هذا مقصده أن يصرح به نصا.

     ولو أن الكلمة اتحد بإنسان من البطن ألم يكن الملاك قادرا أن يبشر العذراء بقوله ستلدين إنسانا بروح انسانية عاقلة وتسمينه يسوع المسيح ومن البطن يحل فيه إلوهيم ويجعله واحدا مع لاهوته حسب معتقد نسطور ومجمع خلقيدونية, أو يبشرها كما بشر الملاك أليصابات بالقول عن يوحنا: ومن البطن يمتلىء من الروح القدس ( لوقا ا :  25 ) وحيث أن الكتاب لم يقل ذلك بل قال لذلك القدوس المولود منك يدعى ابن إلوهيم ( أي صورة إلوهيم ) لهذا يتعين عدم قبول أي تعليم يضاد الحق الكتابى ولو كان منسوبا للأباء القديسين أو الرسل انفسهم عملا بقول بولس الرسول القائل :

     " إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن محروما. كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضا إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن محروما " ( غلاطية 1 : 6- 9 ).

     والواقع إن العقائد النسطورية مؤسسة على فلسفة سوفسطائية تثبت الحق ونقيضه فى آن واحد, وإثبات النقيضين يتحقق أيضا من خلال الحكمة الصوفية الشيطانية التي تظهر خلاف ما تبطن س من خلال استخدام تعبيرات تبدو أنها مستقيمة في حين تبطن خلاف معناها الظاهرى وهو اسلوب أضداد المسيح الذين يظهرون خلاف ما يبطنون .

 

     مغالطات القول بوجود شخص بروحين عند الخلقيدونيين

     يقول الأب فرييه شارحا معتقد ثيؤدورت أسقف قورش أبو المجمع الخلقيدونى  قائلا:

      إذن لا يوجد تناقض إذا امتلك الأقنوم ( الشخص أو العقل ) الواحد طبيعتين ( روحين ) مادامت الطبيعة ( الروح ) ملكا للأقنوم .. فطبيعة المسيح البشرية ( أي روحه الإنسانية ) هي الطبيعة الوحيدة التي ليس لها قيام بالذات ( أي ليس لها عقل بشرى يشخصها لهذا قام اللوغوس أي العقل الإلهى مكانه في تشخيصها ).

     ثم يستطرد الأب فرييه قائلا:

     والحال أن طبيعة ( روح ) المسيح البشرية منذ أول لحظة من وجودها لم يكن لها قيام خاص بها ( أي ليس لها عقل يشخصها منذ وجودها ) .. بل اشتركت في وجود الكلمة وقامت بقيامه الإلهى. وهكذا حرمت من شخصيتها, إنها طبيعة ( روح ) بشرية كاملة ولكنها تشخصت بشخص غريب عنها ( أي بأقنوم الكلمة أي العقل الإلهي ).

    والسؤال هو كيف تكون الروح الإنسانية كاملة وهى بلا عقل بشرى. أهذا هو الكمال.

    وكيف ستخلص وفقا للمفهوم النسطورى بأن مالا يؤخذ فى الإتحاد لا يخلص.

    على الخلقيدونيين أن يحددوا موقفهم هل يوجد عقل بشرى فى المسيح بحسب البدعة المنسوبة لنسطور والتى تم حرمها فى مجمع أفسس الأول, إما أن اللوغوس لاشى العقل البشرى وقام مقامه, وهذه هي بدعة خلقيدونية التي حرمها القديس ديوسقوروس فى مجمع أفسس الثانى.

     أيا كان الأمر فهم محرومون على كل وجه أي سواء قالوا ببدعة خلقيدونية أو ببدعة نسطور.

   ويستطرد الآب فرييه قائلا : أن اللوغوس كمل جوهر الإنسان بتقويم كلمة إلوهيم إياه.

      إن جاز هذا فيكون جوهر إلوهيم أيضا  قد كمل بالروح الإنسانية التي شخصها.

     وهذا معناه نقص الجوهرين الإلهى والبشرى. بحيث يكملان ما نقص منهما.

     فيصير ابن إلوهيم مولودا من أب مخلوق, وحيا بروح هذا الأب المخلوق. وهذا باطل نقلا وعقلا إذ يمتنع عقلا أن يولد الأزلى من محدث أو يستمد حياته من روح مخلوقة, كما يمتنع عقلا أن يدرك المخلوق وجوده الذاتى بعقل أزلى, هذه الهلاوس لا تصدر عن عقل مدرك لما يقوله.

     كما أن القول بأن اللوغوس صار يحيا بروح إنسانية مخلوقة منبثقة من مخلوق. هو أيضا باطل نقلا وعقلا, والقول به يدخل التشويش والتغيبر على جوهر إلوهيم كما أدخله على الجوهر المخلوق.

    واستطرد ثيؤدورت في مؤلفه الجامع للطبيعتين يقول :

   " فأقنوم الكلمة بكل اللاهوت أخذ كل ما للناسوت وخالط الكل بالكل لكى ما يهب الخلاص بكل للكل. لأنه ما لم يؤخذ لم يبر. فخالط كلمة إلوهيم البشر بتوسط من العقل .. لأن ملك النفس والجسد كليهما العقل .. وملك العقل إلوهيم .. فصار العقل الإنسانى مأوى ( مسكن ) لإلوهيم المخالط له, والبشر مأوى ( مسكن) للعقل " ( الجامع للطبيعتين ف 5 ص 63 ). 

    فصار اللوغوس هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية في جسد المسيح.

      وهذا معناه أيضا أنهم وقعوا في ذات البدعة التي نسبوها لأوطيخا إنما بطريقة مختلفة. فهم قالوا أن عقل المسيح إلهى. أما أوطيخا فقال أن روح المسيح إلهية.

     فإذا كان ينتج من مقولة أوطيخا أن روح المسيح إلهية أن هذا معناه أن روح إلوهيم إبتلعت الروح الإنسانية رغم أنه ليس من أنصار الطبيعتين مثلهم , فإنهم بقولهم بأن الكلمة هو المشخص للروحين الإنسانية وإلإلهية معا معناه أن اللوغوس إبتلع العقل البشرى ولا شاه. والسؤل هو كيف إذا لاشينا العقل البشرى يقوم لجوهره قائمة. فالروح الإنسانية لا قيام لها إلا بعقلها البشرى.

     وحتى لا يقع ثيؤدورت أسقف قورش في بدعة ملاشاة العقل البشرى زعم أن الروح الإنسانية رغم أنها غير مشخصة بعقلها البشرى لأن الكلمة قام مقامه في تشخيصها منذ وجودها, إلا أن العقل البشرى كان منحى عن تشخيص روحه الإنسانية إلا عند الآلام حيث يفارقه الكلمة حتى لا يتألم تاركا الآلام للروح الإنسانية العاقلة وحدها, وفى هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش:

     " هو الذى ترك نفس ( روح ) ناسوته حين أرد من قبل أن يطعن جسده " ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).

 


 

 

الفصل الثالث

تفنيد بدعة " لا يخلص من الإنسان إلا ما قد اخذ في الإتحاد "

 

     يقول النساطرة وعلى رأسهم ثيؤدورت اسقف قورش لإثبات عقيدة اتحاد الطبيعتين:

     ما لم يؤخذ لم يبر ( الجامع للطبيعتين ف 5 ص 63 ). 

 

      فرد القديس كيرلس على النساطرة مفندا هذه البدعة بما نصه :

     إن الجسد وحده هو الذى وقع فريسة للموت أما الروح فلم تفقد خلودها لأنـه عن الجسد وحده قيل " تراب أنت وإلى التراب تعود " لذلك كانت الحاجة ماسة إلى الذى فينا والذى صـار فى خطر دائم وتحول إلى الإنحلال أن يتجدد بقـوة, وأن يتم نسجه من جديد بنسيج الحياة القادرة بطبيعتها على عدم الموت وكانت الحاجة إلى رفع عقوبة " تراب أنت وإلى التراب تعود " أن يتحد الجسد المائت بالكلمـة الذى يحيى الكل, وعندما يصبح الجسد جسد الكلمة فإنه يشترك فى عدم الموت الخاص بالكلمـة ( شرح انجيل يوحنا 1 : 9 يو 1 : 14 ص 129 - 130 ).

     من ذلك يتضح أن الجسد الحى بالدم ( تكوين 9 : 4 ) هو الذى وقع فريسة الموت نتيجة تدنس الدم بشوكة الخطية والموت . لذلك فإن الجسد وحده هو الذى يحتاج إلى قوة حياة جديدة عوضا عن تلك التي فنت بالخطية . لذلك كانت الحاجة إلى ميلاد ثان ننال فيه حياة جديدة نقوم بها من الموت ولكن ليس من دم يموت كالسابق بل بروح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا الذى أخذناه في المعمودية التي هي شركة موت وقيامة مع المسيح بروحه المحيى الذى اعتقنا من ناموس الخطية والموت.

     لهذا كشف لنا الحق الكتابى تحديدا ما شاركنا به الكلمة فى تجسده من أجل خلاصنا بقوله على لسان بولس الرسول :

     " فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح البشر ) فى اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما لكى بموته يبطل الموت وسلطان إبليس ويخلص كل الذين كانوا مستعبدين لحكم الموت من سلطانه. لهذا لم يأخذ جسدا من الملائكة بل أخذه من نسل إبراهيم " ( المسيح واحد 4 ص 25 ).

     ورغم أن الكلمة شاركنا فى اللحم والدم إلا أنه لم يأخذ الدم  المصنوع من زرع الرجل الذى ورثناه عن آدم أبا عن جد لأننا صنعنا من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) بل أخذ دما طاهرا بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ) كدم آدم قبل الخطية بعمل وقوة الروح القدس بدون زرع رجل لكى يكفر به عن دمائنا ( لاويين 17 : 11 -14 ).

     من ذلك نرى أن أرواح البشر بسبب اشتراكها فى اللحم والدم المدنس بالخطية وشوكة الموت تشترك فى جسد الخطية والموت. رغم أنها كأرواح تخلق خلقا جديدا داخل أجسادها الأمر الذى أثبته زكريا النبى بقوله " يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض ومصور روح الإنسان فى داخله " ( زكريا 12 : 1 ).

     من ذلك نرى أن إلوهيم يخلق أرواح البشر داخل أجسادها بالخلق ومن ثم فهى طاهرة ولكنها تصير تحت حكم الموت الأبدى بسبب اشتراكها فى جسد الخطية أى الجسد الحى بدم الخطية.

     أما المسيح فلكونه وحده الذى ولد بدون زرع بشر قيل أنه أخذ شبه جسد الخطية . أما نحن فلأننا ورثنا دم الخطية فقد صرنا شركاء فى جسد الخطية لهذا صرخ بولس الرسول قائلا : من ينقذنى من جسد هذا الموت ( رومية 7 : 24 ).

     فالخطية كائنة فى الدم ونرثها بالميلاد. لهذا قال داود النبى :

    ها أنذا بالإثم ولدت وبالخطية ( بزرع الرجل ) حبلت بى أمى ( مزمور 51 : 9 ).

     ويقول سليمان الحكيم " صورت جسدا فى جوف أمى .. وصنعت من الدم بزرع الرجل" ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

     من ذلك نرى أن الجسد مصدره بويضة الأم, والدم مصدره زرع الرجل. أما الروح فمصدرها إلوهيم الذى يصورها داخل جسد الإنسان.

     وما نقرره كان معروفا فى الكنيسة الأولى حيث يقول القديس هيلارى عن جسد المسيح أن نفسه الحية أى دمه كان من صنع روح اللوجوس وأن مادة الجسم هى وحدها التى أخذها من أمه. لكن مادة الجسم لا تأخذ شكلها البشرى إلا بفعل النفس الحية أى الدم [1] لهذا كان دم المسيح وحده هو الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ).

     هذا التعليم بأن دم المسيح هو وحده الذى بلا عيب ولا دنس يثبت أن الدم وحده هو المحتاج للتكفير عنه بدم المسيح وهو ما يهدم حجة من حجج النسطورية القائلة بضرورة أن يتخذ الكلمة روح إنسانية عاقلة حتى يخلص الإنسان كله جسدا وروحا.

     لأن المنطق النسطورى السقيم حتم أن يأخذ الكلمة الإنسان كله حتى يخلص لأنه إن أخذ الجسد وحده دون الروح العاقلة يكون قد ترك عنصرا هاما أى الروح دون خلاص ويكون بذلك قد فدى الحيوانات لا البشر.

     إلا أن هـذا التعليم يضاد المعتقد الأرثوذكسى الذى أثبته كيرلس عمود الدين بقوله: " أن الجسد وحده هو الذى سقط فريسة الموت لهذا كان وحده أيضا المحتاج لأن يرفع حكم الموت عنه بالقيامة من الموت بأن يلبس عدم موت. أما الروح فلم تفقد خلودها[2] " فضلا عن كونها خلقا جديدا كما أوضحنا فأى خلاص تحتاجه إلا بإحياء جسدها الذى سقط تحت حكم الموت الأبدى.

    لهذا كان الجسد وحده هو الذى فى حاجة إلى قوة حياة جديدة تقيمه من الموت[3]. لهذا أخذ الكلمة جسدا مثلنا إنما بدم طاهر بلا عيب ولا دنس ليكفر به عن دمائنا ليبطل موتنا ويقيمنا بروحه المحيى فنتحول فيه إلى الجسد الروحانى أى المقام بروحه المحيى الذى هو الروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ).    

 

 

 


الفصل الرابع

تفنيد بدعة انكار لاهوت المسيح

 

     تقوم عقائد النساطرة بكافة مذاهبهم على أساس أن العذراء لم تلد المسيح ابن إلوهيم بل ولدت انسان مثلنا يدعى يسوع المسيح اتحد به ابن الوهيم. لهذا كان من  البديهى جدا أن ينكر ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى لاهوت المسيح بقوله فى مؤلفـه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ما نصه :

     " إن المسيح لو قال أنه إلوهيم لأدخل من آمن به فى خطأ كبير لأن من قال إلوهيم فقد سمى الجوهر الإلهى وجمع فى قوله الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس. فلو قال المسيح إنى إلوهيم فقد نسب نفسه إلى الآب والابن والروح القدس وأن الأقانيم الثلاثة له وأنه الوالد والمولود والمنبثق وذلك باطل وإذن لقلنا أن الجوهر كله قد تجسد " ( الجامع للطبيعتين 3 : 5 ص 61 ).

    بادىء ذى بدء علينا أن ندرك أن هذا المبتدع يرى أن المسيح ليس هو إلوهيم بل أنه مجرد إنسان متحد بإلوهيم مخالفا بذل قول المسيح نفسه لتلاميذه القديسين:

    أنتم تؤمنون بإلوهيم فآمنوا بى, وقال عن  نفسه من رآنى فقد رأى الآب أنا والأب واحد وقال عن نفسه أنه روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنهم لا يروه ولا يعرفوه أما هم أي تلاميذه فيعرفونه لأنه ماكث معهم ويكون فيهم (  بروح قدسه ).

   وأيضا بالمخالفة للحق الكتابى القائل :

  كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه أتى فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3  ).     

     وهذا عين ما أعلنه بولس الرسول بقوله :

     " عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر فى الجسد " ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

     فواضح أن يسوع المسيح الذى أتى فى الجسد هو إلوهيم الذى ظهر فى الجسد.

     مما تقدم يتضح بأجلى بيان أن الكلمة هو إلوهيم الذى ظهر فى الجسد, وأنه حيثما وجد أحد الثالوث فهناك رسم الجوهر أى الثالوث القدوس كاملا.

    وكذا من سمى يسوع المسيح فقد سمى إلوهيم لأن من رأى الابن فقد رأى الآب والروح القدس معا. لهذا فإن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم ومرادف له.

     وهذا التعليم هو الذى يتفق مع التعليم الصحيح لأثناسيوس الرسولى القائل:

     " وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم, وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب. لهذا أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت .. وإذ قدم للموت ذلك الجسد  الذى أخذه لنفسه كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة ( خطية ) فقد رفع حكم الموت فورا " ( تجسد الكلمة  9 : 1 ).

   وقال أيضا :

      " أن الثالوث لا يتجزأ إذ هو واحد فى ذاته. لأنه حيثما ذكر الآب ذكر ضمنا كلمته والروح القدس, وإذا ذكر الابن فإن الآب فى الابن, والروح القدس أيضا لا يخرج عن الابن. لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن فى الروح القدس, وهناك طبيعة واحدة إلهية وإله واحد .. لهذا فإن بولس عندما قال " أناشدك أمام إلوهيم والرب يسوع المسيح " ( تيموثاوس الأولى 1 : 25 ) كان واثقا بأن الروح لم ينفصل عن الابن بل هو نفسه فى المسيح كما أن الابن فى الآب ( الرسالة الأولى إلى سرابيون ف 14 ص 47 - 48 ). 

     لأن التعليم بأن الكلمة أخذ جسدا لا يناقض التعليم بأن إلوهيم ظهر فى الجسد. لأن الكلمة وإلوهيم هما يسوع المسيح الذى أتى فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 – 3 ) لأن الأقنوم وفقا للتعليم الأرثوذكسى لا يوجد بمعزل عن جوهره.

 

 

 

  

الفصل الخامس

تضاد القول بأن الكلمة ترك نفس ناسوته

مع القول بأن لاهوته لم يفارق نفس ناسوته

 

     يقول ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى فى مؤلفه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقية الإيمان " والمنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ما نصه :

     " هو الذى ترك نفس ( روح ) ناسوته حين أرد من قبل أن يطعن جسده .. وهو الذى مات بناسوته المحتمل الموت بمفارقة نفسه ( روحه ) المخلوقة جسده المخلوق .. حتى رد لاهوته نفس ناسوته ( أى روحه الإنسانية ) إلى جسده فقام فى اليوم الثالث من الأموات " ( الجامع للطبيعتين ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ).

     والواقع أن هذا التعليم هو ذات التعليم الذى نادى به بعض أقطاب الغنوسية أمثال كيرينثوس الغنوسى الذى قال أن المسيح حكمـة إلوهيم اتحد بجسد إنسان يدعى يسوع وعندما صلب فارقه المسيح حكمة إلوهيم وبالتالى وقعت الآلام على الناسوت وليس اللاهوت. أما مرقيون وباسيليدس ومانى فقالوا بأن اليهود لم يصلبوا ابن إلوهيم بل شخصا آخر.

     وهنا علينا أن نلاحظ أن ايمان الغنوسيين كان أفضل من ايمان النساطرة لأنهم كانوا يؤمنون بأن المسيح هو ابن إلوهيم منذ الأزل , وفى هذه النقطة كانوا يتفقون مع ما أعلنه يوحنا الرسول بقوله :

    وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن إلوهيم ، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ( يوحنا 20 : 31 ).

     أما النساطرة بكافة مذاهبهم فلم يميزوا بين اسم المسيح المعروف منذ بدء الخليقة والمعلن في الأسفار النبوية ( مزمور 2 : 2 ) وقبل تأسيس العالم ( بطرس الأولى 1 : 19 - 20 ) وبين اسم يسوع ( يهوه يخلص ) الذى لم يعلن تصريحيا إلا في العهد الجديد. بأن قالوا بأن اسم يسوع المسيح خاص بالإنسان الذى اتحد به الكلمة .

     هذه الهرطقات الغنوسية بل وأشنع منها كما قدمنا هي التي أخذ بها النساطرة وأثبتها  ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى بقوله : أن الكلمة فارق الروح الإنسانية ( المحتجب بها حسب معتقد النساطرة ) من قبل أن يطعن جسده بالحربة ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ق 3  ف 5  ص 66 ) وهكذا لم تقع الآلام على الكلمة وإنما نسبت إليه بسبب اتحاده أو احتجابه بروح هذا الإنسان ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ق 3  ف 4  ص 51 -52 ).

     ويقول ثيؤدورت أسقف قورش أيضا ما موجزه أن نفس المسيح الإنسية ( أى روحه الإنسانية ) بعد أن فارقت جسدها (  وبهذا تحقق الموت حسب معتقدهم ) أنقذت أرواح الصالحين من سجنهم, ونقلتهم إلى الفردوس وفعلت ذلك بقوة اللاهوت الساكن فيها لا يفارقها ( رغم أنه فارقها من قبل أن يطعن جسده كما قدمنا ) ( الجامع للطبيعتين 4 : 1 ص 101 ).

     أي أن اللاهوت يسكن روح المسيح الإنسانية , وكأن الروح الإنسانية العاقلة مادة تسكن. وهذا معناه أن الكلمة لم يتجسد وإنما تروحن بإنسان أي سكن روحه. ثم على الصليب ترك الكلمة نفس ناسوته ( أي روحه الإنسانية ) حين أرد من قبل أن يطعن جسده " ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ف 5  ص 66 ) فالكلمة حسب ثيؤدورت أسقف قورش ترك الروح الإنسانية حتى تتألم وحدها, وهذا معناه أن الكلمة لم يتألم وإنما الذى تألم هو الإنسان. ونسبت الآلام للكلمة بسبب الإتحاد ( ظهور المسيح المحيى لنسطور ف 12 , 13 ).

     هذا التعليم يهدم معتقدهم : بأن لاهوته لم يفارق ناسوته وهو ما أعلنه نسطور أيضا بقوله:

    أنه اتحد بلا انفصال بالناسوت حتى أنه عندما تألم فإنه يجب أن نعترف به متألما وغير متألم .. وبذلك يمكن أن يقال أنه تألم كإنسان وظل غير متألم كإله ( ظهور المسيح المحيى ف 3 ص 16 ).

       وفى هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش مثبتا أن الإتحاد بدون فرقة أو انفصال بقوله:

      نؤمن بمسيح واحد موحد بتوحيد الأقنوم المؤلف بين جوهر اللاهوت وجوهر الناسوت .. بلا تخليط ولا فرقة ولا انقطاع ( أي بدون مفارقة أو انفصال ) ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ك 1 ق 3 ف 4 ص 58 ).

     مما تقدم يتضح أن الكلمة حسب تجديف ثيؤدورت أسقف قورش المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى قد تهرب من الآلم تاركا الإنسان وحده يتألم. رغم سابقة قوله أن الإتحاد بلا انفصال.

      ويؤخذ على قول ثيؤدورت " نؤمن بمسيح واحد موحد بتوحيد الأقنوم "  بأن هذه المقولة تتفق مع معتقد يعقوب البرادعى لأن الواحد الموحد بتوحيد الأقنوم أي الشخص يعنى حسب البرادعى أن هذا الشخص هو حقيقة ثالثة هي مزيج من الشخصين اللذين تلاشيا بالإمتزاج بحيث نشأ من هذا المزيج  شخص جديد ليس إلها ولا إنسانا ولا هما معا. أم حسب ثيؤدورت فيعنى أن أقنوم أو شخص اللوغوس ابتلع أقنوم العقل البشرى ولاشاه وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية, وهذا يضاد مقولته بأن روح المسيح الإنسانية كانت بلا عقل بشرى منذ وجودها وأن الكلمة صار عقلا لها منذ وجودها ).

    من يحتمل هذه التجاديف والتعاليم المنحرفة والمتعارضة ضد مجد إلوهيم, وكيف بذل إلوهيم جسد ابنه الوحيد عن حياة العالم إن كان قد ترك إنسانا يتألم عنا وبه خلصنا عوضا عنه.

   وأيضا من يقبل هذه الخرافات التي ليس لها أي سند كتابى والمنافية للعقل والمنطق بأن روح إلوهيم عوضا عن أن تسكن جسدا خاصا بها وتشخصه. تسكن روح عاقلة وتشخصها.

     أما قوله : بأن روح المسيح الإنسانية بعد أن فارقت جسدها بالموت أنقذت أرواح الصالحين من سجنهم, ونقلتهم إلى الفردوس بقوة اللاهوت الساكن فيها لا يفارقها ( رغم أنه فارقها من قبل أن يطعن جسده كما قرر سابقا ) ( الجامع للطبيعتين 4 : 1 ص 101 ).

      والواقع أن الروح الإنسانية اعجز من أن تحيى أجساد الراقدين من عصر ما قبل الطوفان بسبب محدوديتها.  فضلا عن عدم قدرتها على تحرير أرواح أبرار عصر ما بعد الطوفان من سجن الجسد المائت إذ حتى تحررهم يلزم أولا أن تمنحهم عربون الروح ( كورنثوس الثانية 5 : 5 ) الذى سيحيى أجسادهم المائتة بروحه الساكن فيهم ( رومية 8 :  9 -11 ).

    فالروح الإنسانية المحدودة بفرض أنها محيية كالروح القدس الرب المحيى فلا يمكنها أن تحييى الكل بسبب محدوديتها , وأيضا الروح الإنسانية ليس لديها القدرة على التناسخ كالجسد الحى بالدم الذى بسبب هذه القدرة يمكن أن نشترك فيه جميعا في التناول. كما نشترك في الروح القدس الذى بسبب عدم محدوديته يملاء الكل ( أفسس 4 : 8 – 10 ).

  

 

 

 

 

الباب الرابع

الرسائل والكتابات النسطورية

 المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين

 

     استعرضنا في هذا الباب سبع رسائل مزورة منسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين كمثال للكشف عن أساليب التزوير التي استخدمها النساطرة في تزوير الرسائل المنسوبة إلي القديس كيرلس عمود الدين , ومنها يتضح أن التزوير قد يشمل الرسالة كلها أو فقرات منها تم دسها علي الرسالة الحقيقية لتشويهها. ونتج عن هذا التشويه نشوء مذهب ثالث هو المذهب الأنطاكي تلاه مذهب رابع هو المذهب اليعقوبي.

    لأن القول بطبيعة واحدة بحسب المعتقد الأرثوذكسي مع دس التعليم القائل بطبيعتين متحدتين في المسيح نتج عنه أن اعتقد الأنطاكيين وتلاهم اليعاقبة الذين تم تداول الرسائل المزورة بين ظهرانهيم أولا أن أعتقدوا بأن التعليم الصحيح هو القائم علي وجود طبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة وقد تبني هذا التأويل ونادي به ساويرس الأنطاكي الذي أقيم أولا اسقفا علي أنطاكية بحسب المعتقد الخلقيدوني القائل بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة ليتركه إلي بدعته الجديدة القائلة بأن روح المسيح مؤتلفة من روحين مشخصة بالكلمة, وهو ما عبر عنه بالقول طبيعة من طبيعتين مشخصة بالكلمة, وهو التعليم الذي قبله أولا يعقوب البرادعي ثم خالفه بالقول بأن المسيح طبيعة من طبيعتين وأقنوم من أقنومين بما مفاده أن المسيح جوهر من جوهرين.

      وبداهة أن جميع تعاليم أصحاب الطبيعتين بينة لتعارضها مع الحق الكتابي الواضح والصريح بأن يسوع المسيح به طبيعة واحدة هي طبيعة إلوهيم الظاهر في الجسد وأنه ليس انسان ولم يتحد بإنسان بل شاركنا في اللحم والدم لكي بموته عنا يبطل الموت بقوته لا بروح إنسانية تمسك من جسد الموت مثل سائر أرواح البشر . لهذا فإن تعاليم أصحاب الطبيعتين تكشف عن نفسها. لأنها قائمة علي تعاليم تضاد الحق الكتابي. حيث تزعم أن الكلمة هو آخر غير المسيح , وأنه إنسان مثلنا مسح بالروح القدس, وأن الكلمة اتحد بهذا الإنسان وصار يسمي بالمسيح نتيجة اشتراكه مع هذا الإنسان في وحدانية اسم المسيح, وبسبب هذا الإتحاد المزعوم صار هذا الإنسان أيضا يسمي ابن إلوهيم. كما تتضمن هذه الرسائل ردود ثيؤدورت أسقف كورش النسطوري على الحرومات الإثنى عشر للقديس كيرلس. كما تتضمن شرح معتقدات النساطرة في المسيح وأنه بطبيعتين وليس بطبيعة واحدة لاهوتية بحسب معتقد أصحاب الطبيعة الواحدة الاهوتية المنكرة للاتحاد بحسب معتقد أصحاب الطبيعتين, وبالتالي فإن أصحاب الطبيعتين يعتقدون أن المسيح ليس هو الكلمة وبالتالي فإنه بحسب معتقدهم غير مساو للآب في الجوهر بل هو أنسان مثلنا صاحبه الكلمة أي تأنس به بأن احتجب بروحه الإنسانية وجعلها روحه أيضا حيث صار يتكلم من خلالها دون أن يبطل عقلها البشري,

   ورغم عدم منطقية هذا التعليم وفساده إلا أنه لاقي قبول من أصحاب الطبيعتين المعتبرين من منظور أصحاب الطبيعة الواحدة عادمي الذهن .

 

 

 

الفصل الأول

الرسالة رقم ( 1 )

   تتضمن  بدعة أن الكلمة ليس هو المسيح

 وأنه إنسان مثلنا مسح بالروح القدس

 

   هذه الرسالة  رغم أنها منسوبة للقديس كيرلس عمود الدين. إلا أنها مثل الكثير من الرسائل والمؤلفات المنسوبة للقديس كيرلس كانت في الأصل تتضمن مناظرة بين القديس كيرلس ونسطور . فتم تحريفها بإزالة اشخاص المناظرة بحيث يظهر التعليم كله رغم تضاده وكأنه للقديس كيرلس.

    إلا أن التمييز بين تعاليم القديس كيرلس وتعاليم نسطور ميسور لمن له معرفة بالكتاب المقدس والفرق بين المعتد الكتابى وعقائد النساطرة بمختلف مذاهبهم.

    وهذا يعنى أن الرسالة كانت في الأصل تتضمن عرض لتعاليم نسطور ورد القديس كيرلس عليها أو العكس.

    وفيما يلى نقدم بعضا لتعاليم نسطور الواردة بهذه الرسالة رقم 1 ورد القديس كيرلس عليها أو العكس.

 

    يقول نسطور ردا على تعاليم للقديس كيرلس ما نصه:

      إن قلتم أنه من الصواب أن الذى مسح هو إلوهيم الكلمة فإنكم تجهلون أنكم تخطئون إلى طبيعة الابن الوحيد وتسيئون فهم سر التدبير بالجسد.

     لأنه إن كان إلوهيم الكلمة قد مسح بالروح القدس فإنكم ستضطرون للاعتراف بأنه كان هناك أزمنة لم يكن فيها ممسوحا .. وبالتأكيد إذن أن كلمة إلوهيم من جهة طبيعته الخاصة لم يتقدس ( يمسح ) على إنفراد ( الرسالة رقم 1 : 27 ص 16, 17 ).

     لهذا يعلمنا داود النبى أن نرتل للابن :

     " أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك إلوهيم إلهك بزيت الإبتهاج أفضل من رفقائك ".

     فكأن الابن قد مسح كإنسان بمديح عدم الخطية وهكذا مجدت الطبيعة البشرية ( الروح الإنسانية ) بالحصول على الروح القدس الذى لن يفارقها ( شرح تجسد الابن الوحيد  ف 1 ص 11 ).

 

   فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

      إن ظن أحد أن ذاك المولود من العذراء القديسة مسح وتقدس وحده ( أي دون غيره من البشر باعتباره انسان مثلهم حسب معتقد نسطور ) ولهذا السبب سمى مسيحا. فدعه يتقدم ويقول أن كانت المسحة كافية أن تبرهن أن الذى مسح هو مساوى في المجد وشريك عرش إلوهيم .. فإننا نحن أيضا قد مسحنا .. لذلك فربما حتى نحن أنفسنا سنكون مساويين لإلوهيم . ونظن أنه لا شىء يمنعنا من أن نجلس معه كما يجلس هذا .. ليقدم لنا جمهور الأرواح العلوية المقدسة العبادة لنا نحن أيضا ..  ولكن نحن وإن كنا قد مسحنا بالروح القديس ورغم أننا نلنا التبنى ودعينا آلهة .. فإننا لا نجهل حدود طبيعتنا وأننا عبيد وأما هو فهو بالطبيعة الابن والرب من السماء ( الرسالة رقم 1 : 28 ).

     مما تقدم يتضح أن القائلين بأن الذى مسح إنسان لا إله . لم يستطيعوا أن يميزوا أو يفهموا أن داود كان يسبح إلوهيم الذى مسح  إلوهيم بزيت الإبتهاج بقوله :

    " كرسيك يا إلوهيم إلى دهر الدهور قضيب إستقامة قضيب ملكك .. من أجـل ذلك مسحك إلوهيم إلهك بزيت الإبتهاج ".

        من هذه التسبحة يتضح أن الماسح والممسوح هو إلوهيم وأنه مسح بزيت الإبتهاج أى بالروح القدس.      

     فالمسيح الذى مسح هو إلوهيم وقد مسحه إلوهيم لا لكى يصيره ملكا لأنه مالك كل شىء على الدوام إذ هو صورة إلوهيم ولأن الروح الذى يمسح هو معه على الدوام فمسحته إذن أزلية.

       وهذا ما أعلنه الحكمة نفسه قائلا : منذ الأزل مسحت منذ البدء ( الأمثال 8 : 23 ).

     لذلك فإن إظهار نزول الروح القدس على المسيح فى الأردن بعد معموديته إنما كان لأجلنا نحن حتى ننال المسحة بمسحته حتى يصير هو متقدما فى كل شىء إذ هو قبل كل شىء وأول كل شىء.

      لذلك فإن هذا كتب لأجلنا لأنه يقول : لأجلهم أقدس أنا ذاتى ليكونوا هم مقدسين فى الحق ( يوحنا 17 : 18 - 19 ).

      تأملوا قوله " أقدس أنا ذاتى " لتدركوا أن المقدس والمتقدس والقدس واحد كما أن الماسح والممسوح والمسحة واحد.

     فالمسيح لم يأخذ بتجسده مجدا لم يكن له. لأنه أتى بصورته التى كانت له على الدوام وأخلى نفسه لأجلنا, وأيضا فإن مسحته هى أيضا له على الدوام أى سرمدية لأن الروح الذى يمسح ويقدس هو روحه وهو نفسه الذى أرسل الروح ( يوحنا 16 : 7 ) الذى يأتى باسمه ( يوحنا 14 : 26 ) أى باسم المسيح. لأنه كما أن الابن هو صورة الآب الذى أتى باسمه ( يوحنا 17 : 6 , 11 ) هكذا الروح يأتى ويحل فينا باسم المسيح إذ هو تعبيره الكيانى ( غلاطية 2 : 20 ) ( أفسس 3 : 17 ).

     من ذلك يتضح أن اسم المسيح خاص بالثالوث وأنه قدس ذاته ومسحها لأجلنا رغم أنه المسيح القدوس بالطبيعة والجوهر.

     فالمسيح لم يسمى مسيحا بسبب مسحه فى الأردن لأن هذا الاسم عرف به فى الأزمنة الأزلية قبل تأسيس العالم ولكن أظهر فى الأزمنة الأخيرة لأجلنا ( بطرس الأولى 1 : 19 - 20 ) وهو الاسم الذى بشر به الملاك الرعاة والذى أخبر به الأنبياء في القديم ( متى 2 : 4 ) ( بطرس الأولى 1 : 10 – 12 ).

     اما عن قول داود النبى بأن المسيح مسح بمسحة أفضل من شركائه . فهى افضل بمقدار ما لمالك الروح من كرامة أفضل من الذين يأخذونه كعطية أو موهبة بعد أن صاروا بالمعمودية شركاء الطبيعة الإلهية .

 


 

الفصل الثانى

 الرسالة رقم ( 4 )

تتضمن بدعة الإتحاد بين إبنين في وحدة اسم المسيح

 

    يقول مترجمى الرسالة رقم 4 الموجهة من كيرلس إلى نسطور حسب زعمهما بأنها الرسالة الثانية إلى نسطور وأنها نعتت بالعقائدية باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. وزعموا أنها كتبت قبل مجمع أفسس الأول وأن هذا المجمع اعتمدها عند إنعقاده سنة 431 ميلادية.

    والواقع أن هذه الرسالة لا تحمل أي تعليم من تعاليم مجمع نيقية التي نجد أصولها في قانون الإيمان الرسولى.

    أما هذه الرسالة فهى رسالة نسطورية في جملتها ما عدا الفقرة الأولى من الفصل السابع بهذه الرسالة فهي للقديس كيرلس يفند فيها بدعة الإتحاد الأقنومى أي الإتحاد بين شخصين أى إبنين .. في وحدانية اسم البنوة من خلال تكريم الإنسان بصفة خاصة بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ) باعتباره الاسم المشترك بين الطبيعتين المشتركتين في وحدانية اسم البنوة ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 4 ص 32 ) أي اسم المسيح  وهو ماعبر عنه نسطور بالقول :

     بأن الكلمة قد وحد مع نفسه أقنوميا (  أي مع شخصه ) جسدا محيا بنفس عاقلة وصار إنسانا بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها. وهو قد سمى ابن الإنسان .. ليس باتخاذه شخصا معينا.. ونحن نقول أنه على الرغم من تميز الطبيعتين المجتمعتين معا فإنه يوجد مسيح واحد وابن واحد من الإثنين. إن اختلاف الطبائع لم يبطل بسبب الإتحاد ( الرسالة رقم 4 ف 3  ص 13 ).

     من الواضح أن التعليم باتحاد الطبيعتين على أساس وحدانية اسم المسيح ووحدانية اسم البنوة هو لنسطور وليس للقديس كيرلس. كما أن الإتحاد على أساس الأسماء المشتركة بين اللاهوت والناسوت يتعارض أيضا مع تعاليم بدعتى ثيؤدورت أسقف قورش ويعقوب البرادعى, فضلا عن أن هذا التعليم مملوء بالأخطاء والمغالطات اللاهوتية والمنطقية.

    أول هذه الأخطاء هو قول نسطور أن الكلمة وحد مع نفسه ( أي جوهره ) أقنوميا ( أي بحسب الأقنوم ) إنسان ( أي جوهر آخر مخلوق ) .

     في حين أن الأقنوم معناه ما يقوم به الجوهر الواحد من جهة, ومن جهة عكسية هو تحت الجوهر أي أنه أحد أقانيم الجوهر,  ومن ثم  فإن الأقنوم لا يتحد ولا يقوم في جوهر أو بجوهر غيره.

     أما ثانى الأخطاء وربما الجهالات أو المغالطات فهى قوله : أنه وحد مع نفسه أقنوميا  جسدا محيا بروح إنسانية عاقلة.

      الجهالة الأولى والعظمى هنا هو جعله الإتحاد الأقنوم الذى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الروحانى العاقل تتحد اقنوميا بجسد مادى أي تجعل المادة جزء من الجوهر الروحانى. وهذا بطال نقلا وعقلا.

       أما الجهالة الثانية والمنافية للعلم والكتاب المقدس فهو  الروح الإنسانية ليست محيية, أي ليس لها القدرة على إحياء الجسد, ولو كان لها هذه القدرة لما سقط جسد الإنسان تحت حكم الموت أبدا . لأن الروح لا تفنى ولا تموت. لهذا فإن النفس الحية أو الحيوانية التي في الدم القابل للموت والفناء هي علة  إحياء الجسد وهذه حقيقة كتابية وعلمية ( تكوين 9 : 4 ) لأن نفس الجسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 14 ) والنفس الحية أي الدم يشترك فيها البشر والحيوانات وهى غير الروح العاقلة الخالدة التي يجبلها إلوهيم داخل جسد الإنسان وحده.

    فإن كان الإنسان يموت بخروج روحه الإنسانية العاقلة من جسده فكيف تموت الحيوانات وهى لا روح  لها.

     فجسد الإنسان مثل جسد الحيوان حى بالدم أي أنه مثلهم ذي نفس حية بالدم ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 45 ) .

    وتفنيدا للبدع الوارة بالرسالة رقم 4  والتي تروج لبدعة الإتحاد بين شخصين عاقلين يقول القديس كيرلس في الفقرة الوحيدة الصحيحة بهذه الرسالة ما نصه  :

    " إنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص . لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه. بل أنه صار جسدا, والكلمة إذ صار جسدا لا يكون آخر ( لأن النساطرة يفسرون الجسد بأنه إنسان ) إنه اتخذ دما ولحما مثلنا إنه جعل جسدنا خاص به

    في هذه الفقرة حاول القديس كيرلس إفهام نسطور أن الجسد مركب من لحم ودم, وأن الجسد لا يخص البشر وحدهما. بل يخص الحيوانات أيضا .

    وبالتالي لا يمكن أن نعتبر أن الجسد يقصد به اللحم والدم والروح , لأن هذا التعميم يجعل للحيوانات غير العاقلة وغير الناطقة أرواحا عاقلة كلمانية.

      لهذا فإن التحديد الكتابى لماهية الجسد عند النساطرة ليس بذى قيمة, لأنه يعنى عندهم الإنسان كاملا.

     وهذا معناه أن التجسد عندهم يعنى أن الكلمة سكن إنسانا مثلنا, وهكذا إستبدلوا حق إلوهيم بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد أمين ( رومية 1 : 25 ).

      وهكذا بذهن عاطل عن الفهم الصحيح استبدلوا صورة مجد إلوهيم الذى لا يموت بشبه  صورة إنسان مائت مثلنا له روح إنسانية عاقلة زعموا أنه المسيح المولود من مريم وليس أن الكلمة هو الذى ولد منها, وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا صورة مجد إلوهيم الذى هو المسيح القدوس  الذى لا يموت لأنه روحا محييا أي روحا باعثا للحياة (  كورنثوس الأولى 15 : 45 ) بشبه صورة إنسان مائت مثلنا ( رومية 1 :  22 )  بقولهم أن المسيح المولود من مريم إنسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة ونفسا حية مائتة كأدم الأول وأثبت نسطور ذلك بكل جهالة مخالفا الحق الكتابى بقوله: أن آدم الثانى كان له روح آدمية وجسد مثل آدم الآول ( " ظهور المسيح المحيى "  ف 10 ص 28 ).

     الروح الوحيد المحيى أي الذى له القدرة على بعث الأجساد من الموت  وإحيائها  هو الروح القدس الرب المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) حسب قانون الإيمان الرسولى.

  أما قوله صار إنسانا بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها فسببه أأن مناقشة بدعته يثبت عدم صحتها كتابيا ويظهر حماقته للجميع .

     ثم كيف لا يمكن التعبير عنها وقد شرحها بقوله بأن الكلمة حل في إنسان قديس بكل ملء اللاهوت.

   ولكنه عجز عن أن يبين كيف يسمى حلول الكلمة في إنسان تجسد. لأنه لو صح هذا فستكون لإلوهيم تجسدات كثيرة . فنحن جميعا هياكل لإلوهيم وروح إلوهيم يسكن فينا, والسؤال الأهم هل حلول إلوهيم في إنسان نظيرنا يحوله إلى إله يعبد.  

     ومما يثبت نسطورية هذه الرسالة أيضا هو توافقها مع أسلوب نسطور القائل  بأن المسيح كإنسان كرم بتسميته بالابن حيث يقول نسطور في رسالته الخامسة ما موجزه:

     انهم يضعون كأساسات هذه الأسماء .. المسيح .. والأبن .. وهى الأسماء التي تشير إلى ما هو مشترك بين الطبيعتين. حتى أن ما يختص بالبنوة والربوبية لا يكون فيه انفصال, وما يختص بالطبيعتين لا يكون فيه خطر الإختلاط في وحدانية اسم البنوة ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 4 ص 32 ).    

     وهو عين ما عبر عنه نسطور في الفقرة الواردة بالرسالة رقم 4 المنسوبة للقديس كيرلس يقول فيها أن المسيح كإنسان كرم بتسميته بالابن بما نصه:

     وهكذا نحن نعترف بمسيح واحد ( أي إنسان ) ورب. ليس أننا نعبد إنسانا مع الكلمة .. ليس كإبنين .. بل كإبن واحد .. ولكن إذا رفضنا الإتحاد الإقنومى  ( أي بين شخصين ) نسقط في التعليم في إبنين .. لإنه كإنسان ذي وضع منفرد كرم بصفة خاصة بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ).

 

    فرد عليه القدس كيرلس قائلا:

    يقول الهراطقة:  لا يوجد ابنان ولا ربان بل حيث أن الكلمة اتصل بهذا الإنسان صار هذا الإنسان يشترك معه في الإسم ( أي اسم المسيح ) وفى كرامة البنوة .. أي أنه يحسب مع الابن الوحيد في اسم وكرامة البنوة والربوبية ( المسيح واحد ف 7 ص 37 – 38 ).

     مما تقدم يتضح استحالة أن ينادى القديس كيرلس برأى فى كتاب أو رسالة ثم يفندها في كتاب آخر أو رسالة أخرى, بل وأحيانا كثيرة في نفس الكتاب أو الرسالة .

     إذن البديهى أن هذه المؤلفات كانت حوارية وأزال شخص ما أشخاص المناظرة حتى يظهر كل التعليم وكأنه للقديس كيرلس , ومع ذلك فإن التمييز والفصل بين تعاليم نسطور وتعاليم كيرلس ميسور لمن لديه المعرفة وروح التمييز والمنطق السليم .

                                                 

 

 

 

الفصل الثالث

الرسالة رقم ( 17 )

تتضمن ردود ثيؤدورت على الحرومات الإثنى عشر للنسطورية

 

        المحقق لدينا أن الحرومات الإثنى عشر المنسوبة للقديس كيرلس والواردة  في الرسالة رقم 17 ف 19 هي في حقيقتها  لثيؤدورت  فيها على حرومات القديس كيرلس عمود الدين لنسطور وتعاليمه المنحرفة.

 ودليل ذلك أن الرسالة رقم 17 والمعروفة بالرسالة الثالثة هي في الحقيقة رد ثيؤدورت  على حروماته الإثنى عشر للنسطورية, وقد تم تزوير الرد وجعله فى صورة رسالة مرسلة من كيرلس لنسطور .

     ولإثبات نسطورية الرسالة سنعتمد على فقرات يدافع فيها ثيؤدورت عن أشهر الإتهامات التي اتهم القديس كيرلس نسطور بالوقوع فيها على الوجه التالى :

 

    يقول ثيؤدورت ردا على الحرم الثالث للقديس كيرلس ما نصه :

     نحن لا نجزىء ولا نفصل الإنسان عن إلوهيم ولا نقول أنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة والسلطة. لأن هذا هراء وليس أكثر  ..

     ولا نسمى كلمة إلوهيم مسيحا على حدة وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحا على حدة بل نعترف بمسيح واحد فقط .

   ولسنا نقول أن كلمة إلوهيم حل فى الإنسان المولود من مريم كما فى إنسان عادى .. فإنه  أيضا قد قيل أن فى المسيح ( أى فى الإنسان حسب نسطور ) يحل كل ملء اللاهوت جسديا .

     لذلك إذ نحن ندرك أنه إذ صار جسدا ( إنسانا حسب المفهوم النسطورى للجسد ) فلا يقال عن حلوله أنه مثل الحلول في القديسين ( الرسالة رقم 17 : 9 ص  24 ).

    ثم في نهاية الرسالة يقول نسطور للقديس كيرلس: 

    " هذا ما يلزم أن تحرمه تقواك ".  

    وهذا معناه أن نسطور كان يرد على حرومات القديس كيرلس له , وبعد أن انتهى من رده عليها. ردها للقديس كيرلس بعد أن أعاد صياغتها بما يتفق وبدعته مستخدما الإسلوب السفسطائى بذكر الشىء ونقيضه في نفس الوقت وإعطاء معانى صوفية للكلمات بحيث تظهر معنى للكلمة خلاف ما تبطنه ثم ختمها قائلا :

     " هذا ما يلزم أن تحرمه تقواك " .  

     وقد تم نشر هذه الرسالة بعد مجمع أفسس الأول بين السريان على أنها رسالة من القديس كيرلس لنسطور وليس العكس. حتى أن ثيؤدورت اسقف قورش استخدمها على أنها للقديس كيرلس ضمن العديد من الرسائل التي تم تحريفها وإعادة نشرها من قبل النساطرة على أنها للقديس كيرلس.

 

    هذه الرسالة ترجمها عن اليونانية الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد على أنها رسالة للقديس كيرلس عمود الدين في حين أنها لنسطور .

    ونحن نتعجب كيف لم ينتبه مترجميها إلى أن كاتب الرسالة هو نسطور يفند فيها الإتهامات التي اتهمه بها القديس كيرلس في الحرومات الإثنى عشر,  وفى مؤلفه شرح تجسد الابن الوحيد , والتي يقول فيها القديس كيرلس لنسطور :

    "  أن المسيح  ليس إنسانا حصل على مساوة وكرامة وسلطان إلوهيم الكلمة حسب زعم البعض ( إشارة إلى نسطور ) .. اننا نؤمن أنه ليس إنسانا مثلنا قد تشرف بنعمة اللاهوت لئلا نقع في جريمة عبادة إنسان " ( شرح تجسد الابن الوحيد 12 ص23 ) .

 

      واستطرد القديس كيرلس قائلا :

       فليسمعوا منا هذا . لا يكفى لمن يسكن إلوهيم فيه أن تجعله هذه السكنى إلها يعبد لأن إلوهيم يسكن في الملائكة وفينا نحن بالروح القدس .. ونحن لا نعبده لأن الكلمة حل فيه كما يحل في إنسان. وإنما نعبده لأنه إلوهيم الذى صار جسدا ( شرح تجسد الابن الوحيد 18 ص33 – 34  ).

 

    فرد عليه نسطور في الرسلة رقم 17 المنسوبة للقديس كيرلس قائلا :  

   وإذ نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد ( أي بالإنسان حسب نسطور )  أقنوميا فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح. نحن لا نجزىء ولا نفصل الإنسان عن إلوهيم ولا نقول أنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة والسلطة. لأن هذا هراء وليس أكثر  .. لذلك إذ نحن ندرك أنه إذ صار جسدا ( إنسانا ) فلا يقال عن حلوله أنه مثل الحلول في القديسين ( الرسالة رقم 17 : 9 ص  24 ).

 

     فرد عليه القديس كيرلس قائلا:

      لو كان المسيح إنسانا لبسه اللاهوت فما معنى القول " شاركنا في اللحم والدم " ( العبرانيين 2 : 14 ) كيف يتحقق هذا لو كان اللاهوت قد حل في إنسان .. ولو كانت مشاركته في اللحم والدم تجعل منه إنسانا على النحو الذى يفهمه المعارضون للإيمان . فإلوهيم حل في قديسين كثيرين وهذا يعنى أنه لم يتجسد مرة واحدة بل عدة مرات ( شرح تجسد الابن الوحيد 25 ص37-38  ) .

    مما تقدم يتضح مدى تعارض التعاليم المنسوبة للقديس كيرلس رغم أنها تفند بعضها البعض , ولكننا نعتقد أن كثيرين من الذين فهموا ما نكتبه صاروا متمرنين على التمييز بين كتابات النساطرة والكتابات الأرثوذكسية المؤيدة بالحق الكتابى.

       النساطرة بجميع مذاهبهم يفسرون الجسد, واللحم والدم على أن المقصود بهم الناسوت ذي النفس الإنسانية العاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 253 , 254 ). 

     ويرى المعترض اليعقوبى أن " الناسوت ليس شخصا رغم أنه إنسان كامل لم يوجد قط منفصلا  " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 277 ).

     إن قول هذا المعترض بأن الناسوت ليس شخصا يعنى أن روحه الإنسانية بلا عقل بشرى لأن اللوغوس قام مقامه في تشخيصها , وهذا معتقد خلقيدونية, وهذا يناقض قول المعترض " رغم أنه إنسان كامل " أي أن له عقلا بشريا , وإلا كيف يكون كاملا بدون عقل بشرى, وكيف سيخلص العقل البشرى إن لم يأخذه الكلمة في الإتحاد . بحسب قاعدة نسطور الشهيرة ما لا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص.

 

    وهذا المعتقد الخلقيدونى أخذ به أيضا الأنبا غريغوريوس بقوله:

     بأن  الكلمة لم يتخذ إنسانا وإنما تخذ ناسوتا ( اى الإنسان الداخى ويقصد به الروح الإنسانية العاقلة ) واتحد به , ونحن نعنى هنا الناسوت ( أي روح إنسانية ) غير مشخص ( أي بلا عقل بشرى لأن اللوغوس قام مقامه بحسب معتقد خلقيدونية) الناسوت بخصائصه وصفاته من دون تعين بشخص أو فرد بذاته.

       وفي هذا يقول الأب لويس برسوم الخلقيدونى المذهب في مؤلفه " المسيح الإله والإنسان " ما نصه :

  بأن الكلمة لما تجسد أخذ طبيعتنا البشرية دون ما أقنوم ( اى بدون عقل بشرى يشخصها ) .. بأن ضم إلى طبيعته الإلهية الطبيعة البشرية تحت وحده أقنومه الإلهى الواحد ( أي شخصها باللوغوس ) .. والحال أن تجسد الكلمة ليس أمرا طبيعيا .. وقد اقتضت حكمته بأن تكون هناك طبيعة بشرية من غير أقنومها البشرى ( المسيح الإله والإنسان ب 7 ص 61 ) ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت ف 4 ص 56 ).

        وهذا معناه أن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي بلا عقل بشرى يشخصها أو تعقل به ذاتيتها, لأن الكلمة قام مقامه في تشخيصها منذ وجودها, ولكنه ناقض نفسه بأن جعل في المسيح شخصان كل قائم بذاته حسب نسطور بالقول .

    " أن يسوع بصفته الإلهية يوجد في السماء وعلى الأرض وفى كل مكان, وأنه بصفته الإنسانية وإن كان على الأرض إلا أن نفسه تتمتع بمشاهدة إلوهيم في السماء "  ( المسيح الإله والإنسان ب 2 ص 29 ).

    والواقع أن قول الأب لويس برسوم الخلقيدونى المذهب بأن روح المسيح الإنسانية رغم أنها على الأرض إلا أن كانت تتمتع بمشاهدة إلوهيم في السماءهو تخريج يجعل الروح الإنسانية غير محدودة فضلا عن أن تمتع الروح يعنى أنها عاقلة ولها ذاتيتها وشخصيتها ( الأنا ) المستقلة التي تتمتع بمشاهدة إلوهيم في السماء, وهذا معتقد نسطور

     وهذا يهدم مقولته بأن روح المسيح الإنسانية بلا شخصية أي إدراك لذاتها بعقلها البشرى وأنها تشخصت باللوجوس منذ وجودها

     وعلى هذا فإن إتحاد الروحين ( أي الطبيعتين العاقلتين ) بأقنوم الكلمة حسب مجمع خلقيدونية, يختلف عن اتحاد الطبيعتين في وحدانية اسم البنوة واسم المسيح باعتباره شخص واحد حسب نسطور ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 5  ص 33 ) لأن الاتحاد حسب نسطور هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير , ومن ثم فإن الطبيعتين كل قائمة بأقنومها الخاص بها رغم الإتحاد في وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة .

   ثم بعد أن أثبت المعترض اليعقوبى المذهب النسطورى بالقول بشخصين عاقلين في المسيح حسب النظرية الأنطاكية, وبعد أن انتقل لإثبات المعتقد الخلقيدونى بأن روح المسيح الإنسانية مشخصة بالكلمة . عاد ليثبت المعتقد اليعقوبى بقوله :

      جحد القديس كيرلس النظرية الأنطاكية بكونها غير كافية للتعبير عن الإتحاد الحقيقى وإنما تسمح بتفريق طبيعتى السيد المسيح كما علم نسطور ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 277 ).

   والواقع أن القديس كيرلس كان يعتبر أن فكرة اتحاد الكلمة بإنسان بموجب حلول أو شركة أو اتحاد أقنومى هو مجرد لغو فارغ  لأنه في النهاية لن يعدوا أن يكون مجرد حلول في إنسان, وهذا الحلول يجعل المسيح مجرد إنسان مثلنا وليس إلها حسب الحق الكتابى ومن ثم فإن تعليم الإتحاد والحلول والتانس يبطل التجسد لأن الحلول في جسد إنسان لن يحوله إلى إله.

     كما أن بدع النساطرة عن الإتحاد الشخصى أو الأقنومى والطبيعى والجوهرى هي بدع لا سند كتابى لهم, وهم يرفضون تعبيرا الشركة والحلول باعتبارها لا تعبر عن قوة الإتحاد رغم أن الكتاب المقدس يستخدم هذه التعبيرات ولكن ليس بالمفاهيم التي يفسرها الهراطقة لهلاد أنفسهم فالكتاب يستخدم لفظ " الشركة " في إشتراك الرب فيما لنا أي اللحم والدم بالقول إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم إشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ) وعن"  الحلول " يقول الكتاب أنه في جسد المسيح ( الكلمة ) حل كل ملء اللاهوت ( كولوسى 2 : 3 , 9 ) وقيل هذا حتى لا يعتقد أحد سيما الهراطقة أنه يمكن تجزئة اللاهوت بفصل الكلمة عن جوهره وإدخاله في عمليات تركيب ومزج وإئتلاف.

    هذا مثال فقط نوضح فيه أن هذه الرسالة رقم 17 هي في حقيقتها لنسطور يرد فيها على اتهامات القديس كيرلس له. أما الحرومات الإثنى عشر الملحقة بالرسالة فهى من وضع نسطور نفسه يرد فيها على حرومات القديس كيرلس بقوله له : " إن ما يلزم أن تحرمه تقواك هو الملحق بهذه الرسالة المرسلة منا " ( الرسالة رقم 17 ف 19 ) وهذا دليل على رفضه حرومات القديس كيرلس ورده عليها بحرومات أخرى مقابلة تثبت النسطورية صاغها باستخدام بعض تعبيرات القديس كيرلس بطريقة تثبت النسطورية بقوله: أن هذا ما يجب أن تحرمه تقواك.

     إن أسلوب الرسالة القائم على السفسطة والتضاد وعدم المنطقية والمعانى الباطنية التي تظهر خلاف ما تبطن وهو ما نكشفه فيما بين القوسين. هذا الإسلوب هو السمة المميزة لكتابات نسطور وثيؤدورت أسقف قورش. وهذا الإسلوب يمكن أن يتبينه بسهولة أصحاب المنطق السليم. أما عادمى المنطق فهم يقبلون كل ما هو غير منطقى ومضاد للحق الكتابى. إذ هم أصلا غير قادرين على التمييز بين الغث والسمين.

    من المحقق تاريخيا أن للقديس كيرلس عمود الدين إثنى عشر حرما صدق عليها مجمع الإسكندرية الذى عقد برئاسته لإثبات التعليم الأرثوذكسى المضاد للنسطورية وقد أرسلها كيرلس إلى نسطور طالبا منه التوقيع عليها غير أن نسطور أبى وقابل ذلك بكتابة بنود تؤيد بدعته ختمها بحروم تثبت النسطورية.

     وقد نشرت حرومات نسطور بالرسالة رقم 17 على انها للقديس كيرلس فى حين أنها من تصنيف نسطور وقد أرسلها إلى كيرلس بعد أن أعاد صياغتها بما يتفق مع مذهبه بمقدمة يقول فيها " إن ما يلزم أن تحرمه تقواك هو ما ألحقناه بهذا الخطاب المرسل منا ".

     وقد أعاد نسطور صياغة هذه الحرومات بما يتفق ومعتقده بصياغة باطنية حتى تظهر في بعض تعبيراتها وكأنها أرثوذكسية في حين أن معانيها الباطنية مثبتة للنسطورية.

    ويقول نسطور أيضا :

    أن المسيح واحد وهو ابن ورب. ليس بمعنى أن إنسان حقق مجرد صلة مع إلوهيم بواسطة إتحاد كرامة .. ولا مصاحبة لأن هذا لا يكفى لتحقيق الإتحاد الطبيعى ( أي بين طبيعتين عاقلتين ) .. وكما قلنا سابقا أن كلمة إلوهيم قد اتحد بالجسد ( أي بالإنسان ) أقنوميا (  الرسالة رقم 17 ف 10 ص 25 – 26 ). 

    وهذه العبارة أيضا رغم أنها مثبتة للمعتقد النسطورى إلا أن اليعاقبة يفسرون قول نسطور بالإتحاد الطبيعى ( أي الذى بين طبيعتين ) أنه يعنى به الطبيعة الواحدة من طبيعتين, وأيضا يفسرون قوله عن الإتحاد الأقنومى ( أي الذى بين اقنومين عاقلين ) بأنهما اتحدا معا في كرامة اسم البنوة ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 – 16 ) أو وحدانية اسم البنوة ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 4 ص 32 ) أنه يعنى ليست اتحاد في كرامة اسم البنوة حسب نسطور. بل يعنى عندهم أن أقنوم الكلمة بالإتحاد صارت له ذهنية بشرية حسب تفسيرهم لمفهوم الإتحاد الذى يعنى عندهم الإئتلاف.

 


 

الفصل الرابع

الرسالة رقم ( 39 )

تتضمن قانون ايمان النساطرة بمختلف مذاهبهم

 

     هذه الرسةل المنسوبة زورا للقديس كيرلس عمود الدين هي رسالة مزورة تتضمن صورة اعتراف الإيمان الخاص بالنساطرة بكافة مذاهبهم, ونصه كما جاء بالرسالة :

     " نعترف أن ربنا يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد . هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد, وهو مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته , وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا ولد من مريم العذراء بحسب ناسوته , وهو نفسه من الجوهر ذاته الذى للآب حسب لاهوته , ومن نفس الجوهر الذى لنا بحسب ناسوته . لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد وابن واحد "  ( الرسالة رقم 39 ف 3 ص 43 ) .

    هذا الإعتراف هو صورة اعتراف نسطور الذى يقول بشخصين لكل منهما أقواله الخاصة .

     ومع ذلك فإن هذه الصياغة ذاتها  أخذ بها ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى كما أوردها مؤرخ تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية وفيها يقول ما موجزه :

     " نعترف أن ربنا يسوع المسيح. هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس ناطقة وجسد, وهو مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته , وأنه هو نفسه في آخر الزمان من أجل خلاصنا ولد من العذراء بحسب ناسوته, فهو من طبع الأب باللاهوت ومن طبعنا بالناسوت, وإذا صار اتحاد الطبيعتين لذلك نعترف بمسيح واحد وابن واحد ..  لقد قال انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه بثلاثة أيام ولم يقل انقضونى لأنه ليس إلوهيم الذى ينقض بل الهيكل .. وكلاهما مسيح واحد  .. وبعد أن يميز أعمال المسيح ناسبا العجائب إلى اللاهوت والآلام والموت إلى الناسوت يقول لا نقسم الطبيعتين إلى مسيحين لكننا نفهم الطبيعتين في المسيح الواحد ( تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية فصل 26 ص 83 - 84 ).

   وهو ذات اسلوب نسطور في رسالته الخامسة والتي يقول فيها:

    وهو لم يقل لليهود انقضوا لاهوتى وأنا في ثلاثة أيام أقيمه ( نسطور الرسالة رقم 5 ف 6 ص 34  ).

    هذا الإعتراف رغم أنه لثيؤدورت أسقف قورش كما جاء في تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية إلا أنه يثبت الإقنومين معا حسب معتقد نسطور , وهذا معناه أن إقرار الإيمان هذا هو إقرار ايمان ثيؤدورت قبل حرم نسطور, لأنه بعد حرم نسطور عدل ثيؤدورت اعتراف ايمانه بالقول ليس بأقنومين بل بأقنوم واحد جامع للطبيعتين ومن ثم صارت جميع الأقول تنسب للكلمة .

 

 

 

الفصل الخامس

الرسالة رقم ( 46 )

تتضمن هجوما على أصحاب الطبيعة الواحدة لإثبات الطبيعتين

 

   يقول نسطور في فقرات مدسوسة بالرسالة رقم 46 المنسوبة للقديس كيرلس عمود الدين يهاجم فيها معتقده ومعتقد القديس أثناسيوس الرسولى باعتبارهما من أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية بقوله ما نصه :

     " إن أبائنا حددوا اعتراف الإيمان بأن الكلمة تجسد وتأنس وهم لم يكونوا يجهلون أن الجسد المتحد بالكلمة كانت تحييه نفس عاقلة, وعلى الرغم من اختلاف الطبيعتين ( الروحين الإنسانية والإلهية ) المتحدتين معا. إلا أننا نعترف بمسيح واحد لأن الكلمة صار جسدا, وحينما نقول جسدا فنحن نتحدث عن إنسان.

     وهذه المسألة ( أي تأنس الكلمة بإنسان ) ليست محاربة للقائلين بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد. لأن أصحاب الطبيعة الواحدة يناضلون لكى يبرهنوا على أن الطبيعتان قائمتان دائما ليبرهنوا بذلك أن القول بالإتحاد بلا معنى " ( الرسالة رقم 46 ف 11 , 12 ص 102 , 103 ).

     من الواضح أن عقيدة  اتحاد الكلمة بإنسان هي مضادة لمعتقد أصحاب الطبيعة الواحدة أي الروح الواحدة للمسيح الكلمة المتجسد, وأصحاب هذه العقيدة ينكرون تعليم الاتحاد بين الأشخاص من الأساس لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أنه صار جسدا والكلمة إذ قد صار جسدا لا يكون آخر انه اتخذ لحما ودما أنه جعل جسدنا خاصا به ( الرسالة رقم 4 ف 7 ).

     لأن اتحاد الكلمة بإنسان ليس تجسدا بل هو حسب نسطور تأنس بإنسان مثلنا . أما الإتحاد التركيبى التشخيصى بحسب خلقيدونية او الإئتلافى بحسب يعقوب البرادعى فهى بدع أكثر تطرفا ولا معقولية من بدعة نسطور. لأن الطبائع العاقلة لا تحل فى بعضها ولا تختلط ولا تأتلف بغيرها وبالتالي فالطبيعتان قائمتان دائما وبالتالي فإن تعليم الإتحاد بإنسان بالحلول فى روحه وتقمصها والتأنس بها حسب نسطور أو تنحيتها وتشخيص روحها بالكلمة بحسب ثيؤدورت أو القول بامتزاج الطبيعتين ونشأة طبيعة جديدة حسب ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى هى جميعها بدع وخرافات يونانية لا وجود لها فى الواقع ومن ثم فهى بلا معنى .

 

    وفى هذا يقول القديس كيرلس :

    أنتم تصنعون تمايزات من جميع النواحى .. لأنكم تقسمون المسيح والابن الواحد  إلى ابنين .. متظاهرين بالاعتراف بمسيح وابن واحد وتقولون أن شخصه واحد. لكنكم تعودون وتقسمونه إلى أقنومين ( شخصين ) منفصلين ومفترقين أحدهما عن الآخر. فتمحون تعليم السر كلية. بقولكم أن الذى من امرأة أى صورة العبد نال الاسم الذى فوق كل اسم على حدة وبمفرده, وخضع لمسحة الروح القدس وحصل على الدوام على سكنى إلوهيم معه أى الكلمة الذى من إلوهيم الآب ( الرسالة رقم 50 : 20 ).

 

 



الفصل السادس

الرسالة رقم ( 50 )

تتضمن حوارا حول هل تجسد اللوغوس أم حل في إنسان؟

 

   هذه الرسالة  رغم أنها منسوبة للقديس كيرلس عمود الدين. إلا أنها لنسطور يرد فيها على اتهامات القديس كيرلس له. حيث تبدأ هذه الرسالة بمقدمة لنسطور يعقبها رد كيرلس على هذه المقدمة ثم رد لنسطور وهكذا حتى نهاية الرسالة.

     ويتضح من أسلوب الحوار  الذى يبدأ بمقدمة نسطورية أن الرسالة تتضمن عرض لتعاليم القديس كيرلس ورد  نسطور عليها .

    وفيما يلى نقدم كمثال بعضا من الحوار بين نسطور وكيرلس الوارد بهذه الرسالة التي تم تحريفها بإزلة أشخص الحوار حتى تبدوا الرسالة وكأنها بكل ما تحويه من تضاد من وضع القديس كيرلس رغم أنها تفند بعضها بعضا كما سنبين فيما يلى.

     يقول نسطور في البند 3 من الرسالة رقم 50 ما نصه :

     إن كلمة إلوهيم .. باتخاذه جسدا بلا دنس من العذراء القديسة. جسدا تحييه نفس عاقلة ( أي أن الكلمة اتخذ إنسان مولود من مريم ) أثبت أن هذ الجسد خاص به حسب اتحاد يفوق الفهم وبغير اختلاط .. ولا كجسد لواحد آخر . بل مدرك أنه جسده الخاص به ( كيف يحل إلوهيم الكلمة في جسد إنسان عاقل, ويقال أن جسد هذا الإنسان العاقل صار جسد إلوهيم الكلمة, وليس جسد هذا الشخص الآخر . هذه التعاليم كما نرى تتسم بالسفسطائية والتضاد وعدم المنطقية. حيث تقول الشيء وتثبت نقيضه في نفس الوقت. فضلا على القياس الفاسد القائم على المغالطة والتضليل وفساد المنطق, وإلى هذه الأخيرة يعزى عدم تمييز فاسدى الذهن ما تضمنته الرسالة من  تعاليم تفند بعضها البعض ).

    فرد عليه القديس كيرلس في البندين 4 و 5 من ذات الرسالة مفندا أقوال نسطور قائلا:

     دعهم لا يقسمون لنا الابن الواحد .. بل دعهم بالحرى يعرفون أن إلوهيم الكلمة لم يكن متصلا بإنسان.

     فإن قالوا أن إلوهيم والإنسان باجتماعهما معا في واحد كونا معا مسيحا واحدا .. فإلوهيم والإنسان لم يكونا مسيحا واحدا باجتماعهما معا كما يقولون. بل كما قلت أن اللوغوس إذ هو إلوهيم أصلا اشترك في اللحم والدم مثلنا ( العبرانيين 2 : 14 ) .. وأنه قد اتخذ جسدا وجعله جسده الذاتي ( الرسـالة رقم 50 ب 4 و 5  ص 116 – 117 ).

      فرد عليه نسطور في الفقرة 6 بإسلوبه السفسطائى الذى يثبت الشىء ونقيضه في نفس الوقت قائلا   :

      إن كلمة إلوهيم الوحيد الجنس لم يأت كإنسان باتخاذه إنسانا ( في هذه الفقرة أنكر نسطور اتخاذ الكلمة إنسان ) .. ولنعترف بكل طريقة أن جسده لم يكن بدون نفس بل كانت تحييه نفس عاقلة ( في هذه الفقرة أثبت اتخاذ الكلمة إنسان مركب من جسد ونفس عاقلة ) ( الرسـالة رقم 50 ب 6  ص 117 – 118 ).

     فرد عليه القديس كيرلس في البند 7 فقرة أولى من الرسالة رقم 50 بما نصه :

    " لقد عرفت أن البعض قد وصلوا إلى درجة الجنون حتى أنهم لا يخجلون أن يقولوا أن إلوهيم الكلمة بسكناه في ابن معين. الذى ولد من العذراء. قد آلهه.

    ولكن أيها الفضلاء, أود أن أقول لكم . هذا ليس هو كلمة إلوهيم. الذى تجسد .. بل بالحرى الحلول في إنسان, وهو بالطبع مثل الحلول في أحد الأنبياء القديسين ( الرسـالة رقم 50 ب 7 فقرة أولى ص 118 ).

    فرد عليه نسطور في ذات البند 7 فقرة 2 و3 من نفس الرسالة قائلا :

    أن الكلمة المولود من إلوهيم الآب صار جسدا حسب الكتب ..

    فهو لم يتصل بإنسان أو يسكن فيه كما تقولون. فإن يقال أن ذلك الذى حصل على الحلول قد تأله كما يؤكدون.. فكيف لا يكون هذا دليلا على غباء مطبق ( الرسـالة رقم 50 ب 7  فقرة 2 و 3 ص 118 ).

    من الواضح كما جاء بالفقرات السابقة. أن الرسالة عبارة عن حوار بين نسطور وكيرلس, ولكن تم تحريف الرسالة بإزالة أشخص الحوار بحيث تبدوا التعاليم الواردة بالرسالة رغم أنها تفند بعضها بعضا وكأنها بكل ما تحويه من تضاد من وضع القديس كيرلس حتى يقبلها الذين بلا تمييز على أن كل ما بها من تعاليم متعارضة هي للقديس كيرلس.

    وبالفعل خدع بها الكثيرون من عادمى التمييز. لأن من لا يدرك ما بالرسالة من تعاليم متعارضة ومتناقضة ولا يفهم أن بعضه يفند بعضه أو يرد عليه. هو بالفعل بلا تمييز.

    تبدأ هذه الرسالة بمقدمة لنسطور من البند 1  حتى البند  3 يعقبها البندان 4 و 5 لكيرلس. ثم البند 6 لنسطور يعقبها البند 7 ويتكون من ثلاث فقرات. الفقرة الأولى لكيرلس,  والفقرتان الثانية والثالثة لنسطور يرد فيها على ما جاء بالفقرة الأولى من ذات البند.

   يعقبها البنود من 8 حتى 13 للقديس كيرلس. إلا أن بعض البنود بها تعبيرات نسطورية. ربما كانت محرفة في الأصل أو ربما يكون مرجعها أن المترجم نسطورى فيترجمها من منظوره الشخصى كنسطورى.

    يليها البنود من  14 حتى 17 لنسطور.

      ونظرا لأهمية البند 17 من هذه الرسالة رقم 50 فسنعرض له بالتفصيل, وفيه يقول نسطور متهما القديس كيرلس بالأبولينارية  بما نصه:

      وهكذا إذ يتدخلون فى سر تدبير وحيد الجنس بالجسد، يفسدون بشر تام قوة الحق، وتنطبق عليهم أيضاً الإتهامات الموجهة لرأى أبوليناريوس، لأنهم يؤكدون بثقة وجرأة أن كلمة إلوهيم أخذ جسداً، لكن جسداً غير محيياً بنفس عاقلة، بل يقولون أنه ( أى كلمة إلوهيم ) كان فى الجسد محل العقل والنفس لكن -كما قلت-  فى فعلهم هذا، هم ساقطون برداءة عظيمة.

         ولكى لا نؤمن أن العبارات البشرية التى قالها ربنا كانت بحسب التدبير, وبحسب القدر المناسب للناسوت لأنه تأنس ( أى لم يتجسد وإنما إئتنس بإنسان أي صاحبه أو اتصل به ) لذا يسلبون جسده من النفس العاقلة الساكنة فيـه.

     هذا التعليم حرمه القديس كيرلس في الحرم الرابع  بقوله بأن  كل من يفرق بين الأقوال الواردة في الأناجيل ناسبا بعضها إلى المسيح كإنسان, وبعضها إلى الكلمة كإله. كأنه آخر غير المسيح الواحد فليكن محروما.

     يعقب البند 17 لنسطور البنود من  18 حتى 20 للقديس كيرلس. يليها البنود من  21 حتى 24 لنسطور. يعقبها البنود من 25 حتى 28 لكيرلس. ثم البند 29 لنسطور. ثم البندين 30 و31  إلا أن الترجمة ملتبسة بالبند الأخير. إما بسبب خطأ المترجم أو بسبب تحريف في الأصل.

    ففي هذين البندين 30 و 31 يقول الكاتب ما موجزه:

   أن بعض الأغبياء يجولون قائلين أن تعليم نسطور انتشر بين الأساقفة الشرقيين ويعتبرونه تعليما صحيحا.

   لذلك رأى الكاتب إيضاح أن أساقفة الشرق مع يوحنا أسقف أنطاكية وضعوا اعتراف مكتوب يدينون فيه بدعة نسطور, واعترفوا بأن العذراء هي والدة الإله. وليست والدة الإنسان ( المسمى المسيح  حسب نسطور ).

    أما الأولون ( المشار إليهم بالأغبياء ) فيقولون حسب نسطور أنه يوجد مسيح وابن ورب واحد ( هذا الترتيب هو لنسطور فالمسيح هو الاسم المشترك بين الطبيعتين, والابن هو الإنسان, والكلمة هو الرب ) .. كامل فى الإلوهية , وكامل في الإنسانية ويؤمنون أن شخصه واحد. غير مقسمينه إلى ابنين أو مسيحين أو ربين ( رغم أن شخصه واحد إلا أنه بطبيعتين وهذا مستفاد من القول أنه كامل الإلوهية وكامل الإنسانية ).

   وبداهة أن هذه العقيدة هي عين معتقد نسطور القائل بأن اسم المسيح هو الاسم المشترك بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في شخص واحد ( الرسالة رقم 5 لنسطور ب 5 ) وأن الطبيعتين مشتركين في اسم المسيح بدون اختلاط في وحدانية البنوة ( الرسالة رقم 5 لنسطور ب 4 ).

    وهذا ما فنده القديس كيرلس عمود الدين بقوله:

    وإذ قالوا : ليس إبنين بل ابن واحد يجلس مع الآب. فمن هو ذاك الذى من نسل داود أم الواحد مع الآب في الجوهر؟ وكيف إذا تم تقسيم الواحد إلى إثنين يتم خلاص العالم ؟ ثم ذاك الذى من نسل داود ويجلس معه. من هو؟ هل هو مخلص؟ أم مجرد مثال للإستعلاء والتعدى الإنسانى على المجد الإلهى, ويبقى رغم كل ذلك مجرد إنسان به خلصنا . . ولكن مصاحبة ( تأنس ) اللاهوت بالناسوت لا تؤدى بنا إلى شيء . بل هي فارغة وبلا قيمة .. لماذا يجعلون الخدمة الإلهية المقدسة هي عبادة إنسان بسيط مثلنا ( المسيح واحد ف 7 ص 40 -41 ).  

    والسؤال هو :

    هل هذا تعليم كيرلس أم تعليم نسطور يرد به على كيرلس الذى ينكر أن تكون للمسيح روح إنسانية. لأنه لو أن للمسيح روح إنسانية عاقلة فهذا معناه أنه إنسان نظيرنا وليس هو الكلمة المتجسد.

     لو ان هذه الرسالة للقديس كيرلس فإنه يكون من سفه العقل ان يتهم نسطور بالأبولينارية التى تنكر وجود روح إنسانية للمسيح . في حين تقوم النسطورية على عقيدة أن العذراء لم تلد الكلمة المتجسد وانما ولدت انسانا يدعى يسوع المسيح اتحد به الكلمة من البطن, وعلى هذا فإن الذى يعتقد بالروح الإنسانية فى المسيح هو نسطور لا القديس كيرلس .

     إن علة حرم أوطيخا وديوسقوروس  في مجمع خلقيدونية هو إنكارهم أن يكون للمسيح روح إنسانية معترفين بروح واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد. لهذا فإن اتهام الأبولينارية انما يوجه دائما من قبل أصحاب الطبيعتين لأصحاب الطبيعة ( الروح ) الواحدة الإلهية فى المسيح الكلمة المتجسد.

     لهذا فإن الإبولينارية هى الاتهام الذى اتهموا به وما زال يتهمون به كل من ديوسقوروس وأوطيخا وكيرلس واثناسيوس الرسولى نفسه .

     وإذا لم يتجاسروا على حرم كل من القديسين كيرلس واثناسيوس الرسولى فقد حرموا تعاليمهم من خلال حرم تلاميذهم .

     فبدأو بحرم أبوليناريوس تلميذ أثناسيوس الرسولى لقوله بحسب الحق الكتابى بأن الكلمة تجسد ولم يحل في إنسان .

    ومعلوم ان أوطيخا كان رفيقا القديس كيرلس في مجمع افسس الأول وقد اصدر ثيؤدورت اسقف قورش النسطورى مؤلفا بعنوان " الشحاذ "  أو المتسول  سنة 447 ميلادية هاجم فيه أوطيخا لقوله بطبيعة ( روح ) واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد وأن الكلمة .. لم يتخذ إنسانا بحسب معتقد اصحاب الطبيعتين. 

    ثم تأمر النساطرة على أوطيخا  وعقدوا له مجمعا لحرم تعليم الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد التى اثبتها مجمع أفسس الأول. من خلال حرمه باعتباره مبتدع.

      فتم عقد المجمع برئاسة فلبيانونس اسقف القسطنطينية  وفيه نسبوا لأوطيخا زورا أنه يقول بطبيعتين قبل الإتحاد وبطبيعة واحدة إلهية بعد الإتحاد. بما يعنى ان الروح القدس الذى هو روح المسيح ابتلع  الروح الإنسانية ولا شاها.

     وبداهة أن أوطيخا لم يقل ذلك وانما قال بروح واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد. بما يعنى أن روح المسيح هو الروح القدس ( رسالة أثناسيوس الرسول الأولى  إلى سرابيون ف 11 ص 38 ) بحسب الحق الكتابى ( رومية 8 : 9 ) (العبرانيين 9 : 14 ).

     وبناء على هذا الإقرار تم تبرئته في مجمع افسس الثانى .

     فعقد النساطرة مجمعا آخر في خلقيدونية سنة 451 ميلادية  حرموا فيه كل من أوطيخا بتهمة الأوطاخية التي تم تبرئته منها في مجمع أفسس الثانى. كما حرموا القديس ديوسقوروس لتبرئته أوطيخا بما يعنى تمسكه بذات تعليمه بحسب البدعة المنسوبة إليه من المنظور النسطورى لمفهوم الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد والتي تعنى عندهم أن أحدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى ولاشتها.

     والواقع أن النساطرة في ضلالهم لم يكتفوا بالقول بأن روح المسيح إنسانية. بل اضافوا إلى ضلالهم ضلالة أخرى بالقول بأن روح المسيح الإنسانية روحا محيية أي لها القدرة على إقامة جسدها المائت من الموت.

     في حين إن الروح الوحيد المحيى أى القادر على إقامة الأجساد من الموت هو الروح القدس لأنه وحده الرب المحيى إذ هو وحده روح القيامة والحياة.

    إن كيرلس لا يمكن أن يقع فى هذا الخطأ اللاهوتى الذى سقط فيه النساطرة وكل الذين يعتقدون أن روح الإنسان محيية للجسد أى أنها هى التى تقيمه من الموت.

   إن هؤلاء لا يدركون أن كل الذين من آدم الأول هم أحياء بالنفس الحية أى الدم. لأن حياة آدم الأول كانت بالنفس الحيوانية أى الدم المصنوع من تراب الأرض.

     أما المسيح فإنه وإن شاركنا فى مالنا أى الدم. إلا أنه وحده إذ هو الرب من السماء  كان له وحده الروح المحيى الذى هو روح القيامة والحياة الذى أعطانا إياه فى المعمودية ليمنحنا القيامة من الأموات بميلاد ثان وحياة جديدة ليست من دم يفنى بل مما لا يفنى بروح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    وأخيرا فإن تعليم نسطور بالروح الإنسانية العاقلة يخالف عقيدة مجمع خلقيدونية في الروح الإنسانية المشخصة بالكلمة الذى ابطل العقل البشرى وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية.

     كما يخالف معتقد ساويرس الأنطاكى القائل بأن المسيح ليس بطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية .. بل بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " ترجمة الراهب جرجس الأنطونى الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) وأن هذه الروح التى من روحين المشخصة بالكلمة ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا. وهى البدعة التي يزعمون أيضا أنها تعليم كيرلس.

    فأي من هذه التعاليم المتناقضة هو تعليم القديس كيرلس؟

    هل التعليم بأن الروح الإنسانية العاقلة حسب نسطور هو تعليم أثناسيوس وكيرلس. أم التعليم بأن الروح الإنسانية المشخصة بالكلمة  حسب مذهب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية هو الذى لإثناسيوس وكيرلس كما زعموا في مجمعهم اللصوصى وهو المسمى الذى أسقطوه على مجمع أفسس الثانى, أم الروح الموحدة المشخصة بالكلمة حسب مذهب ساويرس الأنطاكى والذى ينسبونه أيضا للقديس كيرلس.

     والسؤال لأصحاب العقول متى اتهم أثناسيوس الرسولى أو كيرلس عمود الدين بالنسطورية حتى يدافعا عنها مثبتين اتحاد الطبيعتين تارة حسب نسطور وتارة حسب معتقد خلقيدونية وتارة حسب المذهب اليعقوبى.

     ومن الذين اتهموا بالأبولينارية؟ أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية, أم أصحاب الطبيعتين؟   

 

 

 

 

الفصل السابع

الرسالة إلى أبكتيتوس

    بشأن انكار أن يكون المسيح هو المساو للآب في الجوهر

 

    يقول نسطور في هذه الرسالة المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى في حين أنها لنسطور يهاجم فيها القديس كيرلس قائلا :

    أي عالم سفلى تقيأ القول بأن الجسد ( أي يسوع المسيح باعتباره انسان حسب المفهوم النسطورى ) الذى من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة ( رسالة القديس أثناسيوس الرسولى إلى أبكتيتوس ف 2 ).

    هذه هي التعابير النسطورية الصوفية التي تظهر خلاف ما تبطن اما باطن النص فهو كالتالى :

       أي عالم سفلى تقيأ القول بأن يسوع المسيح المولود من مريم هو نفسه الكلمة المساو للآب في الجوهر ( رسالة القديس أثناسيوس الرسولى إلى أبكتيتوس ف 2 ).

     ويستطرد نسطور مهاجما  القديس كيرلس باسلوبه الصوفى السوفسطائى الذى يستخدم التعبير الواحد بمعانى مختلفة حسب هواه وبلا ضابط قائلا:

     هم يقولون ( أي القديس كيرلس ) أن إلوهيم قد صار في جسد بشرى ( أى تجسد باشتراكه معنا في اللحم والدم بحسب الحق الكتابى والمفهوم الصحيح للجسد ) .. أما الآباء في نيقية فقالوا أن الابن نفسه وليس الجسد ( أي يسوع المسيح بحسب المفهوم الباطنى للجسد عند نسطور ) هو من نفس جوهر الأب. قإنهم اعترفوا أيضا بأن الجسد ( أي الإنسان حسب نسطور ) هو من مريم ( رسالة القديس أثناسيوس الرسولى إلى أبكتيتوس ف 11 ص 45 , 46 ).

       من الواضح أن هذه الرسالة المزورة المتضمنة تعاليم صوفية باطنية هى من وضع نسطور وقد نسبها للقديس أثناسيوس الرسولى وفيها يهاجم العقائد الأرثوذكسية من منطلق مفهومه للجسد ويعنى  به الإنسان يسوع المسيح ذي الروح الإنسانية العاقلة .

     وكأن إلوهيم لا يميز الفرق بين الجسد والإنسان, أو بين مفهوم التجسد ومفهوم الحلول في إنسان.

    وعليه فإن هذه الرسالة تم صياغتها باستخدام مصطلحات نسطور الصوفية التي تظهر خلاف ما تبطن وهى في نفس الوقت قائمة على السوفسطائية التي تثبت الشىء ونقيضه في نفس الوقت او تستخدم التعبير الواحد بمعانى مختلفة في نفس الوقت بلا ضابط منطقى .

     والخلاصة ان التعاليم الصوفية واللامنطقية هى من أهم السمات التي تكشف عن تعاليم أصحاب الطبيعتين وهى مضادة للحق الكتابى ولتعاليم القديس أثناسيوس الرسولى الصحيحة الواردة بمؤلفه " تجسد الكلمة " . 

 


 

 

صدر للمؤلف

المكتبة الإلكترونية للباحث مجدي صادق

في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

https://magdysadek.blogspot.com


 

 

المكتبة اللاهوتية

 

1

الكتاب المقدس مفتاح العلـم وأسـرار الكـون

1992

2

تفنيـد الاعتراضــات على الكتـاب المقـــــدس

2006

3

الثالوث الواحد في الجوهر

2018

4

ســـــــــــــر المســـــــــــــيح 

2005

5

تجســـــــــد المســـــــــــــيح

2005

6

طبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد

2005

7

الخطية الجدية حسب تعليم الكتاب المقدس

2019

8

الدم يكفر عن النفس لا الروح

2019

9

تجسد وتأنس ضدان لا يجتمعان

2019

10

المسيح في كتابات القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس عمود الدين

2023

11

بدعة نسطور مؤسسة على خطأ الخلط بين النفس والروح

2005

12

اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة

2009

13

تفنيد بدع النساطرة من مؤلفاتهم

2016

14

المذاهب الأربعة لأصحاب الطبيعتين المتحدتين في المسيح

2023

15

شـهود يهـوه والمؤامرة الماسونية ضد المسـيحيـة

1990

16

العقـائـــد والمذاهب المنحرفـــة 

1998

17

دحض البدع المتعلقة بالملك الألفى للمسيح على الأرض

2016

18

أسرار الملكوت

2025

19

أين توجد أرواح الموتي؟

2023

20

ظهور أورشليم السمائية

2025

21

مقالات في علم الأخرويات

2023

22

عـبادة الشــــيطان ضــــد المســــيح 

1998

23

المســـــيح الدجــال الخـطــر القــادم

1993

24

الأطـباق الطـائرة هل هي مركبـات الكروبيــــم؟

1993

25

موعـد مجىء المســيح الدجــال

1997

26

ســر عــدد الوحـش 666 χξς΄

1995

27

كرازة الشاهدان إيليا وأخنوخ بأورشليم

2023

28

شهادة الأنبياء لليهود والأمم بأن يسوع هو المسيح الفادي والمخلص

2024

29

جبل نيبو وعلامات المنتهى الكبرى

1997

30

المجـىء الثـانـي علــي الأبــــواب 

1994

 

المكتبة الطقسية 

 

31

أسـرار الكنيســة الســـبعة

2016

32

خدمة إخــراج الشــياطـين

1997

33

هل يجوز إبطال الوصية الإلهية بتقاليد وضعية؟

2023

34

تفنيد بدعة تطهير المرأة طبقا لناموس الفرائض اليهوديـــة

1989

35

صلاة العذراء حالة الحديد 

2025

 

المكتبة القانونية 

 

36

نظـــــــــم الكنيســـــــــــــــــــة القبطيــــــــة

1998

37

اختصاصات القضاء الكنسى فى مصر فى مختلف العصور

1994

38

مصادر الشريعة المسيحية ومراسيم القوانين الرسولية

1989

39

الطــلاق فى الشــريعـــة المســـيحيــــة

1995

40

أحكام الميراث والوصية والهبة فى الشريعة المسيحية

2014

 

المكتبة التاريخية

 

41

التاريــخ الحقيقــى لمصـــر القديمـــــــة

2002

42

تاريـخ الأقبــاط فى ظل أنظمـة الحكـم المختلفـة

1998

43

تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

2018

44

تاريخ المجلس الملى العام للأقباط الأرثوذكسيين نشأته واختصاصاتـه

2008

45

رحلة العائلة المقدسة من الإكتتاب حتى العودة إلى الناصرة

2018

46

درب الصليب والقيامة المجيدة

2020

 

 

 

 

المكتبة المنوعة

 

47

هل حديث الحية مع حواء قصة حقيقية أم رمزية؟

2023

48

هل لم تعرف الشياطين السيد المسيح؟

2023

49

المتفرقات فى العلوم اللاهوتية المتنوعة

2017

50

مقالات قانونية وكنسية متنوعة

2017

 

المكتبة الإلكترونية الثانية

 

 

المكتبة اللاهوتية

 

51

إثبات حقيقة خلق الكون وتفنيد النظريات المضادة

2023

52

السموات الثلاث ومواقعها في الكون

2023

53

الحقيقة حول محاكمة جاليليو

2023

54

الضربات الثلاث التي سحقت الداروينية

2023

55

قضية هيباتيا الفيلسوفة الساحرة

2023

56

معجزة نقل جبل المقطم

2023

57

لماذا ولد المسيح بدون زرع بشر؟

2023

58

المسيح القدوس الذي لا يموت

2023

59

آية يونان النبي ومعجزة طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد

2023

60

روح المسيح بحسب الأسفار المقدسة وكتابات الآباء الرسوليون

2023

61

البراهين علي سلامة الكتاب المقدس من التحريف

2023

62

هل لا يعلم الابن بذلك اليوم وتلك الساعة؟

2023

63

نبوة السبعون أسبوعا

2023

64

عودة الإمبراطورية اليونانية وأحداث الأزمنة الأخيرة

2023

65

المسيح الدجال ملك صور

2023

66

مظاهر عبدة الشيطان

2023

67

جوج وماجوج وخراب أورشليم

2023

68

أبواب أورشليم قديما وحديثا

2023

69

مفاتيح سفر الرؤيا المتعلقة بالضربات السبع الأخيرة

2023

70

المدة ما بين 12 مايو والمجيء الثاني 1335 يوما

2023

71

الهندوسية ورياضة التوحد بالبراهما المعروفة باليوجا

2023

72

الغنوسية والقبالية

2023

73

الماسونية

2023

74

حركة الروزيكروشان

2026

75

حركة العصر الجديد ودورات التنمية البشرية لتأليه الذات

2023

76

بدع التصوف المسيحي وتأليه الذات

2023

77

بدع اللاطائفية والمعتزلة

2023

78

تفنيد ضلالات حركة الإلحاد المعاصر

2023

79

تفنيد بدع تلاميذ مسيح بابل الدجال

2023

80

تفنيد شيفرة دافنشي

2023

 

المكتبة الطقسية 

 

81

سر المعمودية

2024

82

سر المسحة المقدسة

2024

83

سر الإعتراف

2024

84

سر القربان المقدس

2024

85

سر مسحة المرضي

2024

86

سر الزيجة

2024

87

سر الكهنوت

2024

88

من هو ملكي صادق؟

2023

89

من أدخل الإعتراف النسطوري علي القداسات القبطية الأرثوذكسية؟

2024

90

الحركة الكاريزماتية واللمسة المسقطة

2023

 

المكتبة التاريخية

 

91

قوائم مانيتون سجلات إحصائية للمقابر والأهرمات لا قوائم أسرات

2023

92

أصل المصريين وخرافة وجود دولة مصرية قديمة قبل الطوفان وقبل برج بابل

2023

93

مينا ليس أول الفراعنة

2023

94

لماذا كانت هيلين في مصر أثناء حصار طروادة؟

2023

95

بناة الأهرام وأبو الهول

2023

96

المقبرة الحقيقية لعظماء ملوك مصر القديمة

2023

97

سنوسرت فرعون إبراهيم

2023

98

رعمسيس الملقب حور محب فرعون يوسف الملقب أرسو

2023

99

تحوتمس الثاني الملقب أمنحتب الثاني فرعون الخروح

2023

100

مرن بتاح حتب فرعون سليمان

2023

 

 

 

 

المكتبة الإلكترونية الثالثة

 

 

المكتبة القانونية

 

101

المركز القانونـى للأقباط

1998

102

مشكلة الأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين

1998

103

الشريعة الواجبة التطبيق في مسائل الميراث والوصية علي المسيحيين المصريين

2026

 

المكتبة العامة

 

104

مقالات في نظام الويندوز ومشاكل البرامج والألعاب

2017

 

مكتبة الكتب المترجمة

 

105

Mystery The Number of The Beast 666 χξς΄

2023

 

مكتبة الكتب مع التعليق

 

106

سفر عهد الرب

2004

107

مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين

2026

108

لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين الصادرة سنة 1938 وتعديلاتها

2008

109

قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس فى مصر

2016

110

ملف الأوقاف القبطية

1998

 

مكتبة الكتب العامة مع التعليق

 

111

مبطلات حكم المحكمة الدستورية العليا وقانون الإيجارات الجديد بالدستور

2025

112

التفسير الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا

 

2025

 




حقوق الملكية الفكرية وضوابط النشر

1 -

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف مجدي صادق راغب

2 -

نأذن بترجمة ونشر جميع مؤلفاتنا لأي لغة بشرط تحميلها من موقعنا الرسمي:

https://magdysadek.blogspot.com

وبشرط الأمانة في الترجمة, وعدم استغلال الترجمة تجاريا, وارسال نسخة من الترجمة إلينا لنشرها.

3 -

يحظر علي الغير بيع أي من مؤلفاتنا, أو اشتراط التسجيل أو الإشتراك أو طلب بيانات القارىء أو بريده الإلكتروني مقابل تحميل الكتاب أو قرأته, كما يحظر نشر أو تداول نسخ قديمة من مؤلفاتنا الأمر الذي يتعين معه علي الناشر الحصول علي أحدث اصدار بتحميله من موقعنا الرسمي. 

4 -

أي مخالفة لهذه البنود يخرج العمل عن نطاق الأذن الممنوح.

 

 

 

 

 

 

 

 





































 




























































































































Magdy Sadek

مجدي صادق

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

 

     حائز علي ليسانس في الحقوق, وعلي دبلوم في العلوم اللاهوتية, وعلي دبلوم معهد الدراسات القبطية في التاريخ القبطي, شغل وظيفة كبير باحثين قانونيين بدرجة مدير عام , كما عمل مدرسا بمعهد الدراسات القبطية في الفترة من عام 1992 حتي 1998, كما قام بنشر العديد من المقالات بجريدة العامل المصري عن "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" و"الديانات الجديدة التي تغزو العالم" وغيرها من الأبحاث في المدة من سنة 2000 حتي 2006

 

     اصدر مكتبة بحثية في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية  تضم 112 كتابا اكثرهم مبيعا (1) "الكتاب المقدس مفتاح العلم وأسرار الكون" (2) "العقائد والمذاهب المنحرفة" (3) "المسيح الدجال الخطر القادم" (4) "جبل نيبو وعلامات المنتهي الكبري" (5) "المجىء الثاني علي الأبواب" (6) "أسرار الكنيسة السبعة" (7) "صلاة العذراء حالة الحديد" (8) "أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة المسيحية" (9) "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" (10) "التفسير الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا".

 

   يتسم منهجه البحثي بالتحليل المنطقي المجرد الذي قاده للكشف عن حقائق جوهرية في مجالات العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية, وهي حقائق مدعومة بالشواهد المثبتة لصحتها من مصادرها الأصلية.

 

    حظيت مؤلفاته باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والبحثية, حيث اتخذها بعض الباحثين والكتاب مرجعا في رسائل الماجستير والدكتوراه والعديد من المؤلفات, كما كانت محورا للتناول الصحفي والأكاديمي, وأثارت حراكا فكريا واسعا, مما يعكس قوة وتأثير ما يطرحه من قضايا, وبالرغم من التباين في وجهات النظر حول أبحاثه, فقد حققت مؤلفاته انتشارا جماهيريا كبيرا حيث تجاوزت مبيعاتها علي منصة جوجل بلاي وحدها  أكثر من 300 ألف نسخة. 

Magdy Sadek




[1]  -  الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 69 , 70 هامش 2 ( بتصرف )

[2] -  كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ف 9 ص 129 - 130

[3] -  كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ف 9 ص 129 - 130