الثلاثاء، 19 مايو 2026

تجسد المسيح بقلم مجدى صادق The Incarnation of the Christ

 

تجسد المسيح

The Incarnation of the Christ

 

 بقلم

مجدى صادق

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

"حققت مؤلفاته مبيعات تزيد عن 300 ألف نسخة على جوجل بلاي وحدها" 



باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين



 

تجسد المسيح

The Incarnation of the Christ

المـــــؤلف          :  مجـــدى صــادق راغب

الطـــــبعة           :  الأولى   8  أغسطس 2005

الطـــــبعة           :  العاشرة  1   مايو    2026    

الموقع على النت  :                      https://magdysadek.blogspot.com

البريد الالكتروني  :                               L.magdysadek@gmail.com

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف

 



 

 

تجسد المسيح

The Incarnation of the Christ

 

 

 

الفهرس

5

 

مقدمة

7

الفصـل الأول     :

لماذا تجســـد المسيح ؟

9

 المبحث الأول   : 

سقوط الإنسان وموته                               

11

 المبحث الثانى   :

كيف نرث خطية آدم ؟

19

 المبحث الثالث   :   

ما الذي يحيي الجسد الدم أم الروح ؟

25

 المبحث الرابع    :  

لماذا ولد المسيح بدون زرع بشر؟

31

 المبحث الخامس :  

تفنيد الإعتراضات علي ولادة المسيح بدون زرع بشر

38

   الإعتراض الأول :  

على أن الدم يصنع من زرع الرجل

38

   الإعتراض الثانى :  

على أن الخطية وشوكة الموت في الدم وحده

51

 

تفنيد بدعة الحبل بلا دنس

59

 

تفنيد بدعة ولادة الروح وتناسخ الأرواح

62

الفصـل الثانـى    :    

المســـيح فصحنـا

72

الفصـل الثالـث    : 

القدوس الذى لا يموت                   

76

  المبحث الأول   : 

الميـت الحـــــى

76

 

المقصود بالقول أسلم الروح

84

 المبحث الثانى   :

الثلاث تقديســــات

89

 المبحث الثالث   :   

آيـة يونـــان النبى ومعجزة طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد  

94

 المبحث الرابع    :  

جسد القيامة

105

 

أهم المراجع

109

 

صدر للمؤلف

113

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

    إن الغاية من هذا الكتاب هو شرح تجسد المسيح الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ( فيلبى 2 : 5 – 8 ) الذى هو بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 )  الذى خلقنا على صورته كشبهه ونفخ فى أنف أدم نسمة حياة فصار آدم نفسا حية كسائر ذوات الأنفس الحية, لهذا فإن نفس انوفنا مسيح الرب ( مراثى أرميا 4 : 20 ).

     وعندما أخطاء آدم تدنس دمه بشوكة الخطية والموت وصرنا جميعا نرث دم الخطية المحكوم عليه بالموت من خلال زرع الرجل ( الحيوان المنوى ) أبا عن جد, وهكذا صار الموت إلى جميع الناس لأنهم ولدوا جميعا من دم آدم ( أعمال 17 : 26 ).

    لهذا ولد المسيح من العذراء بدون زرع بشر ( لوقا 1: 34 ) حتى لا يرث دم الخطية, لهذا كان دم المسيح وحده هو الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 3 : 18 -19 ).

     لأن جسد الإنسان يصنع من بويضة الأنثى. أما الدم فيصنع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) أما الروح فإن إلوهيم يخلقها داخل الإنسان ( زكريا 12: 1 ) لتحكمه دون أن تحييه. لهذا فإنها بموت الدم الذى هو جسم خطايا البشرية ( كولوسى 2 : 11 ) تصير الروح سجينة فى الجسد المائت كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( أشعياء 66 : 24 ) لهذا فإن الجسد الذى سقط تحت حكم الموت الأبدى وعاد إلى التراب هو وحده الذى فى حاجة إلى قوة حياة جديدة غير تلك التى فنت بالموت لتقيمه من الموت. لهذا جاء المسيح وافتدانا بدمه ليبطل الموت بالموت عندما يلتقى به فى جسده, كما هو مكتوب لكى يبيد بالموت .. الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) إذا لم يكن للذى صار جسد الحياة ( رومية 8 : 2 ) أن يخضع للموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) لهذا ما أن إلتقى الموت بجسد الحياة تلاشى كما تتلاشى الظلمة من النور, واعطانا أن ندفن معه فى المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح حتى متى اشتركنا معه فى شبه موته نشترك أيضا فى قيامته ( رومية 6 : 3 – 9 ) ( كولوسى 2 : 11 -  13 ) بروح الحياة الذى فيه أى بالروح القدس الذى اعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ) أى بروح قدسه, فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة : ابتلع الموت إلى غلبة , أين شوكتك يا موت ؟ أين غلبتك يا هاوية ( أى الحفرة أو القبر ) ( كورنثوس الأولى 15 : 54 - 55 ).

      هذه الموضوعات وغيرها الكثير هى موضوع مؤلفنا هذا, وجميعها مدعومة بآيات كتابية وبراهين وأدلة علمية ومنطقية تدعم بعضها البعض لتقدم صورة متكاملة للحق الكتابى.

     الرب يجعل من هذا الكتاب بركة تؤول لخلاص كثيرين بالنعمة لمجد إلوهيم مخلصنا.

                                                                                                          مجدى صادق

                                                                                              

  

 

 

الفصل الأول

لماذا تجسد المسيح؟

 

     إن التعليم بمجىء المسيح فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 – 3 ) مولودا من امرأة ( غلاطية 4 : 4 ) بدون زرع بشر ( لوقا 1: 34 ) حتى يولد منها بدم طاهر بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 3 : 18 -19 ) ليكفر به عن دمائنا المدنسة بالخطية الجدية أي خطيئة جدنا آدم المورثة لنا أبا عن جد من خلال الدم المصنوع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) المدنس بالخطية الذى به تحبل الأم ( مزمور 51 : 50 ) ( بطرس الأولى 1 : 23 ) هو عقيدة كتابية كما هو واضح.

     وأما البرهان على أن جميع البشر ورثوا الدم عن آدم أبا عن جد, فهو أن جميع البشر صنعوا من دم واحد ( أي دم آدم ) ( أعمال 17 : 26 ).

     لهذا كان لا بد للتكفير عن دم آدم المدنس بالخطية وشوكة الموت الذى يسرى في عروق جميع البشر بدم طاهر بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 23 ) ( العبرانيين 9 : 14 ) أن يولد المسيح من العذراء بدم طاهر بلا عيب صنعه لنفسه بقوة الروح القدس بدون زرع بشر حتى لا يرث الخطية الجدية المورثة لنا من الدم المصنوع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) المدنس بالخطية الذى به تحبل الأم ( مزمور 51 : 50 ) وبه نرث الموت أي فناء الحياة التي في الدم ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

      لأن الدم ( الطاهر ) يكفر عن النفس ( لاويين 17 : 11 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) فالنفس هي نفس الحياة التي نفخها المسيح في أنف أدم , لأن نفس أنوفنا مسيح الرب ( مراثى أرميا 4 : 20 ) لهذا فإن نفخة إلوهيم في انف آدم هي علة قدرتنا على التنفس من أنوفنا.

    وقد أوضح الكتاب المقدس أن هذه القدرة التنفسية للنفس الحية أو الحيوانية التي هي علة حياة الجسد الحيوانى أي الحى بالدم. موجودة في الدم.

    لأن الدم هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد, سواء كان جسدا بشريا أو حيوانيا, لهذا قيل لحما بحياته دمه لا تأكلوه ( تكوين 9 : 4 ) لأن النفس أي التنفس هو في الدم لأن نفس ( تنفس ) الجسد دمه هو بنفسه ( لاوييين 17 : 11 ).

    لهذا فإن الآراء التي ترى أن النفس الحية هى الروح وليس الدم, أو تمزج بين خصائص النفس الحية المائتة التى هى علة حياة الجسد الحيوانى أى الحى بالدم وبين الروح هي آراء غير سليمة, فالنفس الحية أو الحيوانية الكائنة في الدم لا علاقة لها بالروح التى هى جوهر عاقل روحانى لا يفنى ولا يموت.

     فالنفس الحية أو النفس مجردة يقصد بها الدم,  والدم هو علة حياة الجسد الحيوانى أو النفسانى أي الحى بالدم الذى هو نفس حية يشترك فيها البشر والحيوانات جميعا باعتبارهم جميعا من ذوات الأنفس الحية المتنفسة أي الحية بالدم الذى هو مادة حية متنفسة.

     لهذا قيل يوجد جسم حيوانى أي ذي نفس حية أو حيوانية هي الدم , وجسم روحانى أي مقام من الموت بالروح المحيى الذى هو روح المسيح ( كورنثوس الأولى 15 : 44 – 45 )  روح الحياة ( رومية 8 : 2 ) الذى سيحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) والذى نأخذه في الميلاد الثانى بالمعمودية التي هي شركة موت وصلب وقيامة مع المسيح ( كولوسى 2 : 12 -13 )( رومية 6: 3 - 5 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا (غلاطية 2 : 20 ) أي بروح إلوهيم الذى هو روح المسيح ( رومية 8 : 9 ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الناطق في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) .

 

 

 

المبحث الأول

سقوط الإنسان وموته

 

     الإنسان كائن مركب من جسد ونفس ( أي دم ) وروح ( تسالونيكى الأولى 5 : 23 ) وهو مخلوق على صورة إلوهيم وشبهه ( تكوين 1 : 26 ).

     وقد أوضح الكتاب أن إلوهيم جبل آدم من تراب الأرض وعمله على صورته كشبهه  على صورة إلوهيم خلقه, وخلق الروح العاقلة وجعلها في داخله كما هو مكتوب :

     " يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض, وجابل روح الإنسان في داخله " ( زكريا 12 : 1 ).

      كما أوضح الكتاب أن الروح جوهر عاقل بدليل قوله : أن أمور الإنسان لا يعرفها إلا روح الإنسان الذى فيه ( كورنثوس الأولى 2 : 11 ) وهى جوهر خالد لا يفنى بموت الجسد ( لوقا 23 : 42 - 43 ) وهى غير محيية للجسد, لهذا فإنها بموت الجسد تمسك منه ( أعمال 2  : 24 ) أي تحبس فيه كما في سجن إلى الأبد ( إشعياء 66 : 24 ) وهذا كان مصير جميع أرواح البشر قبل الفداء( تكوين 37 : 35 ).

     ويستدل من التقليد أن الروح المشخصة للجسد تقطن الجمجمة مركز التحكم فى الجسد البشرى.

     وقد ثبت علميا أن الدماغ البشري الموجود داخل تجويف الجمجمة هو العضو الذي يتحكم في الجهاز العصبي المركزي للإنسان، وبه المخ مركز التفكير والإدراك والرؤية وهو المتحكم في سائر الوظائف التنفيذية, وبهذا يكون عمليًا هو الوسيط الذى تتحكم الروح الإنسانية من خلاله في جميع أنشطة الجسم البشرى الإرادية.

     وهذا يتفق مع ما جاء في كتابات أرسطو – المستمدة من التقاليد القديمة - بأن الروح التي هي مركز الشخصية البشرية تقطن تجويف يقع اسفل الجبهة في رأس الإنسان ( الأسقف يوحنا زيزيولاس" الوجود شركة "  ف 2 ص 39 ) وهذه التعاليم مستمدة من التقليد المتعلق بنقل جمجمة آدم من الفلك إلى موقع الجمجمة الذى يقال له بالعبرانية جلجثة ( يوحنا 19 : 17 ). 

     حث وضعت جمجمة آدم فى الموضع المعروف بموضع الجمجمة الذى رفع عليه صليب رب المجد. حتى تطهر بدمه المتسرب خلال شقوق الأرض, لأنه إن كان دم ثيران وتيوس .. مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد, فكم بالحرى يكون دم المسيح ( العبرانيين 9 : 13 - 14 ) لهذا دعى هذا الموضع باسم موضع الجمجمة أى الجلجثة بالعبرانية ( يوحنا 19 : 17 ).

   أما النفس الحية أي الدم, فقد أوضح الكتاب أن نفس انوفنا مسيح الرب ( مراثى أرميا 4 : 20 ) بمعنى أن نفس انوفنا الذى نتنفسه مصدره نفخة المسيح في أنف آدم, التي بها صار آدم نفسا حية أي حيا بالدم الذى هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد الحيوانى ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 45 ).

     وهذا ما أعلنه الوحى الإلهى في أول سفر التكوين بالقول:

     وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ، ونفخ في أنفه نسمة حياة . فصار آدم نفسا حية ( تكوين 2 : 7 ) مثل سائر ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ).

     وقد أوضح الكتاب المقدس أن النفس هى الدم وأن نفس الجسد ( أى قدرته التنفسية ) هى فى الدم ( تثنية 12 : 23 ) ( لاويين 17 : 11 - 14 ) وأنها علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ) وأنها قابلة للموت والفناء, وبموتها يفقد الجسد الحيوانى أى الحى بالدم قدرته التنفسية والحركية فيموت ويعود إلى ترابه.

     وقد أوضح الكتاب أن موت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل. كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما ( الجامعة 3 : 19 - 20 ).

     ورغم أن الجسد الحيوانى القابل الموت واحد للكل. إلا أن الإنسان المجبول على صورة إلوهيم وشبهه هو الحيوان الوحيد الناطق بسبب الروح العاقلة التى تسكنه, وبموت النفس الحية أى الدم تمسك روح الإنسان من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) وتحدر مع جسدها إلى القبر ( تكوين 37 : 35 ) فى رقاد ( نوم ) الموت الأبدى الذى هو أجرة الخطية, وإذ تعجز الروح عن إقامة جسدها المائت تقبض من الموت الذى يملك على الإنسان إلى الأبد. فيصير الإنسان جثة هامدة ( إشعياء 66 : 24 ).

     فالموت هو موت النفس الحية الجسدانية أي الدم. أما الروح فلا تموت بل تمسك فى جسد الموت أى تحبس فيه إلى الأبد, وهذا كان مصير جميع الأرواح حتى الفداء بسفك دم المسيح على الصليب, الذى به صار مماتا في الجسد ولكن – أي الجسد – محيى ( أي مقاما من الموت ) في الروح ( أي الروح القدس الرب المحيى ) الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ( بطرس الأولى 3 : 18 – 19 ) لأن المسيح نزل أولا إلى أقسام الأرض السفلى ( أفسس 4 : 8 - 10 ) ليطلق بنى الموت ( مزمور 102 : 20 ) ويفتح الفردوس للذين يخلصون به ( لوقا 23 : 42 - 43 ).

     نخلص مما تقدم أن الروح الإنسانية العاقلة لا تحيى الجسد بل الدم. لأنها لو كانت هى التى تحيى الجسد لأحيته بدون الدم. فإن عجزت عن ذلك فلا تكون هى علة إحيـاءه بل الدم.

     فالروح الإنسانية بالنسبة للجسد الحى بالدم. هى كالسائق بالنسبة للسيارة المتحركة بالبنزين.

     فبدون البنزين أى الطاقة المحركة يعجز السائق عن تحريك سيارته رغم وجوده فيها. كما تعجز الروح بموت الدم الذى يمد الجسم بالطاقة والحيوية من خلال عملية التمثيل الغذائى عن إحياء جسدها وتحريكه فتمسك منه فى رقـاد ( نوم ) الموت الأبدى.

     فالروح الإنسانية بموت الدم تمسك من جسد الموت فى رقـاد أبدى بلا قدرة على تحريك الجسـد أو إقامته من رقـاده بعـد أن لفظ نسمة الحياة التى تمنح الجسـد قدرتـه التنفسية والحركية فيصير الإنسـان جثة عادمة الحيـاة إلى الأبـد ( إشعياء 66 : 24 ).

     لذلك يقول داود النبى " أنر عينى لئلا أنام نوم الموت " ( مزمور 13 : 3 ).

     أى أن الروح بموت الجسد تعجز عن إقامته أي إيقاظه من نوم الموت فتحبس فيه في رقاد الموت الأبدى كما في سجن. فتحدر الروح مع جسدها المائت إلى الحفرة أي القبر أو الهاوية في باطن الأرض, وهذا كان مصير جميع أرواح البشر قبل الفداء سواء الأبرار الذين رقدوا على رجاء القيامة أو الأشرار الذين لا رجاء لهم. حيث كانت تحدر مع أجسادها إلى القبر أي الحفرة وفى هذا يقول يعقوب أبو الآباء فى العهد القديم إنى أنزل إلى ابنى نائحا إلى الهاوية ( أى الحفرة أو القبر ) ( تكوين 37 : 35 ).

     وحتى فى العهد الجديد فإن انطلاق الروح قاصر فقط على المنتقلين فى المسـيح. ( لوقا 23 : 43 ) لهذا يقال في صلاة الراقدين " لأنه لا يكون موت لعبيدك بل هو انتقال " أما أرواح المخالفين الذين لا رجاء لهم. فيبقون فى جسد الموت إلى الأبد ( إشعياء 66 : 23 - 24 ) لهذا يقول بولس الرسول : لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم ( تسالونيكى الأولى 4 : 13 ) في القيامة من الأموات ( لوقا 20 : 35 ).

     من ذلك نرى أن خروج الروح من الجسد ليس موتا بل انتقال مؤقت حتى لا تمسك من جسد الموت كالذين لا رجاء لهم ( تسالونيكى الأولى 4 : 13 ) لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح ثم متى أظهر المسيح حياتنا نظهر معه في المجد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

     فالموت هو موت النفس الحية أي الدم, وهى غير الروح التى صورها إلوهيم أولا داخل آدم. ثم نفخ إلوهيم فى أنف آدم نسمة الحياة فصار آدم بسبب هذه النفخة الأولية فى أنفه متنفسا بحركة أوتوماتيكية , وبها صار آدم نفسا حية أي حيـا بالدم. كسائر الحيوانات من ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ).

     وقد أوضح الكتاب الكيفية التى جعل إلوهيم بها آدم نفسا حيـة بالقول : 

    وجبل الرب الإله آدم الإنسان الأول ترابا من الأرض, ونفخ فى أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية ( تكوين 2 : 7 ).

     فنسمة الحياة التى نفخها إلوهيم فى أنف آدم هى التى أعطت مادة الدم الجسدانية قدرتها التنفسية فصار آدم نفسا حية. أى حيا بالدم الذى هو مادة حية متنفسة قابلة للموت والفناء.

     ثم أوقع الرب الإله سباتا على آدم وأخذ واحدة من أضلاعه وكساها لحما وبنى منها امرأة وأحضرها إلى آدم ( تكوين 2 : 20 ) فدعاهـا حـواء لأنهـا أم كل حى ( تكوين 3 : 21 - 22 ).

     من ذلك نرى أن البشرية كلها جاءت من جسد واحد. لأن حواء التى منها كل أجساد البشر أخذت من جسد آدم.

      وقد أوصى إلوهيم آدم بأن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر لأنه يوم يأكل منها موتا يموت ( تكوين 2 : 17 ).

    وبداهة أن الموت هو موت النفس الحية أى الدم كما هو مكتوب النفس ( الدم ) التى تخطىء هى تموت ..  دمه يكون على نفسه " ( حزقيال 18 : 4 , 13 ) أي على رأسه ( حزقيال 33 : 4 ).

    ورغم وضوح الوصية الإلهية إلا أن حواء غرر بها بغواية الحية التى خدعتها بالقول لن تموتا بل يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان كإلوهيم عارفين الخير والشر.

     فمدت حواء يدها وقطفت ثمرة من ثمار شجرة المعرفة المحرمة التى تم معالجتها بما أسماه بولس الرسول بشوكة الموت ( كورنثوس الأولى 15 : 55 ) فأكلت حواء من ثمر الشجرة وأعطت زوجها أيضا فأكل فسقطا معا تحت حكم الموت الأبدى نتيجة تدنس الدم بشوكة الموت.

     وبالسقوط أدرك أبوينا الأولين الخير والشر بعد أن تعروا من النعمة, فظردهم إلوهيم من فردوس شجرة الحياة لئلا يأكلا منها فيحيوا إلى الأبد فى حال الخطيئة, كما أدركوا حقيقة أن إلوهيم كان أمينا وصادقا من جهة حكم الموت, وأن إبليس غرر بهما وخدعهما بقوله لن تموتا.

     لذلك فإن ندم الإنسان علي فعلته ما كان ليوقف تأثير شوكة الموت التى صارت تعمل فى جسده الحيوانى أى الحى بالدم ليثمر للموت.

     وبداهة أنه لم يكن من اللائق أن يحقق الشيطان إنتصارا علي إلوهيم ويميت الإنسان الذى خلقه إلوهيم على صورته وشبهه.

     لهذا دبر إلوهيم وسيلة يخلص بها آدم من الموت لا تتعارض مع عدلـه وصدقـه, وهى أن يكفر عن الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت بدم طاهر بلا عيب ولا دنس, وأن يأتي بالجسد المائت إلى عدم موت بقوة حياة جديدة ليس من دم يموت كما في الميلاد الأول بل مما لا يموت بروح إلوهيم المحيى, وهذا لا يتحقق إلا إذا جاء هو بنفسه في الجسد بدم غير مدنس بشوكة الخطية والموت ليقدم نفسه أي دمه ذبيحة كفارية عنا. فيوفى العدل الإلهى حقه بموت نفسه الحية ( أي دمه ) عوضا عن نفس ( دم ) آدم, هذا من جهة, ومن الجهـة الأخرى فإن الجسد إذ صار جسد الكلمة فإنه لم يعد مخضعا للموت إذ صار محييا أي مقاما من الموت بروحه المحيي ( أي روحه الباعث للحياة ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45) الذى هو روح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 – 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) .

     وبهذا صار المسيح آدم الأخير أبا جديدا للبشـرية التى تتحول فيه إلى خليقة جديدة محيية بالروح القدس الذى تناله باشتراكها معه فى المعمودية. فتولد ثانيا ليس من دم يموت كما فى الميلاد الأول بل مما لا يموت بروح المسيح المحيى الذى هو آدم الأخير الذى نتحول فيه إلى خليقة جديدة روحانية. أى حية بالروح القدس المحيي.

     لذلك إذ رأى إلوهيم أن إبطال موت البشرية المخلوقة على صورته كشبهه لا يتم إلا بحضور ذات صورة مجده الذى خلقنا على صورته وشبهه أرسل إلوهيم ابنه ( أي صورته الناطقة بكلمته ) إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

      لهذا أتى المسيح ابن إلوهيم بشخصه ثانيا لكى وهو صورة الآب يعيد تجديد خلقة الإنسان الذى صنعه على صورته وشبهه ( تجسد الكلمة 13: 7 ) بمنحه قوة حياة جديدة ليس من دم يموت كالميلاد الأول بل مما لا يموت بروحه المحيي.

      لهذا صار من المحتم من أجل خلاصنا أن يتخذ صورة إلوهيم شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) ليموت به كسائر البشر بموت النفس الحية أى الدم, وبهذا يموت موتنا دون أن يكون مستوجبا له مثلنا محققا بذلك فداءً أبديا.

     وإذ صار الجسـد الحى بالدم المخضع للموت جسـدا للذى هو بالطبيعة روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) فإنه لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت مثل أرواحنا ( أعمال 2 : 24 ) لأن الجسد صار خاصا بالذى به نحيا ونتحرك ونوجد.

    لذلك إذ صار الجسد خاصا بكلمة الحياة بطل الموت. لأن الجسد بسبب الكلمة الذى حل فيه بروحه المحيى صار غير مائت. لأنه بمجرد موت النفس الحية أى الدم صار الجسد محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى, وبهذا تحول الجسد من جسد حى بالدم إلى جسد محيى من الموت بالروح القدس الذى هو روح القيامة والحياة ( كورنثوس الأولى 15 : 42 - 55 ) ( رومية 8 : 9 – 11 ).

     فجسد المسيح وإن مات موتنا بموت الدم. لكنه كان محييا ( أي مقاما من الموت ) بالروح ( بطرس الأولى 3 :  18 ) أي بالروح القدس الذى هو قوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) الذى هو روح الحياة ( رومية 8 : 2 ) الذى في المسيح آدم الأخير ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

     وبهذا أوجد المسيح بدم نفسه فداءً أبديا ( العبرانيين 9 : 12 ) عاملا الصلح بدم صليبه ( كولوسى 1 : 2 ) مكفرا بدمه عن دمائنا. لأن الدم يكفر عن النفس أى الدم ( لاويين 17 : 11 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) وبالمغفرة المصالحة التى لنا بها قدوما بالروح الواحد لإلوهيم الآب ( أفسس 2 : 18 ).

      لهذا اقتضى تدبير خلاصنا أن يتخذ المسيح لنفسه جسدا مثل أجسادنا يصير به أبا جديدا للبشرية. لنتحول فيه إلى خليقة جديدة حية ليس بالدم المائت الذى أخذناه من آدم الأول بل بقوة حياة جديدة بالروح المحيى غير المائت الذى نأخذه من آدم الأخير ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى يحيى أجسادنا المائتة بروحه السـاكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) هذا الذى نناله بالدفن مع المسيح فى المعمودية حتى باشتراكنا معه فى شبه موته نشترك أيضا بقيامته ( رومية 6 : 5 ) فتصير الكلمة المكتوبة كما فى آدم يموت الجميع هكذا فى المسيح يحيا الجميع ( كورنثوس الأولى 15 : 22 ).

     من ذلك نرى أن الجسد الحيوانى هو جسد حى بالدم وليس بروح إنسانية, وأن قيامة المسيح وقيامتنا ليست بروح إنسانية حسب معتقد نسطور, بل بالروح القدس المحيى الذى هو وحده روح القيامة والحياة.

     لهذا كان أمرا محتوما حتى ينهض الجنس البشرى من كبوته ويخلص من خطيته أن يأتى المسيح فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2– 3 ) حتى متى إلتقى بموتنا في جسده الخاص أبطله بروحه المحيى فتصير الكلمة المكتوبة إبتلع الموت إلى غلبة.

       وفى هذا يقول أثناسيوس الرسولى :

      أن المسيح بعد أن أتى ببراهين كثيرة تثبت أنه إلوهيم. سلم هيكله للموت عوضا عن الجميع:

     أولا : لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة ( المورثة لهم من آدم الأول أبا عن جد ).

      وثانيا : لكى يظهر أنه أقوى من الموت بإظهاره أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع ( تجسد الكلمة 20 : 2 ). 

 

  

 

المبحث الثانى

كيف نرث خطية آدم ؟

 

     من الحقائق الكتابية المعروفة أن الرب قال لآدم أنه يوم يأكل من شجرة المعرفة موتا يموت. فأكل آدم من الشجرة فصار تحت حكم الموت الأبدى.

     وواضح أن العنصر المائت فى الإنسان هو الدم أى النفس الحية القابلة للموت التى هى علة حياة الجسد الحيواني أي الحي بالدم. لهذا فإنه بموت الدم تعجز الروح عن تحريك الجسد أو إقامته من الموت فتمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) أي تسجن فيه كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( إشعياء 66 : 23 - 24 ) لأن حياة الجسد هى فى الدم.  

     لهذا يقول الكتاب :

     " لحما بحياته دمه لا تأكلوه " ( تكوين 9 : 4 ).

     وأيضا تقول كلمة إلوهيم :

     " إحترز أن تأكل الدم لأن الـدم هو النفـس فلا تأكل النفـس مع اللحم " ( التثنية 12 : 23 ).

     ولما كان الدم الذي هو نفس حية هو وحده الذى تدنس بالخطية وصار تحت حكم الموت الأبدى. لهذا كان هو وحده أيضا الذى يحتاج إلى كفارة. الأمر الذى أوضحه الرب بقوله :   

     لأن نفس الجسد ( أي قدرته التنفسية ) هي في الدم فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم ( أى دمائكم ) لأن الدم يكفر عن النفس ( اللاويين 17 : 11 – 14 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 12 ).

 

كيف نرث دم الخطية ؟

     أوضح الكتاب المقدس أن دم آدم الذى تدنس بالخطية وبشوكة الموت العاملة فيه ( كورنثوس الأولى 15 : 55 ) إنتقل إلينا بالوراثة أبا عن جد عن طريق زرع الرجل, وهذا ما أوضحه سليمان الحكيم بقوله:

     صورت جسدا فى جوف أمى .. و .. صنعت من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 , 2 ).

     من هذه الآية يتضح أن الجسد يتشكل من بويضة الأنثى في رحم المرأة. أما الدم فيصنع من زرع الرجل الذى يخصب البويضة ويمنحها الدم الذى هو سائل الحياة المدنس بالخطية وشوكة الموت.

    وهذا ما أوضحه داود النبى بقوله :

     هأنذا بالإثم صورت ( أى بالدم الذى يمنح الجسد صورته أي صفاته الوراثية دون أن يدخل في تكوينه ) وبالخطية ( أى بالدم المحمول على زرع الرجل المدنس بالخطية وشوكة الموت ) حبلت بي أمي ( مزمور 51 : 5 ).

     فالمرأة تتبرأ وتحبل بزرع ( العدد 5 : 28 ) هذا الزرع هو الذى أشار إليه داود النبى بأنه بالخطية حبلت به أمه, وهذا معناه أن الخطية محمولة على زرع الرجل الذى تحبل به المرأة, وقد أوضح سليمان الحكيم أن الدم يصنع من زرع الرجل. لهذا نحن نرث دم الخطية من خلال زرع الرجل أبا عن جد.  أما المسيح فهو الوحيد الذى حبلت به أمه من الروح القدس ( متى 1 : 20 ) لهذا لم يرث الخطية الكائنة في الدم الذى يصنع من زرع الرجل. لأنه الوحيد المولود بدون زرع بشر ( لوقا 1 : 35 ) لهذا كان دم المسيح وحده هو الدم الكريم الذى بلا عيب ولا دنس  ( بطرس الأولى 1 : 18 ) ( العبرانيين 9 : 14 ) وبمفهوم المخالفة فإن دمائنا ليست طاهرة ومعيبة بشوكة الموت ودنس الخطية التي نرثها من الدم المصنوع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) لأننا جميعا صنعنا من دم واحد ( أعمال 17 : 26 ) هو دم آدم الذى ينتقل إلينا بالوراثة أبا عن جد.

 

البشرية كلها تحيا بدم آدم المدنس بالخطية وشوكة الموت

     وهذا ما أثبته لوقا البشير كاتب سفر الأعمال بقوله:

    " صنع من دم واحد كل الأمم الساكنين على كل وجه الأرض " ( أعمال 17 : 26 ).

     من ذلك يتضح أن الدم الذى يسرى فى أجساد البشر فى كل أنحاء العالم هو دم آدم الحامل شوكة الخطية والموت, وفى هذا يقول بولس الرسول:

    من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم . وبالخطية الموت, وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس. إذ أخطأ الجميع ( رومية 5 : 12 ).

 

     والسؤال الذى يطرحه الكثيرين هو. لماذا صرنا جميعا خطاة رغم أننا لم نخطىء على شبه تعدى آدم بالأكل من الشجرة المحرمة ؟

    والجواب واضح لأننا جميعا نحيا بذات دم آدم الذى تدنس بالخطية وشوكة الموت التي صارت تعمل فيه وتستنزفه للموت , لأن الدم مادة حية قادرة على تجديد نفسها إلى مالا نهاية. إلا أنه فسد بسبب شوكة الموت التي صارت تستنزفه للموت بحيث جعلته غير قادر على تجديد نفسه إلى مالا نهاية. مما أدى لضعف خلايا الدم وموتها لعجزها عن تجديد نفسها إلي مالا نهاية, وهكذا دخل الموت إلى العالم .

     وهكذا صار الجميع تحت حكم الموت بسبب ناموس الخطية المورثة الكائن في أعضائنا .. لهذا يقول بولس الرسول : من ينقذنى من جسد هذا الموت ( رومية 7 : 23 - 24  ) بسبب الدم الواحد المدنس بشوكة الموت الكائن في أجسامنا ( كورنثوس الأولى 15 : 55 ).

    لهذا كان الختان قديما يتم بسفك بعض الدم . كرمز لخلع جسم خطايا البشرية بموت الدم المسفوك ( كولوسي 2 : 11 ).

 

كيف نخلص من دم الخطية والموت

     انتهينا فيما سبق إلى أنه بخطية الواحد قد ملك الموت على جميع الناس, وأن الدم يكفر عن الدم ( لاويين 17 : 11 - 14 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 12 ) واننا نرث الدم من خلال زرع الرجل.

     ولكن من هو الذى يقدر أن يأتى إلى العالم مولودا من إمرأة بدون زرع رجل. حتى يأتى بدم طاهر بلا عيب ولا دنس يكفر به عن دم آدم المدنس بالخطية وشوكة الموت الذى يسرى فى عروق جميع البشر. ثم بعد أن يكفر بدمه عن دمائنا , لا يمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ).

     من هو إلا الذى يملك روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح قيامة وحياة يستطيع به أن يعتقنا أي يحررنا من حكم الخطية والموت ويقيم أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ).

    من هو إلا الذى وإن شاركنا في اللحم والدم ليموت به عنا حتي متي كفر بدمه عن دمائنا يبيد بالموت الموت, مماتا ( أي الدم ) في الجسد لكنه ( أي الجسد ) محييا ( أي مقاما من الموت ) في الروح ( أي الروح المحيي الذي هو الروح القدس الرب المحيي ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ) لأن المسيح وإن كان قد صلب من ضعف ( بسبب قابلية الدم للموت ) لكنه حي ( أي الجسد ) بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) أي بالروح القدس الرب المحيى, لأن المسيح آدم الأخير روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح قيامة وحياة , لهذا لم يكن ممكنا أن يمسك من جسد الموت مثنا عاجزا عن أقامته ( أعمال 2 : 24 ).

     من هو إلا الذى شهد له المعمدان عندما نظره مقبلا إليه قائلا :

     هذا هو حمل إلوهيم الذي يرفع خطية العالم ( يوحنا 1 : 29 ).

     فدم المسيح وحده إذ لم يؤخذ من زرع بشر صار هو الدم الوحيد الغير مدنس بالخطية الجدية أو الأبوية. لهذا كان وحده القادر على أن يكفر بدمه عن دمائنا ويكملنا بإبطال موتنا بروحه المحيى, وفقا للحق الإلهى القائل:

     لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين ، يقدس إلى طهارة الجسد, فكم بالحري يكون دم المسيح ، الذي بروح أزلي قدم نفسه ( أي دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 13 - 14 ).

     " عالمين إنكم أفتديم .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسـيح  معروفا سابقا قبل تأسييس العالم " ( أي أن المسيح كائن منذ الأزل قبل تأسيس العالم )( بطرس الأولى 1 : 18 - 20 ) .

     مكفرا بدمه عن دمائنا لأن الدم يكفر عن النفس ( لاويين 17 : 11 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) وبدون سـفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) لهذا سفك المسيح دمه من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ( متى 26 : 28 ) وبالمغفرة المصالحة التى لنا بها قدوما بالروح الواحد لإلوهيم الآب ( أفسس 2 : 18 ).

     وبهذا أوجد المسيح بدم نفسـه فداءً أبديا ( العبرانيين 9 : 12 ) وهو ما أثبته بولس الرسول بقوله :

     " فإنه إذ الموت بإنسان. بإنسان أيضا قيامة الأموات. لأنه كما فى آدم يموت الجميع. هكذا فى المسيح سيحيا الجميع " ( كورنثوس الأولى 15 : 21 - 22 ).

     لأن روح الحياة الذى في المسيح يسوع قد أعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 )( حزقيال 37 : 14 ).

     وهذا ما أوضحه الرب نفسه بقوله لنيقوديموس :

     " وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع ابن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 14 - 17 ) لأن إلوهيم الآب أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

     فالمسيح قدم نفسه ذبيحة ليكفر بدمه عن دم البشر جميعا. لأنهم جميعا صنعوا من دم واحد هو دم آدم ( أعمال 17 : 26 ) وقد حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة لكى نموت عن الخطـايا ( بطرس الأولى 2 : 24 ) عالمين هذا أن إنساننا العتيق ( أى الحى بالدم ) قد صلب معه ليبطل جسد الخطية ( بموته عنا ) كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية ( رومية 6 : 6  ).

     وبه ( أى بسفك دم المسيح عنا ) ختنتم ختانا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية ( بموت الدم ) بختان المسيح ( أي بسفك دم المسيح ) مدفونين معه فى المعمودية التى فيها أقمتم أيضا معه .. وإذ كنتم أمواتا فى الخطايا وغلف جسدكم أحياكـم معه ( كولوسى 2 : 11 -  13 ).

      فإلوهيم إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية. دان الخطية في الجسد ( أي أبطل حكمها ) لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح  ( أي روح إلوهيم ) .. إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( إلوهيم ) فذلك ليس له ( أى ليس له نصيب مع المسيح ) وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح ( روح المسيح ) فحياة بسبب البر, وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحـه الساكن فيكم ( رومية 8 : 2 , 8 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) ( رؤيا 11 : 11 ).  

     وهذا ما تحقق فى المعمودية التى فيها نولد ثانية ليس من زرع يفنى. بل مما لا يفنى بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     وهذا ما أعلنه الرب نفسه بقوله " إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت إلوهيم " ( يوحنا 1 : 13 ).

     لهذا أمر الرب تلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.

     لهذا فإن من يؤمن ويتعمد باسم الرب " يولد ليس من دم .. بل من إلوهيم " ( يوحنا 1 : 13 ) ( بطرس الأولى 1 : 23 ) الذى سيحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) لأن كل من تعمد باسم يسوع المسيح يتعمد لموته ودفنه وقيامته .. حتى متى صرنا متحدين معه فى شبه موته نصير أيضا بقيامته ( رومية 6 : 3 – 9 ).




المبحث الثالث

ما الذي يحيي الجسد الدم أم الروح ؟

 

     يقول الكتاب أن الرب الإله جبل آدم ترابا من الأرض ، ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية ( تكوين 2 : 7 ) أي ذي حياة متنفسة كما هو مكتوب : نفس أنوفنا مسيح الرب ( مراثي إرميا 4 : 20 ).

      أى أن جسد آدم صار بنفخة إلوهيم في أنفه جسما حيوانيا أي ذي نفس حية ( كورنثوس الأولي 15 : 44 – 45 ) كسائر الأحياء من ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ) أي أنه صار حيا بالدم الذي هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد الحيواني أي الحي بالدم ( تكوين 9 : 4 ).

    لهذا يقول الكتاب أيضا أن نفس الجسد ( أي قدرته التنفسية ) هي في الدم .. لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( اللاويين 17 : 11 - 14 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) لهذا قيل لا تأكل النفس ( أي الدم ) مع اللحم ( تثنية 12 : 23 ).

    والنفس الحية رغم أنها علة حياة الجسد الحيواني أي الحي بالدم. إلا أنها نفس قابلة للموت والفناء إذا لفظ الجسد نسمته الأخيرة التي تحييه لأي سبب ( مرقس 5 : 23 ) ومتي لفظ الجسد نسمته مات الدم الذي يحيي الجسد, فتمسك روح الإنسان من جسد الموت كما في سجن إلي الأبد ( أشعياء 66 : 24 ).

    لأن إلوهيم خلق روح الإنسان في داخله الأمر الذي أعلنه الرب نفسه بقوله:

    يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) ثم نفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية, الأمر الذي أثبته أيوب النبي بقوله:

     روح إلوهيم صنعني, ونسمة القدير أحيتني ( أيوب 33  : 4 ).

     أي أن إلوهيم بعد أن عمل جسد الإنسان علي صورته, وخلق في داخله روح آدم الإنسانية التي شخصت الجسد وجعلته خاصا بها, نفخ إلوهيم في أنف جسد آدم نفس حياة فصار آدم نفسا حية أي صار ذي جسد حي  بالدم كسائر ذوات الأنفس الحية, لهذا قال أيوب النبي أن نسمة القدير أحيتني أي أحيت جسده وجعلته قادرا علي الحركة .

      ومن ثم فإن النفس الحية التي في الدم ليست هي الروح العاقلة بحسب معتقد النساطرة الذين أعتقدوا بعدم تدقيق بأن نفخة إلوهيم في أنف آدم خلقت فيه الروح العاقلة الخالدة التي لا تفني ولا تموت, وأنها محيية للجسد أي أنها هي التي تحيي الجسد وليس الدم الذي هو نفس حية.

    ولو صح ذلك لصارت روح الإنسان محيية للجسد كروح الرب الذي هو وحده روحا محييا لجميع الأجساد سواء أجساد الملائكة أو البشر الذين سيحسبون أهلا لحياة الدهر الآتي بالقيامة من الأموات ( لوقا 20 :  35 -36 ).

    ولو كانت روح الإنسان محيية للجسد كالروح القدس الرب المحيي ( بحسب قانون الإيمان الرسولي ) لما احتاجت الروح الإنسانية  لجسد حي بالدم لتتحرك به لأنها ستكون كروح الرب قادرة علي الحركة بدون جسد سواء جسد حي بالروح القدس أو بنفخة إلوهيم.

     لهذا فإن معتقد النساطرة الذي يخلط بين الروح الإنسانية والنفس الحية يضاد الحق الكتابي الذي يميز بين الروح والنفس كما جاء في قول بولس الرسول :

     لتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة ( تسالونيكى الأولى  5 : 23 ) وبداهة أن الإنسان مركب من روح ودم وجسد, وبما أن الدم مادة حية متنفسة فيكون المقصود بالنفس الدم ( الاويين 17 : 11 - 14 ).

     ورغم أن الكتاب ميز بين النفس والروح في الإنسان إلا ان النساطرة بعدم تمييز زعموا أن النفس هي الروح وأطلقوا عليها اسم النفس العاقلة وزعموا أنها هي التي تحيي الجسد وليس الدم بالمخالفة للحق الكتابي الواضح بأن الدم هو الذي يحيي الجسد ( تكوين 9 : 4 ) لا الروح التي هي خلق جديد يخلقها إلوهيم داخل جسم الجنين.

     ونتيجة عدم تمييز النساطرة بين النفس والروح فقد فهموا قول الرب " النفس التى تخطىء هى تموت ". بأن المقصود بها الروح العاقلة لا الدم.

    ولما كانت الروح الإنسانية لا تفني ولا تموت كالنفس الحية التي في الدم, لهذا زعموا أن جسد الإنسان يموت بخروج النفس العاقلة منه وبعودتها إليه ترده حيا, وبداهة أن هذا ليس موتا.

    من الناحية العلمية والكتابية فإن الموت معناه أن يلفظ الجسد نسمته الأخيرة نتيجة موت الدم لأي سبب فيموت الجسد سواء كان جسدا بشريا أو حيوانيا لأن موت هذا كموت ذاك ، ونسمة واحدة للكل ( الجامعة 3 : 19 ).

    فإن كان الجسد يموت بخروج الروح العاقلة منه فكيف تموت الحيوانات الغير عاقلة التي لا روح لها, بل كيف تحيا بدون روح إن كانت الروح وليس الدم هي علة حياة الجسد الحيواني بحسب معتقد النساطرة. 

    أما من الناحية المنطقية لو كانت الروح الإنسانية العاقلة هي التي تحيي الجسد بحسب معتقدهم لما مات الجسد أبدا حتي ولو مات الدم , لأن الجسد لا يحيا بالدم حسب معتقدهم بل بالروح, لهذا إن كان الجسد يستمد حياته من الروح وليس الدم فإن الجسد يصير عديم الموت بما أن الروح الإنسانية العاقلة التي لا تفني ولا تموت هي التي تحييه, وبهذا تصير الروح الإنسانية محيية للجسد كروح الرب الذي هو وحده روحا محييا أي روح قيامة وحياة.

     والواقع أنه لو كان لأرواح البشر قدرة على إحياء أجسادها بدون الدم لفعلت. فإن عجزت عن ذلك, فهذا برهان على أن الروح الإنسانية العاقلة ليست محيية للجسد. بل بموت الجسد تمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) فيصير الإنسان جثة عادمة الحياة إلى الأبد ( أشعياء 66 : 24 ).

     مما تقدم يتضح أن النفس الحية أى الدم وفقا للحق الكتابى هى علة إحياء الجسد الحيوانى وليس الروح الإنسانية.

      وقد ثبت علميا أن أجساد البشر والحيوانات هى وحدات سيبرنية مركبة من لحم وعظام معدة لتعمل بطريقة أوتوماتيكية بحيث تتم التفاعلات فيها بطريقة أوتوماتيكية بمجرد تلقى النفخة الأولى أو النسمة الأولى. لذلك عندما نفخ إلوهيم فى أنف آدم نسمة حياة صار آدم نفسا حية أى كائنا متنفسا بحركة أوتوماتيكية دون أى تدخل من العقل أو الإرادة البشرية.

     من ذلك يتضح فى ضوء الحق الكتابى أن الأجسام الحيوانية تحيا بالدم لا بالروح التى تعجز بدون الدم عن تحريك الجسد أو إقامته فتقبض منه كما في سجن ( أعمال 2 : 24 ) وتحدر معه إلي القبر ( تكوين 37 : 35 ) وتبقى ممسكة من جسد الموت في رقاد أبدي ( أشعياء 66 : 24 ) وفى هذا يقول داود النبى :

     " أنر عيني لئلا أنام نوم الموت " ( مزمور 13 : 3 ) ( أشعياء 66 : 24 ).

     نخلص مما تقدم أن الروح الوحيد القادر على إحياء الأجساد وإقامتها من الموت هو روح المسيح آدم الأخير لانه وحده روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي أنه وحده روح القيامة والحياة ( يوحنا 11 : 25 ) الذى سيعتقنا من حكم  الخطية والموت بروح الحياة التي فيه ( رومية 8 : 2 ) بإحياء أجسادنا المائتـة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) وهو ما أعلنه الرب بقوله:

     فتعلمون أنى أنا الرب عند فتحى قبوركم وإصعادى إياكم من قبوركم يا شعبى وأجعل روحى فيكم فتحيون ( حزقيال 37 : 14 ) ( رؤيا 11 : 11 ) أي أننا سنحيا بروح إلوهيم الذي هو روح يسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) المسيح ( رومية 8 :  9 -11 ) لأنه وحده روح القيامة والحياة ( يوحنا 11: 25 )  الذى أرسله الآب إلى العالم لنحيا به ( يوحنا الأولي 4 : 9 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ).

     هذا وقد أوضح بولس الرسول أننا في القيامة لا نقوم بالجسد الحيواني ذي النفس الحية أي الحي بالدم بل نقوم بالجسد الروحاني المقام بروح المسيح المحيي لأننا كما لبسنا الجسد الحي بالنفس الحية التي لأدم الإنسان الأول هكذا في القيامة سنلبس الجسد الحي بالروح المحيي الذي لأدم الأخير الذي هو الرب من السماء.

 

    وفي هذا يقول بولس الرسول :

    "  لكن يقول قائل كيف يقام الأموات وبأى جسم يأتون؟ يا جاهل الذى تزرعه لا يحيا إن لم يمت والذى تزرعه لست تزرع الجسم الذى سوف يصير .. هكذا أيضا قيامة الأموات .. يزرع جسما حيوانيا ( أى حى بالدم ) ويقام جسما روحانيا ( أى محييا بالروح القدس ) يوجد جسم حيوانى ويوجد جسم روحانى. هكذا مكتوب أيضا صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير ( أى المسيح ) روحا محييا. لكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى وبعد ذلك الروحانى. الإنسان الأول من الأرض ترابى الإنسان الثانى الرب من السماء .. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس صورة السماوى فأقول هذا أيها الإخوة أن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم " ( كورنثوس الأولى 15 : 35 – 50 ).

     من ذلك يتضح أن الجسم الحيوانى هو الجسم الحى بالدم أى بالنفس الحية التى تتصف بالضعف والقابلية للموت والفساد الذي يعقب الموت.

     أما الجسم الروحانى فهو جسد القيامة المحيى بالروح القدس روح القوة والمجد وعدم الموت.

     فروح المسيح وحده هو روح الحياة ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 14 )  أي الروح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) للجسد المائت ( بطرس الأولى 3 : 18  ) الذى شاركنا فى اللحم والدم حتى متى إلتقى موتنا بسفك دمه أبطل موت الجسد بروحه المحيى الذى أعطانا إياه فى المعمودية التى فيها دفنا معه وقمنا معه أيضا بقيامته ( كولوسى 2 : 11 -13 ).

     من ذلك نرى أن قيامة المسيح وقيامتنا هى بالروح القدس المحيى لا بروح إنسانية.    

    فقيامة جسد المسيح لم تكن بقوة روح إنسانية عاقلة بل بالروح القدس المحيى روح المسيح ابن إلوهيم الحى الذى له وحده عدم الموت الذى أبطل موتنا عندما إلتقى به فى جسده مبتلعا إياه إلى غلبة.

     مما تقدم يتضح أن الخليقة العاقلة كلها ليست محيية أى لا تحيى أجسادها بل تستمد حياتها من إلوهيم.

      فروح المسيح وحده هو الروح المحيى روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا  ( رومية 8 : 9 – 11 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ). وليس بأرواحنا التي لو كانت محيية كروح الرب. لما خضعت أجسادنا للموت لحظة واحدة ولا طرفة عين.

     وفى هذا يقول القديس كيرلس عمود الدين:

    ما هو الفرق بين الخالق والمخلوق؟ وكيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة إلوهيم الذى يحيى الكل ( تيموثاوس الأولى 6 : 13 ) ( رومية 8 : 2 , 9 – 11 ) لو كان الابن مخلوقا ( أي إنسان مثلنا ) وهو قادر على أن يحيى الكل. لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيى نفسها, وليست محتاجة بالمرة إلى إلوهيم . . وهذا مستحيل. إذن الابن ليس مخلوقا . بل هو إلوهيم, ولذلك فهو بالطبيعة الحياة أيضا ( كيرلس الاسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ف 6 ص 69 ).

 

 

 

المبحث الرابع

لماذا ولد المسيح بدون زرع بشر؟

                           

     لما كان تدبير الخلاص يقتضى ظهور إلوهيم فى جسد حي بالدم مثلنا إنما بلا خطية ليقدمه للموت نيابة عنا, حتي متي إلتقي بالموت في جسده الخاص أباده وأبطله مبطلا موت جسد البشرية التي يمثلها بأن يقيمه من الموت بروح الحياة التي فيه ( رومية 8 : 2 ).

      لهذا فإن السؤال هو كيف يمكن أن يظهر إلوهيم بين الناس فى جسد حى بالدم نظيرنا إنما بلا خطية ؟

     منطقيا لم يكن هناك حل لإبطال موت جسد البشرية الذي يموت بموت الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت, إلا بأن يولد المسيح من امرأة ليأخذ منها جسدا بشريا مثل أجسادنا إنما بدون زرع بشر لكي لا يرث دم الخطية وشوكة الموت. حتي يكفر بدمه الطاهر عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة الموت التي نرثها من خلال زرع الرجل أبا عن جد.

      وحتي يتحقق هذا كان لابد أنه كما أن المواليد يشتركون ( أي كليا ) في اللحم والدم, شارك ( أي جزئيا ) هو أيضا فيهما ( أي في اللحم والدم بأن أخذ اللحم من رحم العذراء, وأما الدم الذي هو نفس حية فقد أخذه بطريقة معجزية بقوة الروح القدس الذي جعل له دما كدم آدم قبل السقوط ليولد بلا خطية ليكفر بدمه الذي بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة الموت ) لكي يبيد بالموت .. سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) .

     وجدير بالذكر أن كلمة يشتركون في اليونانية  تنطق " كيكونونيكان " ( κεκοινωνηκεν ) وتعني يشتركون كليا , أما كلمة شارك في اليونانية وتنظق " ماتسيان " ( μετεσχε ) فتعني شارك جزئيا .

     ومتي أباد الموت بالموت في جسد بشريتنا نعتق جميعا من حكم الخطية والموت بروح الحياة الذي فيه .. أن كان روح إلوهيم ( أي روح المسيح ) ساكنا فينا , ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أي روح إلوهيم ) فذلك ليس له ( أي ليس له حياة مع المسيح ) أما إن كان المسيح فينا ( أي بروحه المحيي ) ..  فالذي أقام المسيح من الأموات ( أي روحه المحيي ) سيحيي أجسادنا المائتة أيضا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ) لأن المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولي 15 : 45 ).

     لذلك دبر إلوهيم من أجل خلاصنا أن يحل بقوته على العذراء ليظللها حتى يصنع لنفسه بنفسه دما بلا عيب ولا دنس كدم آدم قبل السقوط, ومعلوم كتابيا أن الحياة دبت في جسد آدم عندما نفخ إلوهيم في أنفه نفس حياة فصار آدم نفسا حية أي حيا بالدم الذي هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد الحيواني, لأن نفس أنوفنا مسيح الرب ( مراثي إرميا 4 : 20 ).

    وفي هذا يقول الكتاب أيضا:

    أن نفس الجسد ( أي قدرته التنفسية ) هي في الدم, فأنا اعطيتكم إياه علي المذبح للتكفير عن نفوسكم ( أي دمائكم ) لأن الدم يكفر عن النفس .. لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( اللاويين 17 : 11 - 14 ) ( التثنية 12 : 23 ).

     وهكذا صار دم المسيح وحده بلا خطية كدم آدم قبل السقوط, لأنه الوحيد الذي ولد بدون زرع البشر حتي يتمم خلاصنا ويبيد بالموت سلطان الموت أي قوته بعد أن يكفر بدمه عن خطايانا, لأنه بروح أزلي قدم نفسه ( أي دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) فأوجد فداء أبديا , لأننا افتدينا بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفا سابقا ( أي المسيح ) قبل تأسيس العالم ( أي أنه كائن منذ الأزل ) ( بطرس الأولي 1 : 18 -20 ) لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) لهذا بدم نفسه دخل المسيح مرة واحدة إلي الأقداس فأوجد فداء أبديا ( العبرانيين 8 : 9 - 12 ).

    لهذا أخذ المسيح دما قابلا للموت مثل دمائنا إنما بلا خطية حتي يكفر بدمه عن دمائنا بسفك دمه عنا, ثم متي مات موتنا يبطل الموت بروح الحياة التي فيه بمجرد أن يلتقي به في جسده العديم الموت فيباد الموت كما تباد الظلمة من النور بمجرد أن تلتقي به.

     وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى:

     لأجل ذلك جاء كلمة إلوهيم إلى عالمنا .. وأخذ جسدا من جنسنا .. من عذراء طاهرة لم تعرف رجلا .. فأخذ جسدا طاهرا وخاليا بالحق من زرع بشر ( تجسد الكلمة ف 8 :  3  ص 37 ).

     ويقول أيضا :

     لقد أوضحنا جزئيا .. سبب ظهوره في الجسد .. أنه لم يكن ممكنا أن يلبس المائت عدم موت إلا ربنا يسوع المسيح الذى هو الحياة .. لأجل هذه الغاية وبعد تقديم البراهين الكثيرة عن لاهوته بواسطة أعماله, قدم ذبيحة نفسه أيضا عن الجميع إذ سلم هيكله للموت عوضا عن الجميع . أولا لكي يحرر البشر من معصيتهم القديمة ( خطيئة آدم ) وثانيا لكي يظهر أنه أقوي من الموت بإظهار أن جسده عديم الفساد ( أي الموت ) كباكورة لقيامة الجميع ( تجسد الكلمة  ف 20 :  1 , 2 ص 68 , 69 ).

     وبداهة أنه إذا ولد المسيح من أبوين كسائر البشر فإنه يسقط بذلك شرطا جوهريا من شروط الفادى والمخلص وهو أن يكون بلا خطية لأن دم الحياة البشـرية أصله محمول علي زرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 - 2 ) فإذا ولد الفادى بواسطة اجتماع رجل وامرأة, فإنه يولد مثل سائر البشر بجسد الخطية ( رومية 6 : 6 ) أي جسد حي بدم مدنس بالخطية, وليس في شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) أي بجسد حي بدم وإن كان شبيه بدم الخطية إلا أنه بلا عيب ولا دنس دم المسيح الذي بسفكه عنا يطهرنا من كل خطية ( يوحنا الأولي 1 : 7 ) وبه تكون لنا ثقة بالدخول إلي الأقداس ( العبرانيين 10 : 19 ).

     لهذا كان يتحتم أن يأتى المسيح ابن إلوهيم فى جسد شبيه بجسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) إنما بلا خطية ( العبرانيين 4 : 15 ) لأن دمه كان دما طاهرا بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ).

    وإذا قال قائل وكيف يكون الجسد المأخوذ من المرأة بلا خطية. بما أن المرأة ذاتها من الجبلة المدنسة بالخطية ؟

    نقول أن دم الحياة ومصدره زرع الرجل أي الحيوان المنوى ليس من المرأة بل من الرجل, والبويضة التي يتكون منها الجسم البشرى خالية تماما من الدم وهي تتغذي مثل سائر خلايا الجسم بما يحمله الدم إليها من غذاء وماء وأكسجين دون أن يتحد بها أو يدنسها.

    فوظيفة الدم هي إحياء الجسد ومده بالغذاء والمياه والإكسجين التي تولد الطاقة وتحفظ للجسم حرارته وحيويته وفي نفس الوقت تخلص الخلايا من الفضلات وعوادم الإحتراق مثل ثاني أكسيد الكربون.

     ومن ثم تظل البويضة بلا دم حتي ينجح أحد الحيوانات المنوية الحاملة لنواة خلية من خلايا الدم في اختراقها وتخصيبها فتنشأ خلية الزيجوت التي يتكون منها الجنين الذي يكون متصلا عن طريق الحبل السري بالمشيمة التي تنمو في رحم الأم والتي تستخلص الغذاء والهواء من دم الأم لتمد به جسد الجنين من خلال المشيمة.

     والثابت علميا أنه لا دم من الأم يصل إلى الجنين مطلقا, ذلك أن المشيمة تستخلص الغذاء والأكسجين من دم الأم وتمرره إلى الجنين.

     وهذا معناه أن دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم, وهو ما ثبت علميا, لهذا فإنه كثيرا ما تكون فصيلة دم الجنين من فصيلة تختلف عن فصيلة دم الأم.

    وهذا برهان على أن الدورتين منفصلتين تماما, وبالتالي لا يمكن لدم الأم أن يصل إلى دورة دم الجنين.

     وهذا معناه أن رحم المرأة ما هو إلا مستودع تتغذى فيه خلية الزيجوت عن طريق المشيمة المتصلة بالجنين من خلال الحبل السري.

     من ذلك نرى أن الجسد مصدره بويضة المرأة, والدم مصدره زرع الرجل الذي يصنع منه الدم. أى أن الجسد والدم هما نتاج اجتماع الذكر والأنثى الأمر الذى أثبته سليمان الحكيم بقوله :

     صـورت جسـدا فـى جـوف أمـى .. وصنعت مـن الـدم بـزرع الرجـل ( أي الحيوان المنوى ) ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

      ولما كان الدم المصنوع من زرع الرجل مدنس بالخطية وشوكة الموت, لهذا قال داود النبي :

     " ها أنذا بالإثم صورت.  وبالخطية حبلت بى أمى " ( مزمور 51 : 5 ).

      وبداهة أن المرأة - كما هو ثابت علميا وكتابيا - تحبل بزرع الرجل ( العدد 5 : 28 ).

     ولما كان زرع الرجل مدنس بالخطية وشوكة الموت لهذا إستبدل داود النبي زرع الرجل بالخطية ليكني به عن زرع الرجل المدنس بالخطية, بقوله بالخطية ( أي بزرع الرجل الذي يصنع منه الدم المدنس بالخطية ) حبلت بى أمى ( مزمور 50 : 5 ) .

     لأن الحبل لا يتم إلا بتلقيح البويضة بالحيوان المنوى أي بزرع الرجل الذى يصنع منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت.

 

صلة الرحم

     متي قيل إنما نحن من جسد ؟

     لما كان الجسد مصدره المرأة فيكون أن كل من ينتسبون بقرابة من جهة المرأة يكونون من لحم وعظم واحد, وهذا ما أثبته الكتاب المقدس إذ جاء فيه أن لابان ( خال يعقوب ) قال ليعقوب ابن أخته : إنما أنت عظمي ولحمي ( تكوين 29 : 13 - 14 ).

 

    ومتي يقال إنما نحن دم واحد ؟

     ولما كان الدم مصدره الرجل فيتضح من ذلك أن الدم الذى يسرى فى أجساد جميع البشر هو دم آدم الذى يرثونه أبا عن جد, وفى هذا يقول الكتاب :

     صنع من دم واحد ( دم آدم ) كل أمة من الناس يسـكنون على كل وجه الأرض ( أعمال 17 : 26 ) هذا بصفة عامة.

     أما بصفة خاصة فإن الذين عصبتهم من جهة الرجل فيقولون إنما نحن دم واحد.

     لهذا عندما أراد المسيح الكلمة أن يتخذ لنفسه جسدا بلا خطية ليظهر به فى الهيئة كإنسان. أرسل روحه القدوس فحل على مريم وظللها بقوة العلى ليمنح البويضة حياة بقوته فصارت البويضة حية بدم مثل دم آدم قبل أن يتدنس بشكوكة الخطية والموت الذي هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد.

     لهذا صار دم المسيح وحده هو الدم الوحيد الذي بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولي 1 : 18 - 19 ) لأنه وحده الذي ولد بدون زرع رجل, لهذا كان دمه هو الدم الوحيد القادر علي أن يفتدينا ببذل دمه الطاهر عوضا عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة الموت ليبطل بموته موت جسد البشرية بروح الحياة التي فيه ( رومية 8 : 2 ).

     وفى هذا يقول بولس الرسول:

     فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما ، لكي يبيد بالموت .. سلطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ).

     وهكذا ولد المسيح من امرأة في ظل حكم الخطية والموت ليعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) وهذا ما أعلنه بولس الرسول بقوله :

    ولكن لما جاء ملء الزمان. أرسل إلوهيم ابنه مولودا من امرأة. مولودا تحت الناموس. ليفتدي الذين تحت الناموس. لننال التبني ( غلاطية 4 : 4 – 6 ).

     لهذا كان يتحتم حتى يتم الفدأء. أن يكون دم الفادى طاهرا بلا عيب ولا دنس. كدم آدم قبل السقوط. الأمر الذى ما كان يمكن تحقيقه إلا من خلال دم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس لكونه الوحيد الذى ولد بدون زرع بشر, الأمر الذى أثبته رسل الرب بالقول:

     عالمين إنكم أفتديتم .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفا سابقا ( أي المسيح ) قبل تأسيس العالم ( أي أنه كائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ) ( بطرس الأولى 1 : 18 – 20 ) ( فيلبي 2 : 5 - 7 ) الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

     وهكذا اتخذ كلمة إلوهيم جسدا قابلا للموت مثل أجسادنا باشتراكه مثل سائر المواليد فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لكى بموته يبطل موت الجسد بروحه المحيى ( أي بروحه الباعث للحياة )( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( روميه 8 : 2 ) (  كورنثوس الثانية 13 : 4 ) مماتا فى الجسد ( أى بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد ) ولكن ( أى الجسد ) محيى ( أى مقام من الموت ) فى الروح ( الروح معرفا بألف لام هو روح إلوهيم )( بطرس الأولى 3 : 18 ) إذ لم يكن ممكنا أن يمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) لأن المسيح روحا محييا ( كورنثوس الأولي 15 : 45  ).

     لهذا إذ إلتقى الموت بجسد المسيح أبيد ( العبرانيين 2 : 14 ) أى لم يعد له سلطان, فتلاشى كما تتلاشى الظلمة من النور, لأن جسد المسيح صار محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح, وبهذا صار المسيح باكورة بالقيامة من الأموات بالروح القدس المحيى الذى أعطانا إياه فى المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح بروحه الساكن فينا ( رومية 6 : 3 – 11 ) ( رومية 8 : 9 - 11 ).

 

 

 

المبحث الخامس

تفنيد الإعتراضات علي ولادة المسيح بدون زرع بشر

 

الإعتراض الأول

على أن الدم يصنع من زرع الرجل

 

     أنكر أحد اليعاقبة في مؤلفه صورة التعليم الصحيح بأننا أفتدينا .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ( بطرس الأولى 1 : 18 ) لكونه الوحيد الذى ولد بدون زرع بشر ( أي بدون الحيوان المنوى الذى يصنع منه الدم المدنس بالخطية ) ومن ثم لم يرث الخطية الجدية التي تورث للأبناء أبا عن جد من خلال زرع الرجل.

    والواقع أن كون دم المسيح هو وحده الذى بلا عيب ولا دنس لكونه الوحيد الذى ولد بدون زرع البشر الذي يصنع منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت. هو برهان على أن زرع الرجل هو مصدر الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت والذى نرثه أبا عن جد , لهذا صار الدم الذى يجرى في عروق جميع البشر هو دم آدم , وهذا ما أثبته الحق الكتابى بقوله : صنع من دم واحد ( دم آدم ) كل شعوب الأرض ( أعمال 17 : 26 )  وبه صرنا جميعا خطاة ( رومية 5 : 12 )..

    لذلك دبر إلوهيم أن يحل بقوته على العذراء ويظللها حتى يصنع بنفسه لنفسه دما كريما بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 ) يخصب به البويضة .. بحيث يصير دم المسيح وحده بلا خطية كدم آدم قبل السقوط .

   أما نحن فلأننا صنعنا من الدم بزرع الرجل فقد ورثنا خطية آدم التي تنتقل إلينا من خلال الدم أبا عن جد , الأمر الذى اثبته كاتب سفر الأعمال بقوله:

    أنه صنع من دم واحد ( دم آدم ) جميع شعوب الأرض ( أعمال 17 : 26 ) والذى به صرنا جميعا خطاة ( رومية 5 : 12 ).

    كما عارض المعترض اليعقوبى قول الرب بأنه يخلق روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) بقوله أن الروح لا تخلق خلقا جديدا داخل الإنسان بحسب قول الرب بل تتكون مثل الجسد بالتناسخ من خلية الزيجوت ( بدعة تناسخ الأرواح وكأنها خلايا مادية تتناسخ ) ومن ثم ترث الفساد الذى حاق بالإنسان نتيجة الخطية الأولى التي تورث لا من خلال زرع الرجل وحده بل من خلال الأم أيضا ( مقدمة السقوط في بدعة الحبل بلا دنس ) وزعم أن الروح لا تخضع لموت مثل موت الجسد ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267 ).

    والواقع أن قول المعترض بأن الروح التي تحيي الجسد حسب معتقده لا تموت وأن الجسد يموت بخروج الروح منه, هو برهان علي خلطه بين الروح التي لا تموت والنفس الحية القابلة للموت والفناء التي هي علة حياة الجسد الحيواني أي الحي بالدم, والذي يموت بمجرد أن يلفظ نسمته أي نفسه الأخير, فالذي يخرج هو نسمة الحياة التي نفخها المسيح في أنف آدم فصار نفسا حية كما هو مكتوب : نفس انوفنا مسيح الرب أن أن نفس أنوفنا مصدره نفخة المسيح في أنف آدم, أما الروح فإن إلوهيم يخلقها داخل كل إنسان كما هو مكتوب : جابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) فالروح العاقلة هي غير النفس الحية أو الحيوانية التي هي علة حياة جميع الأجساد الحيوانية من ذوات الأنفس الحية, أما الإنسان فيتميز عن ذوات الأنفس الحية بالروح العاقلة التي خلقها إلوهيم في داخله.

     وهذا برهان على أن حكم الموت لم يصدر ضد الروح بل ضد نفس الجسد ( أي قدرته التنفسية ) أي الدم ( لاويين 17 : 14 ) والذى بموته يموت الجسد .

    أما زعمه بأن الخطية لا تورث عن طريق زرع الرجل وحده وانما تورث من خلال جينات الأم أيضا, فمعناه أن ولادة المسيح بدون زرع بشر لا قيمة لها. لأنه سيرث الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت من أمه لا محالة من خلال الجينات الوراثية , واستدل على وراثة الخطية من جهة الأم أيضا على تفسير خاطىء لقول دواد النبى القائل:

     " بالخطية حبلت بى أمى "  ( مزمور 50 : 5 ) فاعتقد أن هذا معناه أن الخطية تورث من جهة الأم أيضا. رغم أن المقصود بالخطية زرع الرجل الذى به تحبل الأم , لأن المرأة تحبل بزرع الرجل ( العدد 5 : 28 ) وقد وصف زرع الرجل بالخطية كون الدم الذى يصنع منه مدنس بالخطية وشوكة الموت , لهذا فإن كل من يولد منه يرث حياة فانية أى مائتة ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     ومن ثم وحتى لا يرث المسيح دم الخطية من أمه زعم أن الروح القدس حل على العذراء وطهر دمها من الخطية الأصلية وبهذا استطاعت أن تلد المسيح بدم طاهر مثلها. فسقط بذلك في بدعة الحبل بلا دنس .

    ووفقا لهذه البدعة يصير دم كل من المسيح والعذراء دم كريم بلا عيب ولا دنس ومن ثم يمكن أن يحيا كل منهما إلى الأبد حتى نهاية الدهر. مالم يسفك دمه بسبب خارجى باستنزاف دمه بأجسام إبرية مثل إكليل الشوك والمسامير والحربة حتى الموت كما حدث للسيد المسيح على الصليب.

     ونظرا لسقوط المعترض في بدعة الحبل بلا دنس فقد أنكر الحق الكتابى الذى أثبته الوحى الإلهى فى  سفر الحكمة الذى لسليمان الحكيم القائل : " صنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 2 ) بالقول بأن الادعاء بأن دم الجنين يصنع من زرع الرجل ( أي الحيوان المنوى ) هو إدعاء غير علمى على الإطلاق . مكذبا ومنكرا صحة الوحى المقدس ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 264, 265 , 289 ).

    وبعد أن أنكر المعترض الحق الكتابى واعتبره غير علمى استطرد قائلا :

    أنه من المسلمات اليقينية أن كل خلايا جسم الجنين شاملة الدم مصدرها البوبضة المخصبة التي تحتوى على الأجسام الوراثية نصفها من الرجل والنصف الآخر من الأم , وبالتالي فإن الفكر الذى جئنا به عار من الصحة  ( المرجع السابق ص 265 , 290 ).

       من الواضح أن المعترض يصب اعتراضه ليس علينا بل على الحق الكتابى القائل بأن الدم يصنع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 - 2 ) والذى اعتبره غير علمى وعار من الصحة. 

      وبداهة أنه لا يمكن لإنسان يزعم أنه مساق من الروح القدس كما زعم المعترض ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 270 ) ثم يعارض وينكر ويجدف على كلمة إلوهيم معتبرا إياها غير علمية وعارية من الصحة على الوجه المتقدم بيانه.

 

     واستطرد المعترض قائلا ما موجزه:

     " أن علينا أن نعلم أن كل خلايا جسم الإنسان بما في ذلك كرات دمه تحمل صبغات وراثية نصفها من الأب ونصفها من الأم بدون استثناء .. والكتاب يقول " ها أنذا بالإثم صورت , وبالخطية حبلت بى أمى " ( مزمور 50 : 5 ) ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 290 ).

     وهذا مردود بأن الحيوان المنوى الذى يخصب البويضة ويمنحها الحياة والنمو يتكون من غشاء من البلازما الحية التي يتكون منها الدم الذى لا نواة له وهو يحيط بنواة بها الجينات الوراثية للرجل والتي تحدد نوع المولود وهيئته وصفاته.

     مما تقدم يتضح أن كرات الدم الحمراء لا نواة لها وأن عملها هو إمداد الخلية بالحياة والإكسجين وهى التي تدنست بالخطية وشوكة الموت ( كورنثوس الأولى 15 : 55 ).

    أما قول المعترض بوراثة الخطية من الأم استنادا لقول داود النبى :

    بالخطية حبلت بى أمى ( مزمور 51 : 5 ).

   فمن الواضح أن المعترض أساء فهم هذه الآية. كما اساء فهم الكثير من الآيات  باعتقاده أن معنى هذه  الآية ان الإنسان يرث الخطية من أمه وهذا معناه وفقا لتفسيره المنحرف أن المسيح ورث الخطية من أمه من خلال الصبغات الوراثية.

    وبداهة أن ما يقرره هو بدعة تضاد الحق الكتابى والتفسير الصحيح للآية . لأن الخطية وفقا للحق الكتابى تورث فقط من خلال الدم الذى يصنع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) أي من  الحيوان المنوى الذى هو بذرة الحياة المخصبة للبويضة.

     وواضح أن المراة تحبل بزرع الرجل أي بالحيوان المنوى ومن ثم فإن وصفه بالخطية معناه أن زرع الرجل الذى حبلت به أمه مدنس بالخطية.

     أما الصبغات الوراثية فهى خالية تماما من شوكة الموت التي لا توجد إلا في مادة الدم نفسها والثابت علميا أن كرات الدم الحمراء لا نواة لها, أما الصبغات الوراثية فتوجد في نواة الخلية.

      فشوكة الموت لا تنتقل ولا توجد إلا في الدم ومن خلال الدم. لأن الدم وحده هو الحامل شوكة الموت. لهذا هو وحده أيضا الذى يكفر عنه ( لاويين 17 : 11 ) لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ) وبموته أي بموت الدم ( مع المسيح في المعمودية ) يبرأ الإنسان من الخطية ( رومية 6 : 7 ) بخلع جسم خطايا البشرية ( كولوسى 2 : 11 ) أي الدم المائت.

    فالدم الذى هو بالطبيعة مادة حية متنفسه هو الذى يمد البويضة بالأكسجين والغذاء ليمنحها الحياة والنمو دون أن يمتزج بها أو يدنسها. تماما مثل البنزين في السيارة  يمدها بالطاقة دون أن يمتزج بها. فإذأ كان صالحا عملت السيارة وإن فسد توقفت السيارة عن العمل رغم وجود السائق بها.

    مما تقدم يتضح أن كرات الدم الحمراء التي بلا نواة , لا تتكون من الجينات الوراثية الموجودة في نواة الخلية.

    لأن الثابت علميا أن الحيوان المنوى الذى يمنح البويضة الدم والحياة مكون من غشاء من البلازما الحية التي لا نواة لها يحيط بنواة بها الجينات الخاصة بالصفات الوراثية للأب والتي تحدد نوع الجنين وهيئته , ومن ثم فإن البلازما الحية هي التي تحمل شوكة الموت, ومن ثم فإن هذه الشوكة لا تدخل في تركيب هذه الجينات الخاصة بالصفات الوراثية, لأن هذه الشوكة لا توجد إلا في البلازما الحية التي يتكون منها الدم الذى هو سائل الحياة للجسد الذى بمجرد تخصيبه للبويضة  تنشأ خلية الزيجوت التي تنقسم في سلسلة من الإنقسامات مكونة الجنين.

      أما عن كيفية انتاج الدم في الجسم فإن الثابت علميا وفقا للموسوعة الحرة " ويكيبيديا " أن خلايا الدم الحمرا ليس لها نواة , ولذلك فهى لا تستطيع الإنقسام أو التكاثر لهذا يكون عمرها قصير جدا ( 120 يوما ) فيقوم النخاع العظمى بتحليل خلايا الدم المهترئة وتخزين الحديد منها ( هذا الحديد يتضمن شوكة الموت أو إبرة الموت والتي يدل أسمها على أنها جسم ابرى يظهر كمكون من الحديد الطبيعى الموجود في الدم إلا أنها تسبب إهترائه وموته ) لاستخدامه في تكوين هيموجلوبين جديد , كما يعمل النخاع على استبدال خلايا الدم المائتة بأخرى جديدة. كما يقوم بتنظيم مرور خلايا الدم المختلفة والمحافظة على نسبتها ثابتة في الجسم.

    وعلى ذلك فإذا اخصبت البويضة بطريقة معجزية بدم طاهر كدم آدم قبل السقوط. فإن دم الجنين المولود بهذا الدم سيكون بلا عيب ولا دنس. لأنه ولد بدون زرع بشر أي لم يأخذ دم من الأب, وأيضا لم يأخذ أي دم من الأم. لأن بويضة الأم لا تنتج دما وإنما تستمد الإكسجين والغذاء من الدم الذى يعود محملا بعوادم الخلية وهذه حقيقة علمية, وأيضا فإن دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم, وبالتالى لا يرث منها ولا ينتقل منها أي دم للجنين, وهذه حقيقة علمية أيضا.

      وأيضا فإن الجينات الوراثية الموجودة في الأم لا تنقل شوكة الموت, وإلا لدنست دم المسيح الذى أخذه طاهرا بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 -19 ) بعمل الروح القدس, وألا لكانت ولادته بدون زرع بشر بلا طائل.

     أما إذا حبلت المرأة بزرع مدنس بالخطية . فإنه بمجرد تخصيب الحيوان المنوى الذى يصنع منه الدم ( الحكمة 7 : 2 ) للبويضة, تتكون خلية الزيجوت التي تبدأ في الإنقسام والتناسخ في متوالية هندسية مكونة جسم الجنين ودمه, ومع ذلك فإن شوكة الموت لا تدخل في مادة الجسم ولا في الجينات الوراثية بل تظل في مادة الهيموجلوبين التي يتكون منها الدم . لأن هذه الشوكة لا توجد إلا في الدم ولا تنتقل إلا من خلال الدم, ودور الدم هو امداد الجسد بالإكسجين والطاقة والحياة , دون أن يدخل في تركيبه أو في خلايا الجسد.

    لأن الخطية أو شوكة الموت ( كورنثوس الأولى 15 : 55 ) كامنة في المادة الحية أي الدم الذى نرثه عن طريق زرع الرجل .

     لهذا فإن شوكة الموت أو إبرة الموت كما يظهر من اسمها هي جسم أبرى مصنوع من الحديد كمكون طبيعى في الدم ليستنزفه حتى الموت , لهذا فإن هذه الشوكة لا توجد ولا تنتقل إلا عن طريق الدم, لهذا فإن موت المسيح على الصليب جسديا بإستنزاف دمه حتى الموت عن طريق إكليل شوك ومسامير وحربة جعلت الذى لم يعرف خطية ذبيحة خطية لأجلنا لنتبرر بموته , لأن دم المسيح إذ كان طاهرا وبلا عيب فقد كان غير مستوجب الموت لهذا عندما طعن بالحربة لم ينزل ماء فقط دليل موته وإنما نزل دم وماء دليل على أنه الميت الحى لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ( بموت الدم ) لكنه حي بقوة إلوهيم . فنحن أيضا ضعفاء فيه ( بالموت معه في المعمودية ) لكننا سنحيا معه بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ).

     أما المعترض فرأى أن الخطية تورث إلينا من الأبوين معا, وليس من خلال الدم المصنوع من زرع الرجل وحده كما هو ثابت كتابيا ( الحكمة 7 : 2 ) وعلميا.

     كما اعترض على الحق الكتابى بأن نفس الجسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 14 ) بقوله بأننا نربط بين " نفس الجسد " و " القدرة التنفسية " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 265).

     فيكشف عن جهل المعترض بالحقائق العلمية والكتابية التي تثبت أن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17  : 14 ) ونفسه هى قدرته التنفسية التي في الدم ( لاويين 17 : 11 ) لأن نفس أنوفنا مصدره نفخة المسيح في أنف أدم ( مراثى ارميا 4 : 20 )  وبسبب هذه النفخة في أنف آدم صار آدم ونسله يتنفسون من أنوفهم فصاروا جميعا أنفس حية أي حية بالدم الذى هو بطبيعته مادة حية متنفسة , وهذه القدرة التنفسية أو الوظيفة التنفسية هي من وظائف الدم الذى هو حياة متنفسة هي علة حياة الجسد. هذه الوظيفة أو القدرة التنفسية للدم هى الحياة ذاتها. فإذا توقف الجسد عن التنفس مات.

    أما المعترض فيعتقد أن أن نفس الجسد ( لاويين 17 : 14 ) هي الروح العاقلة التي يخلقها إلوهيم داخل كل إنسان ( زكريا 12 : 1 ) وليس الدم ذي القدرة التنفسية الذى يحصل على الهواء من خلال الأنف بحسب الحق الكتابى, وبهذا خلط كنسطور بين النفس الحية المادية أي الدم والتي تورث من خلال زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) وبين الروح العاقلة غير المادية التي يخلقها إلوهيم داخل كل انسان ( زكريا 12 : 1 ) بأن مزج بين خواص كل منهما وخرج علينا بنتاج ما جادت به قريحته بالقول :

     أن الروح كيان غير منظور في الإنسان. خالد وعاقل. يوجد داخله بمجرد تكوينه. يأخذه عن أبيه وعن أمه, ويحمل ويرث من أبويه الفساد الذى حاق بالإنسان نتيجة الخطية الأولى, ولا تخضع الروح لموت مثل موت الجسد. فالروح لا تخلق خلقا جديدا من إلوهيم داخل الجنين في بطن أمه ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267 ) مكذبا ومناقضا بذلك وحى الرب القائل " يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض, وجابل روح الإنسان في داخله " ( زكريا 12 : 1 ).

    هنا عارض المعترض الذى يزعم انه مساق من الروح القدس كلمة إلوهيم القائل أنه يخلق روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) بالقول أن الجنين يأخذ الروح من ابيه وامه ويحمل ويرث الفساد من أبويه , وكأن الروح خلية جسدية تتناسخ وترث الخطية .

     مما تقدم يتضح أن المعترض يرى أن الروح الإنسانية العاقلة لا تخلق خلقا جديدا من إلوهيم, وأنها تؤخذ من الأبوين من خلال خلية الزيجوت, وتحمل وترث الفساد ( الموت ) الذى حاق بالإنسان نتيجة الخطية الأولى, ومع ذلك لا تخضع لموت مثل موت الجسد ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267 ).

    وهذا معناه أن الروح مادية مثل خلايا الجسد المتناسخة من الآباء لأن البشرية كلها جسد واحد يتناسخ عن طريق الولادة. فيحمل صورة الأصل.

      فإذا كانت الروح مولودة من مادة سابقة الوجود وغير مخلوقة, فهذا معناه وقوعه في بدعة تناسخ الأرواح أي الوجود السابق للروح التي تتناسخ في جسد كل مولود جديد. لأن الأجساد في حقيقتها تولد وتتناسخ من مادة سابقة الوجود مأخوذة من خلايا الأبوين. فهل الروح كذلك؟

    ورغم قوله أن الروح ترث الفساد ( الموت ) الذى حاق بالإنسان نتيجة الخطية الأولى, إلا انها مع ذلك لا تخضع لموت مثل موت الجسد ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267 ).

    المعترض لا يدرك أن موت الجسد معناه موت الدم الذى هو علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ) فالجسد يحيا بالدم الذى هو نفس حية أو حيوانية وهذه حقيقة علمية وكتابية لا بالروح . فإذا مات الدم مات الجسد الحى بالدم .

    فإذا كانت الروح لا النفس الحية هي التي ورثت الخطية فإنها ترث الموت أيضا , والقول أنها لا تموت معناه تكذيب كلمة إلوهيم الذى يقول النفس التي تخطىء هي تموت ( حزقيال 18 : 4 ) دمه على رأسه ( ملوك أول 2 : 27 ) لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 14 )  والتي يعارضها المعترض الذى نصب نفسه ضدا للمسيح بالقول: لا تموت لخلطه بين الروح والنفس ( الدم ).

     وترتيبا على ما تقدم يرى المعترض أن ولادة المسيح بدون زرع بشر لا فائدة منها. لأنه لا محالة سيرث الخطية من أمه. لهذا كان لا بد من حلول الروح القدس علي العذاراء ليطهرها وليكون من خلايا جسمها جسدا للكلمة حتى لا يرث الخطية منها.

    وبما أن الجسد والدم والروح حسب زعم المعترض يتشكلون من خلية الزيجوت فيكون المقصود بتأنس الكلمة حسب تصوره. هو أن يتخذ الكلمة .. جسدا بشريا ونفسا بشرية وروحا بشرية عاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 278 ) والواقع أن هذا التعليم الذى ينادى به المعترض هو ذات بدعة نسطور, وهذا برهان جهله حتى بعقيدته اليعقوبية المؤسسة على بدعة أن روح المسيح أي طبيعته واحدة من طبيعتين أي روحين وأن هذه الطبيعة الواحدة الممتزجة من الطبيعتين تجمع خصائص الطبيعتين دون ان تكون أيا منهما على حدة أو معا أي أنها طبيعة جديدة ليست إنسانية ولا إلهية  ولاهما معا بل هي طبيعة فريدة لا جنس لها خاصة بالمسيح.

    وهى البدعة التي كان يفترض به إثباتها لا إثبات المعتقد النسطورى.

    ومن المفارقات أيضه قوله أن الكلمة اتخذ جسدا بشريا ونفسا بشرية وروحا بشرية  ولا نعرف ما الذى يعنيه بقوله أنه اخذ نفسا بشرية وروحا بشرية هل يعنى انه أخذ روحان, لأنه سبق وفسر النفس البشرية أي نفس الجسد بالروح رافضا قولنا بأن النفس هي الدم ( لاويين 17: 11 - 14 ) وأن الدم مادة حية متنفسة قابلة للموت والفناء ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 265 , 266 ).

     أيا كان الأمر فإن خلاصة ما ينادى به هذا اليعقوبى هو أن الخطية الجدية تورث عن طريق الأم أيضا.

    فإذا كان ذلك كذلك فهذا معناه أن المسيح سيرث الخطية الأصلية من أمه لا محالة. فالمعترض لم ينكر توارث الخطية. وانما اعترض على عقيدة وراثة الخطية عن طريق الأب وحده من خلال زرع الرجل الذى يصنع منه الدم حسب الحق الكتابى. اعتقادا منه أن الإنسان يرث الخطية من أبويه وبالتالي لا بد أن يرث المسيح الخطية عن طريق أمه, وبالتالى فلا جدوى من ولادته بدون زرع بشر, لأنه سيرث الخطية من أمه لا محالة .

      غير أنه بهذا القول وضع نفسه في مأزق خطير. لأن هذا معناه أن المسيح لا محالة سيرث الخطية الأصلية من أمه, وبالتالي فإن دمه لن يكون طاهرا بلا عيب ولا دنس, بل سيكون دما مدنسا بشوكة الخطية والموت مثل دمائنا , وبالتالي فإن دمه لن يكون صالحا للتكفير عن دم آدم الذى يسرى في عروق جميع البشر. ويكون بطرس الرسول كاذبا عندما قال "  أننا افتدينا .. بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح " ( بطرس الأولى 1 : 18 ).

    لقد وضع هذا المعترض نفسه في إشكالية خطيرة لا خلاص منها إلا بالسقوط في إحدى بدعتين الأولى هي بدعة ولادة المسيح بدم مدنس بالخطية ورثه عن أمه وإما بالسقوط في بدعة الحبل بلا دنس, ويبدوا أنه اختار هذه الأخيرة ليقع فيها .

      رغم أن الثابت علميا وكتابيا أن دم الجنين مصدره الحيوان المنوى الذى يخصب البويضة بالدم, وبدون زرع الرجل لا تنتج البويضة دما يخصبها على الإطلاق, وثابت علميا أيضا أن دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم , وأنه لا دم مطلقا يصل من الأم للجنين, ودليل ذلك اختلاف فصيلة دم الجنين في أحوال كثيرة عن فصيلة دم الأم.

     فإذا كان المسيح لا محالة سيرث دم الخطية من أمه حسب زعم المعترض. فلا حاجة ليولد منها المسيح بدون زرع بشر, طالما أنه سيرث الخطية منها في جميع الأحوال, وطالما أن الروح القدس سيطهرها لتلد المسيح بلا خطية مثلها بحسب تصوره.

     ولا نعرف كيف يمكن لبويضة العذراء أن تنتج دما بدون عمل الروح القدس إن كان حلوله عليها ليس بغرض ولادة المسيح بدون زرع بشر بل بغرض تطهير دمها لتلد المسيح بدم طاهر مثلها, رغم أن الثابت علميا أن البويضة لا تنتج  أي دم على الإطلاق رغم أنها تستمد حياتها بعد تخصيبها من خلال الدم الذى يمدها بالغذاء والأكسجين دون أن يدخل في تركيبها.

   مثال ذلك بيضة الدجاجة لا يمكن أن تخصب وتنتج دما ما لم تلقح بالحيوان المنوى, وفى هذا يقول الفريد ف. هويتنر في مؤلفه الأساسيات في علم تكوين الجنين للفقاريات ما نصه:

    " أن البويضة المخصبة تصبح جاميتا ساكنا يدخل فيها الحيوان المنوى ليخصبها, ومن جهة أخرى فإن الحيوان المنوى يتخلص من المواد غير اللازمة له ويتحول بترتيب خاص إلى كائن حيوى يتحرك بسرعة .. وعندما يلمس الحيوان المنوى البويضة تسيل مادة البلازما المحيطية من جانب نحو مخروط الإخصاب " ( الأساسيات في علم تكوين الجنين للفقاريات ص 64 , 66 ).

      مما تقدم يتضح أن الدم الذى يخصب البويضة مصدره الحيوان المنوى بما يقوم برهانا على أن الدم الذى يسرى في عروق جميع البشر هو دم آدم ( أعمال 17 : 26 ) الذى يصنع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) أى من الحيوان المنوى المدنس بالخطية المورثة من خلال الدم أبا عن جد , والذى به صار الجميع خطاة ( رومية 5 : 12 ).

    وهو ما أنكره المعترض واعتبره لا يناسب عصر العلم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 289 ) معتبرا إياه تعليما خاصا أي من تأليفنا وليس أنه حق كتابى, وهذا برهان جهله بالكتاب المقدس والحقائق الكتابية.

    وأما دليلنا القاطع على أن الدم الذى يصنع من زرع الرجل هو وحده المدنس بالخطية وشوكة الموت. فهو أن دم المسيح  بمفهوم المخالفة كان هو الدم الوحيد الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ) بسبب ولادته بطريقة معجزية بقوة إلوهيم بدون زرع بشر ( لوقا 1 : 34 – 35 ) أما نحن فلأننا صنعنا من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ) المائت ( بطرس الأولى 1 : 23 ) فقد ورثنا دم مدنس بالخطية ومعيب بشوكة الموت العاملة فيه. لهذا فإن دم المسيح  إذ صنعه إلوهيم بقوته وجعله كدم  آدم قبل السقوط. صار هو الدم الوحيد الصالح للتكفير عن دم آدم المدنس بالخطية الذى يسرى في عروق جميع البشر ( أعمال 17 : 26 ) لأن الدم يكفر عن النفس ( لاويين 17 : 11 ) وبدون سفك دم ( أي موت الدم ) لا تحصل مغفرة  ( العبرانيين 9 : 22 ) لأن الذى مات قد تبرأ من الخطية ( رومية 6 : 7 ).

     ومن البراهين الدالة على أن الدم هو جسم خطايا البشرية. هو أن سفك الدم بالختان قديما كان يرمز لخلع جسم خطايا البشرية ( أي بسفك الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت ) ( كولوسى 2 : 11 -  13 ).

     ورغم أن الجسد يطهر من الخطية بموت الدم. إلا أن الجسد يبقى في الموت الأبدى. مالم يدفن مع المسيح في المعمودية التي فيها يقام ( من الموت ) أيضا معه ( كولوسى 2 : 12 ).

   هذه القيامة الأولى أو الولادة الثانية لن تكون بزرع يفنى كما في الميلاد الأول بل مما لا يفنى، بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأب ( بطرس الأولى 1 : 23 ) أي بالروح القدس الذى هو روح المسيح الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ).

    وإذ رفض هذا اليعقوبى أن يقبل كلمة الحق. أسلمه إلوهيم إلى ذهن مرفوض فكتب يقول: أنه حتى يولد المسيح بلا خطية. كان لا بد من تطهير جسد العذراء من الخطية والفساد الذى يرثه الأبناء من أبويهما نتيجة الخطية الأولى.

     فزعم أن الروح القدس حل علي العذاراء وطهرها وقدسها تمهيدا ليكون من خلايا جسمها جسدا للكلمة حتى لا يرث الخطية منها.

     وهكذا بوقوعه في بدعة إنكار وراثة الخطية الأبوية آبا عن جد, وقولة بوراثة الخطية من الأبوين معا . سقط في سلسة متتالية من البدع والأخطاء العلمية واللاهوتية بقوله بوراثة الخطية من دم الأم وليس الأب. رغم أن مصدر الدم الذى هو نفس حية أو حيوانية هو الحيوان المنوى الذكرى الذى يخصب البويضة أي أن مصدره زرع الرجل وحده ( الحكمة 7 : 2 ) الأمر الذى ترتب عليه أيضا وقوعه في بدعة الحبل بلا دنس.

    وهى بدعة قوامها أن إلوهيم بحلوله على العذراء بالروح القدس طهر دمها من الخطية المورثة. لتلد إنسان نظيرنا بدم طاهر مثل دمها.

     فإن كان حلول الروح القدس على انسان يطهر دمه من الخطية فلماذا لم يحل على آدم ليطهر دمه من الخطية فلا يموت , ولماذا يطهر دم العذراء وحدها وهو من ذات دم آدم الصادر ضده حكم الموت عينه, ولماذا ماتت العذراء إذا كان دمها قد صار طاهرا من الخطية وحكم الموت الأبدى.

    وقد أثبت المعترض سقوطه في بدعة الحبل بلا دنس بمؤلفه تحت عنوان " تجسد وتأنس " بقوله ما نصه:

    أن الآب ظلل القديسة مريم. والابن أخلى ذاته ونزل إلى أحشائها, والروح القدس حل عليها  واتخذ من خلايا جسمها بعد أن طهرها وقدسها بداية لتكوين جسد الكلمة. أما المقصود بالتأنس هو أن يتخذ الكلمة .. جسدا بشريا. ونفسا بشرية. وروحا بشرية عاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 278 ).

    والواقع أن المعترض لم يقع فقط في بدعة الحبل بلا دنس بل وقع أيضا في بدعة نسطور بقوله بتأنس الكلمة أي مصاحبته للإنسان المولود من مريم.

 

 

 

الإعتراض الثانى

على أن الخطية وشوكة الموت في الدم وحده

 

     يقول سليمان الحكيم فى سفر الحكمة ما نصه :

     صورت جسدا فى جوف أمى , و .. صنعت من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 2 ).

    وهذا معناه أن دم الجنين يصنع من زرع الرجل أي من الحيوان المنوى الذى يخصب البويضة ويمنحها الحياة والنمو, فالدم هو علة حياة الجسد الحيوانى أي الحى بالدم الذى يتكون وينمو فى رحم الأم.

     فعلق المعترض اليعقوبى فى مؤلفه على هذه الأقوال قائلا ما موجزه :

     أن الإدعاء بأن دم الجنين مصدره زرع الرجل هو إدعاء غير علمى على الإطلاق لأن من المسلمات اليقينية أن كل خلايا جسم الجنين شاملة الدم مصدرها البويضة المخصبة التي تحتوى على الأجسام الوراثية نصفها من الرجل والنصف الآخر من الأم , ومن ثم فإن هذا التعليم خطأ وتخريف .. وأنه عار تماما من الصحة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 264, 265 , 289 ).

      لاشك أن هناك مشكلة متعلقة بإدراك هذا المعترض فى التمييز بين الفكر الخاص وأقوال الحق الكتابى.

     فقد أتى بآية لسليمان الحكيم القائل :

     صورت جسدا في جوف أمى .. وصنعت من الدم بزرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 - 2 ).

    وعلق عليها قائلا أن إدعاء الكاتب بأن دم الجنين مصدره زرع الرجل هو ادعاء غير علمى على الإطلاق, وفى موضع آخر يقول أن هذا التعليم خطأ وتخريف من بنات أفكارنا ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 264, 265 , 289 ).

    فالمعترض بلا تمييز ينسب الحق الكتابى إلينا, ويجدف عليه بالقول بأنه غير علمى وتخريف من بنات أفكارنا.

     ولم يكتفى بذلك بل عارض إلوهيم نفسه في قوله:

     " يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض, وجابل روح الإنسان في داخله " ( زكريا 12 : 1 ) بالقول أن الروح لا تخلق خلقا جديدا من إلوهيم داخل الجنين في بطن أمه ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267 ).

     يقول الرب : أنه يخلق روح الإنسان في داخله, والمعترض يكذبه ويعارضه بالقول: أن الروح لا تخلق خلقا جديدا من إلوهيم داخل الجنين .

        فماذا نقول؟  آلمثل هذا الإنسان يقام لرأيه وزن.  

 

إثبات وجود الخطية وشوكة الموت في الدم وحده علميا وكتابيا

     المحقق كتابيا أن آدم عندما أكل من شجرة المعرفة. تدنس دمه بشوكة الموت. التي لا تورث إلا من خلال الدم الذى يصنع من الحيوان المنوى أي زرع الرجل. 

     أما بويضة المرأة إذ هي خالية تماما من الدم ولا تنتج دما. فإنها تحيا وتتغذى من خلال الدم الذى يمدها بالغذاء والأكسجين بدون أن تدخل شوكة الموت في تركيبها. لأن هذه الشوكة لا توجد ولا تنتقل إلا من خلال الدم وفى الدم ليثمر للموت في النهاية.

   يتكون الحيوان المنوى من غشاء من البلازما الحية بداخلها نواة بها الجينات الخاصة بالصفات الوراثية المكونة للجنيين من حيث نوعه وهيئته, ولا تدخل شوكة الموت في تركيب هذه الجينات . لأن هذه الشوكة لا توجد إلا في البلازما الحية التي يتكون منها الدم الذى هو سائل الحياة للجسد الذى بمجرد دخوله إلى البويضة يخصبها, وهكذا تنشأ خلية الزيجوت التي تنقسم في سلسلة من الإنقسامات مكونة الجنين الذى يحمل دما مدنسا بالخطية وشوكة الموت.

     والثابت علميا أن خلايا الدم الحمرا ليس لها نواة , ولذلك فهى لا تستطيع الإنقسام أو التكاثر لهذا يكون عمرها قصير جدا ( 120 يوما ) نتيجة شوكة الموت العاملة فيها. فيقوم النخاع العظمى بتحليل خلايا الدم المهترئة وتخزين الحديد منها ( ويدخل في تركيبه شوكة الموت إو ابرة الموت التي تسبب اهتراء خلية الدم وموتها ) لاستخدامه فى تكوين هيموجلوبين جديد واستبدال خلايا الدم المائتة بأخرى جديدة.

    فالبويضة كما نرى إذ هي خالية من الدم ولا تنتج دما, ومن ثم فإنها تخلو من شوكة الموت. فإذا اخصبت البويضة بدم طاهر. فإن الجنين المتكون منها يكون دمه دما طاهرا بلا عيب ولا دنس, ولا يأخذ أي دم من الأم. لأن لكل منهما دورته الدموية الخاصة, وأما الغذاء والأكسجين الذى يصل للجنين فيصله عن طريق المشيمة.

      وأيضا فإن الجينات الوراثية الموجودة في الأم لا تنقل شوكة الموت, وإلا لدنست دم المسيح الذى أخذه طاهرا بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 -19 ) بعمل الروح القدس, وألا لكانت ولادته بدون زرع بشر بلا طائل.

    هناك حقيقتان في خلية الدم الحية لم يتوصل إليهما العلم. الحقيقة الأولى هي كيف تحيا ؟ والحقيقة الثانية ما الذى يميتها ذاتيا ؟

   نحن نعلم أن الدم حصل على قدرته التنفسية من نفخة إلوهيم في أنف آدم.  فصار آدم نفسا حية, وأنه صار تحت حكم الموت بعد أن خالف الوصية وأكل من الثمرة المحرمة المدنسة بشوكة الموت .

     ولكن العلم يقف عاجزا عن معرفة سر الحياة. كما يعجز عن معرفة أسباب موت وفناء الحياة في خلية الدم نتيجة عدم قدرتهاعلى تجديد نفسها إلى مالا نهاية. حيث تتوقف هذه القدرة بعد سلسلة من التجديدات بمعدل ثلاث تجديدات سنويا فإذا عاش الإنسان 90 سنة فيكون قد حقق 270 تجديد , وإن عاش 120 سنة فسيكون قد حقق 360 تجديد وهكذا , ويوم يكتشف العلماء سر موت خلية الدم نتيجة عدم قدرتها على تجديد نفسها إلى مالا نهاية. سيضع يده على شوكة الموت التي تستنزف الدم وتمنعه من الإستمرار في تجديد نفسه إلى ما لانهاية, وهو مالا نتصور حدوثه.  

     نخلص مما تقدم أن شوكة الموت كائنة في الدم وحده .

     والدم مادة لا نواة لها, ورغم وجود شوكة الموت في الدم إلا أنها لا تمتزج بالخلايا, ودليل ذلك أن خلية الدم على سبيل المثال تحمل الأكسجين لتمد به خلايا الجسم, وتحمل عوادم الخلايا في طريقها للإخراج دون ان يختلطا. رغم أنهما محمولان في ناقل واحد .

    هكذا شوكة الموت كائنة في الدم وحده, ولكنها لا تدخل في تكوين خلايا الجسد. بل تظل في الدم فإذا مات الدم . يتبرأ الجسد من الخطية ( رومية 6 : 7 ).  

   وشوكة الموت كما يستدل من اسمها جسم إبرى أو مسمارى يستنزف الدم حتى الموت , ونحن نرثها من خلال الحيوان المنوى وحده الذى منه يصنع الدم المدنس بشوكة الخطية والموت.

   ومعروف أن مادة الهيموجلوبين تحتوى على عنصر الحديد, وعندما يحدث شذوذ في هذه المادة. فإنها عندما تتعرض لإكسجين منخفض تكون أجسام بلورية مستطيلة داخل خلايا الدم الحمراء يصل طولها إلى 15 ميكرومتر, وتقوم النهايات الشائكة لهذه الأجسام بتمزيق أغشية الخلايا وتؤدى إلى حدوث فقر الدم المنجلى, وهذا شبيه بعمل شوكة الموت في الدم والتي تعمل بطريقة غير معلومة, ولكنها تؤدى لقصر عمر خلية الدم الحية وموت الملايين منها يوميا عن عمر لا يزيد على 120 يوما. 

     ومن الكتاب المقدس نعلم أن الدم يصنع من الحيوان المنوى أي من زرع الرجل وفى هذا يقول سليمان الحكيم : " صنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 1-2 ).

     والدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) وهو مادة حية متنفسة قابلة للموت والفناء, وهى علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ) لأن نفس الجسد ( أي قدرته التنفسية ) هي في الدم ( لاويين 17 : 11 ).

    هذا الدم ( أي النفس الحية الحيوانية ) هي التي صدر ضدها حكم الموت الأبدى كما هو مكتوب :

     " النفس التي تخطىء تموت .. دمه على نفسه ( حزقيال 18 : 4 , 13 ).

      وهى التي يكفر عنها على المذبح لأن نفس الجسد هي في الدم - لهذا يقول الرب - فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم ، لأن الدم يكفر عن النفس ..  لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ، فقلت لبني إسرائيل : لا تأكلوا دم جسد ما ، لأن نفس كل جسد هي دمه " ( لاويين 17 : 11 - 14 ).

      ويقول يوحنا الرسول:  أن أبناء إلوهيم هم " الذين ولدوا ليس من دم, ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل, بل من إلوهيم " ( يوحنا 1 : 13 ).

   وأيضا تقول كلمة إلوهيم عن الذين ولدوا في المعمودية :

    " مولودين ثانية لا من زرع يفنى ( أي من حيوان منوى يموت ) بل مما لا يفنى بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     وهذا معناه أن الذين سينالون الميلاد الثانى أو القيامة من الموت سيحيون ليس بحسب الدم المصنوع من زرع الرجل الفانى. بل بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الثانية 15 : 45 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ).

    والسؤال هو من أين جاءت الحياة للبويضة؟ أليس من الحيوان المنوى ( أي الكائن الحى المنوى ) لهذا فإن الحيوان المنوى هو الذى يخصب البويضة ويمنحها الدم الذى هو سائل الحياة الذى يمنح البويضة الحياة والنمو والشكل.

     لهذا فإن اعتراض المعترض على القول : بأن دم الجنين مصدره زرع الرجل. بقوله: بأن هذا إدعاء غير علمى على الإطلاق ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 135 , 264, 265 , 289 ) هو اعتراض على الحق المعلن بفم سليمان الحكيم القائل " صنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 2 ).

     أما قول المعترض أنه من المسلمات اليقينية أن كل خلايا جسم الجنين شاملة الدم مصدرها البويضة المخصبة التي تحتوى على الأجسام الوراثية نصفها من الرجل والنصف الآخر من الأم .

    فندعوه لفحص ما يكتبه: " البويضة المخصبة " هي البويضة الملقحة بالدم المصنوع من زرع الرجل والتي صارت بعد تخصييها تسمى خلية الزيجوت.

   والدم الذى مصدره الحيوان المنوى هو الذى يمنح البويضة الحياة والنمو. أما البويضة فهى التى يتكون منها جسم الجنين وهى لا تستطيع أن تنتج دما, وأنما الدم يؤخذ من الحيوان المنوى الحامل شوكة الموت, وهذه الشوكة ليست ضمن الصبغات الوراثية ولا تدخل في تركيبها. بل هي منفصلة عنها, ولا توجد إلا في خلية الدم ولا تنتقل إلا من خلاله.

    وبداهة أن خلية الزيجوت المكونة من بويضة مخصبة بالدم المصنوع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 1-2 ) تحمل جميع الصفات الوراثية للزوجين داخل نواة محاطة بغشاء من البلازما الحيوية.

      فزرع الرجل ( الحيوان المنوى ) الذى صنع منه الدم يحتوى على ثلاثة وعشرين كروموسوما يتحد مع ثلاثة وعشرين كروموسوما من البويضة وباتحادهم  معا تبدأ خلية الزيجوت في الإنقسام. لتصير خليتين فأربعة في متوالية مستمرة مكونة الجنين الذى يحمل ستة وأربعين كروموسوما تحمل صفاته الوراثية كاملة مناصفة من الرجل والمرأة.

   بالنسبة للمسيح فقد ولد بدون زرع بشر. أي أن بويضة العذراء اخصبت أي صارت حية بالدم. بدون حيوان منوى فكيف تم ذلك؟

   الكتاب ذكر أن الروح القدس حل على العذراء, وأن قوة العلى أي صورة المسيح الروحية الذى نفخ في أنف آدم نفس حياة فصار آدم نفسا حية ( مراثى ارميا 4 : 20 ) ظللتها, وهكذا بالتظليل على العذرء جعل البويضة نفسا حية أي حية بالدم بدون زرع بشر. فلذلك القدوس المولود منها يدعى ابن إلوهيم.

     فالمسيح ولد بدون زرع بشر حتى لا يرث الخطية الأبوية , لأن الخطية محمولة على زرع الرجل الذى يصنع منه الدم, وليس على البويضة التي يتكون منها الجسد. 

     فإذا اخصبت البويضة بخلية دم طاهرة كدم آدم قبل السقوط. فإن الجنين المولود بهذا الدم يكون بلا خطية. لأن الدم الذى منح البويضة الحياة والنمو دم طاهر.

     وما نقرره كان معروفا فى الكنيسة الأولى حيث يقول القديس هيلارى عن جسد المسيح. أن نفسه الحية أى دمه كان من صنع روح الكلمة, وأن مادة الجسم هى وحدها التى أخذها من أمه. لكن مادة الجسم لا تأخذ شكلها البشرى إلا بفعل النفس الحية أى الدم ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 70 , 71 هامش 2 ).

      ووفقا للكتاب المقدس فإن الله بكلمته أخرج من الأرض ذوات أنفس حية كجنسها ( تكوين 1 : 24 ) أما آدم فنفخ المسيح في أنفه نفس حياة فصار آدم نفسا حية ( تكوين 2 : 7  ) ( مراثي أرميا 4 : 20 ) أي حيا بالدم كسائر ذوات الأنفس الحية.

      أما قول المعترض بأنه " لا ربط ولا علاقة بين كون دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم. وبين تحديد فصيلة دم الجنين ".

     فينم عن عدم إدراك المعترض للقصد من ذكر هذه الحقيقة العلمية, وهى إثبات أنه لا دم من الأم مطلقا يصل إلى دم الجنين ليدنسه أو يميته في حالة اختلاف فصيلة الدم.

     لهذا قلنا أنه قد ثبت علميا أن دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم, وكثيرا ما تكون فصيلة دم الجنين من فصيلة تختلف عن فصيلة دم الأم. وهذا برهان على انفصال الدورتين تماما. بدليل اختلاف فصائلهم في كثير من الأحيان.

     أي أننا لم نتكلم عن تحديد فصيلة دم الجنين في هذا الموضوع مطلقا.

     لأن بحثنا غير متعلق بتحديد فصيلة دم الجنين. بل بأسباب عدم وراثة المسيح الخطية الأبوية أو الجدية في ضوء الحكمة الإلهية من ولادة المسيح بدون زرع بشر ( أي بدون الحيوان المنوى الذى يصنع منه الدم ) بحيث صار وحده المولود بدم طاهر بلا عيب ولا دنس. ليكفر بدمه الطاهر عن دمائنا المدنسة بشوكة الخطية والموت ( بطرس الأولى 1 : 19 ) ( العبرانيين 9 : 14 ).

     إلا أن المعترض فهم الأمر بخلاف مقصده منكرا الحق الكتابى بأن الدم يصنع من زرع الرجل أي من الحيوان المنوى ( الحكمة 7 : 2 ) وذلك من منطلق قناعاته الخاصة المضادة للمنطق والعلم والكتاب المقدس. 

     مما تقدم يتضح أن هدفنا من إثبات أن دورة دم الجنين منفصلة تماما عن دورة دم الأم. هو إثبات أن دم المسيح الذى نشأ بطريقة معجزية وبلا خطية. لم يصله نقطة دم واحدة من دم الأم. لهذا لم يرث المسيح الخطية الأصلية من أمه. رغم أنها هي التي ولدته, وعلة ذلك أن لكل منهما دورته الدموية المنفصلة تماما عن الأخرى, والغذاء والهواء الذى يصل إلى الجنين يصله من خلال المشيمة.

     فالخطية ليست في اللحم الذى يتكون من البويضة بل فى الدم الذى يصنع من زرع الرجل وهذا مثبت كتابيا الأمر الذى أثبته سليمان الحكيم بقوله :

    " صورت جسدا فى جوف أمى .. و .. صنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 1 , 2 ).

   وبما اننا جميعا نصنع من الدم بزرع الرجل أبا عن جد فهذا معناه أن البشرية كلها تحيا بذات دم آدم الذى نرثه كما أسلفنا أبا عن جد الأمر الذى اثبته لوقا الرسول وأيده بولس الرسول بقوله:

   " صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض " ( أعمال 17 : 26 ) ( رومية 5 : 12 ) ( رومية 6 : 6 ). 

الجسد من الأم , والدم من الأب , والروح من إلوهيم

     ومن البراهين الكتابية المثبتة إلى أن الجسد المكون من لحم وعظام إنما يؤخذ من الأم وحدها إضافة لما سبق هو أن المحقق كتابيا أن كل من ينتسبون بالقرابة من جهة الأم. هم جسد واحد مركب من لحم وعظام.

     لهذا قال لابان ليعقوب ابن أخته رفقة ( تكوين 25 : 20 ) إنما أنت عظمى ولحمى ( تكوين 29 : 14 ).

     أما الذين ينتسبون بالقرابة من جهة الأب. فهم دم واحد . لأن الدم يصنع من زرع الرجل ( الحكمة 7 : 1 , 2 ) المدنس بالخطية لهذا قيل أيضا :

    بالخطية ( أي بزرع الرجل المدنس بالخطية وشوكة الموت ) حبلت بى أمى ( مزمور 51 : 5 ) لأن المرأة تحبل بزرع ( عدد 5 : 28 ).

     لهذا صار جميع البشر تحت حكم الموت الأبدى. لأننا جميعا صنعنا من دم واحد هو دم آدم ( أعمال 17 : 26 ) وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس. إذ أخطأ الجميع  ( رومية 5 : 12 ).

    وأما الروح فمن إلوهيم : جابل روح الإنسان في داخله (  زكريا 12 : 1 ).

     لهذا فإن اعتراض المعترض على قول سليمان الحكيم " صنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 1 - 2 ) بقوله أن الدم لا يصنع من زرع الرجل وحده بل من الأم أيضا, يترتب عليه نتائج في غاية الخطورة .

    أولها إنكار الحق الكتابى بأن الخطية تورث عن طريق زرع الرجل وحده آبا عن جد,    وثانيها تجريد ميلاد المسيح بدون زرع بشر حتى لا يرث خطية آدم من جدواها , لأن المسيح سيرث الخطية من أمه, طالما أن الخطية تورث من خلال خلايا جسد الأم أيضا حسب زعمه. بما معناه أن المسيح سيرث الخطية حتما من أمه ما لم يطهرها الوهيم منها. فكان أن سقط في بدعة الحبل بلا دنس.

 

 

تفنيد بدعة الحبل بلا دنس

     بعد أن زعم المعترض باطلا أن بويضة العذراء التي سياخذ منها المسيح جسده مدنسة بالخطية ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 278, 289 ) .

    وأنه لا جدوى من ولادة المسيح منها بدون زرع بشر حتى لا يرث الخطية الأبوية. لأن هذا هراء من وجهة نظره ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 289, 290 ) وأن الخطية تورث عن طريق الأبوين,  وبالتالي حتى وإن ولد المسيح  بدون زرع بشر فإنه سيرث الخطية من أمه. ما لم يطهرها إلوهيم من الخطية المورثة من أبويها.

     لهذا حتى يولد المسيح بلا خطية كان لا بد من تطهير جسد العذراء من الخطية التي تنتقل للأبناء من الأبوين معا ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 278 ) فزعم أن الروح القدس حل عليها وطهرها وقدسها تمهيدا لتكوين جسد الكلمة حتى لا يرث الخطية منها ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 264, 265 ) وهكذا وقع المعترض في بدعة الحبل بلا دنس بقوله : " الروح القدس حل عليها واتخذ من خلايا جسمها بعد أن طهرها وقدسها بداية لتكوين جسد الكلمة ".

     وهكذا ولدت العذراء المسيح بجسد ودم طاهر كدم آدم قبل السقوط. بعد أن طهرها إلوهيم من الخطية الأصلية. حسب زعم المعترض.

    أي أن الروح القدس حل على العذراء ليس ليخصب البويضة بقوته ويمنحها دما طاهرا كدم آدم قبل السقوط حتى يولد المسيح منها بدون زرع بشر. بل ليطهر جسد ودم العذراء من الخطية الأصلية. ليأخذ المسيح جسده ودمه منها بعد أن طهرها إلوهيم.

    ولكن هذه البدعة إذ ليس لها سند كتابى. فضلا عن مخالفتها للعلم الذى يثبت أن خلية الزيجوت لا يمكن أن تنشأ من الأم وحدها بل لا بد أن تخصب بزرع الرجل أو بطريقة معجزية كما في ميلاد المسيح . فإنها لا تثبت أيضا إذا أعملنا فيها سهام النقد والتفنيد بكلمة الحق.

     لأنه بفرض أن الروح القدس طهر دم العذراء مريم من الخطية الأصلية وحكم الموت الأبدى. فإنها تحيا إلى الأبد, ولا تموت موتا طبيعيا. نتيجة الخطية الأصلية.

    فإذا ماتت العذراء ميتة طبيعية. فقد دل ذلك على أن دمها مثل دمنا تحت حكم الموت عينه, وانها تحتاح مثلنا إلى الخلاص من الخطية والموت بروح المسيح الذى أعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ).

    " وهذا ما أعلنته العذراء مريم نفسها بالقول : تعظم نفسي الرب, وتبتهج روحي بإلوهيم مخلصي " ( لوقا 1 : 46 – 47 ).

    وهذا إقرار من العذراء مريم نفسها بحاجتها للخلاص مثلنا, وأن المولود منها هو  إلوهيم مخلصها.

     كما أثبت رسل المسيح : أن دم المسيح وحده هو الذى كان بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 19 ) لأنه الوحيد الذى ولد بدون زرع رجل ( لوقا 1 : 34 – 35 ).

     لهذا كان يمكن للمسيح وحده - لو لم يصلب ويسفك دمه حتى الموت. موت الصليب - أن يحيا على الأرض بهذا الدم الطاهر إلى الأبد.

   أما العذراء فإن الثابت تاريخيا أنها ماتت ميتة طبيعية بسبب دم الخطية الأبوية, ولو كان الروح القدس قد طهر دمها وقضى على شوكة الموت العاملة فيه. كما يزعم أصحاب بدعة الحبل بلا دنس. لعاشت العذراء حتى المجىء الثانى لرب المجد.

    وهكذا سقطت وإلى الأبد بدعة الحبل بلا دنس.

    وعلى هذا وبعد أن أثبتنا بالدليل الكتابى. سقوط بدعة الحبل بلا دنس. فإن الذين يستندون إليها في الادعاء بأن المسيح أخذ دمه من العذراء , عليهم أن يعترفوا أنه لو أخذ المسيح دمه من العذراء – فرضا - فإنه يكون دما مدنسا بالخطية الأبوية, وبالتالي لا يصلح للتكفير عن دمائنا. لأن الكفارة تستلزم أن يكفر دم طاهر بلا عيب ولا دنس. عن دم مائت بسبب دنس الخطية.

     فالذين يقولون أن السيد المسيح أخذ دما من العذراء يهدمون سر الفداء, ولن تفيدهم بدعة الحبل بلا دنس التي يفندها موت العذراء موتا طبيعيا دون أن يسفك دمها. مما يثبت حاجتها للفداء مثلنا. فضلا عن أن الدم يؤخذ من الرجل لا المرأة كما قدمنا.

     ويقول الأستاذ حبيب جرحس في مؤلفه " الصخرة الأرثوذكسية "  ص 59 وما بعدها ما موجزه :

    أن الكنيسة البابوية ابتدعت بدعة حبل العذراء بلا دنس سنة 1849 التي تهدم أهم أركان العقيدة المسيحية التي بنى على أساسها سر التجسد والفداء.

    حيث ينكر هذا التعليم توارث الخطية الأبوية أبا عن جد.

    ويكفى لدحض هذا التعليم الفاسد قول الرسول: " بإنسان واحد ( لأننا جميعا صنعنا من دم آدم ) دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت, وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع " ( رومية  5 : 12 ).

      ويقصد الأستاذ حبيب جرجس من هذه الآية إثبات أن وراثة الخطية الأبوية وفقا للحق الكتابى يكون من دم آدم وحده ( أعمال 17 :  26) لهذا ولد المسيح بدون زرع بشر .

     أما بدعة وراثة المسيح الدم من أمه فيهدم العقيدة الكتابية بأن الخطية تورث من خلال الدم المصنوع من زرع الرجل وحده أي من الحيوان المنوى ( الحكمة 7 : 2 ) لا من البويضة, واننا جميعا صنعنا من دم آدم ( أعمال 17 : 26 ).

     فالدم يصنع من زرع الرجل وليس من بويضة الأنثى, وهذه حقيقة علمية, والقول أن الجنين يأخذ الدم من أمه . يجعل ميلاد المسيح بدون زرع رجل بلا طائل. طالما سيأخذ دم الخطية من أمه.

    فإذا أخذ المسيح دمه من أمه -  فرضا - فسيكون قد ورث عنها الخطية الأصلية, وبالتالي يكون دمه غير طاهر ولا يصلح ليفتدينا بدمه.

      أما عن قول المرنم : " ها أنذا بالإثم صورت.  وبالخطية حبلت بى أمى  " ( مزمور 51 : 5 ).

     فإن التفسير الصحيح للآية ليس كما يتصور المعترض بجهالة أنه ورث الخطية من أمه. بل أنه بزرع الرجل ( أي بالحيوان المنوى الذى يصنع منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت ) حبلت به أمه.

     لأن الحبل لا يتم إلا بتلقيح البويضة بالحيوان المنوى أي بزرع الرجل الذى يتكون منه الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت.

 

  تفنيد بدعة ولادة الروح وتناسخ الأرواح

     يرى المعترض أن الخطية تورث ليس من خلال الدم بل من خلال الروح الإنسانية العاقلة بقوله:

     أن الروح كيان غير منظور وعاقل .. يأخذه عن أبيه وأمه , ويرث من أبويه الفساد الذى حاق بالإنسان نتيجة الخطية الأولى, ولا تخضع الروح لموت مثل موت الجسد. فالروح لا تخلق جديدة من إلوهيم داخل الجنين في بطن أمه( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267  ) مكذبا بذلك كلمة الرب القائل : باسط السماوات .. وجابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ).

     وبداهة لكل ذي عقل أن الروح غير المنظورة وغير المادية لا يمكن أن تتكون من خلية الزيجوت المدنسة بالخطية والتي حتي تنمو لا بد أن تتناسخ في متوالية هندسية مكونة جسد الإنسان الحي بالدم الذي هو نفس حية أي حياة متنفسة هي علة حياة الجسد. فالروح ليست نفس حية ولا هي خلية جسدانية كالدم حتى تتناسخ في متوالية هندسية مكونة الجسد الحيوانى اى الحى بالدم القابل للموت والفناء.

     ثم يقول  و" لا تخضع الروح لموت مثل موت الجسد ".

     إذا كانت الروح جسدانية باعتبارها مكون جسدى وكانت هي علة حياة الجسد وتدنست بالأكل من شجرة المعرفة فتكون هي التي صدر ضدها حكم الموت والفناء الأبدى. فمن ذا الذى يتجاسر ويقول أن الذى صار تحت حكم الموت والفناء الأبدى لا يموت ويفنى, وإن كانت الروح هي علة حياة الجسد ولا تخضع للموت فكيف سيموت الجسد أصلا. لأنه إنما يحيا بالدم لا بالروح الإنسانية التي لا تموت وإنما الذي يموت هو الدم الذي هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد, وبالتالي فإنه بموت الدم وحده يموت الإنسان, وهذه حقيقة كتابية مؤيدة علميا.

    وبداهة أن إلوهيم لم يخلق الإنسان للموت بل هو جلبه علي نفسه بمخالفة الوصية فتدنس دمه بشوكة الخطية والموت وبهذا صار حكم الموت والفناء عاملا في النفس الحية أى الدم الذى يصنع من زرع الرجل. لهذا فإن المولودين من إلوهيم في المعمودية. يولدون ثانيا ليس من زرع يفنى ( أي من حيوان منوى يموت ويفنى كما في الميلاد الأول ) بل مما لا يموت بكلمة إلوهيم الحية ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

    وعلى ذلك فإن قول المعترض بأن الروح لا تخضع لموت مثل موت الجسد هو برهان على أن الحكم لم يصدر ضدها بل ضد النفس الحية أى الدم. لأن شوكة الموت أفسدت الدم لا الروح. لهذا فإن الدم وحده هو الذى صار عرضة للموت والفناء, ولولا الخطية وشوكة الموت العاملة فيه والتي صارت تحد من قدرة خلايا الدم على تجديد نفسها. لاستمرت هذه الخلايا تجدد نفسها إلى مالا نهاية. لهذا فإنه بموت الدم بعد أن يعجز عن تجديد نفسه يتبرأ الجسد من الخطية الأصلية بموت الدم المدنس بالخطية ( رومية 6 : 7 ) ولكنه رغم تبرأه من الخطية بموت دم الخطية فإن جسد الإنسان سيبقى  في الموت الأبدى. ما لم يحصل على قيامة جسده بروح المسيح فى المعمودية الذي سيحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ).

     مما تقدم يتضح أن الدم هو علة حياة الجسد وبموته يبرأ الجسد من الخطية , وهذا برهان على أن حكم الموت الأبدى صدر ضد الدم وليس ضد الروح التي تمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) ( مزمور 13 : 3 ) كما في حبس إلى الأبد ( أشعياء 66 : 24 ) .

     لهذا أشترك السيد المسيح في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 7 ) آخذا شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) لأنه لم يرث دم الخطية. بل أخذ دما كدم آدم قبل السقوط. ليفدى به دم آدم الذى يسرى في شرايين جميع البشر.

    ثم كعادة هذا اليعقوبى في مقاومة صورة التعليم الصحيح نجده يكذب كلمة الوحى الإلهى القائل " يقول الرب باسط السماوات .. وجابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) بالقول: " أن روح الإنسان لا تخلق خلقا جديدا من إلوهيم داخل الجنين " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 267  ).

      وقد أوضح القديس كيرلس أن الروح رغم أنها تولد مع الجسد الذى تشخصة إلا أنها ليست مكون جسدى من خلية الزيجوت كما يعتقد النساطرة  بقوله :

     " إلا تولد الروح البشرية وهى من طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد مع الجسد. لأنها كما قلنا سابقا متحدة به, ولا أظن أن أحد سيفترض أن الروح لها طبيعة الجسد. أو أنها تتكون معه, وإنما إلوهيم بطريقة غير معروفه يغرسها في الجسد ( زكريا 12 : 1 ) وتولد معه " ( شرح تجسد الابن الوحيد فقرة 28 ص 50 ).

    وإذا افترضنا كما يزعم هذا اليعقوبى أن الروح وإن كانت غير منظورة إلا أنها تتكون من خلية الزيجوت وترث منها الفساد باعتبارها مكون مادى كاللحم والدم. فكيف تجسد إلوهيم وهو روح أزلى غريب عن الجسد وليس من مكوناته, وبداهة أن الحلول في إنسان  لا يسمى ولا يمكن أن يسمى تجسد أيا كانت غايته سواء كان حلول نعمة أو حلول تقمص ينزه إلوهيم عنه.

     ولكن ليعلم هذا اليعقوبى أن الحق الكتابى واضح في هذا الأمر وهو أن إلوهيم هو الذى يخلق روح كل إنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 )  فتولد مع جسدها الخاص لتشخصه, وهى لا تتكون من خلية الزيجوت كاللحم والدم. بل تشترك مع سائر أرواح البشر  في اللحم والدم أي في مكونات الجسد الذى تولد به وتشخصه.

    وفى هذا يقول بولس الرسول إذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 )

      وبهذا صار للكلمة جسده الخاص الذى يشخصه مثلهم , وبهذا صار في شبه الناس من حيث المنظر والهيئة لا من حيث الجوهر ( فيلبى 2 : 8 ) وبهذا استطاع أن يكفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة الموت حتى متى مات موتنا بموت الدم يبطل موت الجسد بإقامته من الموت بروحه المحيى الذى هو روح القيامة والحياة, وهكذا إذ التقى الموت بجسد الحياة بطل فورا . لأنه كما أن النور يبدد الظلمة. هكذا إذ إلتقى الموت بجسد الذى لا يموت بطل الموت, وبهذا تحررنا من موت الخطية بروح الحياة الذى في المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ).

     إن علة تردى المعترض في البدع هو تتلمذه على كتابات الهراطقة المنسوبة زورا للقديسين. من ذلك اعتماده على كتاب لنسطور يقول فيه أن الخطية في الروح وليس في النفس الحية ( أي الدم ) لخلطه بين النفس والروح. بقوله أن الروح هي التي أخطأت بالفكر, وأن الموت هو بخروج الروح من الجسد وليس بموت النفس الحية أي الدم. لهذا هاجم نسطور قول القديس كيرلس بأن النفس ( أي الدم ) هي التي تموت لا الروح بقوله:  

    " ولكنكم تقولون كيف تستطيع الطبيعة التي تعودت على الخطية وورثت الخطية أن تصبح بلا خطية  .. وهذا ما جعلكم تصفون النفس بأنها جسدانية .. وإذا كانت النفس كما تقولون أنتم جسدانية فلماذا لا تموت وتتحلل مع الجسد " ( ظهور المسيح المحيى ف 8 ص 23 - 24 ).

      وبداهة أن النفس التي تموت هي الدم لا الروح. كما أن نفس الجسد التي يكفر عنها هي الدم لا الروح ( لا ويين 17 : 11 – 14 ).

      عجيب أمر هذا اليعقوبى الذى يبصر الكلمة إبصارا ولا يفهم حتى أنه يكذب الوحى المقدس وينكره استنادا إلى تعاليم بشر.

     يقول الرب أنه باسط السماوات .. وجابل روح الإنسان في داخله " وهذا اليعقوبى يكذب ذلك بقوله بأن إلوهيم لا يخلق روح الإنسان خلقا جديدا داخل الجنين, بل تتكون من خلية الزيجوت.

      هكذا بذهن مرفوض تصور هذا اليعقوبى أن الروح  مكون جسدى يتكون مثل الجسد بالتناسخ من خلية الزيجوت ومن الصبغات الوراثية وترث الخطية والفساد من الأبوين, ورغم إقراره بأن النفس قابلة للموت كما هو مكتوب : النفس التي تخطىء تموت ( الاويين 17 : 14 ) رغم أن النفس المائتة هي الدم وليس الروح الخالدة.

     إلا أنه ناقض نفسه بالقول بأن الروح لا تخضع لموت مثل موت الجسد, وهذا إستخفاف بكلمة إلوهيم وأحكامه.  فلو أصدر إلوهيم حكمه بالموت على الإنسان , وكانت الروح هي التي تحيي الجسد وليس النفس الحيوانية أي الدم. لفنت الروح  ولا كفارة لها, وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى:

    " يجب أن يكون إلوهيم أمينا وصادقا من جهة حكم الموت الذى وضعه. لأنه كم يكون شنيعا جدا. لو كان إلوهيم أبو الحق يظهر كاذبا من أجلنا ومن أجل نجاتنا " ( تجسد الكلمة فصل 7 : 1 ).

     والواقع وفقا للحق الكتابى أن حكم الموت صدر ضد النفس الحيوانية أي الدم. وبالتالي يجوز التكفير عنها بالدم. لأن الدم يكفر عن النفس .. لأن نفس ( تنفس ) كل جسد دمه. هو بنفسه ( لاويين 17 : 11 - 14 ).

      لهذا جاء المسيح .. ليس بدم تيوس وعجول ، بل بدم نفسه ، دخل مرة واحدة إلى الأقداس ، فوجد فداء أبديا ( العبرانيين 9 : 12 ) .. ثم بالميلاد الثانى نولد من جديد ليس من دم يفنى كما في الميلاد الأول بل مما لا يفنى ( يوحنا  1 : 13 ) ( بطرس الأولى 3 : 19 ) بروح الحياة الذى في المسيح يسوع  الذى أعتقنا من الموت .. وأقام أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

   نخلص مما تقدم أن هذا التعليم بولادة الروح الإنسانية وتكونها من خلية الزيجوت المأخوذة من الأب والأم ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 265 ,  267 ) وليس أنها خلق جديد حسب الحق الكتابى ( زكريا 12 : 1 ) هي الأساس الذى قامت عليه ضلالة تناسخ الأرواح وعودة ولادتها داخل الجنيين عند كل ولادة جديدة.

     والمحقق علميا أيضا أن النفس الحية أي الدم لها قدرة على التناسخ من خلال الحيوان المنوى الذى يخصب البويضة  ويمنحها النمو أي أن هذه النفس الحية المائتة تستمر في الحياة من خلال  الحيوان المنوى الذى يخصب البويضة مكونا جنينا جديدا يحيا بذات دم آدم الولادات المتكررة يومنحه. لأن الولادة والنمو ما هو إلا عملية تناسخ للدم الذى هو نفس حية أو حيوانية,. والحياة التي في الدم ماهى إلا طاقة حيوية غير ذاتية أي غير عاقلة يشترك فيها جميع البشر لأنهم جميعا صنعوا من دم آدم, وبعبارة أخرى أنهم جميعا يحيون بذات دم آدم المدنس بالخطية. لهذا صاروا جميعا أيضا تحت حكم الموت عينه. لأننا أخذنا من صلب آدم لأننا جميعا كنا في صلبه لأن الدم الذى نحيا به هو ذات دم آدم الذى ورثناه من خلال قدرة خلية الدم الحية على التناسخ والتكاثر.

    ومن البراهين الكتابية التي تثبت أننا جميعا نحيا بذات دم أبينا آدم. هو أن لاوى الذى صار منه كهنوت العهد القديم الذى صار يأخذ العشور من اخوته هو نفسه دفع العشور لملكى صادق كاهن إلوهيم العلى ملك أورشليم. لأنه كان في صلب إبراهيم حين أعطى العشور لملكى صادق, وهذا ما أعلنه بولس الرسول بقوله : حتى أقول كلمة :  إن لاوي أيضا الآخذ الأعشار قد عشر بإبراهيم.  لأنه كان بعد في صلب أبيه حين استقبله ملكي صادق ( العبرانيين 7 : 9 -10 ).

   وعليه فإن الخلط بين النفس الحية التي في الدم وبين الروح هو ضلالة . لأن الروح العاقلة غير مادية وبالتالي لا تتوالد ولا تتكاثر, والقول بأنها عاقلة معناه أنها تعقل وجودها ولها ذاتيتها, والذات لا تتناسخ ولا تتوالد كالنفس الحيوانية التي في الدم والتي يشترك فيها كل ذوات الأنفس الحية ( تكوين 1 : 24 ) من بشر وحيوانات.

    وعلى ذلك فإن  القول بتناسخ روح من روح سابقة عليها باعتبارها مادة تتناسخ من مادة سابقة عليها. هو عين ضلالة تناسخ الأرواح والوجود السابق للأرواح بما أنها تتكون من خلية الزيجوت. لأنه إن كنا جميعا نحيا بدم آدم بسبب قدرة دم آدم على التناسخ والنمو من خلال خلية الزيجوت. فإن تشبيه الروح العاقلة بالخلية الحية غير العاقلة وغير الذاتية, والخلط بينهما. يؤدى للوقوع في البدع المتعلقة بتناسخ الأرواح, والولادات المتكررة ليس للنفس الحية ( الدم المورث بالتناسخ ) بل للروح العاقلة, وبما أن جميع أنفس البشر في صلب آدم. فإن الخلط بين الروح والنفس يؤدى للسقوط في بدعة الوجود السابق للأرواح باعتبارها كائنة في صلب آدم .

   إن عدم التمييز بين النفس والروح في ضوء الحق الكتابي يؤدى للوقوع في هرطقات وبدع هلاك.

 

الأصول الباطنية لعقيدة وحدة الوجود وتناسخ الأرواح

   فكرة وحدة الوجود وتناسخ الأرواح مستمدة من فكرة الدم الواحد ( وحدة الوجود ) أو النفس الواحدة غير الذاتية أي غير العاقلة المعبر عنها بالبرهمان .

     منشأ هذه البدعة هو عدم التمييز بين الروح الإنسانية العاقلة والنفس الحية أو الحيوانية التي في الدم . فمزج النساطرة بينهما واعتقدوا خطأ أن الروح هي النفس الحية, وكما أن النفس الحية (  أي الدم ) تتناسخ من الآباء إلى الأبناء بالولادة. هكذا الأرواح أو الأنفس في مذهب وحدة الوجود تتناسخ لتولد من جديد باعتبارها نسخة من نفس آدم أي دمه فأطلقوا على نفس آدم اسم البراهمان,  وربما أن براهمان تعنى الطاقة الحيوية الغير ذاتية ( أي غير مشخصة ).

     هذه هي التعاليم الباطنية السرية التي تمزج بين الروح والنفس لهلاك البشر لهذا توصف هذه الطاقة بالحيوية. لأنها نفس حية أو روح حيوانية بائدة لا ذات لها تتولد أو تتناسخ في الولادات الجديدة.

   فالأرواح في مذهب وحدة الوجود هي أنفس حية تتناسخ من نفس كونية واحدة هي نفس آدم  التي تنتقل بالولادة من إنسان إلى إنسان. قبل أن تفنى نتيجة الأكل من شجرة المعرفة  أي شجرة الموت. التي تثمر من جديد  في كل الذين يريدون الإستنارة لتنفتح أعينهم بالحكمة الشيطانية التي أضلت حواء وجعلتها تعتقد أنها بمخالفة الوصية ستصير مثل إلوهيم عندئذ تصل الروح ( النفس الحية  باطنيا ) إلى النيرفانا أي الفناء مع النفس الكونية الغير ذاتية . فتلقى ذات مصيره أي الموت وبالموت تفقد الرجاء في البعث والعودة للحياة من جديد بسبب الخطية . لأنها مثل آدم أردت تريد أن تصير مثل إلوهيم  فخدعت وأكلت من ذات شجرة المعرفة التي عادت لتثمر الموت من جديد في كل من يصدق الحية القديمة,  ويرفض شجرة الحياة  أي المسيح ويفضل النيرفانا أي الموت الأبدى وعدم البعث.

     والخلاصة أن المعترض يرى أن الروح مادية مثل النفس الحيوانية, وأنها لا تخلق خلقا جديدا بحسب الحق الكتابى ( زكريا 12: 1 ) وإنما تولد من الأبوين. أي أن الروح مثلها مثل مادة الجسد تتكون من خلية الزيجوت التي تكونت من اجتماع الأبوين. وبهذا ترث الروح الفساد أي الموت نتيجة الخطية. ولكنها لا تموت. مناقضا كلمة إلوهيم بأن أجرة الخطية موت, أي فناء النفس الحية التي هي  علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ) والذى بموتها يموت الجسد.

    من الواضح أن المعترض  كمعلمه نسطور يخلط بين النفس الحية القابلة للموت أي الدم الذى يسرى في أجساد جميع البشر. لأننا جميعا صنعنا من دم واحد هو دم آدم ( أعمال 17 : 26 ) المصنوع من زرع الرجل ( أي الحيوان المنوى ) ( الحكمة 7 : 2 ) لهذا صارت البشرية كلها تحيا بدم واحد هو دم  آدم ( أعمال 17 : 26 ) المورث أبا عن جد , وبين الروح التي هي خلق جديد كما هو مكتوب أن إلوهيم يخلق روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ).

     ومما يكشف عن جهل المعترض بماهية النفس الحية أي الدم هو فصله بين الدم ووظيفته التنفسية معتقدا أن النفس العاقلة أي الروح هي التي تحيى الجسد وليس الدم ( تكوين 9 : 4 ) واعتبر بحثنا في التمييز بين الروح والنفس ( الدم ) بأنه استخفاف بالتعليم الصحيح – من وجهة نظره - بأن النفس تعنى الروح كما تعنى الإنسان كله ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 265 -266  ).

     والواقع أن المعترض بسبب جهله بالكتاب المقدس أعتبر أن ما نكتبه رغم أنه مؤيد بشواهد كتابية هو من تأليف خاص فانكر بجهله الحق الكتابى لأن التعليم بأن الدم يصنع من زرع الرجل ( الحيوان المنوى ) ليس من تأليف خاص . لأننا لسنا أحكم من سليمان الحكيم القائل " صورت جسدا في جوف أمى, وصنعت من الدم بزرع الرجل " ( الحكمة 7 : 2 ) وهذه الآية هي تفسير لقول أبيه داود النبى : " ها أنذا بالإثم صورت, وبالخطية ( أي بالدم المدنس بالخطية الذى يصنع من زرع الرجل ) حبلت بى أمى " (  مزمور 51 : 5 ) فالمرأة تتبرأ وتحبل بزرع ( العدد 5 : 28 )

      ولما كان الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت لا يصنع إلا من زرع الرجل وحده لهذا فقد صرنا نرثه أبا عن جد وهذا علة قول الكتاب أنه صنع من دم واحد ( دم آدم ) كل شعوب الأرض ( أعمال 17 : 26 ).

    والمقصود بزرع الرجل الحيوان المنوى ( أي نواة الحياة التي في الدم ) أو بذرة الحياة التي تخصب البويضة وتمنحها الحياة والنمو, لهذا فقد سميت هذه البذرة الحية بزرع الرجل.

       أما المسيح فهو الوحيد الذى حبلت به أمه من الروح القدس ( متى 1 : 20 ) بدون زرع رجل . لهذا لم يرث الخطية الكائنة في الدم الذى يصنع من زرع الرجل لأنه الوحيد المولود بدون زرع بشر ( لوقا 1 : 35 ).

    لهذا صار دم المسيح وحده هو الدم الكريم الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 -19 ).

     والواقع أن المقالان اللذان استند إليهما المعترض في مؤلفه باعتبارهما من تأليف أثناسيوس الرسولى هما لنسطور وقد ترجمهم إلى العربية الدكتور جورج حبيب بباوى ونسبهم زورا لأثناسيوس الرسولى, وفيهما أنكر نسطور وراثة الخطية الجدية وكان هذان الكتابان هما علة سقوط هذا العملاق في بدعة إنكار الخطية الأبوية إعتقادا منه أن الكتابين لأثناسيوس الرسولى, والواقع أنهما لنسطور الذى يهاجم فيها تعاليم القديس كيرلس المثبتة لتوارث الخطية الأبوية بالقول :

 " كيف تفهمون الطبيعة الإنسانية بشكل سليم وأنتم تعتقدون أن الخطية جزء من تركيبها وتكونيها " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 14 ص 37 , 38 ) ثم يقول:

     على أي شيء ملك الموت أليس على النفس التي أخطأت فكريا التي قيل عنها : النفس التي تخطىء تموت ( حزقيال 18 : 4 ) من أجل ذلك أسلم المسيح نفسه عوضا عن كل نفس وقدم نفسه فدية عن الكل ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 19 ص 43 -44 ) .

   من الواضح خلط نسطور بين النفس ( الدم ) والروح حيث يعتقد أن النفس هي الروح التي أخطأت فكريا وأن حكم الموت صدر ضد الروح وليس ضد النفس الجسدانية أي الدم ( لاويين 17: 14 ) وأن المسيح اسلم روحه الإنسانية عوضا عن كل روح , وقدم روحه الإنسانية فدية عن كل أرواح البشر.

     هذا التعليم يضاد الحق الكتابى لأن الروح لو أخطأت فلا فداء لها , فضلا عن انها خالدة لا تفنى ولا تموت . لهذا فإن حكم الموت لا بد أن يصدر ضد شيء قابل للموت والفناء أي ضد النفس الحية الكائنة في الدم والتي تدنست بشوكة الخطية والموت. لهذا فإن حكم الموت صدر ضد النفس الحية أي ضد الدم لا الروح .

      لهذا فإننا افتدينا ليس بروح إنسانية محدودة حسب زعم نسطور بل بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 -20  ).

     والواقع أننا لن نقف طويلا لمناقشة بدعة أن الفداء تم بروح المسيح الإنسانية عوضا عن كل أرواح البشر إكتفاءا بما تقدم. فضلا عن عدم منطقية هذه الضلالة ومضاداتها للحق الكتابى القائل بأن الفداء تم بدم المسيح الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1: 18 -19 ) وليس بروح إنسانية . لأن الفكر النسطورى عموما غير منطقى ومضاد للحق الكتابى ويحمل في طياته من المتناقضات ما يكفى لتدميره ذاتيا .

       والواقع أنه إن أخذ المسيح ذات دم آدم بعد السقوط. فهذا معناه إما أنه ورث الخطية الأصلية, وإما أن الخطية الأصلية لا تورث أصلا, وهذا هو معتقد نسطور. لهذا نراه يهاجم تعاليم القديس كيرلس عمود الدين المتفقة مع الحق الكتابى والتي تثبت بأن النفس هي الدم ( لاويين 17 : 14 ) وانها هى التي صدر ضدها حكم الموت بالقول : النفس التي تخطىء هي تموت ( حزقيال 18 : 4 ) دمه يكون على رأسه ( حزقيال 33 : 4 ) لهذا صار الدم وحده هو الذى يكفر عن الدم ( لاويين 17 : 11 -14 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 ).

      والواقع أن نسطور لم ينكر وراثة الخطية الأصلية فقط بل أنكر الحق الكتابى المتعلق بها والذى يثبت انتقالها عن طريق الدم المصنوع من زرع الرجل ( أي الحيوان المنوى ) ( الحكمة 7 : 2 ) والذى نرثه أبا عن جد والذى بسببه صارت البشرية كلها تحيا بدم واحد هو دم آدم ( أعمال 17 : 26 ).

    وجدير بالملاحظة أن المعترض اليعقوبى يسير على ذات الطريق والمنهج النسطورى فتم فيه قول الرب :

    " كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع. اتركوهم . هم عميان قادة عميان . وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة " ( متى 15 : 13 -14 ).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثانى

المسيح فصحنا

     يقول بولس الرسول :

     أن فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا ( كورنثوس الأولى 5 : 7 ).

      بمعنى أن ذبيحتنا هو المسيح الذى سفك دمه عنا لنخلص بروح الحياة الذى فيه من حكم الخطية والموت.

 

أسباب دخول السيد المسيح أورشليم راكبا على حمار وجحش ابن أتان

     دخل السيد المسيح  مدينة أورشليم بهذه الكيفية تحقيقا للنبوات وعلى رأسها نبوة زكريا النبى القائل:

     ابتهجي جدا يا ابنة صهيون إهتفي يا بنت أورشليم هو ذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان ( زكريا 9 : 9 ) ( متى 21 : 2 : 3 ).

    ولا يستدل من ذلك أنه دخل المدينة راكبا علي حمار وجحش معا وإنما هو ركب الحمار أولا مرحلة من الطريق ثم استبدله بالجحش ليكمل به الطريق إلي أورشليم, وهذه عادة متبعة في الرحلات للحفاظ علي نشاط الدواب وعدم إرهاقها. 

    وعلي هذا فإن القول أنه أتي المدينة راكبا علي حمار وجحش هو مثل القول عن شخص أنه جلس علي كرسي وفوتيه أو انه ذهب إلي الإسكندرية راكبا قطارا وعربة أو أنه عاد إلي منزله راكبا مترو وسيارة.

     وهناك نبوة أخرى تشير إلى أن ملك أورشليم السمائية رغم أنه سيأتى من النسل الملكى وله سيكون خضوع شعوب, إلا أنه سيأتى كملك وديع يركب حمارا وجحشا وليس الخيل كالملوك المحاربين, وأنه سيسكن في الأرض التي كانت ملكا لسبط زبولون عند ساحل البحر, وفى هذا تقول كلمات النبوة:

    " لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون ( الذى له الملك والشريعة ) وله يكون خضوع شعوب, رابطا بالكرمة جحشه وبالجفنة ( فرع الكرمة ) ابن أتانه غسل بالخمر لباسه ( أي أننا نغتسل من خطايانا في المعمودية ) وبدم العنب ثوبه ( وبدم الكرمة نثبت فيه ) ..  زبولون، عند ساحل البحر يسكن " ( تكوين 49 : 11 - 13 ) ( أشعياء 9 : 1 - 2 ) ( متى 4 : 13 ).

   وجدير بالذكر أن المقصود بالجحش الحمار الصغير, وأما ابن الآتان فيقصد به الحمار الذكر المولود من الآتان أي أنثي الحمار وحمار ذكر وهو المفترض حسب الأصل دون حاجة للنص علي ذلك, وخلاف ذلك أي إذا كان هجينا فلابد أن ترد إشارة صريحة تبين نوعه إن كانا نغلا أم بغلا , فالنغل هو هجين من آتان أي أنثي الحمار وحصان ذكر, وهو غير البغل الهجين من الفرس أي أنثي الحصان وحمار ذكر.

   أما عن علة دخول السيد المسيح لمدينة أورشليم في هذا التوقيت فكان لتكميل شريعة الفصح لإنه باعتباره حمل الفصح كان لا بد أن يبقي تحت الحفظ أربعة أيام, ثم يذبح في عشية أول اليوم الخامس الذي يبدأ ليلا, لهذا دخل حمل إلوهيم الذي يرفع خطية العالم أورشليم فى يوم الأحد العاشر من نيسان ليكون تحت الحفظ أربعة أيام حتى اليوم الرابع عشر من الشهر ( خروج 12 : 6 ).

     ثم طبقا لشريعة الفصح يذبح الخروف فى عشية اليوم الخامس عشر الذى هو أول أيام الفطير الذى يبدأ وفقا للتقويم العبرى من بعد السادسة مساءا وينتهي في السادسة مساء اليوم التالي, وهو يختلف بذلك عن التقويم الرومانى الذي يبدأ من بعد منتصف الليل وينتهي في منتصف ليل اليوم التالي. 

     وحسب ناموس موسى يأخذون من دم الخروف بباقة زوفا ( نبات الزعتر ) ويمسوا به العتبة العليا والقائمتين فى البيوت التى يأكلون فيها الفصح فلا تكون عليهم ضربة الموت عندما اجتاز الرب أرض مصر في منتصف الليل.

     ثم بعد العشاء أخذ يسوع المسيح الذي هو فصحنا الذي ذبح لأجلنا خبزا وخمرا إذ هو كاهن إلى الأبد على طقس ملكى صادق ( العبرانيين 7 : 16 - 22 ) وأعطى تلاميذه قائلا: خذوا كلوا هذا هو جسدى, وأعطاهم الكأس أيضا قائلا خذوا اشربوا منه كلكم لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا اصنعوا هذا لذكرى ( متى 26 : 28 ) ( لوقا 22 : 19 ).

     وهكذا بذبيحة نفسه قدم يسوع الفصح الحقيقي وأعطى تلاميذه جسده ودمه الذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا.

      وكانت شريعة الفصح تقضى بألا تكسر عظم من عظامه لهذا تنبأ داود قائلا :

      " أنه يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر " ( مزمور 34 : 20 ).

     الأمر الذى أشار إليه يوحنا الإنجيلى بقوله :

     أتى العسكر وكسروا ساقى الأول والآخر المصلوب معه وأما يسوع فلم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات. لكن واحد من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء والذى عاين شهد .. لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه وأيضا يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذى طعنوه ( يوحنا 19 : 32 - 37 ).

     فالفصح اليهودى لم يكن سوى رمز للفصح الحقيقى الذى هو المسيح الذى بمجيئه بطل الرمز الأمر الذى أوضحه بولس الرسول بقوله :

     لأن فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لأجلنا ( كورنثوس الأولى 5 : 7 ).

     أى أن المسيح هو خروف فصحنا الذى افتدانا بدمه الأمر الذى أثبته الرسول بقوله " عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى .. بل بدم كريم كما من حمل ( خروف ) بلا عيب ولا دنس دم المسيح الذى وإن كان معروفا منذ القديم قبل إنشاء العالم لكنه أظهر فى الأزمنة الأخيرة لأجلكم ( بطرس الأولى 1 : 18 - 20 ) الذى بروح أزلى قدم نفسه ( دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ) يبطل الخطية بذبيحة نفسه " ( العبرانيين 9 : 26 ).

     فالمسيح هو فصحنا من يأكله يحيا به ( يوحنا 6 : 57 ) فلا تكون عليه ضربة الموت لأن من يأكل منه لا يموت ( يوحنا 6 : 50 ).

     لهذا قال رب المجد يسوع المسيح :

     الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسـان وتشربوا دمه فليس لكـم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير .. من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه. كما أرسلنى الآب الحى وأنا حى بالآب فمن يأكلنى فهو يحيا بى ( يوحنا 6 : 53 - 57 ).

     من ذلك نرى أن المسـيح هـو حمـل إلوهيم الحقيقى الذى يرفع خطيـة العالــم ( يوحنا 1 : 29 ) وهو فصحنا من يأكله يحيا به ( يوحنا 6 : 57 ).

    وأما عن مدة الأربعة أيام التي يحفظ فيها الحمل الحقيقي قبل أن يذبح في نهايتها ويبطل موت جسده وجسد البشرية بروح الحياة الذي فيه الذي به أعتقنا أى خلصنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 )( العبرانيين 2 : 14 ) فهى مدة رمزية تشير إلى مدة بقاء البشرية تحت الخطية وحكم الموت لمدة أربعة آلاف سنة حتى مجىء المسيح في نهايتها ليبطل الموت بالموت بسفك دمه علي خشبة الصليب مماتا ( أى الدم ) في الجسد ولكن ( أي الجسد ) محيي ( أى مقام من الموت ) في الروح ( بطرس الأولي 3 : 18 ).

    لهذا أيضا أقام المسيح لعازر من الموت بعد أن ظل ممسكا من الموت فى القبر لمدة أربعة أيام كرمز لإحياء البشرية وإقامتها من الموت بمجىء السيد المسيح فى الجسد بعد أربعة آلاف سنة من خلق آدم.

      وجدير بالذكر أن الذين أكلوا الفصح كانوا معتمدين باسم الرب الذى هو مثال الختان الذي كان يمثل رمزا لخلع جسم خطايا البشرية ( أي الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت ) بسفكه كما هو مكتوب:

      وبه أيضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد ، بخلع جسم خطايا البشرية ( بسفك دم المسيح وموته عنا ) بختان المسيح مدفونين معه في المعمودية ، التي فيها أقمتم أيضا معه بإيمان عمل إلوهيم ، الذي أقامه من الأموات ( كولوسي 2 : 11 - 12 ).

أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت ، حتى كما أقيم المسيح من الأموات ، بمجد الآب ، هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة ( أي الحياة الجديدة التي بروح المسيح )  لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ، نصير أيضا بقيامته ( رومية 6 : 3 – 5  ) لهذا يقول بولس الرسول :

     مع المسيح صلبت ( أي في المعمودية التي هي شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح بروح الحياة التي فيه ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ).






الفصل الثالث

القدوس الذى لا يموت

 


المبحث الأول

الميت الحى

 

     يقول لوقا البشير أن يسوع على الصليب نادى بصوت عظيم قائلا :

     " يا أبتاه فى يديك أستودع روحي ولما قال هذا أسلم الروح " ( لوقا 23 : 46 ) أي استودع الروح في يد أبيه الواحد معه في الجوهر.

     وبداهة أن يدي الآب هما ابنه وروح قدسه.

     لهذا نادي يسوع بصوت عظيم معلنا أنه ابن إلوهيم الوحيد بقوله يا أبتاه الذى هو واحد معه فى الجوهر. فى يديك أستودع روحى أي الروح القدس الذي هو روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه ، وهو ما أعلنه الرب بقوله لتلاميذه : وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ( أي بالجسد ) ويكون فيكم ( أي بالروح ) ( يوحنا 14 : 17 ) كما أثبت لهم أنه والآب واحد وأن من رآه فقد رأي الآب وأن أعماله تشهد له بأنه والآب واحد.

    وهذا معناه أن روح المسيح هو الروح القدس المنبثق من الآب الكائن مع تلاميذه بالجسد والذي سيكون فيهم بروحه الذي أخذوه في المعمودية, والذي سيحييهم بعد أن يسفك دمه عنهم علي الصليب ويبطل موت جسد الخطية ( رومية 6 : 6 ) بعد أن يتمم عمل الفداء, وهذا ما أعلنه بطرس الرسول بقوله : أننا افتدينا .. بدم كريم ، كما من حمل بلا عيب ولا دنس ، دم المسيح معروفا سابقا قبل تأسيس العالم ( أي أن المسيح كائن منذ الأزل أي قبل تأسيس العالم ) ( بطرس الأولي 1 : 18 - 20 ) لهذ قيل أيضا أنه بروح أزلي قدم نفسه لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

     وبداهة أن النفس التي بلا عيب هي الدم الذي هو مادة حية متنفسة هي علة حياة الجسد الحيواني أي الجسد الحي بالدم الذي هو نفس حية.

     وبداهة أن دم المسيح أي نفسه الحية كانت بلا عيب ولا دنس لأنه الوحيد الذي ولد بدون زرع البشر المدنس بالخطية وشوكة الموت ليكفر بدمه الطاهر الذي بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بالخطية التي نرثها من خلال زرع الرجل أبا عن جد. لهذا صارت البشرية كلها تحيا بدم واحد ( أعمال 17 : 26 ) أي دم آدم .

     واما البرهان علي أن النفس هي الدم فثابت كتابيا بالقول :

    أن نفس الجسد ( أي القدرة التنفسية للجسد ) هي في الدم ، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم ، لأن الدم يكفر عن النفس .. لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه ( اللاويين 17 : 11 - 14 ) ( التثنية 12 : 23 ).

     وأيضا فإن النفس غير الروح لهذا قال بولس الرسول أيضا : لتحفظ روحكم ونفسكم ( أي دمكم ) وجسدكم كاملة ( تسالونيكي الأولي 5 : 23 ).

     مما تقدم يتضح أن روح المسيح هو روح الحق أي الروح القدس الذي هو روح القيامة والحياة , لهذا قيل عن روح المسيح أنه روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح قيامة وحياة ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) وهذا معناه أن الحياة الذاتية التي للآب هي ذاتها التي للابن ( يوحنا 5 : 26 ) لهذا عندما قال الابن للآب في يديك أستودع روحي التي هي روح الآب أيضا أودعها في يد نفسه لأنه والآب واحد , لأن المسيح هو الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) .

    وهكذا استودع الابن روحه في يدى الأب الواحد معه في الصورة ومجد اللاهوت. لأن الثالوث صورة واحدة ( تكوين 1 : 26 ) هي المسيح بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) الذي نفخ في أنف آدم نفس حياة ( مراثي أرميا 4 : 20 ) وهو أيضا الذي ارسله إلوهيم إلي العالم لنحيا به ( يوحنا الأولي 4 : 9 ) أي بروح الحياة الذي فيه ( رومية 8 : 2 ).

     والسـؤال المطروح هـو إذا كان الثالوث فعل واحد فلماذا نادى الابن بصوت عظيم قائـلا : " يا أبتاه فى يديك أستودع روحي " ( لوقا 23 : 46 ).

     الواقع أن هذا الصوت كان من أجلنا نحن ليعلن للمختارين بأن أرواحهم منذ هذه اللحظة لن تستودع فى جسد الموت لتحدر معه إلى القبر كما فى السابق ( تكوين 37 : 35 ) بل سوف تستودع فى يدى الآب ( أى فى يدى المسيح صورة الآب ) لتكون مع المسيح فى الفردوس حتى اليوم الأخير. لأنكم قد متم ( أي مع المسيح في المعمودية ) وحياتكم مستترة مع المسيح في إلوهيم ( لأن روح المسيح الذي هو روح إلوهيم هو حياتنا ) حتى متى أظهر المسيح حياتنا ( أي قيامته بجسد بشريتنا ) فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه فى المجـد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

      وأيضا كان الصوت من أجل تدبير الخلاص حتى لا يظهر المسيح قيامته فورا فيكون الإنقضاء ونهاية الدهر. لهذا ستر المسيح حياته كباكورة فى يدى الآب أى فى يدى نفسه فاتحا بذلك أبواب الفردوس لقبول المفديين بالدم الكريم ليكونوا معه في الفرودوس.

     لأن المسيح وإن مات موتنا على الصليب بسفك دمه إلا أن جسده كان محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى أى بالروح القدس, كما هو مكتوب مماتا في الجسد ولكن محيي في الروح ( بطرس الأولى 3 : 19 ) أي أنه كان مماتا في الجسد بموت الدم ولكنه - أي الجسد - كان محييا - أى مقاما من الموت - بالروح  أي بالروح القدس الرب المحيي, إذ لم يكن ممكنا أن الذى هو الحياة والمحيى يمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) لأنه وحده الذى له عدم الموت. لهذا إذ إلتقى الذى هو الحياة والمحيى بالموت فى جسده الخاص على الصليب أباد بموته الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) أى ابتلعه كما تبتلع الظلمة من النور.

   لهذا فإن موت المسيح هو شبه موت ( رومية 6 : 5 ) بمعني أنه وإن مات كجسد مائت مثلنا بموت الدم. إلا أن روحه إذ هو روح أزلي ( العبرانيين 9 : 14 ) لم يكن ممكنا أن تمسك من جسد الموت مثل أرواحنا ( أعمال 2 : 24 ) ولا أن تخضع لسلطان الموت ولا للحظة واحدة, لأنه رغم أنه كان مماتا في الجسد بموت الدم , إلا أن الجسد ظل حيا بسبب روح الحياة الذى فيه.

     وفي هذا يقول أثناسيوس الرسولي ما موجزه:

     أن الكلمة حل في جسدا قابلا للموت, ليقدمه إلي الموت عن الجميع , ولأجل هذه الغاية صور الجسد لنفسه, علي أنه كان مستحيلا أن يبقي مائتا بعد أن صار هيكلا للحياة. لهذا فإذ مات كجسد مائت, عاد إلي الحياة بفضل الحياة التي فيه .. لأنه كيف كان ممكنا إقامة الدليل علي أن الرب هو الحياة لو لم يكن قد أحيا ما كان مائتا ( أثناسيوس الرسولي " تجسد الكلمة " ف 31 : 4 + ف 44 : 6 ص 98 و135 ).

     لهذا فإن جسد المسيح هو الجسد الوحيد الذي رغم موته موتنا إلا أنه لم يرى موتا ولا فسادا ( أعمال  13 : 37 ) بسبب روح الحياة التي فيه ( رومية 8 : 2 ).

      وبهذا صار المسيح هو البداءة بكر من الأموات .. عاملا الصلح بدم صليبه .. ليحضرنا قديسين وبلا لوم أمامه ( كولوسى 1 : 18 - 22 ).

     لهذا عندما أحنى الرب رأسه علي الصليب معلنا تمام الفداء إنشق فى الحال حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ( كإعلان عن تمام المصالحة بإبطال الخطية والموت وردنا إلى الفردوس, وبهذا زال الحجاب الفاصل بين إلوهيم والناس بالإنشقاق من أعلى إلى أسفل ) والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته, ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين ( من الواضح وجود ربط بين حدثى الصلب والقيامة لأن المسيح وإن أبطل الموت على الصليب بروحه المحيى وأعتق أرواح المفديين من يد الهاوية والموت إلا أنه لم يظهر قيامته فورا إلا فى اليوم الثالث, وعليه فأن قيامة أجساد القديسين الراقدين إنما كانت بعد قيامته, أي في اليوم الثالث, وقد أشار بطرس الرسول إلى تبشير الرب للذين من العالم الأول الذى فنى بالطوفان. دلالة على أن الذين قاموا من الموت بعد قيامة المسيح هم من أبرار هذا العالم الأول الذى إنتهى بالطوفان " )( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( متى 27 : 51 - 53 ).

     وفي هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

     أن الصلب هو المقصود بالقول " سترون حياتكم معلقة " ( لأن المسيح هو حياتنا فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ) وقيامته -  ليس هو وحده – بل قيامة الموتي القدامي من قبورهم ( أي الذين من العالم الأول الذي فني بالطوفان ) .. فالمسيح الذي هو واهب الحياة للآخرين ( الذي أقام الموتي بروحه الساكن فيهم ) لا ينبغي أن يسود عليه الموت ( لأنه روحا محييا أي روح قيامة وحياة ) وهذا كان ممكنا أن يحدث لو كان المسيح انسانا عاديا كما تعتقدون أنتم, بل هو بالحقيقة ابن إلوهيم ( المقالة الثانية ضد الأريوسيين ف 15 : 16 ص 32 ) الذي ارسله إلوهيم لنحيا به ( يوحنا الأولي 4 : 9 ).

     نخلص مما تقدم أن المسيح وإن مات على الصليب من ضعف الجسد أي قابليته للموت بسفك دمه الطاهر. لكنه كان حيا أى الجسد بقوة روحه المحيى. لأن جسده تغير فى لحظة فى طرفة عين. بأن ألبس الكلمة جسده المائت عدم موت بقوة روحه القدوس مبطلا موت الجسد. حينئذ صارت الكلمة المكتوبة إبتلع الموت إلى غلبة ( كورنثوس الأولى 15 : 42 - 54 ).

     هذا التحول من الجسد الحيوانى ( أى الجسد الحى بالدم ) إلى الجسد الروحانى ( أى الجسد المقام بالروح القدس ) هو ما حدث على الصليب. فبمجرد أن مات جسد المسيح موتنا بسفك دمه صار الجسد مقاما من الموت بروحه المحيى الذى هو الروح القدس. كما هو مكتوب مماتا في الجسد ( أي بموت الدم ) ولكن ( أي الجسد ) محيى في الروح, الذى فيه أيضا نزل إلى أقسام الأرض السفلى .

     وهكذا بإبطال الموت على الصليب إنشق فى الحال حجاب الهيكل إلى إثنين من فوق إلى أسفل كإعلان عن تمام المصالحة وزوال الحجاب الذى كان يفصل بين إلوهيم والناس وردنا إلى الفردوس, الأمور التى ما كانت لتتم إلا بإبطال موت جسد البشرية بواسطة آدم الأخير رأس الخليقة الجديدة الروحانية أى المقامة بالروح القدس. لهذا أيضا تزلزلت الأرض والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة أى أورشليم السمائية فردوس إلوهيم وظهروا لكثيرين.

     والواقع أن فى الإشارة إلى دخول الذين أقيموا من الموت للمدينة المقدسة برهان على أنها الفردوس الذى فتح أبوابه لقبول أرواح المؤمنين كروح لص اليمين والذين أقيموا من الأموات من العالم الأول الذى فنى بالطوفان باستحقاقات دم المسيح على الصليب.

     ذلك أن المحقق كتابيا أن الفردوس وأورشليم السمائية هما موضع واحد تقع فى وسطه شجرة الحياة ( رؤيا 2 : 7 ) ( رؤيا 22 : 1 , 2 , 14 ) التي تشير رمزيا إلي المسيح , وأن سماء الفردوس أى السماء الثالثة ( كورنثوس الثانية 12 : 2 ) تقع فى أقاصى الشمال الكونى ( إشعياء 14 : 12 - 15 )( حزقيال 28 : 13 - 17 ) ( رؤيا 21 : 10 ). 

     وقد أشار بطرس الرسول إلى أن الرب بشر الذين من العالم الأول الذى فنى بالطوفان بما يقوم دليلا على أن الذين قاموا من الموت هم من أبرار هذا العالم الذى إنتهى بالطوفان ( بطرس الأولى 3 : 18 ). 

     كما أثبت بطرس الرسول أن المسيح وإن كان مماتا فى الجسد ( أى بحسب الدم باعتباره المكون الجسدى القابل الموت ) ولكنه أي الجسد كان محييا ( أى مقاما من الموت ) فى الروح الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ( بطرس الأولى 3 : 18 – 19 ).

     وهذا برهان على أن المسيح بالموت على الصليب داس الموت وأبطله. بمعنى أن جسد المسيح وإن ذاق موتنا بموت الدم إلا أن جسده لم يخضع للموت ولا للحظة واحدة لأنه فى اللحظة التى لفظ فيها نفسه الأخير صار جسده محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى, الذى به نزل الرب من قبل الصليب إلى أقسام الأرض السفلى ليطلق أرواح الراقدين على الرجاء, ويصعد بهم إلى الفردوس مع روح اللص اليمين. الذى قال له الرب: الحق أقول لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس.

     " وأما أنه صعد فما هو إلا إنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى. الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات ، لكي يملأ الكل " ( أفسس 4 : 9 - 10 ).

    وتفسيرا لذلك قال القديس أثناسيوس الرسولى:

     أن الرب .. نزل بروحه القدوس إلى الجحيم وبشر من فيها .. وسبى الجحيم .. وحين كان جسده معلقا على الصليب .. تفتحت القبور [1] .

      وتتمة لذلك يقول في رسالة لمكسيموس الفيلسوف :

     لأن الجسد الذى كان يرى ما كان جسد إنسان ما. بل جسد إلوهيم .. ولما صلب بالجسد أقام أمواتا راقدين قبل زمان كثير[2].

     والواقع أن قيامة الأموات الذين من العالم الأول الذى انتهى بالطوفان أشار إليها بطرس الرسول ( بطرس الأولى 3 : 19 -20 ) وأثبتها متى البشير مؤكدا تحققها بعد قيامة المسيح وخروجه من القبر ( متى 27 : 52- 53 ) وليس عندما كان المسيح علي الصليب.

     أما ما حدث لجسد المسيح على الصليب فهو عين ما سيحدث للقديسين الأحياء فى اليوم الأخير فى لحظة الإختطاف لأنهم فى لحظة فى طرفة عين سيتغيرون مماتين فى الجسد بموت الدم ولكن مقامين من الموت بالروح القدس المحيى على مثال ما حدث على الصليب مع الفارق أننا نأخذ الروح كنعمة أما هو فبروحه الذاتى.

     من ذلك نرى أن معتقد نسطور القائل بأن المسيح انسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بعقلها. بفرض إمكانية ذلك كما جاء في الكتب النسطورية المثبتة لعقيدة نسطور ( " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 17 , 18 ص 42, 43 ) ( " ظهور المسيح المحيي " ف 17 ص 38 ) أو المثبتة لعقيدة مجمع خلقيدونية ( " كمال البرهان علي حقيقة الإيمان " ك 1 ق 2 ف 4  ص 51 - 52 ) وأن هذه الروح الإنسانية هي التي تحيي الجسد وأنه بخروجها من الجسد مات وبعودتها إليه في اليوم الثالث أحيته, يضاد الحق الكتابى المعلن بأن قيامة المسيح وقيامتنا إنما هى بروحه المحيى الذى هو الروح القدس. فضلا عن أن قولهم بأن روح إنسانية هى التى أحيت جسد المسيح المائت معناه أن روح الإنسان محيية للجسد كروح الرب وأن الإنسان هو المخلص لنفسه, ومن ثم فلا حاجة لروح إلوهيم لتقيم جسده المائت من الموت إن كان لروحه الإنسانية هذه القدرة.

     من الواضح أن النسطورية مؤسسة علي مغالطات وخرافات وتعاليم باطنية غير منطقية تناقض بعضها بعضا.

     والواقع أن الوحيد الذى له عدم الموت ( تيموثاوس الأولى 6 : 16 ) أى الذى لا يمكن أن يمسك من الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) هو المسيح إبن إلوهيم الوحيد لهذا شاركنا في اللحم والدم حتي يصير قابلا للموت ليكفر بدمه عن دمائنا وفي نفس الوقت يبيد الموت بالموت متي إلتقي به في جسده ( العبرانيين 2 : 14 ) لهذا قدم المسيح دمه عنا بروح أزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) فأوجد فداء أبديا.

     لأنه أيضا الوحيد الذي بعد أن مات عنا بسفك دمه أبطل موت جسده ليصير باكورة الراقدين مماتا فى الجسد ولكن محيى فى الروح الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن إذ نزل من قبل الصليب إلى أقسام الأرض السفلى. الذى نزل هـو الذى صعد أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل ( أفسس 4 : 9 - 10 ).     

     فالمسيح ليس إنسانا مثلنا يمكن أن يملك عليه الموت كسائر البشر بل إذ هو بالحقيقة روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) فقد أتى إلينا في شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) بمعني أنه أخذ دما شبيها بدمنا المدنس بالخطية إنما بلا خطية لكي يتم حكم الناموس فينا بموته عنا, ثم متى إلتقي بالموت في جسده الذي صار غير مائت بفضل روح الحياة الذي فيه نعتق من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) فنحيا به ( يوحنا الأولي 4 : 9 ) لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيى. كذلك الابن أيضا يحيى من يشاء ( يوحنا 5 : 21 ).

     لأن .. روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس ( حكم ) الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ).

     لهذا قال لمرثا أخت لعازر :

     أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا وكل من كان حيا وآمن بى فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا ؟ فقالت له نعم يا سيد أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن إلوهيم الآتى إلى العالم ( يوحنا 11 : 25 - 28 ). 

  

المقصود بالقول أسلم الروح

    المحقق كتابيا أن المصطلح " أسلم الروح " في العهد القديم كان يعنى أن المتوفى استودع روحه في يدى جسد الموت. لأن كلمة أسلم أو أودع لا تعنى خروج الروح  من الجسد مطلقا. بل تعنى إيداعها في يد الجسد المائت لتحدر معه إلى الهاوية أي الحفرة أو القبر, وهذا ما أعلنه يعقوب  أبو الآباء فى العهد القديم بقوله : إنى أنزل إلى ابنى نائحا إلى الهاوية ( أي إلى الحفرة أو القبر ) ( تكوين 37 : 35 ).

     وبداهة أن نزول يعقوب أبو الآباء إلى القبر إنما يكون بالجسد المائت, ونواحه هو بروحه الممسكة من جسد الموت كما في سجن .

     بالنسبة للسيد المسيح  لم يكن ممكنا أن يستودع روحه في يد جسد الموت كسائر البشر بحيث تمسك روحه أي تسجن في جسد الموت كسائر البشر ( أعمال 2 : 24 ) ( أشعياء 66 : 24 ) لأنه الحياة والمحيى أي أنه روح القيامة والحياة. لهذا أعلن أنه سوف يستودع روحه الذى هو روح الحياة في يد أبيه, أي في يد نفسه لأنه صورة الآب من رآه فقد رأى الآب. لأنه والآب واحد .

     لهذا فإن هذا المصطلح أسلم الروح بالنسبة للمسيح الذى لا يموت أعطى معنى آخر وهو أنه استودع روحه في يد نفسه , وكممثل للبشرية فإن هذا معناه أن أرواحنا منذ هذه الحظة لن تسلم ليد الموت بل ليد الآب الذى هو واحد مع المسيح , لأن يدى الآب صورته بهاء مجده ورسم جوهره , وهذا ما أعلنه الرب بنفسه بقوله :

    " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى ولما قال هذا أسلم الروح " ( لوقا 23 : 46 )  أي أنه أودع روحه الذى هو الروح القدس الأزلى في يدى الآب ( أي صورته الذى هو المسيح ) الحال فيه ( لأنه في الآب والآب فيه ) دون أن تفارق جسده الذى صار محييا ( أي مقاما من الموت ) في الروح الذى به أبطل موت جسد البشرية.

     فروح المسيح لم تكن روحا بشرية مثل روح لص اليمين الذى مات وخضع جسده لسلطان الموت والفساد مثل سائر البشر ( أعمال 13 : 36 ) إلا أنه بسبب استحقاقات دم المسيح الذى فتح لنا باب الفردوس لم تمسك روحه من جسد الموت كالسابق بل استودعها في يدى المسيح لتكون معه في الفردوس.

     اما روح المسيح فلكونه وحده روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي  روح قيامة وحياة قادر على إحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :  11 ) وأن يعتقنا من الموت بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 :  2 ) لهذا لم يكن ممكنا للذى هو بالطبيعة روح حياة ومحيى أن يمسك من الموت أو أن يرى جسده فسادا ( أي موتا ) ( أعمال 13 : 37 ).

      لهذا فإن جسد المسيح وإن مات موتنا على الصليب بسفك دم الحياة البشرية. إلا أن جسده كان محييا بروحه المحيى التي أودعها في يدى الأب الحال فيه دون أن تنفصل عنه . مبطلا بذلك موت جسد البشرية الممثلة في جسده الخاص كباكورة الراقدين.

     لهذا فإن موت المسيح هو شبه موت ( رومية 6 : 5 ) لهذا فإنه وإن مات كجسد مائت. إلا أنه عاد حيا بسبب روح الحياة الذى فيه ( تجسد الكلمة ف 31 : 4 ص 98 ) لهذا فإن جسد المسيح وحده هو الجسد الذى لم يرى موتا ولا فسادا ( أعمال  13 : 37 ) لأن الفساد يدب في الجسد بمجرد موته. لهذا فإن جسد المسيح وحده وإن مات جسديا أي بموت الدم إلا أنه كان محييا أي مقاما من الموت بروح الحياة المحييى للاجساد المائتة , وفى هذا يقول بطرس الرسول أن المسيح  وإن مات حسب الجسد ( بموت الدم ) إلا أن جسده كان مقاما ( أي محييا ) من الموت بالروح  بالقول " مماتا في الجسد ( حسب الدم ) ولكن محيى ( أي مقام من الموت ) في الروح " ( بطرس الأولى 3 : 18 )

      فرغم أن المسيح اسلم روحه المحيى في يدى الآب الواحد معه في الجوهر. إلا أن جسده ظل حيا بروح الآب أي بقوته ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) الذى هو روحه الذاتى الذى به سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ) الذى به أعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) عالمين أن الذي أقام الرب يسوع. سيقيمنا نحن أيضا بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

   فإن كنا نحيا بروح يسوع المسيح الساكن فينا الذى أعتقنا من الموت ( رومية 8 : 2 ) أيعجز عن أن يحيى جسده الخاص فورا بمجرد موته موتنا بسفك دمه. لأن جسده وإن صلب عن ضعف ( بسبب قابلية الدم للموت ) لكنه أي الجسد كان حيا بقوة إلوهيم ( كورنثوس الأولى 13 : 4 ) أي بروحه المحيى.

     وفي هذا يقول أثناسيوس الرسولي ما موجزه :

     أن المخلص كان في استطاعته أن يقيم جسده بعد الموت مباشرة ويظهره حيا ( تجسد الكلمة ف 20: 4 ص 83 ) لأنه كان جسدا قابلا للموت, ولكنه بفضل اتحاده بالكلمة لم يعد خاضعا للفساد ( أي الموت ) بمقتضي طبيعته بل خرج من دائرة الفساد بسبب الكلمة الذي أتي وحل فيه ( تجسد الكلمة ف 26: 2 ص 70 ).

    وبداهة أنه لم يكن ممكنا أن روح المسيح تمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) أو أن تخضع لسلطانه ولا للحظة واحدة. لهذا إذ إلتقى الموت بجسد الحياة أبطل فورا , وصار جسد المسيح محييا بروحه المحيي.

    أما بالنسبة لأرواح البشر في القديم أي قبل الفداء. فإن كلمة اسلم ( أودع ) الروح  فإنها كما يتضح من معناها لا تعنى أبدا خروج الروح من الجسد. بل تعنى أنها تستودع في  جسدها المائت. ممسكة منه ( أعمال 2 : 24 ) كما في سجن إلى الأبد ( أشعياء 66 : 24 ). 

     ودليل ذلك قول يعقوب أبو الأباء إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية (  أي الحفرة أو القبر ) ( تكوين 37 : 35 ).

      وبداهة أن العقل هو الذى ينوح وهو الذى ينزل مع جسده إلى القبر في رقاد الموت الأبدى.

    فالروح بموت الجسد تمسك منه كما في سجن ( أعمال 2 : 24 ) في رقاد النوم الأبدى ( مزمور 13 : 3 ) ( أشعياء 66 : 24 ). 

      وكان هذا حال جميع أرواح البشر حتى جاء المسيح. الذى بعد أن أبطل موت جسد البشرية في جسده الخاص. نادى بصوت عظيم قائلا : يا أبتاه ، في يديك أستودع روحي . ولما قال هذا أسلم ( أودع ) الروح ( لوقا 23 : 46 ) في يد نفسه.

     فصارت أرواح المؤمنين منذ هذه اللحظة لا تمسك من جسد الموت بل تنطلق لتكون مع المسيح في الفردوس إلى اليوم الذى يظهر فيه المسيح قيامتها. حينئذ تظهر معه في المجد ( كولوسى 3 : 3 -4 ) لهذا صار لسان حال البشرية يقول مع بولس الرسول " مع المسيح صلبت ( أي في المعمودية التي هي شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ) فأحيا لا أنا ، بل المسيح يحيا في " ( غلاطية 20:2 ).

     مما تقدم يتضح أن روح المسيح لم تكن روحا إنسانية مخلوقة يمكن أن تمسك من جسد الموت مثل سائر البشر. بل روحا محييا أي روحا باعثا للحياة. لهذا لما كان البشر يموتون بموت الدم بسبب الخطية الكائنة فيه, أخذ هو أيضا دما مثلهم إنما بلا خطية ليموت به عنهم لكي بالموت يبيد الموت ويبطل سلطانه علي البشر الذين ناب عنهم , لأنه كما تباد الظلمة من النور بمجرد أن تلتقي به, هكذا ابيد الموت بمجرد أن التقي بروح الحياة والمحيي, لهذا فإن كل من ينكر هذه الحقيقة هو مجدف على الروح القدس الرب المحيى.

   لأن من يقول أن روح المسيح الذي هو روح أزلي إنسانية أي مخلوقة أو أنها خليط من خالق ومخلوق أو مزيج منهما ولا يعترف بحسب الحق بأن روح المسيح إلهية أزلية محيية, لا يدرك هوة الهلاك التي طرح نفسه فيها. لأنه أستبدل مجد إلوهيم الذى هو المسيح ابن إلوهيم الحى الذى لا يموت. أي الذى لا يمكن أن يمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) بشبه صورة إنسان مائت, يمسك من جسد الموت, ويطرح في القبر كجثة عادمة الحياة مخضعة لسلطان الموت وفساده مثل سائر البشر, يكونون قد  استبدلوا حق إلوهيم بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين ( رومية 1 : 23 – 25 ).

     وفي هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

     أن المسيح الذي هو واهب الحياة للآخرين لا ينبغي أن يسود عليه الموت , وهذا كان ممكنا أن يحدث لو كان المسيح انسانا عاديا كما تعتقدون أنتم, بل هو بالحقيقة ابن إلوهيم ( المقالة الثانية ضد الأريوسيين ف 15 : 16 ص 32 )

   لأن النساطرة يزعمون أن روح المسيح إنسانية وانها محيية للجسد وانها بخروجها من جسد المسيح مات, رغم أن الجسد يموت بموت الدم وليس بخروج الروح منه , أيا كان الأمر فإن هذا معناه حسب معتقدهم أن جسد المسيح اخضع لسلطان الموت وفساده ثلاثة أيام في القبر . أي أن جسده كان مائتا في القبر ثلاثة أيام حتي عادت إليه الروح الإنسانية في اليوم الثالث وأحيته فصارت القيامة حسب معتقدهم .

    وبداهة أن الجسد إذا أخضع للموت وسلطانه لحظة واحدة فإن فساد الموت يدب فيه فورا, وهذه حقيقة علمية, فما بالك إن ظل الجسد جثة عادمة الحياة في القبر لمدة ثلاثة أيام.

     فضلا عن أن الروح الإنسانية العاقلة غير محيية للجسد بل بموت الدم تقبض من جسد الموت وتحدر معه إلي القبر, وهذا كان مصير الجنس البشري قبل الفداء , وهذه حقيقة كتابية مدركة من أول أسفار الكتاب المقدس عندما جبل إلوهيم آدم من تراب الأرض وشكل جسده علي صورته وجبل روح آدم في داخله ( زكريا 12 : 1 ) ( كورنثوس الأولي 2 : 11 ) ثم نفخ في انفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية كسائر الأحياء من ذوات الأنفس الحية, لأن نفس انوفنا مسيح الرب ( مراثي إرميا 4 : 20 ) وفي هذا يقول أيوب النبي : روح إلوهيم صنعني, ونسمة القدير أحيتني ( أيوب 33 : 4 ).

    ثم عندما لفظ آدم نسمته الأخيرة مات الدم الذي هو نفس حية هي علة حياة الجسد الحيواني فنزل إلي القبر روحا وجسدا ( تكوين 37 : 35 ) ممسكا من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) كجثة عادمة الحياة إلي الأبد ( إشعياء 66 : 24 ). 

 

 

 

المبحث الثانى

الثلاث تقديسات

 

     بعد أن أحنى يسوع رأسه على الصليب بإرادته وحده معلنا بذلك أنه مات موتنا بموت الدم الذي هو نفس حية ( لاويين 17 : 11 - 14 ) ( تثنية 12 : 23 ) جاء رجل من الرامة اسمه يوسف يطلب الجسد من بيلاطس الذى لما علم من قائد المئة أن يسوع قد مات وهب الجسد ليوسف الذى اشترى كتانا نقيا ليكفن به جسد الرب.

     وجاء أيضا نيقوديموس وكان من رؤساء اليهود وهو الذى كلمه يسوع عن المعمودية والميلاد الثانى ومعه مزيج من مر وعود نحو مئة منا.

     فأخذا جسد يسوع ولفاه بأكفان مع الأطياب كعادة اليهود ( يوحنا 19 : 41 ).

    وجاء فى التقليد أن نيقوديموس لما رأى السيد مائتا أخذه العجب واستولى عليه الذهول متسائلا كيف يموت رئيس الحياة الذى أقام لعازر من الموت بعد أربعة أيام فصرخ قائلا " يارب. أين جبروتك؟ " وللحال سمع الصديقان يوسف ونيقوديموس الملائكة يسبحون إلوهيم قائلين قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الذى لا يموت عندئذ إلتفت إليه يسوع مبتسما. فارتعد نيقوديموس وصرخ قائلا يا من صلبت عنا إرحمنا [3].

     وهكذا أدرك الصديقان يوسف ونيقوديموس سر التدبير فشرعا يكفنان جسد القدوس الذي لا يموت وهما يسبحانه قائلين " قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الحي الذى لا يموت الـذى صلب عنا إرحمنا ".

     وجاء فى قانون الدفن الذى يتلى فى يوم الجمعة العظيمة ما يثبت ذلك إذ جاء فيه ما نصه :

     " أتى الصديقان يوسف ونيقوديموس وأخذا جسد المسيح وجعلا عليه طيبا وكفنـاه ووضعـاه فى قبر وسـبحاه قائليـن قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الذى لا يموت الذى صلب عنا إرحمنا ".

     ثم فى القرن الخامس عندما ظهرت بدعة نسطور المنكرة للاهوت المسيح وولادته من العذراء وصلبه وقيامته. استخدم الأرثوذكس الثلاث تقديسات فى إثبات فساد المعتقد النسطورى وإثبات صحة المعتقد الأرثوذكسى بأن يسوع المسيح هـو إلوهيم القدوس الذى لا يموت الذى ولد من العذراء وصلب وقام من الأموات.

     ذلك أن تسبحة الثلاث تقديسات تتعارض مع العقيدة النسطورية لأنه إن كان المسيح إنسان مثلنا حسب نسطور وفارقته الروح الإنسانية التي تحييه حسب معتقده فهذا معناه أن جسد المسيح كان مائتا في القبر لمدة ثلاثة أيام ومن ثم تسقط الآية المعطاة لليهود من أنه سيكون في بطن القبر حيا ثلاثة أيام وثلاث ليال قبل أن يخرج منه حيا كيونان النبي, وأيضا  فإن جسده في القبر لن يكون محييا أي مقاما من الموت في الروح الذي هو الروح القدس المحيي بحسب ما ذكر بطرس الرسول, وبالتالي لن يستطيع أن يبتسم لنيقوديموس, ولن يعترف به أنه القدوس الذي لا يموت لأن جسده كان مائتا في القبر بلا حياة لمدة ثلاثة أيام حتى عادت روحه الإنسانية إليه في اليوم الثالث وأحيته بحسب معتقد نسطور .

    لهذا أصدر نسطور تعليماته باستقطاع الجزء الأخير من الثلاث تقديسـات التى ترتلهـا الكنائـس فى صلواتهـا لأن عقيدة نسطور قائمـة على أسـاس أن إلوهيم القدوس لم يولد من العذراء ولم يصلب ولم يقم من الموت, وأن هذه الأمور مختصة بالإنسان يسوع المسـيح المولود من مريم بروح إنسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بعقلها, وأنه مات بمفارقة الروح الإنسانية التي تحييه جسده بحيث ظل الجسد مائتا في القبر ثلاثة أيام حتي عادت إليه الروح الإنسانية في اليوم الثالث وأقامته من الموت, وبالتالى فإن التعليم الأرثوذكسى فى نظره هرطقة لأنه فى نظره يعنى أن الوهيم وليس انسان هو الذي ولد من العذراء وهو الذي صلب عنا وهو الذي قام من الأموات بقوة الروح القدس, وهذا معناه أن روح المسيح إلهية أزلية وليست إنسانية حسب معتقده.

    مما تقدم يتضح أن عقيدة نسطور قائمة علي أساس اعتقاده بأن الروح الإنسانية هي التي تحيي الجسد وليس الدم وأنها بخروجها من الجسد يموت وبعودتها إليه ترده حيا, وقاس علي ذلك موت الرب معتقدا أنه اذا تجسد فسوف يحيي الجسد بلاهوته وهذا معناه أنه لكي يموت لابد أن ينفصل الكلمة عن الجسد فيموت , وانه بعودة اللاهوت للجسد يرده حيا , وتسآل بذكاء كيف ظل الجسد بلا فساد بعد أن فارقه اللاهوت الذي يحيه ( ظهور المسيح المحيي ف  15 , 16 ص 34 – 37 ) ولكنه فقد هذا الذكاء عندما قال أن الروح الإنسانية التي تحيي الجسد فارقته فمات وظل مائتا ثلاثة أيام حتي عادت إليه الروح الإنسانية في اليوم الثالث وأحيته .

     والسؤال كيف ظل الجسد غير خاضع لفساد الموت ثلاثة أيام بعد أن فارقته الروح الإنسانية التي تحييه. هل قام اللاهوت بإحياء الجسد , إن صنع ذلك فهذا معناه أن اللاهوت تجسد وأنه أحيا الجسد, ومن ثم فلا حاجة للروح الإنسانية, وإن لم يفعل وكان متحدا بالجسد المائت في القبر , فهذا معناه أنه امسك من جسد الموت منتظرا عودة الروح الإنسانية إليه لتقيم الجسد الحال فيه من الموت في اليوم الثالث, وهذا معناه أن الروح الإنسانية لا إلوهيم هي التي خلصت الجسد المائت من الموت, وهذا باطل نقلا وعقلا , وهذا برهان علي أن النسطورية عقيدة تضاد صورة التعليم الصحيح لهذا فهي مقوضة ذاتيا.   

     أيا كان الأمر فقد اتهم نسطور القائلين بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد بأنهم ينسبون الآلام والصلب والقيامة إلى اللاهوت ودعاهم مؤلمى اللاهوت زاعما أنهم يهينون اللاهوت بقولهم أنه قام حيا ( " ظهور المسيح المحيى " ف 12 ص 30 ).

     والواقع أن إلوهيم نفسه لا إنسان هو الذى ولد من العذراء وهو الذي تألم وصلب وأبطل الموت وأظهر قيامته فى اليوم الثالث رغم أنه كان فى مقدوره أن يظهر قيامته فورا ولكنه سترها هذين اليومين من أجلنا لأن حياتنا نحن أيضا الآن مستترة مع المسيح ولكن متى أظهر المسيح حياتنا حينئذ نظهر معه فى المجد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

     فروح المسيح لم تكن روحا إنسانية كما يعتقد النساطرة خرجت من الجسد الذي تحييه وتركته تحت سلطان الموت وفساده لمدة ثلاثة أيام قبل أن تعود إليه في اليوم الثالث لتحييه وتقيمه من الموت. بل هو بالحقيقة روحا محييا أي روح قيامة وحياة أبطلت موت الجسد فور موته موتنا بموت الدم, وكان في استطاعته أن يظهر قيامته فورا مظهرا أن جسده عديم الموت ولكنه بحكمة ستر موته لئلا متي أعلن قيامته حلت الدينونة فورا.

     وهذا معناه أن قيامتنا الآن مستترة مع المسيح الذى ستر قيامته عن العالم وأعلنها لخاصته, ولكن متى أظهر المسيح قيامته للعالم في مجيئه الثاني, حينئذ نظهر معه فى المجد ( كولوسى 3 : 3 – 5 ) وفى هذا يقول هوشع النبى :

     يحيينا ( أى يقيمنا من الموت ) بعد يومين ( أى بعد ألفى سنة من مجيئه الأول ) فى اليوم الثالث ( أى فى يوم إظهار قيامته للعالم كله بظهور مجيئه ) يقيمنا فنحيا أمامه ( أى نظهر معه فى المجد ) ( هوشع 6 : 1 - 3 ) ( كيرلس السكندري " شرح إنجيل يوحنا " 2 : 2 ص 187 ).

     ولما كان إلوهيم الكلمة حسب نسطور لا يولد ولا يصلب ولا يتألم ولا يقوم من الموت لهذا أوقع هذه الأمور على الإنسان الذى اتحد به إلوهيم الكلمة ثم بموجب الإتحاد المزعوم صارت هذه الأمور الإنسانية تنسب للكلمة فيقال بسبب ذلك أن الكلمة ولد إنسانيا وتألم إنسانيا وقام إنسانيا أى بالإنسان المتحد به.

     أما عقيدتنا الأرثوذكسية التى نجدها فى تعليم القديس كيرلس رغم أنها من البديهيات فهى كالتالى :

     أن ابن إلوهيم الوحيد تألم جسديا كما تتألم أرواح البشر جسديا دون أن يمـس الألم جوهرها. لأن الروح لا يمكن أن يقع عليها شىء مما يقع على الجسد رغم أنها تستشعر ما يقع بجسدها من عطش وجوع وجلدات وتعذيب رغم أنها فى ذاتها لا تجوع ولا تعطش ولا تجلد وإن كانت تنفعل وجدانيا.

     وفى هذا يقول كيرلس :

     من جهة الابن الوحيـد فإننا نؤكد أنه تألم جسديا لأن جسده تألم.

     ولكن أولئك يعتقدون أننا بذلك ندخل ما يسمونه هم " تألم إلوهيم " وهم لا يدركون التدبير لأنهم بخبث شديد يحاولون أن ينقلوا الألم إلى إنسان متحد به وبذلك يصطنعون بغباوة توقيرا ضارا حتى أن كلمة إلوهيم لن يعترف به أنه مخلص أعطـى دمه الخاص لأجلنا بل بالحرى سيقال أن إنسانا مثلنا هو الذى أعطى دمه أى أكمل خلاصنا.

      ولكن التفكير على هذا النحو يبطل التدبير ويقلب سر عبادتنا عمليا إلى عبادة إنسان لأنهم لا يفهمون أقوال بولس بأن المسيح الذى حسب الجسد من نسل داود هو رب المجد وهو إلوهيم المبارك إلى الأبد ( رومية 9 : 5 ) وهو الكائن على الكل. مظهرا أن جسد الكلمة هو جسده الخاص وهو الذى سمر على الخشبة. لهذا السبب نسب الصليب إليه ( الرسالة رقم 46 : 10 ص 101 - 102 ).

     إن غباء الهراطقة هو الذى يجعلهم يقولون أن الذى نزل من السماء أى الكلمة ليس هو ابن داود ولا الذى من نسل داود هو ابن إلوهيم, ولكن الكلمات الصادقة تؤكد أن الابن الوحيد لإلوهيم الآب هو بذاته وليس آخر غيره ولد من نسل داود حسب الكتب ( المسيح واحد 10 ص 57 ).  

     ويقول كيرلس أيضا أن هذا المجدف قد منح يهود اليوم دالة عند إلوهيم بقوله لهم " إنكم صلبتم إنسانا وليس إلها " ما يؤدى لتبرئتهم من دم إلوهيم الظاهر فى الجسد بقوله أن المسيح الذى صلبوه ليس هو إلوهيم بل مجرد إنسان نظيرنا اتحد به إلوهيم الكلمة.

    والواقع أن تعليم الاتحاد بين إلوهيم الكلمة وإنسان يسمى المسيح بصرف النظر عن كيفيته المختلف حولها بين أقطاب النسطورية يضاد التعليم الصحيح الذى تبرأ بولس الرسول من دم كل من ينادى بخلافه بقوله:

     " أشهدكم اليوم هذا أنى برىء من دم الجميع لأنى لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة إلوهيم. احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة إلوهيم التى اقتناها بدمه " ( أعمال 20 : 26 - 28 ).

 

 

 

 

المبحث الثالث

آية يونان النبي ومعجزة طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد

 

     يقول متى البشير أن قوم من الكتبة والفريسيين سألوا الرب قائلين : يا معلم. نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبى. لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. هكذا يكون ابن الإنسان في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ( متى 12 : 38 - 40 ).

     بهذه الكلمات أعلن الرب للكتبة والفريسيين أنه سيعطى نفسه آية لجيله بأنه كما كان يونان ( حيا ) فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا أيضا سـيكون ابن الإنسان ( حيا )  فى قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال قبل أن يخرج من جوفها حيا كيونان النبى. 

     لهذا بعد أن أكمل الرب خلاصنا وأبطل الموت بموته على خشـبة الصليب المقدسة لم يظهر قيامته فورا لئلا متى أظهر مجده وظهر أنه عديم الموت حلت الدينونة فورا.

    لذلك ستر المسيح حياته وحياة كل الذين أقامهم معه ( متى 27 : 50 - 53 ) وكذا حياة كل الذين يخلصون من بعد باسمه.

     وفى هذا يقول بولس الرسول :

     إن كنـا قـد صرنـا متحديـن معـه بشـبه موتـه نصير أيضـا بقيامتـه ( رومية 6 : 5 ).

     بمعنى أننا إن اتحدنا معه في المعمودية في شبه موته نصير أيضا بقيامته بروحه المحيي.

     لهذا فإن حياتنا ( أى قيامتنا ) الآن مستترة مع المسيح فى إلوهيم ومتى أظهر المسيح حياتنا حينئذ نظهر معه فى المجد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

      لهذا أحنى ابن إلوهيم رأسه كمائت وبعد أن تحقق بيلاطس من موته وهب الجسد ليوسف الذى أنزله وكفنه ووضعه فى قبر منحوت حيث لم يكن أحد قد وضع به قط وكان يوم الاستعداد ( أى اليوم السادس الذى يستعدون فيه للسبت ) والسـبت يلوح ( لوقا 23 : 53 - 54 ).

     وهكذا دفن السيد المسيح في نهار الجمعة قبل دخول ليلة السبت 

    وفى الغـد ( أى فى السبت ) الذى بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس وقالوا له قد تذكرنـا أن ذلك المضل قال وهـو حى إنى بعـد ثلاثـة أيام أقـوم فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتى تلاميذه ليلا ويسـرقوه ويقولون للشـعب أنه قـام من الأمـوات .. فقال لهم بيلاطس عندكم حراس اذهبوا واضبطوه كما تعلمون فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجـر ( متى 27 : 62 - 66 ).

     ووفقا للتقليد فقد ختموا الحجر بسبعة ختوم, واقاموا عليه حراسة مكونة من مائة جندي تحت رئاسة قائد مئة ( متي 27 :  54 ) .

    مما تقدم يتضح أن السيد المسيح دفن في نهار يوم الجمعة ( الذى ينتهى في السادسة مساءّ حيث أن اليوم عند العبرانيين يبدا ليلا من السادسة مساءا وينتهى بعد انقضاء النهار في السادسة مساءّ ) وهكذا دفن المسيح في القبر نهار يوم الجمعة وليلة السبت ونهار يوم السبت وليلة الأحد, أي أنه كان في بطن الأرض لمدة يومان وليلتان, فأين نهار اليوم الثالث والليلة الثالثة؟ 

 

طلوع شمس اليوم الثالث المعجزية وغروبها في ليلة الأحد

    الواقع أن نهار اليوم الثالث جاء بطلوع الشمس فجأة في ليلة الأحد بطريقة معجزية والقبر مازال مختوما فصار نهار يوم الأحد يوما ثالثا وبغروبها عاد ليل الأحد مرة أخرى فصار هو ليل اليوم الثالث الذي فيه قام الرب وخرج من القبر والظلام باق ثم نزل الملاك ودحرج الحجر عن باب القبر كاشفا عن القبر الفارغ وقيامة الرب.

     وهذا ما سوف نثبته من خلال استخدام أسلوب تكامل الأناجيل في إثبات معجزه طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد قبل أن يدحرج الملاك الحجر عن باب القبر.

 

تكامل الأناجيل في إثبات معجزه طلوع الشمس وغروبها ليلة الأحد 

قبل أن يدحرج الملاك الحجر عن باب القبر

 

يقول مرقس الرسول:

      وبعدما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب حنوطا, وباكرا جدا فى أول الأسبوع ( أي في ليلة الأحد ) أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس ( تعبير يدل علي عنصر المفاجأة ) وكن يقلن فيما بينهن ( وهن في الطريق إلي القبر ) من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر ( مرقس 16 : 1 - 3 ).

 

     وتتمة لذلك يقول متي البشير:

     وبعد السبت ، عند فجر أول الأسبوع ( أي في الساعات الأولي من ليلة الأحد ) جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر ( وبينما هن في الطريق بعد أن غربت شمس اليوم الثالث المعجزية وكن ما يزلن في الطريق إلي القبر ) وإذا زلزلة عظيمة حدثت ، لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب ، وجلس عليه وكان منظره كالبرق، ولباسه أبيض كالثلج فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات ( متى 28 : 1 - 4 ).

     وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان ، خافوا جدا وقالوا : حقا كان هذا ابن إلوهيم ( متى 28 : 1 - 4 ).

     لاحظ هنا أن الحجر كان ما زال على باب القبر في ليلة الأحد عندما طلعت الشمس المعجزية فجأة. فصار نهار اليوم الثالث أي نهار الأحد, وبغروبها عاد ليل الأحد مرة أخري فتصير الليلة الثالثة.

       وقد حدث هذا بينما كانت المريمات في الطريق إلي القبر وكن يقلن فيما بينهن من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر ( مرقس 16 : 1 - 3 ).

     وكن يقلن هذا قبل حدوث الزلزلة ونزول الملاك من السماء ليدحرك الحجر ويجلس عليه وقبل هرب الحراس وترك حراستهم .

     أي أن طلوع الشمس وغروبها تم باكر ليلة الأحد ( أي في خلال الساعات الأولي من الليل أي قبل أن يبلغ الليل منتصفه ) وبعد أن عادت الظلمة وليل الأحد الذي صار بعودته ليلة ثالثة قام الرب وخرج من القبر في تمام الساعة التاسعة ليلا بتوقيت أورشليم منتصف الليل بتوقيت جرينتش وخرج من القبر وهو مغلق ومختوم بسبعة ختوم, والحراسات قائمة علي القبر وحوله تحت قيادة قائد مئة.

    ثم بعد قيامة الرب وخروجه من القبر والقبر مغلق ومختوم بسبعة ختوم , حدثت زلزلة عظيمة ونزل ملاك الرب من السماء ودحرج الحجر عن باب القبر وجلس عليه كاشفا عن القبر الخالي إلا من الأكفان دليلا علي قيامة الرب وخروجه من الكفن ومن القبر المغلق والمختوم بسبعة ختوم.

    فلما رأي قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع الزلزلة وما كان ، خافوا جدا وقالوا : حقا كان هذا ابن إلوهيم ( متى 28 : 1 - 4 ) وهربوا تاركين حراستهم, والقبر الخالي إلا من الأكفان . فذهب قوم منهم إلي المدينة ليخبروا رؤساء الكهنة بما حدث, وبعضهم هرب متجها إلي معسكره.

      وفي اثناء هرب الحراس تاركين القبر بدون حراسة, يستطرد يوحنا الرسول قائلا - دون أن يشير إلي نزول الملاك من السماء وقيامه بدحرجة الحجر عن باب القبر وجلوسه عليه, ولا عن هرب الحراس وقائد المئة الذين كانوا يحرسون القبر وتركه بلا حراسة - ما نصه :

      وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا ، والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر ( يوحنا 20 : 1 ).

     وبداهة أنهن لم يجدن أي حراسات علي باب القبر لأن الحراس هربوا بعد أن نزل الملاك ودحرج الحجر عن باب القبر.

      وفي السياق ذاته يقول مرقس الرسول : تتمة لروايته عن سطوع الشمس بينما كانت المريمات في الطريق يتسآلن عمن يدحرج لهن الحجر , ودون أن يشير أيضا إلي نزول الملاك من السماء وقيامه بدحرجة الحجر عن باب القبر وجلوسه عليه, ولا عن الرعدة التي أصابت الحراس, ولا عن هربهم مع قائد المئة وتركهم حراسة القبر, لهذا عندما وصلت المريمتين لم يجدن الحراسات القائمة علي القبر , وإنما نظرن الحجر مرفوعا عن القبر والظلام باق كما ذكر يوحنا البشير.

     فتطلعن – كما يقول مرقس الرسول - ورأين أن الحجر قد دحرج لأنه كان عظيما, ولما دخلن القبر رأين شابا جالسا عن اليمين لابسا حلة بيضاء ، فاندهشن فقال لهن : لا تندهشن أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب . قد قام ليس هو ههنا . هوذا الموضع الذي وضعوه فيه  لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس : إنه يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه كما قال لكم ( مرقس 16 : 4 – 7 ).

    وفي السياق ذاته يقول متي البشير :

     فأجاب الملاك وقال للمرأتين : لا تخافا أنتما ، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب  ليس هو ههنا ، لأنه قام كما قال هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعا فيه واذهبا سريعا قولا لتلاميذه : إنه قد قام من الأموات . ها هو يسبقكم إلى الجليل . هناك ترونه . ها أنا قد قلت لكما ( متي 28 : 1 – 7 ).

     فخرجتا سريعا من القبر بخوف وفرح عظيم ، راكضتين لتخبرا تلاميذه ( متي 28 : 8 ).

     وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال : سلام لكما . فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له فقال لهما يسوع : لا تخافا . اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل ، وهناك يرونني ( متي 28 : 9 – 10 ).

    وفيما هما ذاهبتان إذا قوم من الحراس جاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان فاجتمعوا مع الشيوخ ، وتشاوروا ، وأعطوا العسكر فضة كثيرة  قائلين : قولوا إن تلاميذه أتوا ليلا وسرقوه ونحن نيام, وإذا سمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه، ونجعلكم مطمئنين فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم ( متي 28 : 11 - 15 ).

     لو حدث هذا حقا لعاقبوا الحراس لنومهم أثناء الخدمة, ومن غير المنطقي أن ينام مئة حارس مع قائدهم في وقت واحد والليل في أوله وقبل منتصف الليل, ثم إن كانوا نياما فكيف عرفوا ان تلاميذه أتوا ليلا وسرقوه ، ثم أن قولهم أن السرقة تمت ليلا هو برهان آخر علي أن قيامة الرب وخروجه من القبر كانت في ليل الأحد, وأن الشمس طلعت ليل الأحد وغربت فعاد الليل فصار نهار وليل اليوم الثالث الذي فيه قام الرب وخرج من القبر المختوم بسبعة ختوم والظلام باق, وبداهة أن الزلزلة حدثت في لحظة قيامة الرب وخروجه من القبر المختوم, ثم نزل الملاك من السماء وجاء ودحرج الحجر عن باب القبر لينظر الحراس القبر الفارغ معلنا قيامة الرب وخروجه من القبر وهو مختوم بسبعة ختوم. 

     وبداهة أن المريمات وهن في طريقهم إلي التلاميذ ليخبروهم بما رأوه وسمعوه وبعد أن سمعوا أقوال الحراس كذبن انفسهن ولم يقولوا شيئا مما رأوه خوفا من أن يتهمونهن بالهذيان لهذا قالوا أخذوا سيدي ولا نعلم اين وضعوه .

     وفي هذا يقول مرقس الرسول

     فخرجن سريعا وهربن من القبر ، لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن . ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات ( مرقس 16 : 8 ).

     وفي السياق ذاته يقول يوحنا الرسول:

     فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه ، وقالت لهما : أخذوا السيد من القبر ، ولسنا نعلم أين وضعوه  ( يوحنا 20 : 2 ).

    وتتمة لذلك يقول لوقا البشير

      وتبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل ، ونظرن القبر وكيف وضع جسده فرجعن وأعددن حنوطا وأطيابا . وفي السبت استرحن حسب الوصية ( لوقا 23 : 55-56 ).

ثم في أول الأسبوع ، أول الفجر ( من مقابلة الترجمات المختلفة يتضح أن أول الفجر هو بنفس معني باكرا جدا أي في الساعات الأولي من ليل الأحد وهي المدة من الساعة السادسة مساءا حتي الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف ليلا بتوقيت أورشليم ) أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ، ومعهن أناس فوجدن الحجر مدحرجا عن القبر  فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع  وفيما هن محتارات في ذلك ، إذا رجلان وقفا بهن بثياب براقة وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض ، قالا لهن : لماذا تطلبن الحي بين الأموات ليس هو ههنا ، لكنه قام اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل  قائلا : إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ، ويصلب ، وفي اليوم الثالث يقوم فتذكرن كلامه ورجعن من القبر ، وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله ( لوقا 24 : 1 – 9 ).

      وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن ، اللواتي قلن هذا للرسل  فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن ( لوقا 24  : 10 - 11 ).

    واضح أن هذه الرواية تختلف تماما عن رواية زيارة المريمتين للقبر وعدم قولهم شيء مما رأوه للتلاميذ ومكثن معهم.

      فلما جاءت النساء ومعهن أناس وقالوا للتلاميذ ما رأوه وما قاله لهم الملاك, تشجعن وأيدن أقوالهم بالمخالفة لأقوالهم السابقة فتراءي كلامهن للرسل كالهذيان ولم يصدقوهن.

     فقام بطرس وركض إلى القبر ، فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها، فمضى متعجبا في نفسه مما كان ( لوقا 24  : 12 ).

     وفي السياق ذاته يقول يوحنا الرسول:

      فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر وكان الاثنان يركضان معا . فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولا إلى القبر  وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ، ولكنه لم يدخل  ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ، ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعا مع الأكفان ، بل ملفوفا في موضع وحده فحينئذ دخل أيضا التلميذ الآخر الذي جاء أولا إلى القبر ، ورأى فآمن لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب : أنه ينبغي أن يقوم من الأموات  فمضى التلميذان أيضا إلى موضعهما ( يوحنا 20 : 3 - 10 ).

      أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكي . وفيما هي تبكي انحنت إلى القبر فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدا عند الرأس والآخر عند الرجلين ، حيث كان جسد يسوع موضوعا فقالا لها : يا امرأة ، لماذا تبكين؟ قالت لهما : إنهم أخذوا سيدي ، ولست أعلم أين وضعوه  ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء ، فنظرت يسوع واقفا ، ولم تعلم أنه يسوع  قال لها يسوع  يا امرأة ، لماذا تبكين ؟ من تطلبين ؟ فظنت تلك أنه البستاني ، فقالت له : يا سيد ، إن كنت أنت قد حملته فقل لي : أين وضعته ، وأنا آخذه  قال لها يسوع : يا مريم فالتفتت تلك وقالت له : ربوني الذي تفسيره : يا معلم  قال لها يسوع : لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي . ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم : إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم  فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب ، وأنه قال لها هذا ( يوحنا 20 : 11 -18 ).

     وبعدما قام باكرا في أول الأسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية ، التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين  فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون فلما سمع أولئك أنه حي ، وقد نظرته ، لم يصدقوا ( مرقس 16 : 9 – 11 ).

    وتتمة لذلك يقول مرقس الرسول :

     وبعدما قام باكرا في أول الأسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية ، التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين  فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون فلما سمع أولئك أنه حي ، وقد نظرته ، لم يصدقوا ( مرقس 16 : 9 – 11 ).

 

    في ضوء ما تقدم يتضح أن الرب وضع فى القبر فى نهار الجمعـة وظل به ليل السبت ونهار السبت وليل الأحد أى أنه كان فى القبر يومين وليلتين فى حين أنه ينبغى أن يبقى فى بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال قبل أن يخرج منها حيا بحسب الآية المعطاة لليهود كما قال وهذا ما فهمه اليهود من كلام الرب لهذا وضعوا الحراسات علي القبر وختموه بسبعة ختوم.

      لهذا حتي يبقي المسيح في القبر ثلاث أيام وثلاث ليال كما قال جاء اليوم الثالث بطريقة معجزية بأن طلعت الشمس باكر جدا في ليل الأحد والمريمات في الطريق إلي القبر المختوم , وغربت قبل أن يدحرج الملاك الحجر عن باب القبر لكمالة الليلة الثالثة. 

     وهكذا كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. هكذا كان ابن الإنسان فى بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ( متى 12 : 40 ) إلا أنه عجل اليوم الثالث فطلعت الشمس فى ليل الأحد فصار نهار الأحد, وبغروبها عاد ليل الأحد كما كان ليكون ليلة ثالثة.

     مما تقدم يتضح أن الآية المعطاة لليهود والتي ادركوا معناها هي أنه كما كان يونان حيا فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. هكذا سيكون المسيح حيا فى بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال قبل أن يخرج منها حيا.

      وفى هذا يقول بطرس الرسول أن المسيح تألم .. " مماتا فى الجسد ( أي أن الجسد رغم أنه مات بموت الدم الذي هو علة حياة الجسد ) ولكن محيى ( أي مقام من الموت ) فى الروح " ( الروح معرف بألف لام هو روح إلوهيم أي الروح القدس الرب المحيى الذى هو روح القيامة والحياة ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

    فجسد المسيح وإن مات موتنا بموت الدم إلا أنه كان محييا أي مقاما من الموت بالروح القدس.

     لهذا يقول بولس الرسول : أن المسيح وان صلب عن ضعف ( بسبب قابلية الجسد للموت بموت الدم ) لكنه حي ( أي الجسد المائت بحسب الدم ) بقوة إلوهيم ( أي بالروح القدس المحيي )( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) ذلك أن جسد المسيح لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( الأعمال 2 : 24 ) مثل سائر البشر ولا أن يخضع لسلطانه ولا للحظة واحدة. لهذا فإنه بمجرد ان إلتقي بالموت في جسده بموت الدم أباد الموت بالموت ( العبرانيين 2 : 14 ) بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ) كما تباد الظلمة من النور لكونه وحده الحى الذى لا يموت ( تيموثاوس الأولي 6 : 16 ) لذلك نسبحه قائلين :

     قدوس إلوهيم, قدوس القوي, قدوس الحي الذى لا يموت الذى صلب عنا إرحمنا.

 

ثبوت إشراق شمس اليوم الثالث المعجزية تاريخيا

    أثبت مرقس الرسول أن الشمس طلعت فجأة فى الليل بينما كانت المجدلية فى طريقها إلى القبر وهي تتسآل من يدحرج الحجر ( مرقس 16 : 1 - 3 ).

     وبينما كانت في الطريق حدثت زلزلة عظيمة ونزل ملاك الرب من السماء وجاء ودحرج الحجر وجلس عليه فمن خوفه صار الحراس كالموتي من شدة الزعر, وبعد أن نظروا القبر خاليا إلا من الأكفان ادركوا قيامة الرب فقالوا حقا كان هذا ابن إلوهيم, فتركوا القبر وهربوا بعضهم إلي المدينة وبعضهم إل معسكرهم. وتركوا حراستهم.

     لهذا عندما وصلت المجدلية إلي موضع القبر لم تجد حراسات وإنما وجدت الحجر مرفوعا والظلام باق وفقا لشهادة يوحنا ( يوحنا 20 : 1 ) أى أن قيامة المسيح تحققت عقب غروب شمس اليوم الثالث المعجزية.

 

تقرير بيلاطس البنطي لطيباريوس قيصر

    والواقع أن هذه الحقائق التى ذكرها الإنجيليون مثبته تاريخيا إذ جاء فى تقرير أرسله بيلاطس البنطى حاكم اليهودية إلى طيباريوس قيصر فى روما ما نصه : 

     فى إحدى المدن الشرقية التى تسمى أورشليم حيث أقيم فيها معبد الأمة اليهودية. تجمع كل شعب اليهود وأسلموا إلى رجلا يدعى يسوع وأقاموا ضده اتهامات لا نهاية لها. إلا أنهم عجزوا عن إدانته فى أى شىء.

    لكن كان لهم اتهاما واحدا ضده وهو قوله أن السبت لم يكن يومهم الصحيح للراحة.

     لقد صنع هذا الرجل كثيرا من الشفاء والأعمال الطيبة فقد جعل العمى يبصرون وشفى البرص وأقام أمواتا وشفى مفلوجين ..

     كما أنه عمل عملا أخر عظيما غريبا حتى بين آلهتنا فقد أقام من الأموات شخصا يدعى لعازر وكان قد مضى على موته أربعة أيام ..

     ثم أن هيرودوس وارخيلاوس وفيلبس وحنانيا وقيافا ومعهم كل الشعب اسلموه لى لمحاكمته ونظرا لأن كثيرين أثاروا فتنة ضدى فقد أمرت بصلبه.

     وبينما كان يصلب كانت ظلمة على الأرض كلها واحتجبت الشمس بالكلية وأظلمت السماء رغم أنه كان لا يزال نهارا حتى أن النجوم ظهرت .. كما أن القمر الذى كان كالدم لم يسطع طول الليل رغم أنه كان بدرا ..

     وفى أول الأسبوع ( أى فى ليل الأحد ) حوالى الساعة الثالثة من الليل ( أى نحو الساعة التاسعة ليلا بتوقيت أورشليم الثانية عشر بتوقيت جرينتش ) توهجت الشمس كمـا لم تتوهج من قبل وصارت كل السماء لامعة وكما يأتى البرق فى عاصفة كذلك ظهر فى الهواء رجال ذو هيئة علوية وفى صفوف جميلة وقد كللهم مجد لا يوصف ومعهم جيوش لا تحصى من الملائكة وهى تنادى قائلة المجد لإلوهيم فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ( هذه الأصوات قد تبدوا للكثيرين مثل الرعد ).

    وعند سماع أصواتهم تحركت الجبال والتلال ( أى حدثت زلزلة عظيمة ) وتشققت الصخور وحدثت فجوات فى كل الأرض ( تفتحت القبور ) وفى وسط هذا الرعب شوهد الموتى يقومون ثانية .. [4]

      وهذا ما أشار إليه متى الرسول بقوله " والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين " ( متى 27 : 51 - 53 ).

     وكان بيلاطس واحدا من الكثيرين الذين شهدوا هذه الأمور ليشهد بها.

 

  

 

 

المبحث الرابع

جسـد القيامة

 ما طبيعة جسد القيامة؟

    يقول بولس الرسول :

     لكن يقول قائل كيف يقـام الأموات وبأى جسـم يأتون؟ يا جاهل الذى تزرعـه لا يحيا إن لم يمت والذى تزرعه لست تزرع الجسم الذى سوف يصير .. هكذا أيضا قيامة الأموات يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد .. يزرع جسما حيوانيا ( أى حى بالدم ) ويقام جسما روحانيا ( أى محييا بالروح القدس ) يوجد جسم حيوانى ويوجد جسم روحانى, هكذا مكتوب أيضا صار آدم الإنسان الأول نفسا حية ( أى حى بالدم ) وآدم الأخير ( أى المسيح ) روحا محييا ( أى  روح له القدرة على إحياء الأجساد المائتة من الموت والذى به أعتقنا من حكم الخطية والموت بأن قام بإحياء أجسادنا بروحه المحيى الساكن فينا فصارت أجسادنا روحانية أى مقامة بالروح القدس ) لكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى ثم بعد ذلك الروحانى .. لأن لحمـا ودمـا لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ( كورنثوس الأولى 15 : 50 ).

   وهذا معناه أن جسد القيامة يختلف عن الجسد الحيوانى الحى بالدم في كونه لا يحتاج إلى التنفس والأكل والشرب ليحيا , وفى هذا يقول بولس الرسول :

    لأن ليس ملكوت إلوهيم أكلا وشربا ، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس ( رومية 14 : 17 ) وأيضا في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون ، بل يكونون كملائكة إلوهيم في السماء ( متى 22 : 30 ) وهذا ما أعلنه الرب نفسه بقوله للصدوقيون عندما  سألوه عن امرأة تزوجت سبعة وماتوا جميعا. ففي القيامة لمن تكون زوجة.     فإجابهم قائلا:

    " أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات ، لا يزوجون ولا يزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضا، لأنهم مثل الملائكة، وهم أبناء إلوهيم. إذ هم أبناء القيامة " ( لوقا 20 : 34 – 36 ).

    وعن أبناء القيامة المقامون بالروح القدس يقول بولس الرسول:

     هو ذا سر أقوله لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير. فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت, ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت. فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة إبتلع الموت إلى غلبة أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية ( كورنثوس الأولى 15 : 35 - 55 ).

     فالمسيح آدم الأخير كما يقول بولس الرسول " روحا محييا " وقد دعى بأنه " آدم الأخير " بسبب تجسده وصيرورته أبا جديدا للبشرية التى تتحول فيه بالميلاد الثانى إلى خليقة جديدة حية ليس بدم آدم الأول المائت  ( يوحنا 1 : 13 ) بل بروح آدم الأخير المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى هو روح القيامة ( يوحنا 11: 25 ) والحياة ( رومية 8 : 2 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) ( رؤيا 11 : 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

      فالمسيح آدم الأخير رغم أنه بالطبيعة روحا محييا, إلا أنه اشترك معنا فى اللحم والدم القابل الموت لكى يبطل بموته موت الجسد ( العبرانيين 2 : 14 ) بروحه المحيى, وهو ما تحقق بالفعل على خشبة الصليب بسفك دمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 – 19 ) عندئذ فى لحظة فى طرفة عين تغير جسده بأن صار غير مائت لأنه وإن ذاق موتنا بحسب الدم لكنه كان حيا بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 )  أى مقاما من الموت بالروح المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 )

     من ذلك نرى أن المسيح لم يمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) لحظة واحدة ولا طرفة عين. لأنه بمجرد موت النفس الحية أى الدم صار جسده محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس المحيى لأنه وحده الذى له عدم الفساد ( أعمال 2 :  27 ) أي عدم الموت . لأن الفساد يدب في الجسد بمجرد موته. لهذا كان جسد المسيح وحده هو الذى له عدم الموت لأنه ملك الملوك ورب الأرباب (  تيموثاوس الأولى 6 : 14 - 16  ) ( رؤيا 17 : 14 ) ( رؤيا : 19 : 16 ) ( أمثال 8 : 15 ).

      وفى هذا يقول القديس كيرلس :

     إن إلوهيم الكلمة صار يدعى آدم الأخير لأنه صـار البداية الجديدة للذين على الأرض. لأن الخليقة الإنسـانية تحولت فيه إلى الحياة الجديدة حياة عدم الفساد بالقيامـة من الأموات. هكذا صارت نهاية الموت. لأن الذى بالطبيعة هو الحياة لم يقبل أن يخضع جسده للفساد ( لأن الجسد بمجرد موت ادم صار محييا بالروح القدس ) لأنه لم يكن ممكنا أن يسود الموت على المسيح ( أعمال 2 : 24 ) وبذلك أنعم علينا بالحياة وصارت الحياة هى العطية الصالحة التى نلناها منه ( المسيح واحد 12 ص 100 ).

     لأن شريعة الروح الذى يهب الحياة ( أى الروح المحيى ) فى المسيح يسوع قد خلصنى من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) لأن المسيح روحا محييا. لهذا لم يكن ممكنا أن الذى هو الحياة والمحييى أن يمسك من جسد الموت مثلنا . لهذا وإن مات موتنا بموت الدم إلا أنه أى جسده المائت صار محييا أى مقاما من الموت بروحه المحييى. وهكذا بموته أباد الموت أي أبطله ( العبرانيين 2 : 14 ).

     لهذا نسبحه قائلين :

     قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الذى لا يموت الذى صلب عنا إرحمنا.

     لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ، لكنه حي بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13: 4 ) أي بروح إلوهيم الذى سيحيينا أيضا ( كورنثوس الثانية 13: 4 ) بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ).

     فإلوهيم الآب أرسـل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنـا الأولى 4 : 9 ) أي بروح يسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) المسيح  ( غلاطية 2 : 20  ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) لا لكى تحييه حسب زعم أصحاب الطبيعتين روح إنسانية تحتاج إلى من ينقذها ويقيم جسدها من الموت.

     هذه التعاليم التى تناقض الحق الكتابى بجهالة فندها القديس أثناسيوس الرسولى فى عبارة وجيزة بقوله:  أن المسيح بعد أن أتى ببراهين كثيرة تثبت أنه إلوهيم, " سلم هيكله للموت عوضا عن الجميع. أولا : لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة ( أي المورثة لهم من آدم أبا عن جد ) وثانيا : لكى يظهر أنه أقوى من الموت بإظهاره أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع " ( تجسد الكلمة 20 : 2 ). 






_____________________________

[1]   -  الأنبا ايسيذورس " الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 270 ( بتصرف )

[2]   -  إبراهيم صبرى " من تاريخ وحياة القديس أثناسيوس الرسولى " الكتاب الثانى  ص 97 - 98

[3]   -  القمص إبراهيم جبره " الثلاث تقديسات " ص 15 , 16   

[4]     The Lost Books of The Bible, The World Publishing Company and New York 1926  P. 275 –  277                                                                                       

-  لا يوجد كتب مفقودة من الكتاب المقدس, وهذه الكتب المزعوم فقدانها هي كتب تاريخية لأحداث متعلقة بالعهد الجديد ولكنها ليست من الكتاب المقدس وهي غير مفقودة, بدليل الإقتباس منها. وهي كما هو مبين رسالة من بيلاطس لطيباريوس قيصر.