الثلاثاء، 19 مايو 2026

اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة بقلم مجدى صادق Jacoubinism is an extreme Nestorian heresy

 اليعقوبية

 بدعة نسطورية متطرفة

  Jacoubinism

 is an extreme Nestorian heresy


بقلم

مجدى صادق


Magdy Sadek

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

"حققت مؤلفاته مبيعات تزيد عن 300 ألف نسخة على جوجل بلاي وحدها"



باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

 

اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة

  Jacoubinism is an extreme nestorian heresy  

المـــــؤلف          :   مجـــدى صــادق راغب

الطـــــبعة           :   الأولى     8  أغسطس 2009

الطـــــبعة           :   السابعة    1  مايو     2026

الموقع على النت  :                      https://magdysadek.blogspot.com

البريد الالكتروني  :                               L.magdysadek@gmail.com

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة والتوزيع محفوظة للمؤلف

  


 

 اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة    

 

الفهرس

5

 

مقدمة

اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة

 

7

الاعتراض الأول            :

على أن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية

13

الاعتراض الثانى            :

على أن روح المسيح هو الروح القدس

24

   

إن كان روح المسيح هو الروح القدس فكيف سيرسل نفسه؟

24

    

إن كان الروح القدس هو روح المسيح فكيف يقول أنه معزياً أخر

26

 

إن كان الروح القدس هو روح المسيح فكيف حل على نفسه كحمامة

26

الاعتراض الثالث         :

كيف يدعى المسيح انسانا وهو بلا روح بشرية ؟

34

الاعتراض الرابع          :

على أن صورة المسيح الإنسانية هي صورة إلوهيم

47

      المبحث الأول       :

البراهين على أن صورة ابن الإنسان هي صورة إلوهيم منذ الأزل

56

       المبحث الثانى     :

معنى قوله : " فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا "

58

       المبحث الثالث     :

معنى كلمة " ابن " في اللغة

63

الاعتراض الخامس         :

على أن اسم يسوع المسيح أزلى وأنه مسح منذ الأزل

66

                أولا        :

البرهان على أن اسم يسوع أزلى

66

                 ثانيا      :

البرهان على أن الحكمة مسح  مسيحا منذ الأزل

68

                 ثالثا       :

البرهان على ان اسم المسيح هو اسم الثالوث

71

الاعتراض السادس         :

على أن المسيح  مساو للآب في الجوهر وليس مخلوق

79

 

البراهين الكتابية على أن المسيح ليس إنسان بالجوهر

80

الاعتراض السابع           :

على حرم من يقول بطبيعة من طبيعتين

82

         المبحث الأول   :

هل روح المسيح الواحدة من روحين إنسانية أم لا جنس لها؟

88

         المبحث الثانى   :

البراهين على أن روح المسيح إلهية وغير ممتزجة من روحين

91

الإعتراض الثامن         :

على أن الكلمة هو الذى تألم جسديا وليس روح إنسانية

97

         المبحث الأول    :

الاعتراض على أن الذى اضطرب بالروح هو الكلمة

97

         المبحث الثانى   :

هل قول المسيح إلهى إلهى لماذا تركتنى؟ برهان انسانيته

100

         المبحث الثالث   :

هل الطبيعة سواء إلهية أو إنسانية هي التي تأكل وتتألم أم الجسد؟  

103

الإعتراض التاسع         :

على أن الروح التى استودعها الابن في يد أبيه إلهية

107

الإعتراض العاشر         :

على أن المسيح أحيا جسده لحظة موته بالروح القدس

116

الإعتراض الحادى عشر  : 

على أن المسيح أخفى قيامته على الصليب وأظهرها في اليوم الثالث

124

الإعتراض الثانى عشر   : 

على أن قيامة المسيح بالروح القدس لا بروح إنسانية

126

الإعتراض الثالث عشر   : 

على أن الروح القدس سيقوم بإحياء الجسد عوضا عن الدم

131

الاعتراض الرابع عشر    :

على أن المسيح نزل إلى باطن الأرض بروحه الإلهية

139

الاعتراض الخامس عشر :

حول المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية

146

الاعتراض السادس عشر :

على أن روح الإنسان لا تحيى الجسد بل الدم

149

                 أولا     :

تفنيد خطأ القول بأن السلوك بالروح يعنى الروح الإنسانية

149

                 ثانيا    :

تفنيد بدعة أن الروح الإنسانية هي التي تحيى الجسد لا روح إلوهيم

150

                 ثالثا    :

تفنيد بدعة أن روح إلوهيم تسكن أرواحنا وليس أجسادنا

153

الإعتراض السابع عشر   :

على رفض بدعة خلقيدونية القائلة بأقنوم واحد بطبيعتين

157

         المبحث الأول   :

هل للمسيح روح إنسانية غير مشخصة بعقلها البشرى؟

163

 

تفنيد بدعة أن الناسوت ليست شخصا

173

 

الطبيعة الممتزجة الجامعة لصفات الطبيعتين

183

 

تجديف القائلين بأن روح المسيح الذى جاء فى الجسد إنسانية

187

 

الإتحاد الأقنومى وبدعة الإتحاد بين شخصين

192

 

الإتحاد الأقنومى كيف يكون بين شخص إلهى وشخص بشرى لا وجود له

194

         المبحث الثانى   :

سقوط بدعة مالا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص

201

 

أين الشخص البشرى في المذهب الخلقيدونى ؟

201

 

أين الشخص البشرى في مذهب ساويرس الأنطاكى؟

204

 

أين الشخص البشرى في المذهب اليعقوبى ؟

207

 

تفنيد بدعة نسطور عن خلاص الحيوانات إذ لم يتحد الكلمة بالعقل البشرى؟

212

 

هل كان أثناسيوس الرسولى نسطوريا أم خلقيدونيا أم أنطاكيا أم يعقوبيا

215

 

أهم المراجع

219

 

صدر للمؤلف

221

 

 

 

 


























مقدمة

اليعقوبية بدعة نسطورية متطرفة

      المحقق أن جميع المذاهب النسطورية مؤسسة على بدعة نسطور القائل بأن العذراء لم تلد ابن الوهيم ( غلاطية 4 : 4 -6 ) بل ولدت انسانا مثلنا يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بها وهو في بطن العذراء وبهذا صار فى روح المسيح الإنسانية شخصان كل قائم بعقله الخاص, وبموجب هذا الإتحاد فى روح المسيح الإنسانية  التى جعلها الكلمة روحه كرم المسيح  الإنسان ذى الروح الإنسانية العاقلة بتسميته بالابن ( الرسالة رقم 4 : 6 ) وصار الابن الوحيد يسمى باسم المسيح بسبب احتجابه فى روحه العاقلة وتأنسه به, وبهذا صار يوجد مسيح واحد وابن واحد من الإثنين, مع احتفاظ كل منهما بشخصيته الخاصة , لأن الإتحاد بدون اختلاط أو امتزاج أو تغيير.

    ومفاد ذلك أن الكلمة حسب بدعة نسطور ليس هو يسوع المسيح. وأن العذراء ولدت انسانا مثلنا اسمته بعد ولادته باسم يسوع وهو الاسم الذى صار يدعى به الكلمة أيضا بسبب اشتراكه مع الإنسان فى اسمه, والذى لم يعرف به قبل ولادة العذراء للإنسان يسوع المسيح .

    ويقول النساطرة أنه لو كان اسم المسيح خاصاً بالكلمة قبل تأنسه بهذا الإنسان، لصار من الحتمي أن نستخدم ذات الاسم " المسيح " للآب والروح القدس ( ظهور المسيح المحيى  ف 2 ) مناقضا  بذلك الكتاب المقدس الذى اثبت أن الحكمة مسح مسيحا منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12, 23 ) وأن اسم المسيح هو اسم الآب ( يوحنا 5 : 43 ) والروح القدس ( يوحنا 14 : 16, 17, 26 ) ( أفسس 3 : 17 ).

     فلما تم حرم هذا التعليم في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية الذى أثبت حسب قانون الإيمان الرسولى أننا نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد .. المساوى للآب فى الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) وأن الروح القدس هو روح الآب والابن بسبب وحدة الجوهر, هذا معناه أن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية أزلية.

      فقام ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى نحو سنة 445 ميلادية بتعديل البدعة النسطورية ظاهريا بالقول :

     ان الكلمة احتجب بروح المسيح الإنسانية وشخصها منذ وجودها, فصارت روح المسيح الإنسانية هى الروح الوحيدة الغير مشخصة بعقلها البشرى منذ وجدت لأن الكلمة قام بتكميل جوهرها بتشخيصها عوضا عن عقلها البشرى الذى نحاه قهرا.

     وفى هذا يقول ثيؤدورت:

     وأنه على هذا صار كلمة إلوهيم بقوامه ( شخصه ) قواما لذلك الناسوت ( الإنسان ) الذى كمل جوهره بتقويم ( تشخيص ) كلمة إلوهيم إياه .. فعلى هذا الوجه من الخلطة دبر كلمة إلوهيم خلطته بالطبيعة ( الروح ) البشرية بقوام ( شخص ) واحد قوام ابن إلوهيم الوحيد الجامع للطبيعتين ( أي للروحين الإلهية والإنسانية ) كلتيهما ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 - 53 ).  

     فلما تم حرم هذا التعليم أيضا في مجمع أفسس الثانى سنة 449 ميلادية وتجدد حرمه في مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادية.

     قام ساويرس الأنطاكى بعد رسامته أسقفا على أنطاكية على المذهب الخلقيدونى سنة 512 ميلادية بعقد مجمع فى العام التالي أي سنة 513 ميلادية رفض فيه معتقد خلقيدونية بأن الكلمة هو المشخص للطبيعتين فى المسيح, بالقول بأن الكلمة هو المشخص للطبيعة الواحدة من طبيعتين فى  المسيح, مستنكرا وجود طبيعتين ( ديوفيزيس ) فى المسيح بحسب معتقد خلقيدونية معلما بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) ورغم اختلاف ساويرس الأنطاكى مع الخلقيدونيين فيما يتعلق بكيفية اتحاد الطبيعتين إلا أنه وافقهم فيما يتعلق بأن طبيعة المسيح كانت مشخصة باللوغوس منذ وجودها, بما يعنى أن اللوغوس لاشى العقل البشرى وقام مقامه فى تشخيص الروح الإنسانية قبل إمتزاجها بالروح الإلهية بحسب ساويرس الأنطاكى.

       إلا ان يعقوب البرادعى خالف معلمه ساويرس الأنطاكى بعد نياحته سنة 538 ميلادية بقوله لماذا تمتزج الطبيعتان ولا يمتزج الأقنومان, فنادى بأن فى المسيح طبيعة من طبيعتين مشخصة باقنوم من أقنومين أى بابن من ابنين ( العلامة ابن المكين " الحاوي " ص 44 -45 ).

       أيا كان الأمر فقد انعقد مجمع في القسطنطينية سنة 553 ميلادية أوقع الحرم على كل من ينادى بتعاليم ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى بالقول ما موجزه :

      كل من يستعمل العبارة  " طبيعة موحدة من طبيعتين " للكلمة المتجسد .. ولا يعنى بذلك أن أقنوم الكلمة وحد الطبيعتين ( الروحين ) في شخصه ( حسب معتقد مجمع خلقيدونية ) ولكنه يعنى بالطبيعة الموحدة امتزاج الطبيعتين الإلهية والإنسانية في طبيعة جديدة ( حسب بدعة ساويرس الإنطاكى القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة الموحدة من طبيعتين ) ليكن محروما .. وكذا كل من يقول بطبيعة مختلطة من الطبيعتين ( حسب يعقوب البرادعى الذى عنى بالطبيعة الجوهر كاملا  ) فليكن محروما (  " مجموعة الشرع الكنسى " القانون رقم 8  ص 469 ).

      والواقع أن كلمة " جوهر " بحسب الحق الكتابى تطلق على أقنوم الوجود سواء كان موجودا بذاته أو بغيره, ومن هذا الوجود يولد العقل وتنبثق الروح , لهذا سمى الموجود بذاته أو بغيره آب أي أصل أو مصدر لأن منه يولد العقل وتنبثق الروح المحمولان على أقنوم وجودهما وجودا وعدما. بما يستحيل معه وجود الأقنوم بمعزل عن جوهره أو اختلاطه أو امتزاجه بجوهر غير جوهره المحمول عليه وجودا وعدما, فحيث الأقنوم هناك الجوهر كاملا, بما يستحيل وجود اتحاد بين اقنومين من جوهرين مختلفين.

    ومن ثم فإن القول جوهر من جوهرين جدلا يعنى إمتزاج الطبيعتين والشخصين معا فى جوهر جديد عدم الشخصين معا بدليل أنه ليس إلهيا ولا إنسانيا بل هو الجوهر الخاص بالشخص المسمى المسيح , وهو ما عبر عنه العلامة اليعقوبى ابن المكين بالقول :

    " أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار بهذا الإتحاد شيئا واحدا في الموضوع وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد , وهو حقيقة ثالثة ( أي ابن جديد محدث ) لا يصح عليها أنها إنسانية فقط , ولا إلهية فقط .. ولذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين " ( الحاوي للعلامة ابن المكين ص 45 ).

     مما تقدم يتضح أن اليعقوبية هى فى حقيقتها بدعة نسطورية متطرفة.

    والواقع أن الخلاف بين النساطرة بمختلف مذاهبهم هو خلاف حول كيفية اتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية فى المسيح فى شخص واحد, وهو خلاف قائم على أساس معتقد نسطور الذى تم حرمه في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية .

     ولما كان الأساس الذى بنى عليه النساطرة معتقداتهم باطل. فإن عقائدهم أيضا تكون باطلة. لأن كل ما بنى على باطل هو باطل.

     فالكلمة لم يتحد أو يتأنس بإنسان يدعى يسوع المسيح حسب نسطور وإنما ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 8 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ).

    وايضا فإن الكلمة لم يسمى باسم المسيح بسبب اتحاده بإنسان مثلنا يدعى المسيح, بل لأن الكلمة هو نفسه المسيح حكمة إلوهيم الممسوح مسيحا منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 24 ) ومن ثم فإن روحه أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) إلهية ( رومية 8 : 9 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

   وأيضا فإن روح المسيح الإلهية بحسب الحق الكتابى هى روح الحياة .. التى ستحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 – 11 ) لأن المسيح روحا محييا ( أى روح قيامة وحياة ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 2 ) لهذا فإن قيامة المسيح لم تكن بروح إنسانية تمسك من جسد الموت كسائر أرواح البشر, إنما كانت بروح الحياة الذى فيه الذى أبطل موت الجسد واعتقنا من حكم الخطية والموت بإقامة اجسادنا من الموت بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2, 9 -11 )

    فاسم يسوع المسيح وفقا للحق الكتابى لا يخص انسان بل هو اسم إلوهيم الذى ظهر وجاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

    والغريب أن اليعاقبة رغم اعتقادهم بأن فى المسيح جوهر من جوهرين عدما بعضهم البعض بالإمتزاج بدليل أن الجوهر الجديد ليس إلهيا ولا انسانيا بل هو الجوهر الخاص بالمسيح وحده حسب زعمهم , نراهم مع الأنطاكيين والخلقيدونين يعودون إلى دائرة النسطورية ويهدمون معتقداتهم الخاصة فى اختلاط وامتزاج الطبيعتين عندما تقع الألام على المسيح عندئذ يفارق اللاهوت الإنسان فى كل ما يعتقدون أنه غير لائق به مثل الولادة والآلام والصلب والطعن بالحربة والموت والقيامة الأمور التى لا تتحقق إلا بالروح الإنسانية حسب معتقدهم.

     وفى هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورش أبو المجمع الخلقيدونى القائل بأن أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية ما نصه :

     وهو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد ( أى الكلمة ) من قبل أن يطعن جسده بقدرة لاهوته. على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ويأخذها أيضا إذا شاء ( " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 ).

     لأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية بحسب المعتقد الخلقيدونى. فإذا بقى الكلمة مشخصا للروح الإنسانية فسيكون هو الذى تألم, وهذا يضاد معتقد أصحاب الطبيعتين الذين ينسبون الالام للإنسان بمعزل عن الكلمة غير المتألم بحسب معتقدهم.

     وهكذا لم يسلم أصحاب الطبيعة من طبيعتين المشخصة بالكلمة حسب الأتطاكى والمشخصة بابن من ابنين حسب البرادعى من السقوط  أيضا في ذات الخطأ الذى وقع فيه أصحاب الطبيعتين المشخصتين بالكلمة بالعوادة إلى تعليم نسطور القائل بأن المسيح كان ذى نفس عاقلة ناطقة وهو البشر التام (  كتاب المعترض اليعقوبى  ص 135 ,  300 ).

     والواقع أن استبدال تعليم التجسد بتأنس الكلمة بإنسان بكيفية مختلف حولها بين أقطاب النسطورية قائم أساسا على بدعة نسطور التى تم حرمها في مجمع أفسس الأول, وعندما حاول خلفاء نسطور الإلتفاف حولها باعتدة تفسير كيفية اتحاد الطبيعتين فى شخص واحد إنحرفوا إلى الخرافات فقالوا بالاختلاط والإمتزاج بين الطبيعتين العاقلتين الأمور المخالفة والمضادة للحق الكتابى والبساطة التي في المسيح, الأمور التي حذر منها بولس الرسول الكنيسة بقوله:

     ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها ، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح, فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به ، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه ، أو إنجيلا آخر لم تقبلوه ، فحسنا كنتم تحتملون ( كورنثوس الثانية 11 : 3 – 4 ).

    هذه البساطة أن إلوهيم شاركنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 )  أما هولاء فينكرون هذا الحق معلمين بأن الكلمة اشترك في انسان ووحده بنفسه بما لا يتفق مع المنطق أو الحق الكتابى الواضح والصريح الذى اغلق عليهم لأنهم تركوا الينبوع الحقيقى وحفروا لأنفسهم آبار جافة لا تنضب ماء . لهذا إن كان إنجيلنا مكتوما بالنسبة لهم ، فإنما هو مكتوم في الهالكين, الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين ( أي كل منكرى تجسده ولاهوته ) لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح ، الذي هو صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4 : 3 -4  ).

     وأما نحن فإن روح المسيح الذى فينا ، هو الذى يرشدنا إلى جميع الحق ( يوحنا 16 : 13 ) ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح . هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ( يوحنا الأولى 5 : 20 ).

     والواقع أن كل من يتكلم بتجاديف على روح المسيح بالقول أنها انسانية أو مختلطة أو ممتزجة وليست إلهية أزلية حسب الحق الكتابى وكذا كل من ينكر تجسده ومجيئه فى الجسد إنما يتكلم بروح ضد المسيح وهذا ما أعلنه يوحنا الرسول بالقول:

     كل روح لا يعترف بأن يسوع المسيح جاء في الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

      الرب يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد. المساوى للآب في الجوهر . قادر أن يجعل من هذه المؤلف بركة تؤول لخلاص كثيرين بالنعمة لمجد اسمه القدوس.

                                                                                     مجدى صادق

 

 

الإعتراض الأول

على أن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية

      اعترض احد النساطرة من المتشيعيين ليعقوب البرادعى على القول : بأن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية هى الروح القدس ( العبرانيين 9 : 14 ) بالقول بأن هذا معناه أنه ليس له روح انسانية عاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى  فقرة 1 ص 135 ).

     وتسآل :

    هل معنى  أن روح المسيح هى الروح القدس. أنها حلت محل الروح البشرية فى السيد المسيح؟

      وكيف يدعى المسيح إنسانا وهو بلا روح بشرية؟.

 

     أسئلة لا تصدر إلا عن شخص فيه إله هذا الدهر قد أعمى ذهنه عن إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة إلوهيم, يتعلم كل حين ولا يستطيع أن يأتي إلى معرفة الحق أبدا.

      من الواضح أن هذا النسطورى يعتقد أن القول بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد معناه أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية , لإعتقاده بأن المسيح طبيعة من طبيعتين ومن ثم فإن القول بأن طبيعة المسيح إلهية معناه من وجهة نظره أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الروح الإنسانية.

     والواقع أن هناك فرق بين القول بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد, وبين القول بطبيعة إلهية من طبيعتين, فإن جهل الفرق فليجهل. لأن الطبيعة الواحدة الإلهية بسيطة غير مركبة أو ممتزجة بغيرها . أما القول بطبعية إلهية من طبيعتين فيجوز عندئذ القول بأن الطبيعة الإلهية التى من طبيعتين ابتلعت الطبيعة الإنسانية ولاشتها , الأمر الذى لم يقل به أوطيخا نافيا ما نسب إليه بأنه يقول بطبيعة إلهية من طبيعتين بالقول : حاشا لى أن أقول بأن ربنا من طبيعتين . لهذا فإن القول بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد ينفى الاعتقاد بوجود روح انسانية فى المسيح , لهذا فإن اسئلة المعترض طافحة بكل غباوات أصحاب الطبيعتين ( أي القائلين بروحين في المسيح بصرف النظر عن كيفية الإتحاد المختلف حولها فيما بينهم ) ؟! 

       إن ما يقوله هذا اليعقوبى الغارق في أوحال النسطورية هو ذات ما قاله اسقف سلوقيا النسطورى للعلامة أوطيخا عندما قال بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 91 ).   

   الأمر الثابت فى أعمال مجمع خلقيدونية المنشور بالعربية والذى أثبت فيه إعتراف أوطيخا بالصيغة الإيمانية التى أثبتها المجتمعون في مجمعى أفسس الأول والثانى بقوله :

    " نعترف بالمسيح كلمة إلوهيم فى طبيعة واحدة إلهية " ( أعمال مجمع خلقيدونية بالعربية ص 28 - 33 ) ( البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان ف 6 ص 88 ).

     ويقول المؤرخ الإنجليزى شارب فى الجزء الثانى فصل 20  من تاريخه :

     " أن مذهب أوطيخا كان منطبقا تماما الإنطباق على مذهب الكنيسة المصرية فقام ديوسقوروس أسقف الإسكندرية له منتصرا " ( الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة الجزء الأول ص 460 ).

     واما قوله:  وكيف يدعى المسيح إنسانا وهو بلا روح بشرية؟.

     فمردود بأن كل من يتخذ هيئة الإنسان يدعى انسانا ولو كان ملاكا من السماء. أما المسيح الكلمة فقد شاركنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) آخذا شكل العبد ليظهر فى الهيئة كإنسان ليكون فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 – 8 ) فالمسيح ظهر فى الجسد ليكون شبيها بنا من حيث الشكل لا الجوهر ( غلاطية 1 : 1 , 11 – 12 ) أما بحسب الجوهر فهو الوهيم الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     هناك فرق بين البشر والمسيح. لأن إلوهيم يخلق روح كل إنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) أما روح المسيح فهى إلهية أزلية , لهذا فإن الكلمة في تجسده شاركنا فيما نشترك فيه جميعا ليصير مثلنا كما هو مكتوب : إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ) ليظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 ) وشتان بين الظهور في الهيئة كإنسان, والحلول في انسان.

    فإن حل الكلمة في انسان مولود من العذراء يدعى يسوع المسيح بحسب معتقد النساطرة , فهل يساغ أن يقال أن هذا الإنسان صار ربا وإلها, لأن إلوهيم حل فيه بكل ملء لاهوته من البطن كما حل على يوحنا المعمدان .

    بداهة لا .

    لأن إلوهيم لم يحل في انسان, بل اشترك فيما نشترك فيه جميعا أي اللحم والدم ( العبرانينن 2 : 14 ) صائرا في شبه الناس ليظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 6 , 8 ) وليس أنه انسان سكنه الكلمة أو تأنس به كما يزعم المعترض اليعقوبى .

    أما إن كانت روح المسيح إنسانية عاقلة كما يزعم المعترض فإن حلول إلوهيم فيه بصرف النظر عن كيفيته لن يحول هذا الإنسان المخلوق إلى إله إزلى معبود, ولن يجعلهما هذا الإتحاد أو الإئتلاف أو الإمتزاج إلها يعبد, فإن عبدوه كواحد له روح إنسانية عاقلة فقد حولوا سر العبادة العظيم إلى مجرد عبادة إنسان مثلنا, وإن عبدوه باعتبار أن روحه ممتزجة من روحين فقد عبدوا كائنا خرافيا ليس هو إلوهيم . 

    والواقع أنه حتى لو افترضنا جدلا إمكانية حلول الكلمة في روح انسانية حلولا تشخيصيا فإن هذا الحلول لا يسمى حلول تجسد ولا حلول نعمة أو موهبة بل حلول تقمص ينزه إلوهيم عنه, لأن التجسد معناه أن يتخذ الكلمة جسدا حيا بالدم الذى هو نفس حية أو حيوانية مثل أجسادنا ( كورنثوس الأولى 15 : 44 -50 ) ويجعله خاصا به وحده ويشخصه كما تشخص كل روح جسدها الخاص .

     ومن ثم فإن حلول الكلمة في روح انسانية عاقلة بأى كيفية ليس تجسد, ولا يقال عن مثل هذا الحلول أنه حلول تجسد حتى لو حل فى جسد هذا الإنسان وإلا لصارت لإلوهيم تجسدات كثيرة لأننا جميعا أي المعتمدين باسمه مملؤون من إلوهيم ( كولوسى 2 : 10 )( أفسس 3 : 19 ).

   ثم تسآل المعترض عن مصدر التعليم بأن للمسيح " طبيعة واحدة لاهوتية " أى روح واحدة إلهية ( رومية 8 : 2 , 9 – 11 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 2 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ) دون أن يقدم هو نفسه آية واحدة تثبت تعاليمه المضادة للحق الكتابى القائلة بأن روح المسيح إنسانية عاقلة حسب نسطور, أو أنها كانت الروح الإنسانية الوحيدة الغير مشخصة بعقلها الخاص لأن الكلمة قام مقامه في تشخيصها ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 ) بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية , أو أنها روح ممتزجة من روحين بحسب ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى إلى آخر ضلالات أصحاب الطبيعتين التي ينادى بها بالمخالفة للحق الكتابى.

 

البراهين على أن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية

     يقول القديس أثناسيوس الرسولى :

    أن الروح القدس يدعى روح المسيح ( رسائل أثناسيوس عن الروح القدس الكتاب الأول فصل 11 , 31 ).

 

     ويقول القديس كيرلس عمود الدين :

     أن المسيح هو المتكلم فى الرسل بالروح القدس الواحد معه فى الجوهر ( " تفسير إنجيل لوقا " الجزء الثانى عظة 63 ص 120 ) ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

    ويقول أيضا:

     أن المسيح سيحيى أولئك الذين يؤمنون به إذ هو الحياة بالطبيعة وهو يسكن فيهم ( " شرح إنجيل يوحنا " الجزء الثانى الفصل الرابع فقرة 36 ص 49 ).

 

     ويقول القديس أمبروسيوس:

     أن بولس الرسول يسمى روح إلوهيم روح المسيح حسبما نقرأ :

     " لأنكم لستم فى الجسد بل فى الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فهو ليس للمسيح, وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر " ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( امبروسيوس " الروح القدس " الكتاب الثالث فصل 9 فقرة 54 ص 31  ).

      وأيضا :

      أن روح إلوهيم هو روح المسيح ( امبروسيوس " الروح القدس " الكتاب الأول  فصل 4 فقرة 56 ص 29 ).

     كما أثبت كتاب أعمال مجمع خلقيدونية بالعربية إعتراف أوطيخا بالصيغة الإيمانية التى أثبتها المجتمعون في مجمعى أفسس الأول والثانى والموجودة بقررات مجمع أفسس الأول التي كان أوطيخا حافظا لها, وهى الصيغة التي أقرها في مجمع فلبيانوس بالقسطنطينية وأدين لتمسكه بها ورفضه الاعتراف بأن فى المسيح المولود من مريم شخص واحد هو شخص الكلمة الجامع للطبيعتين اللاهوتية والناسوتية معا ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 3 ف 4 ص 53 ) وهو اعتراف الإيمان الذى حدده ثيؤدورت أسقف قورش وأقره المجتمعون في مجمع خلقيدونية, ولما رفض أوطيخا هذه العقيدة وتمسك بالإقرار السليم للإيمان بقوله:

    " نعترف بالمسيح كلمة إلوهيم فى طبيعة واحدة إلهية " ( أعمال مجمع خلقيدونية بالعربية ص 28 - 33 ) ( البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان ف 6 ص 88 ).

    نسب له مجمع فلبيانوس ما استنتجوه من قوله هذا , وحرموه على زعم أن قوله بطبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد لما هو بطبيعتين بحسب معتقدهم معناه أن الطبيعة الواحدة الإلهية ابتلعت الإنسانية, وهو ما لم يقل به أوطيخا وأثبته بقوله: حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ) وهى عقيدة كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى. 

      ومن ثم فإن معتقده الذى برىء على أساسه في مجمع أفسس الثانى , والذى يتفق مع العقائد الصحيحة للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين هو أن للمسيح الكلمة المتجسد طبيعة واحدة إلهية.   

      هذه العقيدة تستمد قوتها الإيمانية ليس لأنها من تعاليم أثناسيوس الرسولى  أو كيرلس عمود الدين أو القديس أمبروسيوس بل لأن هذه التعاليم مستمدة ومؤسسة على الحق الكتابى وعلى صخرة أيماننا بأن يسوع المسيح هو إبن إلوهيم الحي.

      فاسم يسوع المسيح لا يخص انسان كما يعتقد الذين هلاكهم لا ينعس بل هو اسم إلوهيم ( يوحنا 17 : 26 ) الذى جاء في الجسد بحسب الحق الكتابى ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

     بناء عليه فإن كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد ، فليس من إلوهيم. وهذا هو روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) لأنه عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2: 14 ).

     فالمسيح ليس انسانا نال حلولا إلهيا  بل هو نفسه الكلمة المتجسد, لأننا لم نقبل الأنجيل من انسان بل من يسوع المسيح  ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ( يوحنا الأولى 5 : 20 ).

     فيسوع المسيح ليس انسان بل هو الكائن منذ الأزل في صورة إلوهيم وهو مساو للآب في الجوهر بحسب قانون الإيمان الرسولى, والحق الكتابى ( فيلبى 2 : 5 ).

     فروح المسيح بحسب الحق الكتابى إلهية ( رومية 8 :  9 - 11 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) وليست إنسانية ( غلاطية 1 : 1 ,12 ).

      أنتهينا فيما تقدم إلى إثبات أن للمسيح الكلمة المتجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ( يوحنا 1 : 14 ) روح واحدة إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ).

     أما المعترض فقد وجد جاهلا  بالحق الكتابى, وبأصول مذهبه المؤسس على فكرة أن روح المسيح الممتزجة من روحين ليست إنسانية حسب نسطور, وليست إلهية حسب أوطيخا, ولا هما معا حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية. بل هي روح جديدة ممتزجة من الروحين لا جنس لها خاصة بالمسيح أو بالإله المتأنس رغم أنهما عدما بعضهما البعض في الإمتزاج.

    وإذ هو جاهل أيضا بالفروق العقائدية  بين المذاهب النسطورية في شرح كيفية الإتحاد بين روح المسيح الإنسانية العاقلة, وروح إلوهيم. فقد وجد ساقطا في جميعها رغم تناقضها وتعارضها فيما بينها.

    ونظرا لعدم تمسك المعترض بصورة التعليم الصحيحة التي بحسب الحق الكتابى وانصرافه إلى اقتباس تعاليم مزورة منسوبة للقديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين دون تمييز بين الغث والسمين فقد أسلمه إلوهيم إلى ذهن مرفوض. لأنه بعد أن ذكر في غير موضع من مؤلفه بأن للمسيح روح إنسانية وعقل بشرى حسب نسطور ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 , 236 , 240 ) أخذ ينادى بحسب يعقوب البرادعى بطبيعة واحدة ( ممتزجة ) تجمع خصائص الطبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ) .

    ومن اليعقوبية انتقل إلى المنادة ببدعة ثيؤدورت أسقف قورش والتي تبناها مجمع خلقيدونية والقائمة على فكرة أن روح المسيح الإنسانية كانت بلا شخصية منذ وجودها وأن الكلمة شخصها وقام مقام العقل البشرى في تشخيصها. أي أنه لاشى عقلها البشرى وقام مقامه في تشخيصها منذ وجودها .

 

    وفى هذا يقول المعترض :

    " جاء أقنوم كلمة إلوهيم للتجسد. لم يضف شخصية أخرى ( أي عقل آخر ) على نفسه. بل شخص الطبيعة البشرية ( أي  الروح الإنسانية ) في أقنومه الخاص. السيد المسيح لم يأخذ شخصا بشريا ( أي عقلا بشريا ) ولكنه أخذ الطببعة البشرية ( الروح الإنسانية ) من العذراء التي ولدته. أقنوم الكلمة. أخذ الطبيعة البشرية ( أي الروح البشرية ) وصاغها فيه وصارت خاصة به شخصيا ( أي أن أقنوم الكلمة شخص الروح الإنسانية مبطلا عقلها البشرى وقام مقامه في تشخيصها وهذا معتقد خلقيدونية ) ( أنظر في ذلك الأب لويس برسوم الخلقيدونى " المسيح الإله والإنسان " الباب السابع ص 61 ) وأيضا ( كتاب ثيؤدورت أسقف قورش مؤسس بدعة خلقيدونية " الجامع للطبيعتين " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى  ومنشور بعنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " الكتاب الأول قسم 3 فصل 4 ص 56 ).

     "  في التجسد نؤمن ونعلم بالأقنوم ( الشخص ) الواحد ( أي أقنوم الكلمة المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية حسب المذهب الخلقيدونى ).

      ومن الخلقيدونية وبدعة الأقنوم الواحد أي أقنوم الكلمة المشخص للطبيعتين يعود سريعا إلى بدعة نسطور بالروح الإنسانية المشخصة بالعقل البشرى بالقول :

      ففيما يخص تجسده .. أخذ جسدا حقيقيا محييا بروح عاقلة ( أي أخذ انسان بروح إنسانية عاقلة بحسب نسطور ) من الطبيعة المخلوقة التي للعذراء مريم " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 ) .

    ومن الطبيعة الإنسانية العاقلة أي المشخصة بعقلها البشرى,  ينتقل إلى الطبيعة الإنسانية المشخصة بالكلمة, ومنها إلى الطبيعة الممتزجة من طبيعيتن المشخصة باقنوم ممتزج من اقنومين يجمع بين الذهنية البشرية والإلهية.

     والواقع أن القول بطبيعة واحدة لما هو من طبيعتين بحسب معتقدهم الفاسد غير جائز لأن الواحد والوحيد لا يكون مزيجا من أثنين أبدا , إلا أن النساطرة هددوا أوطيخا بأنه إن لم يقل مقولتهم بأن الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإنسانية والإلهية معا, فسيتهموه بأنه يقول بأن الطبيعة الإلهية للكلمة ابتلعت الطبيعة الإنسانية ولاشتها, فلما رفض اتهموه بما هدده به وحرموه لما هو برىء منه وهم ساقطون فيه لقولهم بأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية بما معناه أن ابتلع عقلها البشرى الذى به تدرك وجودها ولا شاه وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية أو الطبيعة الإنسانية التى إذا لاشينا عقلها ابطلنا جوهر وجودها نفسه.

    فخرج حكمهم على رأسهم لأن أوطيخا قال بطبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد, ولم يكن من أصحاب الطبيعتين وبالتالى لم يقل أن طبيعة لاشت الأخرى حال انهم هم الذين ابتدعوا الملاشاة بقولهم أن الكلمة هو المشخص للطبيعتين بما يعنى أن الكلمة لاشى العقل البشرى المشخص للروح الإنسانية وقام مقامه في تشخيصها, وبداهة أن الروح الإنسانية بدون عقلها البشرى الذى تدرك به ذاتها. لن تصير روحا انسانيةعاقلة , بل نفسا حيوانية غير عاقلة, لأن الحياة الغير عاقلة ليست روحا بل نفس حيوانية بائدة. 

     والواقع أن طبيعة المسيح الإلهية الأزلية بحسب الحق الكتابى هى طبيعة بسيطة لا تقبل الاختلاط أو الإمتزاج بغيرها , ومن ثم فإن عقائد أصحاب الطبيعتين القائمة على الإتحاد والإختلاط والإمتزاج بين الجواهر والطبائع والأشخاص لا تخرج عن كونها خرافات عجائزية وأساطير يونانية لا تمت للحق الكتابى بصلة.

   لأن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين عاقلتين وإن كان يمثل خرافة من الخرافات اليونانية إلا أنها تعنى أن الطبيعتين العاقلتين امتزجتا كأنهما عناصر مادية ونشأ من هذا المزيج طبيعة جديدة تجمع صفات وخواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهم أو معا, ومن ثم لا يصح أن يقال عنها أنها إنسانية ولا إلهية ولا هما معا ( العلامة ابن المكين " الحاوي " ص 45 ) .

     والواقع أن القول بأن للمسيح روح إنسانية عاقلة بعد القول بأن فى المسيح روح واحدة من روحين, معناه أن هذه الروح الإنسانية قد امتزجت بالطبيعة الإلهية ولاشتها رغم أستحالة ذلك إذ يستحيل أن يلاشى الأضعف الأقوى, فضلا عن أن ملاشاة اللاهوت معناه ملاشاة الوجود ذاته, أيا كان الأمر فإن هذه البدعة تقف على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

     ونحن وأن كنا نتكلم هكذا فإننا نجارى الهراطقة معتقداتهم لإظهار فسادها وأيضا لإثبات فساد منطقهم.

     وأما على أرض الواقع فإن جميع تعاليمهم لا تخرج عن الإطار النظرى الذى لا يخرج عن كونه خرافات وأساطير يونانية, لأن الأرواح ليس عناصر مادية تقبل الإتحاد والإختلاط والإئتلاف فهذه جميعا من مخلفات أساطير اليونانيين الوثنية المضادة للحق الكتابى والبساطة التي في المسيح والجواهر العاقلة عموما, وهذا ما حذر منه بولس الرسول بقوله:

     " لكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها ، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح. فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به ، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه ، أو إنجيلا آخر لم تقبلوه ، فحسنا كنتم تحتملون " ( كورنثوس الثانية 11 : 3 – 4 ).

      والواقع أن هذا التخبط حتى داخل المذهب الواحد بين الإقرار بالروح الإنسانية المشخصة بعقلها البشرى, والروح الإنسانية المشخصة بالكلمة أو بين الروح الممتزجة المشخصة بالكلمة أو بكلمة من كلمتين يكشف عن كم الإختلاف والتعارض فيما بين المذاهب النسطورية المختلفة بما يقوم برهانا على فسادها جميعا, لأن جميعها بنيت على باطل, وما بنى على باطل هو باطل.

     ومن الأخطاء اللاهوتية التي وقع فيها المعترض أيضا كنسطورى قوله:

    " أن الكلمة أخذ جسدا محييا ( أي جسد مقام من الموت ) بروح إنسانية عاقلة من الطبيعة المخلوقة التي للعذراء مريم " ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 )

     وهذا معناه أن روح المسيح الإنسانية كانت روحا محيية حال أن الروح المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى والحق الكتابى هو الروح القدس الرب المحيى , فضلا عن أن وصف جسد المسيح بأنه كان محييا يعنى أنه لم لم يكن حيا بالدم بل كان مقاما من الموت بروح إنسانية محيية للجسد بعد مماته.

     وهذا جهل حتى بالمعنى اللغوى لمفهوم الجسد المحيي أي الجسد المقام من الموت بروح إلوهيم ( حزقيال 37 : 14 ) الذى هو الروح القدس ( رومية 8 : 11 ) الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى نحيا به ويحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ).

     أما الروح الإنسانية المخلوقة فليست محيية على الإطلاق, ولو كان للروح الإنسانية هذه القدرة لما مات الجسد الحى بالدم أبدا , لأنه في هذه الحالة فإن الجسد وإن مات بموت الدم لكنه سيصير محييا بالروح المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ) الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ).

     لهذا فإن جميعنا يحتاج إلى روح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 45 : 15 ) لنحيا به (غلاطية 2 : 20 ) لهذا فإن روح الحياة الذى فى المسيح يسوع سيخلصنا من حكم الخطية والموت .. بإحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :  2, 9 – 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا.

     والواقع أن مجرد قول المعترض بأن روح المسيح إنسانية معناه أن المسيح إنسان لا إله, وهذا معناه إنكار لاهوت المسيح, وبالتالي إنكار تجسد إلوهيم ومجيئه فى الجسد بالمخالفة للحق الكتابى الذى يثبت أن العذراء ولدت ابن إلوهيم ولم تلد إنسانا  بروح انسانية عاقلة احتجب بها ابن إلوهيم وتأنس بها كما يزعم أضداد المسيح.

       والواقع أيضا أن الحق الكتابى واضح في إثبات أن روح المسيح إلهية ( رومية 8 :  9 , 10 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) وليست إنسانية ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) وأن المسيح هو ابن إلوهيم وليس إنسانا نال حلولا إلهيا كما يزعم النساطرة بمختلف مذاهبهم بصرف النظر عن اختلافهم في تفسير كيفية  هذا الإتحاد المزعوم.

      والواقع أيضا أنه لا يوجد نص كتابى واحد يقول أن روح المسيح إنسانية أو أن إلوهيم الكلمة اتحد بإنسان, أو أنه وحد انسانا معه في اللاهوت بأى كيفية كما يزعم النساطرة بمختلف مذاهبهم.



الإعتراض الثانى

على أن  روح المسيح هو الروح القدس

      يقول المعترض :

      إن كان روح المسيح هو الروح القدس فكيف يقول " ولكن إن ذهبت أرسله إليكم " ( يوحنا 16 : 7(   كيف سيرسل نفسه؟

     وأيضا إذا كان روح المسيح هو الروح القدس فكيف يقول المسيح عن الروح القدس أنه معزياً أخر. فإن كان هو نفسه. فكيف يكون أخر ؟!

     وأيضا إن كان المسيح هو نفسه الروح القدس فكيف يقول الكتاب أنه فى العماد " وإذا السماوات قد انفتحت له. فرأى روح إلوهيم نازلا مثل حمامة وآتيا عليه " ( متى 3 : 16 ) فكيف ينزل مثل حمامة ويقف فوق نفسه؟

 

إن كان روح المسيح هو الروح القدس فكيف سيرسل نفسه؟

 

   يقول  المعترض:

   إن كان روح المسيح هو نفسه الروح القدس فكيف يقول :

   " ولكن إن ذهبت أرسله إليكم " ( يوحنا 16 : 7(   كيف سيرسل نفسه؟

 

       هذا الإعتراص مردود بالقول : ألم يقرأ المعترض قول الرب يسوع المسيح:

     " الذي يراني يرى الذي أرسلني " ( يوحنا 12 :45 ).

       هذا القول معناه أن من يرى المسيح المرسل يرى الراسل أيضا , لأن صورة الابن هي ذات صورة الآب, لأن الأبن صورة أبيه من حيث الجوهر والشكل, فالمولود من الروح هو روح , والمولود من الجسد هو جسد . فمن يرى الابن يرى الآب أيضا لأن الابن هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره , من رآه فقد رأى الآب بسبب وحدة الصورة والجوهر .

     وهذا معناه أن الراسل والمرسل واحد فى الجوهر, لأن صورة الابن هى ذات صورة الآب المولود منه أزليا وهى أيضا ذات صورة الروح القدس المنبثق من الآب أزليا . فالثالوث ثلاثة أوجه لشخص واحد, وصورة واحدة , واسم واحد.

       فإلوهيم ليس ثلاثة أشخاص منفصلين كما يظن المعترض. بل هو شخص واحد مثلث الأوجه أى الأقانيم.

    لهذا قيل أنه حيث أقنوم الابن هناك أقنوما الأب والروح القدس, ولا يقال أن الابن أى المسيح تجسد بمعزل عن الآب والروح القدس فهذا باطل نقلا وعقلا .

     لأنه فى المسيح يسوع الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) حل كل ملء اللاهوت جسديا ( كولوسى 2 : 9 ).

       والواقع أن المعترض عندما سألنا قائلا :

      إن كان روح المسيح هو نفسه الروح القدس فكيف يقول " ولكن إن ذهبت أرسله إليكم " ( يوحنا 16 : 7(   كيف سيرسل نفسه؟

      المعترض طرح سؤاله لاعتقاده بأن روح المسيح ليست إلهية بل إنسانية وبما أنها إنسانية فهى التى سترسل معزيا آخر هو الروح القدس؟!

     روح انسانية محدودة غير محيية للجسد الحيوانى أى الحى بالدم الذى تمسك منه كما فى سجن إلى الأبد بمجرد موته هى التى سترسل غير المحدود إلينا.

     مما تقدم يتضح أن المعترض لم يسألنا هذا السؤال لنبين له كيف سيرسل المسيح روحه إلينا. ولكن طرحه لعدم إيمانه بأن الروح القدس يأتى باسم المسيح لأنه روح المسيح ( يوحنا 14 : 26 ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) فالروح القدس هو روح الحق الذى عرفه التلاميذ لأنه ماكث معهم ( فى أيام جسده ) ويكون فيهم ( يوحنا 14 : 17 ) بروحه ليحيوا به.

     وفى هذا يقول بولس الرسول : فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى ( غلاطية 2 : 20 ) أى بروحه الساكن فيه, لأن إلوهيم أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) لا لكى نحيا بروح إنسانية, ولا لكى تحييه روح إنسانية بحسب بدع أضداد المسيح, لهذا فإن من رأى المسيح المرسل فقد رأى الذى أرسله ( يوحنا 12 : 45 ) لأن الراسل والمرسل واحد.

إن كان الروح القدس هو روح المسيح فكيف يقول أنه معزياً أخر؟

    وأما عن قول المعترض :

    بأنه  إذا كان روح المسيح هو الروح القدس فكيف يقول المسيح عن الروح القدس أنه معزياً أخر. فإن كان هو نفسه. فكيف يكون أخر ؟!

    فمردود بأن المسيح هو اقنوم الكلمة المتجسد وعندما كان على الأرض كان هو المعزى, وعندما صعد أرسل اقنوم الروح القدس المعزى. لهذا قال أنه سيرسل اليهم معزيا آخر يمكث معهم إلى الأبد .

   أم لماذا قال المسيح عن الروح القدس بأنه معزيا آخر . فللدلالة على أنه هو أيضا يسمى بالمعزى وهذا معناه أن الابن لم يأت باسم والروح القدس باسم آخر. بل أتى كليهما باسم واحد لسبب وحدة الجوهر. لهذا كما أن الروح القدس يسمى " باركليت " هكذا الابن أيضا يسمى باركليت أى معزى بدليل قوله " أنا أطلب من الآب ( المعزى ) فيعطيكم معزيا آخر " ( يوحنا 14 : 16 ) وقوله معزيا آخر دليل على أن وحدة الاسم بسبب وحدة الجوهر. لا تبطل تمايز الأقانيم فى الثالوث.

 

إن كان الروح القدس هو روح المسيح فكيف حل على نفسه كحمامة؟

     واما عن  قول المعترض :

    إن كان المسيح هو نفسه الروح القدس فكيف يقول الكتاب أنه فى العماد " وإذا السماوات قد انفتحت له. فرأى روح إلوهيم نازلا مثل حمامة وآتيا عليه " ( متى 3 : 16 ) فكيف ينزل مثل حمامة ويقف فوق نفسه؟

    هذا الاعتراض يكشف عن جهل المعترض بالحق الكتابى وبطقوس الكنيسة وعقيدتها التى تعيد لهذا الظهور وتدعوه بعيد الظهور الإلهى حيث ظهر الثالوث كاملا الأب من السماء يشهد للابن في الأردن بأنه ابنه الحبيب , والروح القدس يحل عليه ليعرف يوحنا أن هذا هو ابن إلوهيم ( يوحنا : 1 : 32 - 34 ) لهذا شهد يوحنا ليسوع  قائلا: هو ذا حمل إلوهيم الذي يرفع خطية العالم ( يوحنا : 1 : 29 ).

     وأيضا لا يقال إن كان المسيح هو صورة الآب. لقوله : أنا والآب واحد, ومن رآنى فقد رأى الآب . فكيف شهد له الآب. هل شهد لنفسه؟ , وعلى نفس المنوال لا يقال كيف ينزل في هيئة جسمية مثل حمامة ويقف فوق نفسه.

     هذه الأسئلة تكشف عن ذهن طافح بالجهالة بالحقائق الكتابية المتعلقة بالثالوث, فضلا عن أن من يقول بها يكذب شهادة الآب للابن : بأنه ابنه الحبيب, وينكر الظهور الإلهى الذى فيه الآب يشهد للابن بالروح القدس. معتقدا أن الابن الواحد مع الآب في الجوهر مخلوق, وأن الثالوث ليس واحد في الجوهر بل ثلاثة اشخاص كل قائم بذاته , حال ان الثالوث شخص واحد. فشهادة الأب للأبن هي لأجلنا. ولا تعنى أنهما شخصان منفصلان.  لهذا قال المسيح ابن إلوهيم الوحيد:

       أنا هو الشاهد لنفسي ، ويشهد لي الآب الذي أرسلني .. لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضا ( يوحنا 8 : 18 – 19 )  ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ( بوحنا 14: 7 ) لأنه والآب واحد ( يوحنا 10 : 30 ) من رآه فقد رأى الآب ( يوحنا 14 : 9 ) وأيضا من رآه فقد رأى الذى أرسله ( يوحنا 12 : 45 ).

   وأيضا قال :

   من أجلكم أقدس أنا ذاتى ( يوحنا 17 : 19 ).

   لأنه ينبغى أن يتمم فى جسد بشريته كل بر.

     أما إن كان المسيح مجرد إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة كما يزعم المعترض فهل كان يمكن أن يقال عند مجيئه للعماد من يوحنا مثل سائر البشر :

    " وإذا السماوات قد انفتحت له. فرأى روح إلوهيم نازلا مثل حمامة وآتيا عليه وصوت من السموات يقول هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت " ( متى 3 : 16 ) .

     لو كان المسيح مجرد انسان مثلنا فلا يكون ابن إلوهيم الوحيد الذى ارسله الآب إلى العالم لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) , ولا يكون صورة إلوهيم منذ الأزل ولا مساويا للآب في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) ومن ثم لا يمكن أن يشهد له الآب قائلا: " هذا هو ابنى الحبيب له اسمعوا " بل لسمع القول :

     " الجميع زاعوا وفسدوا واعوزهم مجد إلوهيم ليس من يصنع صلاحا ليس ولا واحد ".

        فالابن المشهود له إذن ليس مخلوق مثلنا. لأن المخلوق لا يخلص نفسه فكيف يخلص غيره هؤلاء استبدلوا مجد المسيح الذى لا يموت بشبه انسان يموت ( رومية 1 : 21 – 25 ) فتم فيهم القول : بمن تشبهونني وتسوونني وتمثلونني لنتشابه .. يخرون ويسجدون .. من شدته لا يخلصه .. اذكروا الأوليات منذ القديم ، لأني أنا إلوهيم وليس آخر . الإله وليس مثلي .. اسمعوا لي يا أشداء القلوب البعيدين عن البر قد قربت بري، لا يبعد . وخلاصي لا يتأخر ( أشعياء 46 : 5 -13 ).

     لأنه هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية ( يوحنا 3 : 16 ) بهذا أظهرت محبة إلوهيم فينا : أن إلوهيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به . في هذا هي المحبة : ليس أننا نحن أحببنا إلوهيم ، بل أنه هو أحبنا ، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا ( يوحنا الأولى 4 : 9 – 10 ).

   والواقع أن وجه العجب في هذه الاعتراضات. هو أنها لم تصدر من شخص غير مسيحى حتى نلتمس له العذر . بل من شخص يفترض فيه أنه مسيحى وإكليريكى. فكيف لمثله أن يجهل الحق الكتابى القائل : من رآنى فقد رأى الذى أرسلنى ( يوحنا 12 : 45 ).

     أم لعله يسأل كيف أرسل نفسه ؟ على نمط كيف ينزل مثل حمامة ويقف فوق نفسه؟

     من الواضح أن هذا اليعقوبى ومن يسلك مسلكه قد تم فيهم قول الكتاب:

     لأنهم لما عرفوا إلوهيم لم يمجدوه أو يشكروه كإله ، بل حمقوا في أفكارهم ، وأظلم قلبهم الغبي, وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء, وأبدلوا مجد إلوهيم ( صورة إلوهيم كإبن إنسان ) الذي لا يفنى ( لا يموت لأنه روحا محييا ) بشبه صورة إنسان يفنى ( يزعم أصحاب الطبيعتين بأن العذراء لم تلد المسيح الكلمة بل ولدت انسانا مثلنا يدعى يسوع المسيح بروح انسانية عاقلة احتجب بها الكلمة وتأنس بها, وأنه يموت بخروج روحه الإنسانية منه وبعودتها إليه ترده حيا, وهذه جهالة لأن الجسد الحيوانى يحيا بالدم لا بروح انسانية تمسك منه بموت الدم الذى هو نفس حية هى علة حياة الجسم الحيوانى, وأننا سنقوم بروح المسيح المحيى الذى أبطل موت جسده الخاص كما أبطل موت اجسادنا بروحه الساكن فينا الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا فتصير اجسادنا روحانية أى مقامة بروح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى ) ( رومية 1 : 21 - 23 ) ( رومية 8 : 2 , 9 – 11 )( كورنثوس الأولى 15 : 44 – 50 ).

     لأنه إن كان المسيح إنسان مثلنا وله روح إنسانية عاقلة مثلنا وحل في جسده كل ملء اللاهوت ( كولوسى 2 : 9 )  بحسب معتقد هذا اليعقوبى الذى يردد أقوال نسطور, فلن يكون هناك فرق بيننا وبين مسيح نسطور, لأننا نحن أيضا مملوؤون فيه ( كولوسى 2 : 10 ) بكل ملء إلوهيم ( أفسس 3 : 19 ) وحتى أن قيل أنه إمتلاء بكل ملء اللاهوت من البطن فلن يكون هناك فرق بينه وبين يوحنا المعمدان الذى امتلاء من الروح القدس من البطن ( لوقا 1 : 15 ).

     والخلاصة انه إن كان المسيح مجرد إنسان مثلنا فلا يكون ابن إلوهيم الوحيد الجنس ولا يقدر أن يحيي نفسه ولا أن يحيينا بإقامة جسده أو أجسادنا من الموت.

       وإن كانت روح المسيح إنسانية بحسب زعم المعترض فستكون محدودة ومن ثم لا يستطيع أن يرسلها لتملاء الكل بسبب محدوديتها ( أفسس 4 : 9 – 10 ).

     وإن كان المسيح مجرد إنسان نظيرنا بروح انسانية مخلوقة فكيف يستطيع أن يرسل الروح القدس باسمه أى باسم المسيح ليحل على التلاميذ فى يوم الخمسين ليهب الرسل مواهب روحية تعينهم على الكرازة باسمه فى كل المسكونة.

     لو كانت روح المسيح انسانية فإنها تعجز عن فعل ذلك , أما ان كانت روح المسيح هي روح  إلوهيم غير المحدود فإنه يستطيع أن يرسل روحه لتهبنا مواهب الروح القدس  الذى يرشدنا إلى جميع الحق لأنها روح الحق أي روح المسيح. الذى نحيا به ويحيا فينا بالمعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح بروحه المحيى. أو كما يقول بولس الرسول :

     مع المسيح صلبت ( أى فى المعمودية ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) .

      فهل لو كانت روح المسيح إنسانية محدودة وليست الروح القدس غير المحدود هل كان بولس الرسول يتجاسر ويقول : مع المسيح صلبت, فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في, كيف يحيا فيه وهى روح انسانية محدودة مثله, وهل بشر بولس بعبد مثله ألم يقل :

    إن كان إنجيلنا مكتوما ، فإنما هو مكتوم في الهالكين, الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين ، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح ، الذي هو صورة إلوهيم, فإننا لسنا نكرز بأنفسنا ، بل بالمسيح يسوع ربا ، ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من أجل يسوع, لأن إلوهيم الذي قال : أن يشرق نور من ظلمة ، هو الذي أشرق في قلوبنا ، لإنارة معرفة مجد إلوهيم في وجه يسوع المسيح ( كورنثوس الثانية 4 : 3 – 6 ).

      إن كانت روح المسيح إنسانية محدودة  فإنها لن تستطيع أن تحييه هو نفسه بل ستمسك مثل سائر أرواح البشر من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) إما إن كانت روح المسيح إلهية فإنها تكون بالحق روح الحياة القادرة على أن تعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) فنحيا به ويحيا فينا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

    ويقول المسيح أيضا : وأما المعزي ، الروح القدس ، الذي سيرسله الآب باسمي . فهو يعلمكم كل شيء ( يوحنا 14 : 26 ).

      وهذا معناه أن الآب سيرسل الروح القدس باسم المسيح. أي أن الروح القدس يأتي باسم المسيح لأنه روح المسيح, وهذا ما أثبته بطرس الرسول  بقوله عن روح المسيح المتكلم فى الأنبياء الذين تنبأوا منذ القديم عن النعمة التي لأجلنا. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم ( بطرس الأولى 1 : 11 ).

      إن هذا اليعقوبى لم يدرك معنى قول الرب لتلاميذه عن الروح القدس بأنه روح الحق الذى لم يراه العالم ولم يعرفه. أما هم فيعرفونه لأنه معهم ويكون فيهم. أنه يتكلم عن نفسه. أنه هو نفسه روح الحق الذى لم يعرفه العالم. أما هم أى تلاميذه فعرفوه لأنه قائم بينهم وسيكون فيهم بروحه.

     لعله عندما يقرأ هذه الأقوال يقول لنفسه إن كانت روح المسيح انسانية فكيف يقول عن نفسه أنه روح الحق, وكيف عرفه التلاميذ ولم يعرفه العالم, وكيف يكون بينهم وهو روح,  وكيف يكون فيهم وهو بينهم؟

     أحرى به أن يسأل نفسه كيف يصير الابنين ابنا واحدا وكيف تصير الروحين روحا واحدة وكيف يتكون من الجوهرين العاقلين جوهرا واحدا.

     إن هذا اليعقوبى لم يفهم معنى قول بولس الرسول :

     " مع المسيح صلبت,  فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى " ( غلاطية 2 : 20 ).

       كيف يحيا المسيح في بولس الرسول إن كانت روحه إنسانية أو ممتزجة, وليست إلهية , وكيف أرسل المسيح روحه المحدودة إلى بولس لتحييه إن كانت إنسانية أو ممتزجة من طبيعتين      

   إن كانت روح المسيح إنسانية أو ممتزجة من طبيعتين فإنها ستكون محدودة سواء كانت مفردة أو ممتزجة بغيرها . فكيف سيحيا بها بولس؟ بل كيف ستحيا بها البشرية؟

     أحرى به أن يسأل نفسه كيف قبل جميع مذاهب اصحاب الطبيعتين رغم تعارضها وفسادها على أنها تعاليم الأباء:

      بأى منطق قبل هذه المتناقضات بقوله :

       أن الطبيعة الواحدة لإلوهيم الكلمة المتجسد تجمع خصائص الطبيعتين بغير امتزاج ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

      والواقع أن يقصد بالطبيعة الواحدة المجردة - دون القول من طبيعتين - الطبيعة الإلهية أى الروح القدس الذى هو روح المسيح الكلمة المتجسد.

        أما القول بطبيعة واحدة من طبيعتين فهذا معناه بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى أن هذه الطبيعة  طبيعة جديدة لا يصح أن يقال عنها انها انسانية ولا إلهية ولا هما معا. بل هى طبيعة خاصة بالمسيح أى أنها طبيعة لا جنس لها .

 

     أما المعترض اليعقوبى فيقول :

     أن الطبيعة الواحدة المتجسدة للكلمة تجمع خصائص الطبيعتين بغير امتزاج, ولم تنهدم خصائص الطبيعتين بسبب الإتحاد ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

  كيف تكون طبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( حسب معتقد ساويرس الأنطاكى وليس بحسب المعتقد اليعقوبى ) تجمع خصائص الطبيعتين بما يعنى امتزاج الطبيعتين ثم يقول بدون امتزاج , كيف ؟!!!

     كيف تمتزج الطبيعتين ( الروحين ) فى طبيعة واحدة ممتزجة من الطبيعتين وتجمع خصائص الطبيعتين دون أن يمتزجا.

    إذا لم يمتزجا فإن الطبيعة ( الروح ) الجديدة لن تجمع خصائص الطبيعتين ( الروحين ) وتكون كل طبيعة عاقلة قائمة بذاتها بدون امتزاج أو إئتلاف, وهذا معتقد نسطور الذى تم حرمه فى مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية.

    وإذا امتزجا ونشأت طبيعة جديدة واين جديد من الابنين فهذا معتقد يعقوب البرادعى ( العلامة اليعقوبى ابن المكين " الحاوي " ص 44 – 45 ).

    ثم لم يلبث هذا اليعقوبى أن نفض عنه كل ما تقدم  ونادى بمعتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية بقوله:

   أن أقنوم الكلمة شخص الطبيعة ( الروح ) البشرية فى أقنزمه الخاص .. لم يأخذ شخصا بشريا ( أى لم يأخذ العقل البشرى ) ولكنه أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية من العذراء التى ولدته ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

   أى أن الروح البشرية مكون جسدى كالنفس الحية أى الدم لخلطه كنسطور بين الروح والنفس الحية التى فى الدم التى هى علة حياة الجسد الحيوانى.

    ثم نفض عنه المذهب الخلقيدوني ونادى ببدعة جديدة بقوله :

   أن أقنوم الكلمة أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية وصاغها فيه وصارت خاصة به شخصيا طبيعة واحدة من طبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

    وهذا معناه أن أقنوم الكلمة شخص الروح الإنسانية وصيرها روحه الخاصة, روح واحدة من روحين , وهذا معناه  أن الروح الإنسانية المشخصة بالكلمة ابتلعت الروح الإلهية . بحيث لم يبقى بعد الإمتزاج سوى روح انسانية مشخصة بالكلمة من الروحين.     

     ثم  استطرد قائلا :

    بوجود اتحاد أقنومى  بين اللاهوت والناسوت ( اى بين الأبن الأزلى والابن الزمنى ) وأن الإتحاد الأقنومى ( أى بين الإبنين ) يعنى الأقنوم ( الأبن ) الواحد ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

     وبداهة أنه لا يوجد اتحاد اقنومى بين أقانيم من جواهر مختلفة, لأن الجواهر الروحية العاقلة هى جواهر بسيطة غير مركبة وهى ليست عناصر مادية تقبل الإختلاط والإمتزاج أو الإضافة والنقص بحسب عقائد أصحاب الطبيعتين.  

 

  

الإعتراض الثالث

كيف يدعى المسيح إنسانا وهو بلا روح بشرية؟

 

     طرح علينا هذا اليعقوبى الرافض للحق الإلهى سؤالا من منظور عقيدته الإثنينية قائلا:

   كيف يدعى المسيح إنسانا وهو بلا روح بشرية.

    هذا الإعتراض مردود بالقول : وكيف ندعى آلهة ( يوحنا 10 : 34 )  وأرواحنا ليست إلهية ؟

    المسيح دعى إنسانا باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وظهر في الهيئة كإنسان. صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 7  - 8 ) ولم يتخذ انسان.

    ولو كان اسم يسوع المسيح خاصا بإنسان مثلنا لما قيل أنه جاء في الجسد,  وأن كل من لا يعترف بذلك هو ضد للمسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) من ذلك يتضح ان اسم يسوع المسيح الذى جاء في الجسد هو اسم مرادف لإسم إلوهيم الذى ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأول 3 : 16 ) ولم يظهر في إنسان. لأننا لم نقبل الإنجيل من إنسان بل من يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 1 , 12 )

    وقد دعى المسيح بابن الإنسان بسبب صورته الإنسانية التي هي صورة إلوهيم التي له قبل أن يخلق الإنسان على صورته كشبهه. الأمر الذى أعلنه بولس الرسول بقوله: ليكن فيكم هذا الفكر الذى في المسيح يسوع الذى إذ كان في صورة إلوهيم. لم يحسب مساوته لإلوهيم اختلاسا.

    فصورة المسيح هي صورة إلوهيم منذ الأزل, وهى نفسها التي شكل جسده على صورتها حتى أن من يراه يرى صورة الآب.

    أما قول المسيح إبن إلوهيم عن نفسه أنه ابن إنسان فهذا معناه أن صورته إنسانية دون أن يعنى ذلك أنه من جوهر البشر.

    فالمسيح خلق الإنسان على صورته كشبهه ونفخ في أنفه نفس حياة فصرنا جميعا نتنفس من أنوفنا بسبب نفخة المسيح في أنف آدم ( مراثى أرميا 4 : 20 ) وهذا معناه أن صورة المسيح قبل تجسده إنسانية وأنه خلقنا على شبه صورته, أما جسده فجعله على ذات صورته التي خلقنا على شبهها, لهذا قال لتلاميذه " فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 62 ).

     وهذا برهان على أن صورة المسيح كابن انسان هي ذات صورة إلوهيم, وأنه بعد أن أكمل كل شيء سيعود من حيث جاء أولا.

      من ذلك يتضح أن صورة المسيح كابن انسان هي ذات صورة إلوهيم الذى ظهر في الجسد.

       أما أقوال المعترض فيما يتعلق بطبيعة المسيح فمتضاربة فتارة يزعم أنها إنسانية وفقا لنسطور, وتارة أنها ممتزجة من طبيعتين وفقا لساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى.

   مما تقدم يتضح أن يسوع المسيح ليس إنسان بل إلوهيم الظاهر في الجسد, وفى هذا يقول بولس الرسول:

     بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح ( غلاطية 1 : 2 ).

     وأيضا :

     " البشارة التى بشرت بها لم أقبلها من إنسان بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح " ( غلاطية 1 : 12 ).

     فى هذه الآيات أعلن بولس الرسول تصريحيا أن يسوع المسيح ليس إنسان من حيث الجوهر. لهذا لم يقبل الإنجيل من إنسان بل من إلوهيم الظاهر في الجسد الذى ظهر له وأرسله وأوحى إليه الإنجيل الذى بشر به.

     وقد قطع بولس الرسول الطريق على النسطورية قبل أن توجد مثبتا ما سيتحد به المسيح ابن إلوهيم فى تجسده بأجلى بيان بالقول :

     فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم ( أى مكونات الجسد الحى بالدم ) اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ) ليكون قابلا للموت, ولكن إذ هو غير مائت بالطبيعة لأنه روح محيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) لهذا فإن ناموس روح الحياة الذى هو الروح القدس المحيى فى المسيح يسوع إذ إلتقى بالموت فى جسده الخاص أبطله فصار الجسد محييا أى مقاما من الموت بالروح القدس.

     فالمسيح وحده هو الذى حطم قيود الموت ونسفه من داخله. أي أباده  .. " إذ لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ) لأنه بالطبيعة الحياة. فكيف يمكن أن يسود عليه الفساد, وكيف يمكن لمن فيه نحيا ونتحرك ونوجد أن يخضع لحتمية الفساد الذى خضعت له الطبيعة البشرية الساقطة؟ أليس من السهل عليه كإله أن يبعث الحياة من جديد حيث ساد الموت " ( كيرلس الإسكندرى " آلام المسيح وقيامته في إنجيل القديس يوحنا " ص 92 )   

     من ذلك نرى أن يسوع المسيح ابن إلوهيم المساو لأبيه فى مجد اللاهوت هو الذى أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس, وليس إنسان اتحد به الكلمة كما يزعم الذين هلاكهم لا ينعس.

      أما بالنسبة للمعترض فإنه إذ هو جاهل ليس فقط بالحق الكتابى بل وبعقائد مذهبه  اليعقوبى القائم على أساس أن للمسيح روح ممتزجة من روحين ليست إنسانية ولا إلهية. إلا أن المعترض ناقض ذلك بقوله بأن للمسيح روح إنسانية عاقلة من الطبيعتين , وهذا معناه أن الروح الإنسانية امتزجت بالطبيعة الإلهية ولاشتها, رغم استحالة ذلك حتى لبدعة مستحيلة أصلا.

    ثم شرع هذا  اليعقوبى يجدف على روح المسيح ابن إلوهيم بالقول بانها إنسانية مخلوقة وليست إلهية . ثم نسب للقديس كيرلس مقولة ساويرس الأنطاكى القائلة بطبيعة واحدة من طبيعيتن ( أي روح ممتزجة من روحين ) للكلمة المتجسد.

     وبصرف النظر عن عدم صحة تلك النسبة. فكيف يوفق بين الضدين. إذ لا يمكن أن تكون الروح الإنسانية  العاقلة, هي عينها الروح الواحدة الممتزجة من روحين المشخصة بالكلمة.

     ثم أين هى الروح الإنسانية العاقلة في القول بأن روح المسيح الممتزجة من روحين مشخصة بالكلمة.

     والواقع أن هذا اليعقوبى يجهل أن الروح الواحدة الممتزجة من روحين حسب المذهب اليعقوبى ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا.

     والحق أن هذا اليعقوبى أوقعنا في حيرة بسبب جهله. لأننا لا نعلم  إلى أي بدعة من بدع أصحاب الطبيعتين ينتمى. إذا الواضح أنه سقط لجهله في جميع بدع أصحاب الطبيعتين فضلا عن سقوطه في بدعة جديدة على الوجه السالف بيانه.

     والواقع أن هذا اليعقوبى لا يستطيع أن يدرك أبسط الحقائق المنطقية وهى أنه      إذا كان المسيح إنسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة فإن حلول إلوهيم فيه لن يحوله إلى إله يعبد, بل يحول سر عبادتنا العظيم إلى عبادة إنسان مائت مثل سائر البشر.

    لأن كل من يتصور أن إلوهيم يمكن أن يشرك إنسان في مجده يضل إذ لا يعرف الكتاب القائل أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر ( أشعياء 42 : 8 ) وكرامتي لا أعطيها لآخر ( أشعياء 48 : 11 ).   

     وعلى هذا فإن هذا اليعقوبى ومن على شاكلته رغم أنهم عرفوا أن المسيح هو إلوهيم إلا أنهم لم يمجدوه أو يشكروه كإله. بل انحطوا في تفكيرهم إلى الحماقة وصار ذهنهم لغباوته مظلما. وفيما يدعون أنهم حكماء صاروا جهالا, واستبدلوا مجد إلوهيم الذى لا يموت بشبه صورة إنسان يموت .. فاستبدلوا حق إلوهيم بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد آمين ( رومية 1 : 21 - 25 ).  

      إذا كان المسيح إنسان متحد بإلوهيم فلا يجوز أن نسميه إلوهيم بل إنسان نظيرنا لأننا نحن أيضا متحدين بإلوهيم لأننا جميعا هياكل لإلوهيم وروح إلوهيم يسكن فينا.

    فالكلمة شاركنا في اللحم والدم ليأخذ جسدا قابلا للموت مثل أجسادنا حتى متى إلتقى الذى هو النور والحياة بالظلمة والموت أبطلهم فورا, وهكذا الذى لا يعرف الموت لأنه الحياة والمحيى وإن تألم في الجسد إلا أنه ظل فوق تأثير الموت لأنه الإله .

     لذلك توصف آلام المسيح بأنها شبه موت .. لأن الكلمة كان حيا رغم أن جسده ذاق الموت وهكذا أباد الموت ونالت الإنسانية قوة القيامة ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 12 ص 88 )

    فجسد الكلمة كان حيا رغم أنه ذاق موتنا بسبب ضعفه وقابليته للموت. إلا أن الجسد بسبب الكلمة الذى فيه صار غير قابل للموت . لهذا قيل أنه كان مماتا فى الجسد ( بموت الدم ) ولكن ( أى الجسد ) محيى ( أى مقام من الموت ) في الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( تجسد الكلمة ف 31 : 4  ص 98 , ف 44 : 6  ص 135 ).

   وقد ضرب القديس أثناسيوس الرسولى مثلا لعديمى الفهم الذين لا يستطيعون فهم معنى أن الكلمة أباد بالموت سلطان الموت أي قوته. بقوله ما موجزه :  كما أن القش تفنيه النار فإنه حتى إن أبعدناه عن النار فإنه يكون في خطر الإحتراق, ولكن إن كسوناه بمادة الإسبستوس فإن القش يصير غير قابل للإحتراق . كذلك أيضا يقال عن الجسد والموت. لذلك حتى لا يظل الجسد خاضعا للموت. لبس الكلمة الجسد حتى لا يعود يرهب الموت بعد أن لبسه الحياة كثوب, وهكذا أباد الموت الذى فيه ( تجسد الكلمة ف 44 : 7 , 8 ص 135 – 136 ) بعد أن صار الجسد مسكنا للحى الذى لا يموت. لأن شريعة روح الحياة ( روح القيامة والحياة ) التي في المسيح يسوع قد حررتنا من شريعة الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ).

     لهذا وصف بولس الرسول موت المسيح وقيامته على الصليب بالقول :  " لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ، لكنه حي بقوة إلوهيم " ( كورنثوس الثانية 13 : 4  ) لأن من يتصور أن إلوهيم رغم أنه مات موتنا بموت الدم يمكن أن يمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال 2 : 24 ) هو جاهل. لأن شريعة روح الحياة في المسيح يسوع لا يمكن أن تجعله يخضع لناموس الموت. لهذا فإنه بمجرد أن التقت روح الحياة بالموت أبطلته أي لاشته كما يلاشى النور الظلمة. لهذا فرغم أن الكلمة كان مائتا حسب الجسد ( بسفك دمه ) لكنه أي الجسد كان محييا ( أي مقاما من الموت ) بالروح  ( بطرس الأولى 3 : 18 ) لأن روح المسيح آدم الأخير روحا محييا ( أي روحا باعثا للحياة )( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) (  رومية 8 : 9 – 11 ).

    وبداهة أن الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس لأنه وحده روح القيامة والحياة.

     فالمسيح حسب قانون الإيمان الرسولى هو ابن إلوهيم الوحيد المساوى للآب في الجوهر, والروح المحيى الذى هو روح المسيح هو حسب قانون الإيمان الرسولى الرب المحيى. أي الروح الباعث للحياة .

     فهل الإيمان بان للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية هي الروح القدس بحسب الحق الكتابى يعتبر خطأ لاهوتى كما يزعم هذا اليعقوبى, بتجديفه على المسيح ابن إلوهيم بالقول أنه دعى إنسانا. لأنه سكن في إنسان له روح إنسانية عاقلة. حاسبا أن هذا التجديف هو المعتقد الأرثوذكسى.

    إن كل اعتراضات المعترض تدور حول أن الكلمة لم يتجسد بالمعنى الثابت في الأسفار المقدسة. بل حسب تعليم الهراطقة يتصور أن إلوهيم الكلمة مجرد ساكن في إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة, ولو صح هذا. فما الفرق بينه وبيننا. لأننا نحن أيضا يحل فينا ملء الثالوث القدوس الواحد في الجوهر بأقنوم الروح القدس. فلماذا لا ندعو الآب والابن والروح القدس إنسانا لأنه سكن فينا .. ومع هذا فلا الآب ولا الروح القدس يدعى إنسانا بسبب سكناه فينا ( المسيح واحد ف 11 ص 67 -68 ) وأيضا فإن حلوله فينا بأى كيفية لن يحولنا إلى آلهة تعبد .

     اعتمد المعترض على مقال لنسطور زعم أنه " ضد الأبولينارية " في حين أنه ضد ضد مجمع أفسس وكتابات القديس كيرلس عمود الدين جاء فيه :

    أن الروح القدس حل عليه ( أي على إنسان مثلنا يدعى المسيح ) كما يحل في الأنبياء, وأن الفرق بينه وبين الأنبياء. أنه الوحيد الذى قيل عنه عندما حل الروح عليه أن إلوهيم تجسد ( تجسد ربنا يسوع المسيح ب 21 ص 46 ).

     من الواضح أن المعترض قبل معتقد نسطور بأن العذراء ولدت إنسان يدعى المسيح ذي روح إنسانية عاقلة لسبب جهله بالحق الكتابى  فأنكر بذلك القبول الإيمان المستقيم فضلا عن هدم أركان المذهب اليعقوبى المؤسس على بدعة أن للمسيح روح واحدة من روحين لا جنس لها. أي أنها روح ليست إنسانية ( لئلا يقعوا في بدعة نسطور ) ولا إلهية  ( لئلا يقعوا في البدعة المنسوبة لأوطيخا ) وإنما هي طبيعة واحدة من الطبيعتين مشخصة بأقنوم واحد من أقنومين, وليس بالعقل البشرى.

   مما تقدم يتضح أن المعترض إذ هو جاهل بمذاهب أصحاب الطبيعتين فضلا عن جهله بمعتقده اليعقوبى وبمفهوم الطبيعة الواحدة من طبيعتين. فقد سقط فيها جميعا  لعدم ادراكه للفروق بينها . 

   لهذا فنحن سنتعامل مع شخص ليس لديه معرفة بالإختلافات العقائدية بين مذاهب أصحاب الطبيعتين من نساطرة وخليقدونيين وأنطاكيين ويعاقبة. فوجد ساقطا فيها جميعا رغم تعارضها مع بعضها البعض ومع الحق الكتابى نفسه. حتى صار يرى أن هذه البدع  المتعارضة هي الموحى بها, وأن التعاليم الموحى بها هي أقوال غير علمية أو غير معقولة. فرفض لسبب اعتناقه لهذه التعاليم المتعارضة المضادة للحق الكتابى صورة التعليم الصحيح بأن روح المسيح إلهية أزلية, وليست إنسانية مشخصة بعقلها البشرى حسب نسطور, ولا هي روح إنسانية مشخصة بالكلمة حسب مجمع خلقيدونية, ولا هي روح واحدة من روحين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ولا بابن واحد من ابنين حسب المذهب اليعقوبى, ولا هي روح إنسانية عاقلة من روحين حسب بدعته الخاصة التي تقف على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

   والواقع أنه لا توجد آية واحدة في الكتاب المقدس تثبت أي تعليم من تعاليم أصحاب الطبيعتين القائلة بأن الكلمة احتجب بنفس إنسانية العاقلة أو أنه جعلها واحدا مع لاهوته أو ان الإتحاد بين الطبيعتين أو الجوهرين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, أو أن مالا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص. حال أن جميع المذاهب النسطورية المؤسسة على تعاليمه قائمة على الإختلاط والإئتلاف والامتزاج والتغيير والملاشاة حتى وصلت في تطرفها إلى حد ملاشاة الجوهرين العاقلين معا بحسب بدعة يعقوب البرادعى.

     والواقع أن اختلاف النساطرة حول كيفية الإتحاد المزعوم بين الطبيعتين العاقلتين هو برهان ضلالاهم جميعا إذ ليس لها سند كتابى. لأن أساس بدعتهم قائم على أنكار ولادة المسيح وصلبه وقيامته بنسبتها إلى إنسان يدعى المسيح هو الذى ولد وصلب وقام بروحه الإنسانية ونسبت جميع هذا الأمور للكلمة الذى تأنس به بكيفية مختلف حولها بين أصحاب الطبيعتين. 

     فيسوع المسيح حسب نسطور ليس ابن إلوهيم بل إنسان مثلنا يدعى يسوع المسيح تأنس به ابن إلوهيم.

     لقد جرد النساطرة بمختلف مذاهبهم المسيح من روحه الإلهية بقولهم أنها إنسانية أو ممتزجة رغم أن أجسادنا صارت هياكل للروح القدس بروح المسيح المحيى . فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا.

     فكيف يحيا المسيح فينا إن كانت روحه إنسانية أو ممتزجة وليست إلهية.

     وأيضا إذا كان المسيح إنسان مثلنا فحلول إلوهيم فيه لن يحوله إلى إله بل سيحول سر عبادتنا العظيم إلى عبادة إنسان.

   ولكن هذا اليعقوبى إذ يهاجم مؤلفنا محاولا إثبات صحة ليس المعتقد اليعقوبى وحده بل جميع مذاهب أصحاب الطبيعتين فقد دل على أننا نتعامل مع شخص غير مؤهل للخوض في علم الخرستولوجى.

     أما عن سؤال المعترض كيف دعى المسيح إنسانا وهو بلا روح بشرية فمردود بأن الروح البشرية في الطبيعة الواحدة من طبيعتين بحسب مذهب يعقوب البرادعى لا وجود لها . لأن الطبيعة الواحدة من طبيعتين لا يصح أن يقال عنها انها إنسانية وإلا حسبت أنها ابتلعت الإلهية والعكس صحيح.

     أما الروح الإنسانية فلا وجود لها إلا في مذهب كل من نسطور وثيؤدورت أبو المجمع الخلقيدوني , بمعنى أن الروح الإنسانية إن كانت مشخصة بعقلها البشرى فهذا معتقد نسطور, وإن كانت مشخصة بالكلمة فهذا معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية.

     إن هذا اليعقوبى المتتلمذ على كتب نسطورية يسألنا عن مصدر التعليم بأن روح المسيح إلهية ( يوحنا 14 : 1 , 7 , 17 ) ( رومية 8 : 9 - 10 ) ( العبرانيين 9 : 14 ) وبهذا السؤال فقد أثبت جهله بالكتاب المقدس المؤسس على عقيدة لاهوت المسيح وروحه الإلهية , ولم يقف لحظة واحدة ليسأل نفسه أولا عن مصدر التعاليم المتناقضة المضادة للحق الكتابى والمنطق السليم التى ينادى بها ضد مجد المسيح بقوله بأن روح المسيح إنسانية أو ممتزجة من روحين أو عن مصدر الهرطقة بأن العذراء لم تلد الابن الوحيد بل ولدت إنسان نظيرنا يدعى يسوع المسيح بنفس عاقلة احتجب بها الكلمة وشخصها وتأنس بها, وهى عقيدة ليس فقط ليس لها أي سند كتابى بل ومضادة للحق الكتابى.

    والأهم أين الروح الإنسانية العاقلة في الطبيعة الممتزجة من طبيعتين  المشخصة بابن من ابنين  بحسب المذهب اليعقوبى الذى يعتنقه رسميا ويجهله عقائديا.

    أين في الأسفار المقدسة نجد التعليم بأن المسيح دعى إنسانا لأنه حل وسكن فى انسان له روح انسانية عاقلة , ومن أين جاء بالتعليم بأن القول بأن روح المسيح إلهية أزلية معناه انها ابتلعت الروح الإنسانية وقامت مقامها فى تشخيص جسد هذا الإنسان.

   هل وجد في أي موضع من الكتاب المقدس القول بأن للمسيح روح واحدة من روحين أى طبيعة واحدة من طبيعتين..

     والواقع أن هذا اليعقوبى الذى يرفض الحق الكتابى بأن روح المسيح إلهية أزلية متمسكا بتعاليم الهراطقة بأن روح المسيح إنسانية معارضا بذلك تعاليم البدعة اليعقوبية التى تخلو من الروحين الإلهية والإنسانية معا نراه بعدم تبصر لا يستطيع أن يميز بين أقوالنا وأقول سليمان الحكيم القائل في سفر الحكمة :

      " صورت جسدا في جوف أمى, و .. صنعت من الدم بزرع الرجل ( أي بالحيوان المنوى ) " ( الحكمة 7 : 1 -  2 )

      فوصف ما كتبه سليمان الحكيم بأن هذا خطا وتخريف من بنات أفكارنا لقولنا بأن دم الجنين مصدره زرع الرجل وحده ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 289 ).

     والغريب أن هذا اليعقوبى لا يعلم بأن تعليمه بطبيعة واحدة من طبيعتين للكلمة بحسب تعليم ساويرس الأنطاكى والتي ينسبها زورا للقديس كيرلس معناها أن الطبيعة الواحدة التى من طبيعتين قد ابتلعت الطبيعتين الإلهية والإنسانية معا. بحيث صارت الطبيعة الواحدة تجمع خواص الطبييعتين معا ( كتاب المعترض اليعقوبى فقرة 2 ص 276 ) دون أن تكون أيا منهما أو معا , بما يعنى أن الطبيعتين امتزجتا ولاشيتا بعضهما البعض, بحيث نشأت طبيعة جديدة هي طبيعة المسيح التى لا يصح أن يقال عنها انها انسانية ولا إلهية ولا هما معا ( العلامة اليعقوبى ابن المكين " الحاوي " ص 44 – 45 ).

      لأن القول بأن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين انسانية معناه أنها ابتلعت الطبيعة الإلهية والعكس صحيح.

     وهذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين إما مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الإنطاكى أو مشخصة باقنوم واحد من أقنومين حسب يعقوب البرادعى .

     وبداهة أن الطبيعة الواحدة من طبيعتين المشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ) أو مشخصة بابن من أبنين حسب البرادعى ( ابن المكين " الحاوي " ص 44 – 45 ) ليست إنسانية وبلا عقل بشرى , فكيف سيخلصان بحسب المبدأ النسطورى بأن ما لا يؤخذ فى الإتحاد لا يخلص؟! 

      إذ من الواضح أنه لا يوجد طبيعة انسانية عاقلة فى بدعتى ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى على الوجه المتقدم بيانه .

      ثم أين العقل البشرى وكيف يخلص؟ وقد زعم  هذا اليعقوبى بحسب بدعة خلقيدونية بأن الطبيعة الإنسانية كانت غير مشخصة بعقل بشرى. لأن الكلمة قام مقامها في تشخيصها ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 277 ).

   فإذا كان الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية حسب معتقد خلقيدونية فقد ابطل عقلها البشرى الذى لا وجود له إلا في بدعة نسطور.

 يقول المعترض اليعقوبى:

     بأن قولنا بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد , معناه إنكار الطبيعة الجسدية.

    كيف انكرنا الطبيعة الجسدية مع قولنا " بالكلمة المتجسد " .  

   من الواضح أن المعترض يستخدم نفس أساليب النساطرة الباطنية التى استخدموها ضد أوطيخا غير مميز بين مصلح الطبيعة الإنسانية العاقلة المعبر عنها بالمصطلح " فيزيس " أى طبيعة عاقلة , وبين مصلح الطبيعة الجسدية المادية المعبر عنها بالمصطلح " فيزيق " وواضح أننا بقولنا بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد. معناه أننا لم ننكر تجسد المسيح الكلمة أى أننا لا ولم  ننكر طبيعة الجسد الفيزيقى المادى المكون من لحم ودم حسب الحق الكتابى ( العبرانيين 2: 14 )  فإن كنا نقول بالتجسد فكيف ننكر الجسد.

     أما قول المعترض بأننا ننكر الطبيعة الجسدية فمن الواضح بحسب الفكر النسطورى الذى يمزج بين نفس الجسد ( لاويين 17 : 11 ) أى قدرة الجسد التنفسية التى فى الدم وبين الروح العاقلة, أى أنه يعتبر أن الروح جسدانية مثل نفس الجسد أى الدم الذى هو مادة حية متنفسة هى علة إحياء الجسد, لهذا يستخدم مصلح الطبيعة الجسدية أى الروح الجسدية عانيا بالجسد الإنسان رغم أن كلمة جسد تشمل أجساد الحيوانات أيضا. وهدفه من ذلك الإيجاء بأننا ننكر التجسد حتى ينسب إلينا الهرطقة حال أننا ننكر الطبيعة الإنسانية العاقلة أى الروح الإنسانية التى يزعم وجودها فى المسيح  والذى يترتب على القول بها  انكار لاهوت المسيح, لأن القول بأن روح المسيح إنسانية أو أنها روح ممتزجة من روحين معناه إنكار لاهوت المسيح, وهذا ما لا يدركه الهراطقة معتقدين أن حلول الكلمة فى روح المسيح الإنسانية واحتجابه وتأنسه بها والكلام من خلالها هو تجسد وليس تقمص ينزه إلوهيم عنه

  والواقع أنه بقوله أننا ننكر الطبيعة الجسدية أى الروح الجسدية فهذا معناه أن الروح جسدانية أى مادة وهذا هو معتقده بأن الروح مكون جسدى صنع من خلية الزيجوت لهذا فهى كمادة تقبل الاتحاد والإختلاط والامتزاج بمادة مثلها ولكن الطبيعة الإلهية ليست مادة حتى تمتزج بغيرها, وأيضا روح الإنسان ليست مكون جسدى ولا تتناسخ كخلايا الدم بل هى روح غير مادية وهى خلق جديد يخلقها إلوهيم داخل الإنسان ( زكريا 12 : 1 ) .

    مما تقدم يتضح أن المعترض اليعقوبى يستخدم نفس المنظور الأثنيني الذى نظر به ثيؤدورت أسقف قورش لبطل الأرثوذكسية  أوطيخا رئيس دير أيوب بالقسطنطينية الذى تصدى لبدعة ثيؤدورت الجديدة القائلة:  بأن أقنوم الكلمة بطبيعتين, والتى اثبتها فى مؤلفه " الجامع للطبيعتين " سنة 445 ميلادية وفندها أوطيخا مثبتا المعتقد الأرثوذكسى بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد . فأصدر ثيؤدورت مؤلفا بعنوان الشحاذ هاجم فيه أوطيخا وأوعز إلى فلبيانوس اسقف القسطنطينية بحرمه وعزله إن لم يقر بالبدعة الجديدة.

      وبالفعل حضر أوطيخا مجمع فلبيانوس وأقر فيه بالمعتقد الأرثوذكسى بأنه يعترف بالمسيح كلمة إلوهيم في طبيعة واحدة إلهية ( مجمع خلقيدونية بالعربية ص 28 - 33  ) ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 88 ).

     فقال له أسقف سلوقيا " ما لم تقل بطبيعتين ( روحين ) بعد الإتحاد فإنك تقول بالامتزاج والتلاشى " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 91 ).

     فقال أوطيخا رافضا معتقدهم وما ينسبونه إليه بالقول : " حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين " ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ).

     هذه العقيدة " من طبيعتين " والتى تعنى امتزاج الطبيعتين فى طبيعة جديدة قد تكون إلهية أو انسانية إذا لاشت إحدى الطبيعتين الأخرى, أو قد تكون بلا جنس إذا لاشت الطبيعتين بعضهما البعض فى الإمتزاج , وهى البدعة التى رفضها أوطيخا وقبلها  كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى. 

      والمفارقة أن الذين حرموا أوطيخا لسبب بدعة هو برىء منها وجدوا هم أنفسهم ساقطين في بدعة قيام الكلمة بتشخيص الروح الإنسانية في المسيح  مبطلا عقلها البشرى , وهذا معناه أن الكلمة ( أي عقل إلوهيم ) ابتلع العقل البشرى ولاشاه وقام مقامه فى تشخيص روح المسيح الإنسانية حسب معتقدهم, ولن يجديهم قولهم بأن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية فقام الكلمة بتشخيصها. لأن الروح التي لا تدرك وجودها بعقلها الخاص هي والعدم سواء.

       وهكذا وجدوا ساقطين في بدعة الملاشاة التي اتهموا أوطيخا بها زورا حال كونهم ساقطين فيها ليخرج الحكم من فمهم ضد أوطيخا على رؤوسهم.

     فأوطيخا لم يقل بأن المسيح الكلمة من طبيعتين حتى ينسبوا إليه الإمتزاج والملاشاة. بل تمسك بالإيمان المستقيم بأن المولود من العذراء ليس انسان بل ابن الوهيم بحسب الحق الإلهى القائل:

     " ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل إلوهيم ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس. ليفتدي الذين تحت الناموس ، لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء. أرسل إلوهيم روح ابنه إلى قلوبكم " ( غلاطية 4 : 4 – 6 ).

     فالمسيح المولود من مريم ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ) بل هو ابن إلوهيم الذى ارسل إلوهيم روحه إلى قلوبنا لننال التبنى بالميلاد الثانى. لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 :20 ). 

    فالمسيح ليس إنسان نظيرنا بل هو الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين.

   ولو كانت روح المسيح إنسانية أو ممتزجة من روحين وليست إلهية. فكيف أرسلها إلوهيم إلى قلوبنا لنحيا بها وتحيا فينا. لأن إلوهيم ارسل ابنه الوحيد .. لكى نحيا به ( يوحنا الأولى 4 :  9 -10 ) لا لكى يتحد بروح انسانية تفارق جسدها فيموت وبعودتها إليه فى اليوم الثالث تقيمه من الموت بعد أن يكون قد أنتن نتيجة موت الدم وتركه مائتا فى القبر ثلاثة أيام, لأن الفساد يدب فى الجسد بمجرد موته.

      والواقع أنه إن كان للروح الإنسانية القدرة على إحياء جسدها وإقامته من الموت فإن الإنسان بهذا يصير هو المخلص لنفسه, ويكون الخلاص بروح انسانية هى التى أحيت جسدها من الموت . وليس روح إلوهيم.

    والواقع أن الروح الإنسانية بالموت تمسك من جسد الموت كما فى سجن ولا تستطيع أن تحرك جسدها المائت لموت الدم الذى هو علة حياة الجسد وليس الروح الإنسانية العاقلة وهذا ثابت علميا وكتابيا.

    أما  إن كان جسد الإنسان يموت بخروج الروح الإنسانية العاقلة منه, وبعودتها إليه ترده حيا, فكيف تموت الحيوانات الغير عاقلة أى التى ليس لها الجوهر العاقل الخالد الذى لا يفنى ولا يموت, والذى بموت الجسد تمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) كما فى سجن كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ) .

     والواقع أن جميع ذوات الأنفس الحية سواء أجساد البشر أو الحيوانات تحيا بالدم الذى هو مادة حية متنفسة هى علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ).

    والنفس الحية أى الدم سواء فى الإنسان أو الحيوان هى مادة قابلة للموت بطبيعتها إذا تعرضت لحادث يؤدى إلى استنزاف دمها أو إذا أكلت مادة سامة أو ملوثة أو لدغتها حشرة تسبب لها حمى أو مرض قاتل أو أى شىء يفسد الدم ويعوق قدرته التنفسية فيلفظ الجسد نسمته ويموت, فموت الإنسان كموت الحيوان ونسمة واحدة للكل.

      ولكن إلوهيم ميز الإنسان العاقل بأن جعله فى فردوس النعيم ووضع فى وسط الجنة شجرة حياة ليأكل منها آدم إذا أصابه أى عارض أو تعرضت حياته للموت فيحيا إلى الأبد ( تكوين 3 : 22 ).

    ولكن عندما اخطأ آدم وأكل من الشجرة التى نهاه إلوهيم من الأكل لئلا يموت  تدنس دمه بشوكة الموت ( التى تستنزف خلايا الدم حتى الموت ) بسبب الخطية ( كورنثوس الأولى 15 : 56 ) فصار آدم تحت حكم الموت الأبدى. لهذا  لعن إلوهيم الأرض بسببه وطرده من الفردوس ومنعه من الأكل من شجرة الحياة بأن أقام على حراستها أحد ملائكة الكروبيم بلهيب سيف متقلب لئلا يمد آدم يده ويأكل منها فيحيا إلى الأبد .



الإعتراض الرابع

على أن صورة المسيح الإنسانية هي صورة إلوهيم

    يقول المعترض أن من الإدعاءات الخاطئة قولنا بأن ليسوع المسيح هيئة إنسانية منذ الأزل , وأنه لا يوجد جوهر بدون صورة, وأن هذا يعنى الوجود السابق لجسد المسيحكتاب المعترض اليعقوبى ص 135 ).    

 

     إنكر المعترض الحق الكتابى بأن صورة المسيح الإنسانية هي صورة إلوهيم, وان هذه الصورة هى التعبير الكيانى للجوهر ( العبرانيين 1 : 3 ) وأنه لا يوجد جوهر بلا صورة.

 

      المعترض يفهم الأمور اللاهوتية من منظوره المادى معتقدا أن الصورة لا بد أن تكون مادية, وهذه جهالة , فإلوهيم روح ( يوحنا 4 : 24 ) ومن ثم فإن صورته روحية وقد خلقنا على صورته كشبهه ( تكوين 1 : 26 ) وهذا معناه إن صورة إلوهيم إنسانية وإننا خلقنا على هذه الصورة, وهذا معنى قوله فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا ( يوحنا 3 : 13 + 6 : 62 )

       ويخبرنا الكتاب المقدس أن المسيح هو صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4 : 4 ) وأنه حكمة إلوهيم الذى مسح مسيحا منذ الأزل ( أمثال 8 : 12 , 24 ) لهذا فإن المسيح إذ هو بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره فإنه هو الذى نفخ فى أنف آدم نفس حياة  كما هو مكتوب : نفس أنوفنا ، مسيح الرب ( مراثى ارميا 4 : 20 ) لهذا عندما سمع آدم صوت الرب الإله ماشيا في الجنة اختبأ مع امرأته من وجه الرب الإله ( تكوين 3 : 8 ) وايضا فقد نظر الأباء والأنبياء فى العهد القديم صورة إلوهيم التى هى عينها صورة ابن الإنسان.

      وكما أن لروح إلوهيم صورة هكذا أيضا جعل للأرواح صور, هذه الصور وإن كانت لا ترى بالعين المجردة إلا أنها موجودة.

       أما المعترض الذى يعتقد أن كل ما له صورة هو مادة فإنه من هذا المنظور اعتقد أن صورة المسيح لا بد ان تكون جسدانية وليست روحية, وأن قول الكتاب بأن صورة المسيح أزلية معناه  الوجود السابق لجسد المسيح باعتباره صورة إلوهيم. بالمخالفة للحق الكتابى الذى يثبت أن يسوع المسيح كائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 - 6 ) وأنه بهاء مجد إلوهيم ورسم ( صورة ) جوهره, وأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد,  وان من رأى الابن المتجسد الذى هيأ صورة جسده على صورة مجده قبل تجسده, فقد رأى الآب, لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب الغير منظور, وهذا معناه أن صورة الآب الروحية هي ذات صورة الابن المتجسد الذى صور جسده على صورة الآب الحال فيه.  

    والواقع أنه لا يوجد شخص مهما بلغت به الحماقة والجهل يمكن أن يتصور أن صورة إلوهيم مخلوقة أو جسدانية. إلا الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهانهم عن إنارة إنجيل مجد المسيح ، الذي هو صورة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 4 : 3 – 4 ).

     إذن المسيح هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره , وهو الذى خلقنا وصورنا على صورته ( تكوين 1 : 27 ) وبداهة أن صورة إلوهيم إنسانية, وإلا من أين أخذنا الصورة الإنسانية التي هي صورة المسيح الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5  - 6 ) لهذا يقول المسيح أن ابن الإنسان يصعد إلى حيث كان أولا ( يوحنا 3 : 13 + 6 : 62 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) .

    مما تقدم يتضح أن المسيح هو ابن الإنسان الذى نزل من السماء وأنه هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره .

   لا شك أن المسيح في صورة إلوهيم الروحية قبل تجسده هو الذى خلقنا على صورته كشبهه وهو الذى نفخ في انوفنا نسمة الحياة ( مراثى ارميا 4 : 20 ) التي بها نتنفس إلى يومنا هذا والتي بها صرنا أنفس حية . لأن إلوهيم خلق الجميع بيسوع المسيح ( أفسس 3 : 9 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) الذى جعله على صورة مجده لهذا قال أيضا من رآنى فقد رأى الآب, أنا والآب واحد, وبداهة أن هذه الوحدة هي في مجد اللاهوت الظاهر في الجسد.

     والواقع ان المحقق كتابيا أن صورة ابن الإنسان التي هي صورة إلوهيم الذى عملنا على صورته كشبهه هي بهاء مجد الآب ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) بما يعنى أن صورة جوهر الثالوث روحية وليست جسدانية . لأن الرب هو الروح.

     والواقع أن صورة إلوهيم كإبن انسان معلنة من أول أصحاح فى سفر التكوين  الأمر الثابت بقول ألوهيم نفسه:

     "  نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا .. فخلق إلوهيم الإنسان على صورته . على صورة إلوهيم خلقه " ( تكوين  1 : 26 – 27 ) .

     وهذا معناه أن صورة مجد إلوهيم إنسانية , وأن الإنسان خلق على صورة إلوهيم أي صورته الإنسانية.

      الأمر الذى اثبته الكتاب المقدس بالقول عن آدم وحواء أنهما سمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار ، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله ( تكوين 3 : 8 ).

       وواضح أن صورة إلوهيم قبل تجسده صورة روحية وليست جسدانية.

      وهذا معناه أنه كان في مقدور آدم قبل السقوط أن يرى الصور الروحية. كما كان في مقدور بعض الأنبياء أن يروها, وهذا ماحدث عندما صلى أليشع للرب ليفتح عينى خادمه. ففتح الرب عينيه فأبصر الجبل مملؤ خيلا ومركبات نار حول أليشع ( الملوك الثانى 6 : 17 ).

      وقد أعلن الرب أن صورته الإنسانية في دائرة وجوده الأزلى كائنة قبل تجسده بقوله لتلاميذه:

    " فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 62 ).

    أي أنه يصعد بجسده إلى حيث كان أولا بصورته الروحية التي نزل بها من السماء ليشاركنا في اللحم والدم الذى هيأه ليكون على ذات صورته الإلهية التي لم تزل في السماء ( يوحنا 3 : 13 ) إشارة إلى عدم محدودية صورته الإلهية التي بها يتصور المسيح فى قلوبنا ( أفسس 3 : 17 ) ( غلاطية 4 : 19 ).

      مما تقدم يتضح أن صورة إلوهيم الإزلية كابن انسان هي صورة روحية , وأنه في تجسده شكل جسده على ذات صورة مجده.

     والواقع أن صورة إلوهيم الروحية معلنة كتابيا وفى هذا يقول بولس الرسول :

     وأما الرب فهو الروح  .. ونحن جميعا ناظرين مجد الرب ( أي صورته ) بوجه مكشوف .. نتغير إلى تلك الصورة عينها ، من مجد إلى مجد ، كما من الرب الروح ( كورنثوس الثانية 3 : 17 - 18 )

     المحقق أن إلوهيم في سفر التكوين لم يكن قد اتخذ هيكلا بعد, وبالتالي فإن صورة إلوهيم روحية. لأن إلوهيم روح ( يوحنا 4 : 24 )  أما بعد تجسده فقد صور هيكل جسده على ذات صورته التي كانت له قبل تجسده لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب, وهذه الصورة. هى التي خلق إلوهيم آدم  على صورتها كشبهها . أما المسيح في تجسده فأخذ ذات صورته التي كانت له قبل تجسده, وليس على شبه صوة إلوهيم كآدم.

     وفى هذا يقول بولس الرسول:

     " فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا. الذي إذ كان فى صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا. لكنه أخلى ذاته آخذا صورة عبد ( صورة العبد المنظورة جسدانية ) صائرا فى شبه الناس, وإذ وجد فى الهيئة كإنسان, وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب.  لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم ( أى اسم إلوهيم ) لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة مما فى السماء وما على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     ويقول القديس أثناسيوس الرسولى:

     " متى إذن لم يكن الآب يرى نفسه في صورته. أو متى لم يكن يبتهج . حتى يتجاسر أحد ويقول أن الصورة هي من عدم ( أي مخلوقة ) ولم الآب مبتهجا قبل أن تخلق الصورة, وكيف يستطيع الخالق والصانع أن يرى نفسه في جوهر مخلوق وصائر. فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته " ( 1 ضد الأريوسيين ب 20  ص 44 )

 هذا هو التعليم الصحيح للقديس أثناسيوس الرسولى الذى يتفق مع المنطق السليم والحق الكتابى ( أمثال 8 : 12 , 23 , 30 ).

    أما تعاليم الهراطقة فيرون أن صورة إلوهيم مخلوقة

  فالمعترض يتصور أن صورة إلوهيم لم تكن أزلية وإنما اتخذها إلوهيم في التجسد متصورا أن إلوهيم يمكن أن يرى نفسه في صورة مخلوقة الأمر الذى نفاه أثناسيوس الرسولى في ضوء الحق الكتابى على الوجه المتقدم بيانه.

     أما المعترض فهو مثل معلمه نسطور وثيؤدورت إذ هو جاهل بالحق الكتابى فقد تصور أن صورة إلوهيم مخلوقة وجسدانية.

    لقد عجز المعترض عن فهم حقيقة أن صورة إلوهيم روحية  أزلية. فاعتقد أن الصورة لا بد أن تكون جسدانية وزعم أن هذا معناه الوجود السابق للجسد.

    المعترض مثله مثل معلمه ثيؤدورت أسقف قورش لم يستطع أن يدرك أن صورة إلوهيم روحية أزلية فزعم أن إلوهيم خلق لنفسه صورة روحية سكنها إلوهيم  واحتجب بها وجعلها صورته , وخلق الإنسان على هذه الصورة المخلوقة , وقد نشر ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى هذه الضلالة في مؤلفه الجامع للطبيعتين المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوبا لأثناسيوس الرسولى.

     وفى هذا يقول ثيؤدورت مجدفا على صورة إلوهيم والثالوث بما نصه :

      " وبقى أصل وثبات حجة أن خلق لنفسه وجوهره الذى لا يرى .. صورة .. فدل العباد على معرفته بصورته تلك , وأخرجهم من الشك بقوله هذه صورتى .. التي خلقها لنفسه .. لهذا كان إلوهيم أولى أن يعمل صورة نفسه ليعرفنا بنفسه وبأحكامه... فخلق صورته روحانية لطيفة لا ترى ولا تحد .. ولا تموت لتحقيق الإحتذاء,  وأنها صورة إله حى لا يموت .. حتى احتاجت جسد .. يهيأ لها لتوضع فيه " ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب للقديس أثناسيوس الرسولى  ك 1 ق 2 ف 1 ص 24 – 25 ).

   واستطرد قائلا:

   ان الكلمة احتجب بإنسان مخلوق .. خلقا جديدا من غير نطفة ادمية جرت عليها الخطية .. إنسان تام بجسد ودم وروح عاقلة كلمانية التي هي صورة إلوهيم .. لأنها كانت أولى خلق إلوهيم التي حل فيها واحتجب بها . فكانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد الغليظ حجابا للنفس الدمية ( ثيؤدورت " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 ف 4 ص 51 – 52 ).

     هنا نجد تضاد في الكلام.

    بين قوله : أن إلوهيم ( الكلمة ) الغير منظور خلق لنفسه صورة روحانية لا ترى هي صورة إلوهيم .. حتى احتاجت جسد .. يهيأ لها لتوضع فيه.

     ثم استطرد قائلا في موضع آخر

     ان الكلمة احتجب بإنسان مخلوق .. خلقا جديدا من غير نطفة ادمية جرت عليها الخطية .. إنسان تام بجسد ودم وروح عاقلة كلمانية التي هي صورة إلوهيم .. لأنها كانت أولى خلق إلوهيم التي حل فيها واحتجب بها . فكانت له حجابا وكانت النفس الدمية لها حجابا والجسد الغليظ حجابا للنفس الدمية

     وهذا معناه أنه كان للكلمة قبل تجسده روحين الصورة الروحية المخلوقة التي احتجب بها الكلمة وشخصها وجعلها صورته. فضلا عن روح إلوهيم التي يشخصها بالطبيعة والجوهر, ومن ثم صار الكلمة هو الجامع للروحين الإلهية والمخلوقة التي جعلها صورته قبل تجسده.

    هذه الروح المخلوقة التي هي صورة إلوهيم هي التي اتحدت بالجسد وهذا معناه أن روح المسيح الإنسانية التي هي صورة إلوهيم التي احتجب بها الكلمة هي أول خليقة إلوهيم وهذا عين معتقد أريوس .

    هذا التعليم كارثة لم ينتبه لها أحد لأنها تعنى أن صورة إلوهيم مخلوقة وأنها أول خليقة إلوهيم , ومعلوم أن الصورة هي رسم الجوهر ( العبرانيين 1 : 3 )  أي صورته الكيانية , وهذا معناه أن جوهر الثالوث مخلوق.

     مما تقدم يتضح أن ثيؤدورت أسقف قورش وقع في عدة بدع مركبة بعضها فوق بعض كالتالى:

    أول بدعة هي قوله أن صورة إلوهيم الروحية التي احتجب بها الكلمة وإن جعلها صورته الذاتية إلا أنها مخلوقة قبل آدم وقبل الخليقة , وهذا معتقد أريوس .

   أما ثانى البدع فهو قوله أن هذه الروح حجاب احتجب به إلوهيم, وهذا باطل نقلا وعقلا لأن الروح ساكن لا مسكن وهى ليست حجاب مادى يحتجب به, ولا تسكن ولا تشخص من غيرها.

   أما ثالث البدع والتي توقعه في تناقص فهو قوله أن روح المسيح الإنسانية العاقلة التي شخصها الكلمة منذ وجودها مبطلا عقلها البشرى محدثة الوجود بلحظة التجسد , ومن ثم فهى تختلف عن روح الكلمة التي خلقها لنفسه وجعلها صورته .

   لأن النساطرة يفصلون بين روح المسيح الإنسانية المخلوقة وروح الكلمة الذى هو صورة إلوهيم .

    وهذا معنا أنه في التأنس توجد روحين مخلوقتين مشخصتين بالكلمة فضلا عن الروح الإلهية المشخصة بالكلمة بالطبيعة والجوهر.

     هذه هي محصلة تعاليم ثيؤدورت المتعارضة واللامنطقية.  

     أيا كان الأمر فإن تعاليم ثيؤدورت المتعارضة كسفسطائى تقوض بعضها البعض لأنه بعد أن زعم أن صورة إلوهيم مخلوقة وأنه هيأ لها جسدا, انتقل إلى القول بأن روح المسيح الإنسانية مخلوقة وأنها بلا شخصية وأن الكلمة شخصها منذ وجدودها وأن الكلمة صار الجامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا متناسيا أن الكلمة كان ذا طبيعيتين إلهية وإنسانية قبل الإتحاد مشخصتين بالكلمة وبعد إلاتحاد صارت له ثلاث طبائع مشخصة بالكلمة .

     وهذا معناه أنه كان لإلوهيم قبل تجسده طبيعتين الصورة الروحية المخلوقة وروح إلوهيم وهما مشخصتان بالكلمة الجامع لهما فإذا أخذ روح أخرى من العذراء فتصير هناك ثلاثة أرواح مشخصة بالكلمة .

     جدير بالملاحظة أن ثيؤدورت ذكر أن الإنسان المولود من مريم هو خلق جديد جسدا وروحا. 

   في حين يزعم المعترض اليعقوبى أن روح المسيح الإنسانية ليست خلق جديد مكذبا الحق الكتابى ( زكريا 12 : 1 ) زاعما أن الروح تؤخذ من الأب والأم ( أي انها مركبة من الأبوين ) وانها تحمل وترث الفساد من الأبوين ( وهذا معناه أنها مادة قابلة للفساد والتحلل ببرهان قوله أنها ترث الفساد ) كتاب المعترض اليعقوبى ص 267 ).

     هذه هي التعاليم التي تتفق من وجهة نظر المعترض مع العلم وعصر التكنولوجيا والمنطق السليم والتي من أجلها رفض المعترض الحق الكتابى وقاوم صورة التعليم الصحيح, وهى التعاليم التي أهلته للسقوط في كوكتيل من البدع  .

      كما اعتبر المعترض قولنا المؤسس على الحق الكتابى القائل بأن صورة المسيح أزلية روحية لأن إلوهيم روح بأنها بدعة, وفهم من ذلك أننا نقول بأن صورة المسيح جسدانية مخلوقة وسابقة الوجود.  ولا يدرك أنه بهذا يجدف على صورة إلوهيم الذى خلقنا على صورته كشبهه . معتقدا أنه لو كان للمسيح صورة سابقة على تجسده فإنها تكون جسدانية وهذا يعنى الوجود السابق لجسده . أي أن المحصلة النهائية لأفكاره ومعتقداته لا تختلف عن تصورات معلمه ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى.

       مما تقدم يتضح أن المعترض كنسطورى يرفض الحق الكتابى المعلن بأن يسوع المسيح كائن منذ الأزل في صورته الإنسانية التي هي صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 – 11 ) أي أنه لا يؤمن بأن للمسيح صورة إنسانية منذ الأزل.

      رغم أن هذه الحقيقية معلنة فى أول أصحاح من سفر التكوين كما قدمنا وأثبتنا من خلالها  بأن إلوهيم له صورة وأننا خلقنا على صورته وأن هذا ما أعلنه إلوهيم نفسه بقوله: نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا. فصنع إلوهيم الإنسان على صورته على صورة إلوهيم خلقه.

    فإذا كان الإنسان مصنوع على صورة إلوهيم فماذا تكون صورة إلوهيم إلا صورة الإنسان المخلوق على شبه صورة إلوهيم.

   إلوهيم روح فمن البديهى أن تكون صورته الكائن بها منذ الأزل روحية وليست جسدانية. أم الجسد فقد أخذه في التجسد وجعله على صورته التي كانت له منذ الأزل , ولم يصوره على شبه صورة إلوهيم مثلنا. لهذا قال الرب من رآنى فقد رأى الآب. لأن الابن في تجسده  صور جسده على صورته التي كانت له منذ الأزل. 

    مما تقدم يتضح بأجلى بيان بأن لإلوهيم صورة إنسانية هذه الصورة هي المسيح الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل, وقد خلقنا على صورته كشبهه. الأمر الذى يدل على أن صورة إلوهيم إنسانية, وأن هذه الصورة الإنسانية روحية أي غير جسدانية وأزلية. لأن إلوهيم روح أزلى وهو القائل نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا.

    وأننا خلقنا على شبه صورة المسيح. الذى جاء إلينا في الجسد الذى هيأه على ذات صورته قبل تجسده. ببرهان قول الرب يسوع المسيح من رآنى فقد رأى الآب. لأن للثالوث صورة واحدة وجوهر واحد كما قدمنا.

  


المبحث الأول

البراهين على أن صورة ابن الإنسان هي صورة إلوهيم منذ الأزل

      يقول بولس الرسول :

     يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ).

      وهذا ما أعلنه الرب نفسه بقوله :

     " ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء " ( يوحنا 3 : 13 ).

      مما تقدم يتضح أن صورة المسيح كابن إنسان هي صورة إلوهيم لأن يسوع المسيح هو هو منذ الأزل وإلى الأبد. لأنه ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء.

     وقد أوضح الكتاب المقدس أن المسيح في صورة ابن الإنسان التي هي صورة إلوهيم هو حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 ) وأنه كائن منذ الأزل فى صورة إلوهيم ومساو لإلوهيم ( فيلبى 2 : 5 – 11 ) وأن روحه إلهية ( متى 12 : 28 ) ( أعمال 16 : 7 ) ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( رومية 8 : 2 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) وأن اسم المسيح هو اسم الآب ( يوحنا 17 : 26 ) والروح القدس الذى يأتي باسم المسيح ( يوحنا 14 : 26 ) الذى نحيا به ( غلاطية 2 : 20 ) لأن روح الحياة الذى في المسيح يسوع هو الذى خلصنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) لهذا فإن القول بأن يسوع المسيح جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) معناه أن إلوهيم ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).  

     لهذا فإن كل من ينكر مجىء يسوع المسيح الذى هو صورة إلوهيم في الجسد هو ضد للمسيح وفى هذا يقول يوحنا الرسول :

   " كل روح لا يعترف بيسوع المسيح ( اسم إلوهيم ) أنه جاء فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح " ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ).

     لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون ، لا يعترفون بيسوع المسيح آتيا في الجسد . هذا هو المضل ، والضد للمسيح ( يوحنا الثانية 1: 7 ).

    وقد حدد بولس الرسول ما شاركنا به الكلمة بأنه شاركنا فى اللحم والدم بقوله:

     " فإذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح البشر ) فى اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما " ( العبرانيين 2 : 14 ) ولم يقل أنه أخذ روح إنسانية أو أنه شارك أحد الأولاد لحمه ودمه أي جسده.

     إذن العقيدة الأرثوذكسية السليمة هي المؤسسة على الحق الكتابى القائل بأن المسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 11 - 12 ) وإنما ظهر فى الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 - 8 ) باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لكى بروحه الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الذى هو روح المسيح الناطق فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) يقدم دمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 ) فداءا عنا. مماتا فى الجسد ( بموت الدم  مثل سائر البشر ) ولكن محيى ( أي الجسد ) فى الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 50 ) الذى سيقيمنا نحن أيضا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ). 

     هذا هو سر المسيح السر المكتوم منذ الدهور فى إلوهيم خالق الجميع بيسوع المسيح. لكى يعرف الآن .. بواسطة الكنيسة ( أفسس 3 : 3 - 10 ).

   هذا هو السر الذى لم يعلم به أحد من عظماء هذ الدهر لأنهم لو علموا لما صلبوا رب المجد ( كورنثوس الأولى 2 : 8 ) ( إشعياء 8 : 13 - 18 ).

    هذا السر هو أن يسوع المسيح ( في هيئته كابن إنسان ) الذى إذ كان ( أي منذ الأزل ) كائنا في صورة إلوهيم , ومساويا لإلوهيم ( فيلبى 2 : 7 ) أخلى ذاته. بأن أتى إلينا في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 -3 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14  ) لكى يفتدينا بدمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 - 19 ) ليبطل موتنا بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى هو الروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) ( رؤيا 11 : 11 ).


 

المبحث الثانى

معنى قوله " فان رأيتم ابن الانسان صاعدا إلي حيث كان أولا "

 

     علينا أولا أن ندرك أن هذا القول مرتبط بالسماويات. لهذا قال الرب لتلاميذه عندما استصعبوا كلامه عن تناول جسده ودمه بالقول : أهذا يعثركم " فان رأيتم ابن الانسان صاعدا الي حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 12 ).

    وهو ذات ما سبق وأعلنه لنيقوديموس بقوله:

     "  إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون ، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات, وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ، ابن الإنسان الذي هو في السماء ( يوحنا 3 : 12 -13 ).

      الإنسان الذى لم يفهم الأرضيات لا يمكن أن يفهم السماويات.

       إذن ما الذى نفهمه نحن من قول السيد المسيح أنهم سيرون ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا. أي إلى حيث كان منذ الأزل.

     هل الجسد المادى الذى أخذه الرب من العذراء وصعد به إلى السماء. كان له منذ الأزل. بحسب بدعة الوجود السابق للجسد.

     بداهة أن بدعة الوجود السابق للجسد المادى الذى صعد به الرب. الغرض منها إنكار صورته الأزلية بافتراض أن الصورة لا بد أن تكون مادية وهذا فكر النساطرة الخاصة بمختلف مذاهبهم, وهو يلزمهم وحدهم.

   من الواضح أن المعترض كنسطورى يرى بأن صورة إلوهيم مخلوقة وربما يعتقد كأريوس وثيؤدورت أسقف قورش أنها أول خليقة إلوهيم.

     من هو جاهل إلى درجة تصور أن صورة إلوهيم يمكن أن  تكون مخلوقة أو جسدانية, ومن هو الذى بلا فهم حتى يتصور أن إلوهيم يمكن أن يرى نفسه في صورة جسدانية مخلوقة.

     والواقع أن ثيؤدورت أسقف قورش نفسه رغم انه قال أن صورة إلوهيم مخلوقة إلا انه قال أنها صورة روحية غير جسدانية ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 2 ف 1 ص 25 ) وبداهة أن هذا التعليم يضاد الحق الكتابى والتعليم الصحيح للقديس أثناسيوس الرسولى ومن ثم فهو فاسد نقلا وعقلا لأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه فى صورة روحية مخلوقة هى روح المسيح الإنسانية السابقة الوجود حسب معتقد اريوس وثيؤودت أسقف قورش, والذى يترتب على السجود لها السقوط فى عبادة المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد آمين.  

    المنطق السليم يوجب أن يكون لإلوهيم صورة روحية أزلية وليست مادية أو مخلوقة لأن إلوهيم لا يمكن أن يرى نفسه في صورة مخلوقة, والإعلانات الإلهية المتكررة قبل تجسده تشهد بأن صورة إلوهيم هي صورته كشبه انسان ( أشعياء 6 : 1 ) ( دانيال 8 : 15 ) لأنه خلقنا على صورته كشبهه ( تكوين 1 : 26 ) لهذا فقد نظر آدم وجهه ( تكوين 3 : 8 )( زكريا 13 : 7 ) لأنه هو الذى نفخ نفس حياة في أنف آدم ( مراثى أرميا 4 : 20 ) كما نظره يعقوب ( 32 : 24 , 30 ) وموسى وكلمه كما يكلم الرجل صاحبه وجها لوجه ( الخروج 33: 11 ) كما نظره دانيال في هيئة إبن انسان ( دانيال 7 : 13 ) من هذه الإعلانات أيضا ما ذكره حزقيال النبى واصفا شبه مجد الرب بقوله : وفوق المقبب من فوق شبه عرش .. وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان عليه من فوق .. هذا منظر شبه مجد الرب ( حزقيال 1 : 26  - 28 ).

   فصورة المسيح كإبن إنسان وظهوراته قديما جميعها تجليات وظهورات روحية وليست تجسدات مؤقتة كما يتصور المعترض حسبما جاء بمؤلفه العار على الدراسات الأكاديمية واللاهوتية والعلمية.

    والواقع أن فكرة الوجود السابق للجسد المادى للمسيح من البدع التي اصطنعها النساطرة بكافة مذاهبهم لإنكار صورة إلوهيم الإنسانية بتأويلها يما يتفق وبدعتهم في إنكار لاهوت المسيح وتجسده .

     الإنسان الطبيعى لا يستطيع أن يدرك السمائيات. لأنه يفهمها من منظور تصوراته الخاصة, لهذا فقد تصور المعترض كما تصور اليهود والنساطرة بكافة مذاهبهم أن صورة إلوهيم كإبن إنسان هي صورة محدثة, وأن إلوهيم لم يكن له صورة إلا بعد تجسده في صورة إنسان, وهذه كلها دروب من التجديف على الابن بجعل صورته الأزلية الروحية كإبن إنسان صورة مادية محدثة. بالمخالفة للحق الكتابى. بأن يسوع المسيح كائن في صورة إلوهيم منذ الأزل وأنه هو الذى به خلق إلوهيم الكون كله بكلمته وصورته الذاتية أي المسيح. الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين  1 : 3 ).

     لأن المسيح يسوع " الذي إذ كان ( أي منذ الأزل ) في صورة إلوهيم . لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لإلوهيم. لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس " ( فيلبى 2 : 6 – 7 ).

    التعبير " إذ كان في صورة إلوهيم " تعنى أن صورته أزلية , وأنه صور جسده على صورة إلوهيم التي هي صورته الروحية منذ الأزل . هذه الصورة هي بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين  1 : 3 ).

    أما صورة العبد فهى صورة الجسد الذى به صار شبيها بالناس دون أن يكون منهم ( غلاطية 1 : 1 , 11  - 12 ) فالمسيح حسب الجوهر هو إلوهيم الظاهر في الجسد, الذى به ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 8 ) أي أنه إنسان من حيث الشكل لا الجوهر ( غلاطية 1 : 12 ) لأن الجسد ما هو إلا حجاب أو هيكل يتكلم المسيح صورة إلوهيم من خلاله ( العبرانيين 10 : 20 ).

     وإثباتا لهذه الحقيقة السمائية قال الرب :

     " فان رأيتم ابن الانسان صاعدا الي حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 12 ).

     واضح أن المقصود من هذا القول هو أن يلفت نظرهم إلى أن صورته كابن الإنسان هي صورته الإلهية الكائن بها في السماء منذ الأزل وهذه الصورة ليست جسدانية. بل روحية لأن إلوهيم روح ( يوحنا 4 : 24 ) وبهذه الصورة الروحية نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء.

      لهذا قال الرب:

      " ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ، ابن الإنسان الذي هو في السماء" ( يوحنا 3 : 12 ).

     كما أن هناك تفسير أعمق لمعنى السماء. أنها تعنى بشكل ما الآب الذى فى السماء الأمر الذى أعلنه الرب بقوله:

    " خرجت من عند الآب ، وقد أتيت إلى العالم ، وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب " ( يوحنا 16 : 28 ).

     لأن صورة المسيح الإنسانية هي صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 ) بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) فالصورة إذن روحية وليست جسدانية. لأن إلوهيم روح ( يوحنا 4 : 24 ).

     لهذا عندما نزل ابن الإنسان من السماء بصورته الروحية. هيأ جسده على صورته التي كانت له منذ الأزل ( العبرانيين 10 : 5 ).

    بمعنى أن إلوهيم عندما صور جسد آدم جعله على صورته كشبهه. أما عندما هيأ لنفسه جسده الخاص فجعله على صورته ومثاله. لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب.

     وهذا معناه أن صورة ابن الإنسان هي ذاتها صورة الآب. من رآه فقد رأى الأب.

     فكيف نرى الآب في صورة ابن إنسان , إلا أن تكون هذه بالحقيقة صورة إلوهيم منذ الأزل. لأن صورة الابن هى ذات صورة الآب التى ظهر بها فى الجسد. لان للثالوث صورة واحدة. بدليل قول إلوهيم ( آلوهيم ) :

     " نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا " ( تكوين 1 : 26 ).

      إذن إلوهيم له صورة إنسانية منذ البدء وهذه الصورة هي صورة الثالوث.  صورة الجوهر وقال إلوهيم نعمل الإنسان على صورتنا ( أي صورتنا الإنسانية ) كشبهنا.

      وهذا برهان على أن للثالوث صورة واحدة إنسانية. هي رسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ).

      هذه الصورة هي وجه الرب ( تكوين 3 : 8 ) ( لوقا 1 : 76 ) ( كورنثوس الثانية 4 : 6 ) ( تسالونيكى الأولى 1 : 9 ).

      إذن الذى صعد إلى حيث كان أولا . هو نفسه الذى نزل إلينا على الأرض صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 8 ) وهو لم يزل جالسا في صورته كإبن إنسان في السماء بين تسبيح الملائكة ( إشعياء 6 : 1 ) (حزقيال 1 : 26 ) ( دانيال 7 : 13 ).

     فالمسيح ابن إلوهيم ( أي صورة إلوهيم ) هو نفسه ابن الإنسان ( أى صورة الإنسان ) التي هى صورة آلوهيم, الذى نزل إلينا على الأرض بصورته الروحية متجسدا. صائرا في شبه الناس.

     ورغم أنه أخذ جسدا إلا أنه ظل غير محدود وغير محصور. بدليل أننا نأكل المسيح كاملا. لتكون لنا شركة معه عملا بقوله : من يأكلني يحيا بي. أي بروحه المحيي, وبهذا نثبت فيه ويثبت فينا فلا ينزع منا روحه في الدينونة, وهذا معنى أن الروح هو الذى يحيى. لأنه هو الذى نثبت فيه ويثبت فينا. ليمنحنا الحياة الأبدية. بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ) ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ) ( يوحنا 6 : 54 , 63 ) لان كلام الرب روح وحياة لمن يعمل به .

     لهذا عندما رأى الرب أن تلاميذه أعثروا بكلامه عن التناول من جسده ودمه. قال لهم : أهذا يعثركم فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا.

    بمعنى إن كانت الأرضيات تعثركم فإن السمائيات ستكون أكثر عثرة من الأرضيات.

     ومع ذلك فإنه لا الأرضيات ولا السماويات معثرة لمن له فكر المسيح ( كورنثوس الأولى 2 : 16 ).

     لأن المعنى واضح " فان رأيتم ابن الانسان صاعدا إلي حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 12 ).

     هذا يعنى أن صورته كابن إنسان هي صورة ابن إلوهيم التي كانت له منذ الأزل قبل تجسده ( حزقيال 1 : 26 ) وأنه صعد بصورته الجسدية. إلى حيث كان أولا بصورته الروحية. التي نزل بها إلى عالمنا. متجسدا. صائرا في شبه الناس.

    هذه هي السمائيات وهذا هو سر المسيح أنه كان في صورة إنسان منذ الأزل. وأنه بهذه الصورة خلق العالم ( الأمثال 8 : 30 ) السر الذى لم يعلم به أحد من رؤساء هذا الدهر. السر الذى أعلنه بولس الرسول بقوله:

    " أنه بإعلان عرفني بالسر .. الذى بحسبه .. تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح. الذي في أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر.. وأنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في إلوهيم خالق الجميع بيسوع المسيح " ( أفسس 3 : 3 - 9 ).

     فيسوع ومعنى اسمه " إلوهيم يخلص " ( مزمور 69 : 35 ) ( لوقا 3 : 6 ) هو المسيح حكمة إلوهيم .. الممسوح منذ الأزل .. الذى منذ وجود أبيه ( اشعياء 48 : 16 )  كان عنده صانعا ( الأمثال 8 : 12, 23 , 30 ) ( العبرانيين 13 : 8 ).

   هذه هي أقوال إلوهيم. فمن لا يصدق إلوهيم فقد جعله كاذبا ( يوحنا الأولى 5 : 10 ).



المبحث الثالث

معنى كلمة " ابن " في اللغة

       كلمة ابن في اللغة لها معانى ودلالات مختلفة.

       فهى تعنى صورة جوهر روحانى بالطبيعة أو بالتبنى كولادة النور من النور, كما تعنى المولود من مصدر ما ولادة جسدانية, كما تعنى الإنتماء لشىء ما مثل ابن النيل.

       والصورة هي الهيئة المنظورة لجميع الموجودات فهى صورة الجوهر وهى كائنة إما بالذات أو بالخلق, والإنسان هو الوحيد المخلوق على صورة إلوهيم وشبهه ( تكوين 1 : 26 -27 ).

     والبنوة نوعين : بنوة طبيعية, وبنوة بالتبنى

      اولا  :  البنوة الطبيعية مثل ولادة أقنوم العقل من أقنوم وجوده, ومثل ولادة الابن من الأب, فالمولود من الروح هو روح, والمولود من الجسد هو جسد.

      فإن كان الآب جسدانى يكون ابنه جسدانى. أى له صورة جسد أبيه , إلا أن روحه تختلف عن روح أبيه لأنها لا تولد منه بل هي خلق جديد, وهى رغم أنها تولد مع الجسد إلا أنها ليست من مكوناته. لهذا فإن الأبناء وإن كانوا يشتركون في اللحم والدم أي الجسد. إلا أنهم أفراد متعددون لكل منهم روحه الخاصة وشخصيته المستقلة.

     ثانيا :  البنوة بالتبنى كبنوة البشر والملائكة لإلوهيم ( أيوب 38 : 7 ) ( لوقا 20 : 35 -36 ) بسبب اشتراكهم في روح الابن روح الحياة ( رومية 8 : 2 , 11 ) الذى به نصير أبناء إلوهيم ( غلاطية 4 : 5 -7 ) ( لوقا 20 : 35 -36 ).

      أما ابن إلوهيم فهو المولود من الآب منذ الأزل, كولادة النور من النور لأن المولود من الروح هو روح وهذه بديهية لأن إلوهيم روح وصورته روحية, والابن إذ هو كلمة الآب الناطق بكلمته فهو أيضا صورته المعلنة لذاته , لهذا قيل عن الابن أنه بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره. وأن من يراه يرى الأب.

      وهكذا أيضا لفظة ابن الإنسان فإنها تعنى صورة الإنسان أي الشكل الخارجي.       

      بالنسبة للبشر فإن صورة الإنسان الخارجي جسدانية لأنها مركبة من لحم ودم. لهذا كما هو مكتوب إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما.

    بمعنى أنه كما أن أرواح المواليد تتشارك في اللحم والدم إشترك هو أيضا ( أي يسوع المسيح صورة إلوهيم الناطق بالكلمة ) في اللحم والدم وجعله على صورة مجده. أي على صورته الإنسانية التي كانت له قبل تجسده ( حزقيال 1 : 26 - 28 ) ( دانيال 7 : 13 – 14 ) لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب. أي أن صورة المسيح الإنسانية هي صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره , وهو ما نظره إشعياء النبى قبل تجسده جالسا على عرشه بين تسبيح السيرافيم ( إشعياء 6 : 1 – 5 ) وقد ظل رغم تجسده ووجوده على الأرض بين الناس جالسا على عرشه فى السماء بين تسبيح السيرافيم, وهذا معنى قول الرب :

     " وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء " ( يوحنا 3 : 13 ).

      وهذا برهان على أن صورة ابن الإنسان الذى كان فى السماء والذى خلق الإنسان على صورتها كشبهها هى صورة روحية.

    وهذا رد على المبتدع الذى قال كيف يسمى إنسانا وهو لم يأخذ روح الإنسان, فليسمع أيضا قول الرب :

     "  أهذا يعثركم, فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا " ( يوحنا 6 : 62 ).

      فإن كان ابن الإنسان من جوهرنا فكيف يقول أنه سيصعد إلى حيث كان أولا بذات صورته الإنسانية التى كانت له منذ الأزل.

    فالكلمة صعد بالجسد الذى هيأه على صوره مجده, ولم يصعد معه إنسان له روح انسانية عاقلة ليشركه معه فى مجد الربوبية وكرامتها , لأنه مكتوب : لا يكن لك آلهة أخرى أمامى ( الخروج 20 : 3 ) أنا الرب هذا اسمي ، ومجدي لا أعطيه لآخر ( أشعياء 42 : 8 ) وأيضا كرامتى لا عطيها لآخر ( اشعياء 48 : 11 ) أنا هو. أنا الأول وأنا الاخر.

    مما تقدم يتضح أن المقصود بالقول أن المسيح هو إبن الإنسان لا يعنى كما فهم أصحاب الطبيعتين بأنه يعنى أنه إنسان مثلنا له روح انسانية عاقلة اتحد به الكلمة بكيفية مختلف حولها بينهم.   

     إذ المحقق كتابيا أن أبن الإنسان ليس إنسان مثلنا لأننا لم نقبل الإنجيل من إنسان وهو ما أكده بولس الرسول ثلاث مرات ( غلاطية 1 : 1 , 11-12 ) بل من يسوع المسيح إبن إلوهيم الوحيد حسب قانون الإيمان الرسولى, وهذا ما أعلنه الرب  لنيقوديموس بقوله : " وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع ابن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 14 – 17 ).

   من ذلك يتضح ان ابن الإنسان هو نفسه الابن الوحيد الذى جاء في الجسد لأن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) ومن ثم فإن اسم يسوع المسيح لا يخص انسان مثنا اتحد به الابن الوحيد كما يزعم اضداد المسيح الذين هلاكهم لا ينعس.

  

  

الإعتراض الخامس

على أن اسم يسوع المسيح أزلى وأنه مسح منذ الأزل

    يقول المعترض:

    أن من الإدعاءات الخاطئة القول : بأن اسم يسوع المسيح أزلى وأنه ممسوح من الآب منذ الأزل بالروح القدس ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 ).

 

     المحقق لدينا أن المعترض جاهل تماما بالكتاب المقدس والأكثر أنه غير مدرك أساسا بوجوده أو بمعنى كتاب مقدس بدليل اتهامه لأيات الكتاب المقدس بانها غير علمية وغير مقبولة فضلا عن تكذيب أياتها ومعارضتها , ومن ثم فليس مستغربا من من مثله أن يتجاسر بحماقة الجهال ويرى أن التعليم بان اسم يسوع المسيح أزلى وأن القول بأن المسيح ممسوح منذ الأزل تعليم غير كتابى.

 

  أولا :  البرهان على أن اسم يسوع أزلى

     عندما ظهر ملاك الرب ليوسف لينبئه عن ولادة المسيح قال له :

     وتدعو اسمه يسوع ( يهوه يخلص ) لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " ( متى  1 : 21 ).

    فمعنى اسم يسوع كما أخبره الملاك " يهوه شوع " أى إلوهيم مخلص. لأنه يخلص شعبه من خطاياهم.

        وفى هذا يقول داود النبى:

        " يهوه يخلص " ( مزمور 69 : 34 ) والتى ترجمت " إلوهيم يخلص "

        واسم يسوع أو يشوع في العبرية معناه حرفيا " يهوه يخلص ".

      ويقول داود النبى أيضا : " لأن " إلوهيم يخلص " صهيون ( مزمور 69 : 35 )  

     وأيضا: إلوهيم ملكي منذ القدم ، فاعل الخلاص في وسط الأرض ( مزمور 74 : 12 ) ( لوقا 3 : 3 ).

     كما ورد اسم إلوهيم مخلص بضمائر مختلفة  في العهدين كالتالى :

     إلوهيم مخلصى ( مزمور 7 : 10 )( لوقا 1 : 47 ) إلوهيم مخلصنا ( تيموثاوس الأولى 1 : 1 ) إلوهيم مخلصهم ( مزمور 106 : 21 ).

     ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصا للعالم. من اعترف أن يسوع هو ابن إلوهيم ، فإلوهيم يثبت فيه وهو في إلوهيم ( يوحنا الأولى 4 : 14  -16 ).

     أن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا إلوهيم ( تيموثاوس الأولى 2 : 3 ).

     لأننا قد ألقينا رجاءنا على إلوهيم الحي ، الذي هو مخلص جميع الناس ( تيموثاوس الأولى 4 : 10 ).

    وهو ما سبق وأخبر عنه الرب في سفر أشعياء النبى بقوله تبارك اسمه :

     أنا أنا الرب ، وليس غيري مخلص. أنا أخبرت وخلصت وأعلمت وليس بينكم غريب. وأنتم شهودي ، يقول الرب ، وأنا إلوهيم (  أشعياء 43 : 11 – 12 ).

     أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري؟ إله بار ومخلص . ليس سواي 22 التفتوا إلي واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض ، لأني أنا إلوهيم وليس آخر 23 بذاتي أقسمت ، خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع : إنه لي تجثو كل ركبة (  أشعياء45  : 21 – 23 ).

     قولوا لابنة صهيون : هوذا مخلصك آت . ها أجرته معه وجزاؤه أمامه ( أشعياء 62 : 11 – 12 ).

    وهذا معناه أن اسم يسوع " إلوهيم يخلص " هو اسم الثالوث . لهذا يقول الابن" أنا أتيت باسم أبى ولم تقبلونى " ( يوحنا 5 : 43 ) وأيضا يقول للآب أنا أظهرت اسمك ( أى اسم يسوع المسيح ) للناس الذين أعطيتنى من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لى ( يوحنا 17 : 5 ).

   مما تقدم يتضح إسم يسوع قديم ولم يستحدث بميلاده .

  وعلى ذلك فإن اعتقاد  المعترض الذى يساير به النساطرة في معتقدهم بأن اسم يسوع محدث وأن إلوهيم لم يسمى به قبل تجسده . قد ثبت كتابيا عدم صحته . لأن اسم إلوهيم يخلص ( يسوع ) معروف قبل تأسيس العالم .

     فإسم يسوع مركب في العبرية من كلمتي " يهوه شوع "  أي إلوهيم يخلص, وهذا عين ما أعلنه ملاك الرب ليوسف بقوله:

  أن الذى حبل به في بطن مريم هو من الروح القدس لذلك " فستلد إبنا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " ( متى 1 : 21 ) 

  مما تقدم يتضح أن اسم يسوع ليس إسم خاص بإنسان بل خاص بإلوهيم وهذا الإسم يثبت أن يسوع هو إلوهيم بالحقيقة. لأن معنى إسم يسوع " إلوهيم يخلص ". هذه هي الحقيقة التي أعلنها ملاك الرب ليوسف وهى عينها المعلنة في الأنبياء منذ القديم.

      وفى هذا يقول داود في المزمور:

      لأن " إلوهيم يخلص " صهيون .. ومحبو اسمه يسكنون فيها ( مزمور 69 : 35 ).

     مما تقدم يتضح أن معنى اسم يسوع هو " يهوه يخلص " أي إلوهيم يخلص .

 

   ثانيا  : البرهان على أن الحكمة مسح مسيحا منذ الأزل

 

       المحقق كتابيا أن الحكمة .. مسح مسيحا منذ الأزل ( أمثال 8 : 12 , 23 ).

        فالمسيح  هو الكائن في صورة إلوهيم منذ الأزل ( فيلبى 2 : 5 – 6 ) لأنه هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) فاسم يسوع المسيح الذى جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) مرادف لإسم إلوهيم الذى ظهر في الجسد ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 )

    كما أن اسم المسيح أزلى  بدليل قول الحكمة .. منذ الأزل مسحت ( أمثال 8 : 12, 23 ) وأيضا يقول يوحنا الرسول:

     " وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن إلوهيم " ( يوحنا 20 : 31 ).

     وأيضا بدليل قول السيد المسيح نفسه : ليس احد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو في السماء ( الإصطلاحان طبيعة وأقنوم ص 30 ) .

     واضح أن السيد المسيح بهذا القول قد قوض أركان جميع المذاهبة النسطورية لأن هذا معناه ان لقب ابن الإنسان أزلى قبل تجسده ( حزقيال 1 : 27 ).

     فكيف يقول يسوع المسيح لليهود قبل أن يكون إبراهيم انا كائن. أو قوله : فإن رايتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا  ( يوحنا 6 : 62 ) .

     من الواضح أن هذه الأقوال تثبت ازلية اسم المسيح وأيضا أزلية صورته الروحية كإبن انسان التي هي صورة إلوهيم, الذى خلقنا على صورته كشبهه.

    هذه الأقوال التي قالها الرب والتي تبطل جميع عقائد النساطرة حيث لا يستدل منها  على أن  طبيعة المسيح واحدة ممتزجة من طبيعتين حسب يعقوب البرادعى, أو مختلطة أو مركبة حسب مجمع خلقيدونية أو متحدة مع انسان يدعى المسيح حسب نسطور .

     المسيح هو حكمة إلوهيم وقد اشتق اسمه من المسحة لأنه مسح مسيحا بروحه الأزلى منذ الأزل.

     فالمسيح هو صورة إلوهيم وحكمته وكمال الإعلان الإلهى عن إلوهيم سواء بالكلمة المسموعة أو بالصورة المنظورة وقد سمى كذلك لأنه مسح منذ الأزل.

     وفى هذا يقول المسيح حكمة إلوهيم نفسه:

     أنا الحكمة  ..  منذ الأزل مسحت ، منذ البدء، ..  لما ثبت السماوات كنت هناك أنا .. لما رسم أسس الأرض. كنت عنده صانعا .. فالآن أيها البنون اسمعوا لي  ..  من يخطىء عني يضر نفسه . كل مبغضي يحبون الموت ( الأمثال8 : 12 - 36 ).

      مما تقدم يتضح أن اسم يسوع المسيح معروف منذ الأزل وأنه ممسوح منذ الأزل, وهذا برهان على اسم يسوع المسيح  تعليم كتابى على خلاف ما يدعى المعترض وفيما يلى نسوق بعضا من هذه الأدلة الكثيرة.

     فالمسيح حكمة إلوهيم .. الممسوح منذ الأزل .. هو الناطق بروجه في الأنبياء وهو القائل لم أتكلم من البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك والآن السيد الرب أرسلنى وروحه. هكذا يقول الرب فاديك قدوس إسرائيل ( اشعياء 48 : 16 – 17 )  فيسوع المسيح هو هو امسا واليوم وإلى الأبد ( العبرانيين 13 : 8 ) هو هو فادينا ومخلصنا كما جاء في الأسفار المقدسة.

      لهذا فإن المسيح هو رأس الكنيسة ، وهو مخلص الجسد (  أفسس 5  : 23 ).

 الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 12 ).

     فالحياة أظهرت بظهور مخلصنا يسوع المسيح ، الذي أبطل الموت ( موت الجسد ) وأنار الحياة والخلود ( تيموثاوس الثانية 1 : 10 ).

     لهذا نحن ننتظر الرجاء المبارك ( بقيامة الأموات ) وظهور مجد إلوهيم العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا ، لكي يفدينا من كل إثم ، ويطهر لنفسه شعبا خاصا ( تيطس 2 : 13 – 14  ).

     بحسب أمر مخلصنا إلوهيم  ..  نعمة ورحمة وسلام من إلوهيم الآب والرب يسوع المسيح مخلصنا ( تيطس 1 : 3 ).

       ويقول بطرس الرسول للمؤمنين الذين بالميلاد الثانى نالوا غاية إيمانهم خلاص النفوس : أن هذا الخلاص:

  " فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأو عن النعمة التي لأجلكم باحثين أي وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها ( بطرس الأولى 1 :10 ) :

    فروح المسيح  الذى هو الروح القدس الناطق بالكلمة في الأنبياء هو إلوهيم الكلمة القائل:

 أنتم شهودي ( أي تلاميذ المسيح ) يقول الرب، وعبدي الذي اخترته ( أي المسيح المختار أو المعين والممسوح منذ الأزل لخدمة الخلاص ) لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو ( أي أنا الذى في صورة العبد ) قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون.  أنا أنا الرب ، وليس غيري مخلص. أنا أخبرت وخلصت وأعلمت وليس بينكم غريب, وأنتم شهودي ، يقول الرب ، وأنا إلوهيم .. هكذا يقول الرب فاديكم قدوس إسرائيل ( إشعياء 43 : 10 - 14 ).

     في هذه الآيات تكلم روح المسيح متنبئا عن تلاميذه الذين سيتخذهم شهودا له مع عبده المختار الذى سيصنع أعمال إلوهيم لكى يعرف تلاميذه أنه وإن ظهر في شكل العبد إلا أنه هو إلوهيم المخلص وأنه لا يوجد إله مخلص قبل ظهوره ولا يكون بعده . لأنه ليس بأحد غيره الخلاص لأنه هو إلوهيم الصانع الخلاص الذى سبق وأخير به, وتلاميذه شهودا بذلك.

      ويقول إشعياء النبى أيضا :

     هكذا يقول الرب فاديك وجابلك من البطن ( إشعياء 44 : 24 ).

     هذه الإية تثبت أن مصور الإنسان في بطن أمه هو نفسه الفادى والمخلص وليس إنسان.

    وفى هذا قال بولس وسيلا لسجان فيلبى : 

    آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك ( أعمال 16 : 31 ).

     مما تقدم يتضح أنه بما أن المسيح مسح مسيحا  منذ الأزل وهذا ما أعلنه المسيح حكمة إلوهيم نفسه بالقول :

    أنا الحكمة  ..  منذ الأزل مسحت ، منذ البدء، ..  لما ثبت السماوات كنت هناك أنا .. لما رسم أسس الأرض. كنت عنده صانعا .. فالآن أيها البنون اسمعوا لي  ..  من يخطئ عني يضر نفسه . كل مبغضي يحبون الموت ( الأمثال8 : 12- 36  )

     فهذا معناه منطقيا أنه إذا كان اسم المسيح ومسحته أزليان فإن إسم يهوه يخلص أي يسوع هو أيضا أزلى لأن المسيح هو المعين منذ الأزمنة الأزلية لخلاصنا.

 

ثالثا :  البرهان على ان اسم المسيح هو اسم الثالوث

       في البدء قال الوهيم ( أى الآلهة ) نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ( تكوين 1 : 26  ) ونفخ في انفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية ( تكوين 2 : 7 ).

   من ذلك يتضح أن للثالوث صورة إنسانية بدليل خلق الإنسان على هذه الصورة , وفى هذا يقول بولس الرسول أن إلوهيم كلمنا في هذه الآيام الأخيرة فى ابنه .. الذى به أيضا عمل العالمين ( أي انه هو الذى خلق العالم المنظور والعالم الغير منظور ) الذى وهو بهاء مجده ورسم ( صورة ) جوهره ( أي صورة الآب الموجود بذاته ) .. بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا .. جلس في يمين ( قوة ) العظمة في الأعالى ( العبرانيين 1 : 1 -4 ).

     ويقول ارميا النبى  أن النفس الذى نتنفسه من أنوفنا هو من نفخة المسيح في أنف آدم بقوله: نفس انوفنا مسيح الرب ( مراثى ارميا 4 : 20 ).

    وهذا ما أثبته المسيح نفسه بقوله لتلاميذه :

     " أنتم تؤمنون بإلوهيم فآمنوا بى .. لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه " ( يوحنا 14 : 1 - 7 ).

     من ذلك نرى أن المسيح بقوله لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه وأن من رآه فقد رأى الآب.

     لهذا يقول الابن" أنا أتيت باسم أبى ولم تقبلونى " ( يوحنا 5 : 43 ) وأيضا يقول للآب أنا أظهرت اسمك ( أى اسم يسوع المسيح ) للناس الذين أعطيتنى من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لى ( يوحنا 17 : 5 ).

     وأيضا قال الرب لتلاميذه ما موجزه :

     أن العالم لا يعرف روح الحق لأنه لم يراه ولم يعرفه أما هم فيعرفونه لأنه فى وسطهم وسيكون فيهم ( يوحنا 14 : 16 ).

     وهذا معناه أن أيا من رأى المسيح فقد رأى روح الحق أيضا لأنه هو الطريق والحق والحياة.

     مما تقدم يتضح أن المسيح ابن إلوهيم هو الأقنوم الثانى فى الثالوث وأنه كائن بالآب فى الروح القدس.

     وهذا معناه أنه كما أن الابن هو التعبير الكيانى وصورة الآب من رآه فقد رأى الآب. هكذا هو أيضا التعبير الكياني وصورة الروح القدس من رآه فقد رأي الروح القدس[1].  

    وخلاصة الأمر أن أيا من رأى المسيح صورة الآب فقد رأى الآب والروح القدس أيضا لأن الابن هو الصورة الكيانية الموضحة لجوهر الثالوث. لأن الابن هو بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) لأن الرسم يظهر الأصل تماما والرسم موجود بكليته فى الأصل أى أن المسيح صورة إلوهيم من رآه فقد رأى الآب والروح القدس جميعا بسبب وحدة الكيان والصورة.

 

( 1 )   اسم المسيح هو اسم الآب

     الآب أظهر اسمه بالابن الذى فيه عرف البشر اسم الآب وصورته ( يوحنا 17 : 6 , 26 ).

    والابن هو بهاء مجده ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) بمعنى أن الابن هو بهاء مجد الآب وصورته. من رآه فقد رأى الأب ( يوحنا 14 : 9 ).

     فالمسيح إذ كان فى صورة الآب منذ الأزل إذ هو رسم جوهره ومساو له ( فيلبى 2 : 5 - 8 ) نزل من السماء من حيث كان أولا ( يوحنا 6 : 62 )  وهو لم يزل فى السماء ( يوحنا 3 : 13 ).

     والروح القدس أتى باسم المسيح ( يوحنا 14 : 26 ) إذ هو روح المسيح وصورته الكيانية ( أمبروسيوس الروح القدس 1 : 13 فقرة 133 - 139 ) ( شرح إنجيل يوحنا 4 : 3  يوحنا 6 : 63 ص 175 - 176 ). 

     فالروح القدس إذ هو روح المسيح يسمى أيضا بالمسيح. لهذا  يقول بولس الرسول :

     " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في " ( غلاطية 2 : 20 ).

     فكيف سيحيا فينا المسيح؟ أليس بروحه المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى.

     مما تقدم يتضح أن إلوهيم جوهر واحد وصورة واحدة واسم واحد هو يسوع المسيح.

     وهذا معناه أن للآب والإبن صورة واحدة. وصورة الآب والابن هى ذاتها صورة الروح القدس فالثالوث صورة واحدة واسم واحد.

    وأما أن للثالوث صورة واحدة فمعلنة من أول أسفار الكتاب المقدس, وفى هذا يقول آلوهيم:

    " نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا ".

     وجاء في سفر أرميا النبى أن الذى نفخ في أنف آدم نفس الحياة هو المسيح الرب بقوله:

     نفس أنوفنا مسيح الرب ( مراثى أرميا 4 : 20 ) وهذا ما أعلنه المسيح حكمة إلوهيم بقولها:

     أنا الحكمة .. منذ الأزل مسحت .. وأنه صانع كل شىء ( الأمثال 8 ).

     فالأب والابن والروح القدس . ثلاثة أوجه متمايزة. إلا أن كل منهم يمكن رؤيته فى الآخر بسبب وحدة الصورة والجوهر.

    لهذا يقول الابن أنا والآب واحد, وأيضا من رآنى فقد رأى الآب ( بسبب وحدة الصورة ).

    ولكن الابن متمايز عن الآب والروح القدس فى الأقنوم. 

    لهذا نحن نؤمن بإله واحد مثلث الأوجه أو الأقانيم هم الآب والابن والروح القدس. ورغم أنهم متمايزون في الأوجه إلا أنهم واحد فى الجوهر.

     لهذا لا يمكن أن يوجد الأقنوم بمعزل عن جوهره. فحيثما وجد الأقنوم هناك الجوهر كاملا. لأن من رأى الابن فقد رأى الثالوث كاملا, وهكذا الروح القدس لا يحل بمعزل عن جوهره.

    لهذا فإن من يتصور أن الكلمة يمكن فصله عن أبيه بحيث يمكنه أن يشخص على انفراد روح إنسانية مخلوقة حسب معتقد خلقيدونية أو يشخص على انفراد روح لا جنس لها حسب معتقد اليعاقبة بحيث يصيرها طبيعته الخاصة أى روحه الخاصة.  لا يدركون أنهم بإدخال التركيب على جوهر خالق الكل بجعله مركبا من خالق ومخلوق قد وضعوا أنفسهم ليس فقط خارج دائرة الإدراك السليم. بل خارج الإيمان أيضا.

    لأن من يقولون أن روح الابن إنسانية أي مخلوقة أو ممتزجة لا جنس لها.  لا يدركون عمق هوة الهلاك التي حفروها لأنفسهم, ولا الخطر الذى أحدق بهم لأنهم لا يفهمون ما يقولون ولا ما يقررونه ( تيموثاوس الأولى 1 : 7 ) .

     هؤلاء لا يدركون معنى أن الثالوث جوهر واحد. أنه يعنى أن الواحد في الثالوث, والثالوث في الواحد. فعندما يقول بولس الرسول : فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى. فإننا نفهم من ذلك أن روح المسيح الذى يحيينا هو الروح القدس روح القيامة والحياة. روح الآب .

      فلو كانت روح المسيح إنسانية أو ممتزجة لا جنس لها. فلا تكون روحا محييا لأن الروح المحيى هو الروح القدس روح القيامة والحياة .

    فإن كانت روح المسيح إنسانية أو ممتزجة فى الزمان فإنها تكون روحا محدودة, وغير أزلية, وغريبة عن الروح القدس الذى هو روح المسيح الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) الذى به نصير هياكل للروح القدس ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ).

    إن قيامة أجسادنا لن تكون بروح إنسانية ولا بروح ممتزجة لا جنس لها بحسب زعم أصحاب الطبيعتين. بل بروح المسيح ابن إلوهيم الذى هو الروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 13 – 14 ) ( رؤيا 11 : 11 )[2]. لأن إلوهيم أرسل ابنه لكى نحيا به.

       نحن نفهم ذلك وفقا للتعليم الرسولى أن الكلمة هو إلوهيم الذى ظهر فى الجسد وأنه حيثما وجد أحد الثالوث فهناك الثالوث القدوس كاملا, وكذا من سمى يسوع المسيح فقد سمى إلوهيم لأن من رأى الابن فقد رأى الآب والروح القدس معا. لهذا فإن اسم يسوع المسيح هو اسم إلوهيم ومرادف له. لهذا قيل كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه جاء فى الجسد فليس من إلوهيم وأيضا عظيم هو سر التقوى إلوهيم ظهر فى الجسد لأن الكلمة هو إلوهيم وكان عند إلوهيم منذ الأزل.

      وهذا التعليم هو الذى يتفق مع التعليم الصحيح لأثناسيوس الرسولى القائل:

      " أن الثالوث لا يتجزأ إذ هو واحد فى ذاته. لأنه حيثما ذكر الآب ذكر ضمنا كلمته والروح القدس, وإذا ذكر الابن فإن الآب فى الابن, والروح القدس أيضا لا يخرج عن الابن. لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن فى الروح القدس, وهناك طبيعة واحدة إلهية وإله واحد .. لهذا فإن بولس عندما قال " أناشدك أمام إلوهيم والرب يسوع المسيح " ( تيموثاوس الأولى 1 : 25 ) كان واثقا بأن الروح لم ينفصل عن الابن بل هو نفسه فى المسيح كما أن الابن فى الآب ( الرسالة الأولى إلى سرابيون ف 14 ص 47 – 48 ). 

     لأنه كما أن الابن فى الآب والآب فى الابن هكذا أيضا هو فى الروح القدس والروح القدس فيه إذ هـو روحـه الذاتى وتعبيره الكيانى. لأن الرب هـو الروح ( كورنثوس الثانية 6: 17 ) الذى يرسله الآب باسم المسيح ( يوحنا 14: 26 ) الذى يحل بالإيمان فى قلوبنا.

     فالابن لم يأت باسم مختلف والروح باسم آخر. بل أتى كليهما باسم واحد لسبب وحدة الجوهر. لهذا كما أن الروح يسمى " باركليت " هكذا الابن أيضا يسمى باركليت أى معزى بدليل قوله " أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر " ( يوحنا 14 : 16 ) وقوله معزيا آخر دليل على أن وحدة الاسم بسبب وحدة الجوهر لا تبطل تمايز الأقانيم فى الثالوث.

      فالابن هو الصورة الكيانية الموضحة لجوهر الثالوث. لأن الابن هو بهاء مجد إلوهيم ورسم جوهره ( العبرانيين 1 : 3 ) لأن الرسم يظهر الأصل تماما والرسم موجود بكليته فى الأصل أى أن المسيح صورة إلوهيم هو رسم الثالوث الكامل من رآه فقد رأى الآب والروح القدس جميعا بسبب وحدة الجوهر.

     لهذا قال الرب لتلاميذه ما مفهومه :

     أن العالم لا يعرف روح الحق لأنه لم يراه ولم يعرفه أما هم فيعرفونه لأنه فى وسطهم وسيكون فيهم ( يوحنا 14 : 16 ).

 

( 2 )  اسم  المسيح هو اسم الابن الكلمة

      المسيح هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره من رآه فقد رأى الآب.

      فالمسيح هو كلمة إلوهيم , وكلمة إلوهيم ليس لفظة مكتوبة أو منطوقة  بل هي شخص اسمه المسيح . فالمسيح هو عقل إلوهيم الناطق بكلمته والمعلن لذاته .

     فالمسيح كلمة إلوهيم هو شخص, وليس لفظة منطوقة أو مكتوبة, وهذا معناه أن المسيح هو المشخص والمعلن للأب. أي أنه عين الذات الإلهية.

     مما تقدم يتضح أن المسيح هو عقل إلوهيم الناطق بالكلمة المعلنة والمشخصة لذاته وهذا معناه أن المسيح الكلمة هو شخص إلوهيم الناطق باسمه .

      فالمسيح هو كلمة إلوهيم المشخصة والمعلنة للآب غير المنظور. فالمسيح هو الإعلان الكامل عن ذات إلوهيم وكلمته.

     فالكلمة هى التعبير الكيانى عن العقل.

     لهذا يقال أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الكلمانى أى العاقل.

     فالكلمة هى التعبير أو الإعلان عن ذات المتكلم.

     لهذا قال أحد الفلاسفة : تكلم أقول لك من أنت؟

     وهو ذا إلوهيم قد تكلم بشخصه من خلال كلمته الذاتية المعلنة لجميع البشر من خلال المسيح كلمة إلوهيم وروحه بهاء مجده ورسم جوهره.

     فالمسيح هو كلمة إلوهيم وروحه المعلنة للبشر.

     لذلك فإن الذين ينكرون لاهوت المسيح بالقول أنه إنسان مولود من مريم يجهلون ان اسم المسيح هو اسم ابن إلوهيم وليس اسم إنسان.

 

(  3  )  اسم المسيح هو اسم الروح القدس

    وفى هذا يقول بولس الرسول :

    إلوهيم قد أقام الرب ، وسيقيمنا نحن أيضا بقوته. ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح ؟ ..  أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم ، الذي لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 14 – 19 ).

     لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ، لكنه حي بقوة إلوهيم . فنحن أيضا ضعفاء فيه ، لكننا سنحيا معه بقوة إلوهيم من جهتكم .. أم لستم تعرفون أنفسكم ، أن يسوع المسيح هو فيكم ، إن لم تكونوا مرفوضين ( كورنثوس الثانية 13 : 4 – 5 ).

     لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت .. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا إلوهيم. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له, وإن كان المسيح فيكم، فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر. وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 2,  2 ).

     لأني مت بالناموس للناموس لأحيا لإلوهيم. مع المسيح صلبت ، فأحيا لا أنا ، بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 19 – 20 ).

      وبه أيضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد ، بخلع جسم خطايا البشرية ، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية ، التي فيها أقمتم أيضا معه بإيمان عمل إلوهيم ، الذي أقامه من الأموات . وإذ كنتم أمواتا في الخطايا وغلف جسدكم ، أحياكم معه ، مسامحا لكم بجميع الخطايا ( كولوسى 2 : 11- 13 ).

   هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم ( رؤيا 20 : 5 – 6  ).

فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح جالس عن يمين إلوهيم .. لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في إلوهيم. متى أظهر المسيح حياتنا ، فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه في المجد ( كولوسى 3 : 1 – 4 ).

     صادقة هي الكلمة : أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضا معه ( تيموثاوس الثانية 2 : 11 ).

  

 

الاعتراض السادس

على أن المسيح مساو للآب في الجوهر وليس مخلوق

 

     إنكر المعترض لاهوت المسيح بالقول بأنه إنسان مثلنا بروح إنسانية عاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى فقرة 2 ص 135 ).

       والواقع أن التعليم بأن للمسيح روح إنسانية عاقلة  هو بدعة نسطور التي تم حرمها في مجمع أفسس الأول, وهى بدعة لا تعارض الحق الكتابى وحده بل تعارض الأسس التي تقوم عليها البدعة اليعقوبية التي يعتنقها المعترض رسميا والقائمة على بدعة القول بأن المسيح طبيعة واحدة ممتزجة من طبيعتين .

   وفى هذا يقول القمص تادرس يعقوب ملطى :

   إننا لا نؤمن بطبيعة احدة لاهوتية للسيد المسيح, وإنما بطبيعة واحدة متحدة من طبيعتين ( الإصطلاحان طبيعة وأقنوم ص 26 ).

    أي أنه لا يؤمن بأن المسيح هو المساو للآب في الجوهر وأنه غير مخلوق حسب قانون الإيمان الرسولى والحق الكتابى.

    وعليه فإن قول القمص بطبيعة واحدة ( ممتزجة ) من طبيعتين معناه أن الطبيعتين لاشيا بعضهما بعضا ونشأت طبيعة جديدة ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا . فسقط في بدعة ملاشاة الإله والإنسان معا , وهى بدعة أكثر شناعة من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا التي يتفاخر بالتبرء منها .

    والواقع أن إنكار ورفض الحق الكتابى القائل بأن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 – 10 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 – 11 ) وقبول تعاليم مضادة تنكر هذا الحق وتعلم بخلافه بأن روح المسيح إنسانية  أو مركبة من خالق ومخلوق أو ممتزجة مكونة كائن لا جنس لأنه ليس بإله ولا بإنسان هو تجديف على روح المسيح الذى هو الروح القدس, فضلا عن كونه يحول سر عبادتنا العظيم إلى عبادة انسان أو كائن لا جنس له.


البراهين الكتابية على أن المسيح ليس إنسان بالجوهر

     يقول بولس الرسول "  بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح " ( غلاطية 1 : 1 , 12 ).

     هنا أثبت القديس بولس أن إرساليته لم تكن بتكليف من إنسان أيا كان. بل بيسوع المسيح باعتبار ان اسم يسوع المسيح لمن أعلن لهم الروح القدس هو اسم إلوهيم.

     ويستطرد بولس الرسول قائلا:

     إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. ليس هو آخر. غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح (  أي إنجيل إلوهيم. رومية 15 : 16 ) الذى هو يسوع المسيح, ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن محروما .. وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته. بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 6 - 12 ).

     من ذلك نرى أن بشارة بولس وإرساليته لم يكونا بإنسان ولا من إنسان بل بيسوع المسيح. وفى هذا يقول بولس الرسول :

     لى أنا أصغر جميع القديسين أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم بغنى المسيح الذى لا يستقصى وأنير الجميع فى ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور فى إلوهيم خالق الجميع بيسوع المسيح. لكى يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين .. بواسطة الكنيسة ( أفسس 3 : 3 - 10 ).

     فإذا كان يسوع المسيح إنسان حل فيه إلوهيم الكلمة حسب معتقد أصحاب الطبيعتين فكيف نستنير بالسر المكتوم فى أن إلوهيم الآب خلق كل الأشياء بيسوع المسيح الذى هـو بالحق صورة إلوهيم وحكمته الممسوح أزليا.

     فالمسيح ليس إنسان مثلنا حل فيه إلوهيم الكلمة وجعله واحدا معه فى اللاهوت كما يزعم أصحاب الطبيعتين. بل أن المسيح كما يقول بولس الرسول إذ كان فى صورة إلوهيم .. أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ( فيلبى 2 : 5 - 8 ).

    فالمسيح ليس إنسان اتحد به الكلمة بل أنه صورة إلوهيم الذى نزل من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) ليأخذ شكل العبد ليبدوا فى الهيئة كإنسان قابلا للموت. حتى بالموت يبطل الموت مظهرا مجده ولاهوته.

    وقد أوضح الكتاب ما شاركنا فيه الرب بأنه شاركنا اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وفى هذا يقول بولس الرسول :

    إذ قد تشارك الأولاد ( أى أرواح المواليد ) فى اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سطان الموت ( العبرانيين 2 : 14 ).

     من ذلك يتضح أن المسيح ابن إلوهيم شاركنا فى اللحم والدم ليكون مثلنا قابلا للموت بسفك دمه. حتى إذا ما إلتقى بالموت فى جسده الخاص أبطله بروحه المحيى الذى هو الروح القدس, وبهذا يبيد الموت وسلطان إبليس.

     وبهذا أوضح الرسول تحديدا ما شاركنا فيه الرب, ولم يذكر مطلقا أنه حل فى جسد أحد الأولاد حسب نسطور. أو أنه اتحد بروح أحد الأولاد وشخصها حسب خلقيدونية. أو أنه شكل باتحاده بأحد الأولاد روحا جديدة ممتنعة الجنس هى روح الإتحاد حسب البرادعى. الأمور التى ابتدعها أصحاب الطبيعتين أى القائلين بأن الكلمة اتحد بإنسان يدعى يسوع المسيح من الرحم بكيفية مختلف حولها بينهم.

     أما نحن الأرثوذكس فنؤمن بحسب الحق الكتابى بأن المسيح هو إلوهيم الذى ظهر فى الهيئة كإنسان. وأنه وإن ظهر فى الهيئة كإنسان إلا أنه وحده الذى كان فى صورة إلوهيم. لهذا قال من رآنى فقد رأى الآب أنا والآب واحد. أما نحن فلسنا صورة إلوهيم بل خلقنا على صورة إلوهيم وشبهه.

     لهذا قال الرسول أن إلوهيم ظهر فى الجسد, ولم يقل فى أى موضع أنه ظهر فى إنسان أو وحد إنسان من البشر بنفسه. فهذه كلها بدع هلاك مفسدة للإيمان المستقيم.  

    فالمسيح وإن ظهر فى الهيئة كإنسان إلا أن جوهره كان وما زال وسيظل إلهيا دون تغيير. إذ هو صورة إلوهيم بهاء مجده ورسم جوهره الممسوح منذ الأزل. 

 




الإعتراض السابع

على حرم من يقول بطبيعة من طبيعتين

     أعترض المعترض اليعقوبى على قولنا بوجوب حرم كل من يقول بطبيعة واحدة من طبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 295 ) وأتى المعترض بعبارة مكتوبة باللغة اليونانية ترجمتها هي :

     " طبيعة واحدة لإلوهيم الكلمة المتجسد "  وألحق بها القول " من طبيعتين " ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 293 , 295 ).

      وعلق عليها قائلا بأن هذه العبارة " من طبيعتين " صاغها القديس اثناسيوس الرسولى وسلمها للكنيسة ورددها كثيرا البابا ديوسقوروس في مجمع خلقيدونية.

     وبهذا جعل المعترض اليعقوبى كل من القديسين أثناسيوس الرسولى  وكيرلس عمود الدين وديوسقوروس حامى الأيمان من أصحاب الطبيعتين على المذهب اليعقوبى الذى ظهر في القرن السادس الميلادى.

   وحتى بفرض صحة نسبة هذا المعتقد للقديس أثناسيوس الرسولى أو أي قديس فعندئذ يجب أن يبين سنده في الكتاب المقدس فإن لم يوجد فيطرح قوله كنفاية عملا بقول القديس بولس الرسول القائل :

     إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم ، فليكن أناثيما, كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضا : إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم ، فليكن أناثيما ( غلاطية 1 : 8 - 9 ).

     فضلا عن أن بدعة يعقوب البرادعى الشهيرة " طبيعة من طبيعتين " لا يمكن أن تكون للقديس أثناسيوس الرسولى الذى يرفض أي تعليم يدخل الإختلاط في الطبيعة الإلهية ( كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ك 2 ف 1 ص  161 ) لأن الثالوث لا يختلط به شيء غريب ( " رسائل اثناسيوس الرسولى عن الروح القدس " الرسالة الأولى ف 11 ص 38 ).

     كما أثبت القديس اثناسيوس الرسولى أن الروح القدس يدعى في الأسفار المقدسة بروح إلوهيم وروح المسيح ( " رسائل اثناسيوس الرسولى عن الروح القدس " الرسالة الأولى الأولى  إلى سرابيون ف 11 ص 38 ).

    ومن ثم فلا يصح أن ننسب إليه بدع  وتعاليم الهراطقة.

     والواقع أن هناك فرق بين المصطلح  طبيعة واحدة " والمصطلح  طبيعة واحدة من طبيعتين " فإن جهل ذلك فليجهل.

   لأن ترجمة النص "  طبيعة واحدة لإلوهيم الكلمة المتجسد ".

   هو المعتقد الأرثوذكسى الذى نادى به اوطيخا وحرم بسببه لأن معناه أن الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد إلهية, وهذه بديهية.

    أما الهراطقة من أصحاب الطبيعتين فنسبوا إليه أنه يقول بأن الطبيعة الواحدة الإلهية التي للكلمة المتجسد هي من طبيعتين, بما يعنى أن الطبيعة الإلهية للكلمة المتجسد ابتلعت الطبيعة الإنسانية أي الروح الإنسانية العاقلة ولاشتها.

   وهذا ما يدعيه المعترض بإلحاق عبارة " من طبيعتين " لإفساد معنى القول بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد .

    لأن الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد  هي طبيعة واحدة بسيطة غير مركبة خاصة بالكلمة المتجسد, وبداهة أن هذه الطبيعة الواحدة للكلمة إلهية. إذ لا يعقل أن تكون روح الكلمة إنسانية أو غير إلهية, أو ممتزجة من روحين .

   أما بحسب بدعة المعترض بأن للكلمة المتجسد روح من روحين أى طبيعة من طبيعتين. فمعناه أن الطبيعتين بالإمتزاج لاشيا بعضهما بعضا ونشأت طبيعة جديدة ممتزجة تجمع خواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا.

     ونحن إذ نرفض هذا التعليم ونطرحه كنفاية فلكونه ظاهر الفساد ومتعارضا ليس مع الحق الكتابى وحده بل ومع المنطق ذاته , لهذا وجب تفنيده لإثبات ضلاله وعدم جواز نسبته لهذا القديس العظيم .

      وأول ما يؤخذ على هذا المصطلح هو أنه لم يبين جنسية هذه الطبيعة الواحدة الممتزجة من طبيعتين هل هي إلهية أم إنسانية, أما أنها طبيعة جديدة لا جنس لها؟

      أما عن قولنا : بأن للمسيح الكلمة المتجسد روح واحدة إلهية هي الروح القدس فهذا تعليم أثناسيوس الرسولى القائم على الحق الكتابى القائل:

    أن روح المسيح هو الروح القدس وهو غير منفصل عن الكلمة  ( رسالة أثناسيوس الأولى إلى سرابيون عن الروح القدس ف 11 ص 38 + ف 14 ص 47 - 48 + ف 31 ص  89 ).

  وهو التعليم الذى صاغه القديس كيرلس عمود الدين في عبارته الشهيرة " طبيعة واحدة ( أي روح واحدة ) إلهية للكلمة المتجسد "  ( كنز النفائس فى اتحاد الكنائس ص 101 ) ( " تاريخ كنيسة أنطاكية " ص 245, 296 ).

   وهذا التعليم مؤيد بالحق الكتابى القائل بأن روح المسيح الهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة في الأنبياء  بطرس الأولى 1 : 10 – 11 ).

     لقد حرم أوطيخا في مجمع فلبيانوس وتجدد حرمه في مجمع خلقيدونية لإنكاره وجود روح إنسانية في المسيح . لقوله أن روح المسيح إلهية.

     أما هذا اليعقوبى فوقع في بدعة هي على طرف نقيض من تلك المنسوبة زورا لأوطيخا بقوله عكس ما نسب زورا لأوطيخا بقوله بأن روح المسيح إنسانية مع قوله بان طبيعة المسيح واحدة من طبيعتين بما يعنى أن  الروح الإنسانية ابتلعت الروح الإلهية . لهذا يرفض إقرار ايماننا بأن روح المسيح إلهية, ورغم قوله بأن روح المسيح إنسانية  نراه يتمسك في نفس الوقت بالقول بأن طبيعة المسيح الواحدة من طبيعيتين . بما يعنى أن الطبيعة الإنسانية ابتلعت الطبيعة الإلهية ولاشتها.   

      فخرج بذلك على المذهب اليعقوبى القائل بأن الطبيعة ( الروح ) الواحدة من طبيعتين ( روحين ) تجمع خواص الطبيعتين الإلهية والإنسانية دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا, وأن هذه الطبيعة الجديدة هى الطبيعة ( الروح ) الخاصة بيسوع المسيح.

   وهذا معناه أن طبيعة المسيح الواحدة من طبيعتين صارت بالإمتزاج طبيعة جديدة تجمع صفات الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا . بما معناه أن الطبيعة الممتزجة قد ابطلت الإنسان والإله معا, فإن قال بأن الإتحاد بدون اختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير فالطبيعتان لم يمتزجا وكل قائمة بأقنومها الخاص وهذه بدعة نسطور,  ومن ثم فإن قول اليعاقبة بالطبيعة الواحدة من طبيعتين التي تجمع صفات الطبيعتين هو هراء لكونهم  يثبتونها في موضع ويقوضونها في موضع آخر.

     كما أن أن قول اليعاقبة بان فى المسيح طبيعة واحدة مع عدم القول بأنها من طبيعتين هو تدليس وتضليل وخداع. حتى يعتقد العوام أنها عقيدة القديس كيرلس.

      لأن القديس كيرلس لم يقل أبدا بطبيعة واحدة من طبيعتين للكلمة المتجسد. لأن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين. معناه أن هذه الطبيعة الواحدة إذا لم يتم تحديد جنسيتها تكون قد إبتلعت الطبيعتين معا بحيث نشات طبيعة جديدة تجمع خواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو  معا.  

     أما تعليم القديس كيرلس فهو طبيعة واحدة للكلمة المتجسد وهذه الطبيعة الواحدة التي للكلمة المتجسد هي طبيعة إلهية. لأن الثالوث واحد في الجوهر. كما أن مصطلح الطبيعة الواحدة دون تحديد انها من طبيعتين يعنى أنها إلهية, لأن مصطلح الطبيعة الواحدة من طبيعتين لم يظهر إلا نحو سنة 513 ميلادية عندما رفض ساويرس الأنطاكى معتقد خلقيدونية بأن الكلمة بطبيعتين بالقول بأن للكلمة طبيعة واحدة من الطبيعتين , ولا يقل أحد أن هذا معتقد القديس كيرلس الذى لم يكن من اصحاب الطبيعتين مطلقا , بل كان من أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد. 

          والواقع أن هذا اليعقوبى تداخل فى أمور لا يفهمها لأن عبارة " طبيعة واحدة من طبيعتين " ليست لأثناسيوس الرسولى بل لساويرس الأنطاكى, ولم ترد في أي كتاب أو رسالة من رسائله . فضلا عن أن هذه البدعة ليس فقط ليس لها أي سند كتابى. بل تضاد صورة التعليم الصحيح , ومن ثم فإنها إذ تدخل التشويش على جوهر الإله فإنها لن تخرج عن كونها بدعة هلاك.

     والعجيب أن هذا اليعقوبى الذى يدافع عن الروح الإنسانية فى المسيح مستنكرا أن تكون روح المسيح إلهية. لا يدرك أن الطبيعة الواحدة من طبيعتين ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بل هى طبيعة جديدة لا جنس لها خاصة بالمسيح حسب زعمهم.

     فأين الروح الإنسانية أو حتى الإلهية فى الطبيعة الواحدة من طبيعتين لقد لاشيا بعضهما البعض بالإمتزاج بحيث نشأت طبيعة جديدة لم تكن موجودة من قبل .

     فماذا إذن؟ هل نفهم من أقوال هذا اليعقوبى التي تمثل خليط من بدع أصحاب الطبيعتين أنه أرسى قواعد بدعة جديدة قوامها أن الطبيعة الواحدة من طبيعتين هى طبيعة إنسانية عاقلة.

     لقد انتهى المطاف بهذا اليعقوبى الساقط في توليفة من البدع المتعارضة إلى السقوط في بدعة عبادة طبيعة إنسانية مشخصة بعقلها الخاص بحسب نسطور .

      كما سقط فى بدعة عبادة روح انسانية مشخصة بالكلمة بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية.

     كما سبق وتعبد لروح ممتزجة من روحين لا جنس لها مشخصة بالكلمة تارة حسب ساويرس الأنطاكى وتارة مشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى.

    أما أن يؤمن بحسب الحق الكتابى بأن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) فهو ما لا يقبله المعترض.

     مما تقدم يتضح أن المعتقد بأن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين هى لساويرس الأنطاكى وليعقوب البرادعى ولا تمت بصلة لقديسى الكنيسة العظماء الذين يسندون كتابتهم بشواهد كتابية تظهر الحق الكتابى بأن للمسيح الكلمة المتجسد. روح واحدة إلهية هي الروح القدس ( رومية 8 : 9 ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) بقوله:

     يقول المغبوط بولس  أيضا: " أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم في " ( كورنثوس الثانية 13 : 3 ) .. فالمسيح يتكلم فيهم بالروح القدس الواحد معه في الجوهر ( كيرلس الإسكندرى " تفسير إنجيل لوقا " الجزء الثانى عظة 63 ص 120 )

     كما حرم القديس كيرلس عمود الدين فى الحرم التاسع كل من لا يعترف بأن روح المسيح إلهية.

     وعليه إن كان القديس كيرلس يعتقد بأن روح المسيح واحدة من طبيعتين وأنها ليست إلهية كما يزعم هذا اليعقوبى. فإنه كان يتعين علي القديس كيرلس أن يحرم فى الحرم التاسع كل من لا يعترف بأن روح المسيح واحدة من روحين وأنها ليست إلهية  بحسب زعم هذا اليعقوبى.

    لأن هناك فرق شاسع بين القول بأن روح المسيح الواحدة من روحين لا جنس لها وبين القول أنها إلهية.

    فإن قال القديس كيرلس أن روح المسيح إلهية كما جاء في الحرم التاسع , مع ما نسبه إليه هذا اليعقوبى بأنه يقول بطبيعة واحدة .. من طبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 294 , 295 ) فإنه يسقطه بذلك في ذات البدعة المنسوبة زورا لأوطاخى.

     أما هذا اليعقوبى فقد اعترض علي التعليم الأرثوذكسى بأن روح المسيح إلهية بقوله أن روح المسيح واحدة من اثنين وأنها إنسانية. بما يعنى أن الروح الإنسانية ابتلعت الروح الإلهية الممتزجة معها ولاشتها , وهى بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

     وعلى هذا فإن هذه البدعة الجديدة التي أخرجها المعترض لم يقل بها أحد من النساطرة أو الخلقيدونيين أو الأنطاكيين أو اليعاقبة.

    والواقع أن القول بأقنوم من أقنومين. لا يختلف عن القول بطبيعة من طبيعتين من حيث نتيجته التى تعنى امتزاج الاقنومين والطبيعتين ونشأة أقنوم جديد وطبيعة جديدة تجمع خصائص الأقنومين والطبيعتين دون أن يكون الجوهر الجديد أيا منهما على حدة أو معا.

     ولسنا فى حاجة إلى القول أن الطبائع العاقلة بسيطة ولا تقبل الامتزاج أو الإتحاد بغيرها, فقد ذكرنا ذلك مرارا وتكرارا فضلا عن أن طبيعة المسيح الإلهية بسيطة ( كورنثوس الثانية 11 : 3 ) فلا يخدعكم أحد بمثل هذه الخرافات المفسدة للذهن ليقدم لكم مسيح آخر غير المسيح المبشر به فى الإنجيل المقدس.

     والحق أن كل من يعترف بأن يسوع المسيح القدوس المولود من مريم هو الذى جاء فى الجسد وصلب وقام وصعد إلى السماء هو فى الإيمان الصحيح.

     أما من يعتقد بأن يسوع المسيح المولود من مريم ليس هو القدوس بل مجرد إنسان نظيرنا اتحد به ابن إلوهيم بكيفية ما. فهذا ضد للمسيح وهو غريب عن الإيمان.

      فالمسيح يسوع ليس إنسان بل هو صورة إلوهيم الآب الذى أخلى ذاته آخذا شكل العبد باشتراكه معنا فى اللحم والدم, لهذا كما يقول يوحنا الرسول " من اعترف بأن يسوع هو ابن إلوهيم. فإلوهيم يثبت فيه وهو فى إلوهيم " ( يوحنا الأولى 4 : 15 ).



المبحث الأول

هل روح المسيح الواحدة من روحين إنسانية أم لا جنس لها ؟

     من تعاليم هذا اليعقوبى المتناقضة التي تجمع أشتات بدع أصحاب الطبيعتين بعد قوله بأن المسيح انسان بروح إنسانية عاقلة حسب نسطور , ثم قوله بانها روح غير مشخصة لأن الكلمة شخصها بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, نجده يقول بمقولة ساويرس الأنطاكى بطبيعة واحدة ( ممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة.

     ورغم أنه لم يفصح عن جنسية روح الإئتلاف هل هي إنسانية أم إلهية, إلا انه بذكاء شديد انكر أن تكون إلهية حتى لا يقع في البدعة المنسوبة لأوطيخا معلما بأن للمسيح طبيعة إنسانية كاملة مكونة من روح وعقل بشرى ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 ).

     وبما أن طبيعة المسيح من طبيعتين حسب زعمه, مع قوله بأن روح المسيح التي اسلمها في يد الآب إنسانية ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 299 ) فإن هذا معناه أن الطبيعة الإنسانية العاقلة, هي الطبيعة الواحدة ( الممتزجة ) من طبيعين , بما يعنى أن الطبيعة الإنسانية العاقلة قد ابتلعت الطبيعة الإلهية العاقلة ولاشتها, بحيث لم يبقى بعد الإمتزاج سوى طبيعة واحدة هى مزيج من الطبيعتين هي الطبيعة الإنسانية المكونة من روح وعقل بشرى ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 ) وإلا أين الطبيعة الإلهية , إن قال بوجودها مع الطبيعة الإنسانية فهذا معتقد نسطور.

    والعجيب انه بعد أن قال بأن روح المسيح إنسانية عاقلة, عاد في موضع أخر مقررا أنها بلا عقل بشرى يشخصها لأن الكلمة شخصها منذ وجودها ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ) .

    هذه المتاقضات تكشف عن ذهنية المعترض المفتقرة إلى أبسط قواعد المنطق السليم فصارت بسبب ذلك محمولة بكل ريح تعليم فيما يتعلق بشخص المسيح ,فتارة يزعم أن الطبيعة الإنسانية مشخصة بعقلها البشرى ( حسب بدعة نسطور ) وتارة يزعم أن الطبيعة الإنسانية بلا شخصية أي بلا عقل بشرى يشخصها لأن الكلمة قام بتشخيصها منذ وجودها بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, وتارة يزعم أن طبيعة المسيح واحدة ( ممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى , وتارة  انها مشخصة بابن من الأبنين حسب يعقوب البرادعى.

     والسؤال  للمعترض اليعقوبى كيف لا يتعارض القول بأن فى المسيح روح واحدة من روحين ليست إلهية ولا إنسانية ولا هما معا. مشخصة بكلمة من كلمتين دون أن يكون أيا منهما على حدة أو معا. مع القول بأن المسيح كامل فى لاهوته وكامل فى ناسوته ( حسب بدعة نسطور ).

   أين الكمال فى اللاهوت والناسوت بعد أن صاروا روحا واحدة من روحين لا يصح القول أنها إنسانية ولا إلهية ولا هما معا.

    أين الإنسان العاقل وقد امتزجت روحه الإنسانية بالروح الإلهية بحيث نشأت روح جديدة تجمع خواص الروحين دون أن تكون أي منهما أو معا, وأيضا أين العقل البشرى والروح الممتزجة من روحين مشخصة بكلمة من كلمتين ؟

     وأين العقل البشرى الذى اضطرب بروحه الإنسانية في الطبيعة الممتزجة المشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى , وبابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى.

      والواقع أنه لا وجود للروح الإنسانية العاقلة إلا في مذهب نسطور أم مذهب ثيؤدورت ويعقوب البرادعى فإن الروح الإنسانية عدمت أيضا العقل البشرى لأنها تشخصت بالكلمة .

    فكيف اضطربت الروح أبعقلها حسب نسطور أم باللوغوس حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, أما بالروح الممتزجة من روحين المشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أم المشخصة بابن من ابنين حسب البرادعى ؟

     وكيف عادت الروح الإنسانية للجسد المائت لتقيمه من الموت إن كانت مبتلعة من الطبيعة الواحدة من طبيعتين . أم أن القيامة تمت بالروح الممتزجة من روحين التى ليست إنسانية ولا إلهية أى لا جنس لها.

     أين هذه التعاليم المتضاربة من البساطة التى فى المسيح يسوع الذى إذ كان فى صورة إلوهيم لم يحسب مساواته لإلوهيم اختلاسا. لكنه أخلى ذاته آخذا صورة عبد ( أى آخذا شكل العبد أي جسده ) صائرا فى شبه الناس, وإذ وجد فى الهيئة كإنسان, وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ( لذلك فالإخلاء هو أن غير المائت أخذ جسدا قابلا للموت حتى إذا ما إلتقى بالموت فى جسده الخاص أباده وأبطله وإذ تمم القصد من إخفاء صورة مجده بصلبه عاد إلى رفعة عدم الموت ) لذلك رفعه إلوهيم أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم ( أى اسم إلوهيم الذى أخفاه تدبيريا وأعلنه فى العهد الجديد من خلال الكنيسة ) لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة مما فى السماء وما على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد إلوهيم الآب ( فيلبى 2 : 5 – 11 ).

      والواقع أن جميع هذه التعاليم المؤسسة على فكرة وجود روح إنسانية عاقلة في المسيح هي بدعة نسطور نفسه,  وهذا معناه أن المعترض وجد ساقطا في بدعة نسطور, وأنه وقع عمليا تحت حرومات القديس كيرلس عمود الدين وحرومات مجمع أفسس الأول.

    وسواء أدرك المعترض ذلك أو لم يدركه فهذا لن يغير من حقيقة الأمر شيئا.

  

المبحث الثانى

البراهين على أن روح المسيح إلهية وغير ممتزجة من روحين

      إن قلنا أن الروحين ( أي الجوهرين ) بحسب معتقد يعقوب البرادعى صاروا بعد الإتحاد طبيعة واحدة من طبيعتين ( أى روح ممتزجة من روحين ) وأن هذه الروح الممتزجة ليست إلهية ولا إنسانية, فهو القول بملاشاة الروحين الإلهية والإنسانية معا ونشوء روح جديدة ليست إلهية ولا إنسانية مشخصة بأقنوم من أقنومين حسب البرادعى أو بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ).

     وفى ذات الإتجاه يقول نيافة الأنبا غريغوريوس ما نصه:

     ولا يعتذر أصحاب الطبيعتين عن تعبير الطبيعة الواحدة ( من طبيعتين ) بزعم أن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين لها صفات الطبيعتين ( هذا برهان امتزاج الطبيعتين ) معناه القول بطبيعة ثالثة. كلا فنحن ننكر القول بطبيعة ثالثة. لأن هذا القول يتضمن الاعتقاد بالامتزاج والاختلاط, ولكننا نؤكد أن هناك أمرا جديدا قد نجم عن الاتحاد لم يكن حادثا من قبل هو لقب الإله المتأنس أو هو لقب السيد المسيح. فهذا اللقب الجديد لا يصح إطلاقه على الكلمة قبل التجسد بل هو اللقب الذى عرف به منذ يوم التجسد فقط. ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 146 )

     والواقع أن الطبيعة الواحدة بسيطة غير مركبة ولا ممتزجة, أما القول بطبيعة من طبيعتين فيعنى إما أن طبيعة من الطبيعتين ابتلعت الأخرى, أو أن الطبيعتين لاشيا بعضهما البعض ونشأت طبيعة جديدة لا جنس لها .  

   والواقع أن المصطلح " من طبيعتين " يعنى أن أحدى الطبيعتين أو كليهما تلاشيا بالإمتزاج, ولا يجدى انكار الإمتزاج الثابت من القول " من طبيعتين" الذى يدل بحد ذاته على الإمتزاج.

     فإن قالوا بأن الطبيعتين لم يمتزجا وأن كل طبيعة قائمة بعقلها الخاص لأن الإتحاد بدون امتزاج فهذا معتقد نسطور.

     وفى هذا يقول الأنبا غريغوريوس :

     أن النساطرة وقعوا فى خطأ جسيم لأنهم اعتقدوا أن الكلمة اتخذ إنسانا وفى هذه الحالة لا يكون العمل الكفارى للمسيح خلاصا للجنس البشرى بأسره وإنما يصير الخلاص لفرد واحد فقط, وهذه هى النتيجة الوخيمة التى تسلم إليها بدعة نسطور وتعليمه الفاسد. لأن الكلمة لم يتخذ إنسانا وإنما اتخذ ناسوتا واتحد به, ونحن نعنى هنا الناسوت غير مشخص. الناسوت بخصائصه وصفاته من دون تعيين بشخص أو فرد بذاته ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 120 , 121  ).

    والواقع أن لا فرق بين القول بأن الكلمة اتخذ انسانا أو اتخذ ناسوتا فالمعنى واحد والتفرقة بينهما سوفسطائية تثبت الشىء ونقيضه في نفس الوقت, وقد استخدم الأنبا غريغوريوس فى شرح مقصده الإسلوب الباطنى الذى يظهر خلاف ما يبطن, فالمتبادر من أقواله التى تظهر وكأنها ارثوذكسية بالقول بأن الكلمة لم يتخذ انسانا وإنما اتخذ ناسوتا غير مشخص فهذا معناه أن اتخذ الناسوت الخارجى أى الجسد وشخصه وجعله خاصا به وحده حسب الحق الكتابى ، أما هو فيبطن معتقد مجمع خلقيدونية بأن أقنوم الكلمة هو المشخص لطبيعة المسيح الإنسانية, بقوله أن الكلمة لم يتخذ انسانا وإنما اتخذ ناسوتا ويعنى به باطنيا الناسوت الداخلى أى الروح الإنسانية إلا أن روح المسيح الإنسانية حسب معتقد ثيؤدورت كانت الروح الوحيدة الغير مشخصة بعقلها لأن الكلمة شخصها منذ وجودها بأقنومه الخاص.

     ألم يكن أولى بالأنبا غريغوريوس أن يستخدم الإسلوب الكتابى بالقول أن الكلمة لم يتخذ إنسانا وإنما اتخذ جسدا. بدلا من استخدام الإسلوب الباطنى الذى يظهر خلاف ما يبطن ليخفى معتقده الحقيقى الذى لا يفهمه إلا من كان على معتقده الباطنى أو كان عالما بمعتقدات أصحاب الطبيعتين وتعاليمهم الباطنية.

     الأساليب الباطنية غايتها اخفاء تعاليم مضادة للحق الكتابى فى صورة تبدوا ظاهريا متفقة مع الحق الكتابى أما باطنيا فى مضادة ليس له فقط بل للمنطق ذاته أحيانا.

     والواقع أن لا توجد روح انسانية غير عاقلة أو بلا شخصية, لأن  الروح غير المشخصة بالأنا هى والعدم سواء.

    ولا يوجد شخص له ذرة عقل يقبل التعليم بوجود روح إنسانية بلا شخصية أى بلا عقل يشخصها. لأن روح بلا شخصية هي ريح مادية وليست روح عاقلة.

    فالجوهر الروحانى العاقل يتولد منه عقل يشخصه منذ وجوده, وتنبثق منه روح تحييه منذ وجوده أيضا, أما جوهر الريح الذى لم يولد منه عقله يشخصه منذ وجوده أولم تنبثق منه حياة فهو جماد والجماد لم ولن يولد له عقل يشخصه فى المستقبل لأن فاقد الشى لا يعطيه..

    فالجواهر العاقلة ينبغي أن يكون لها وجود ( آب ) أى جوهر مخلوق,  يولد منه ابن أى عقل يشخصه, وتنبثق منه روح تحييه.

     فالعقل يشخص أقنوم وجوده والروح المنبثقة من جوهر وجودها تحييه, ولا يشخص عقل مولود من جوهر روح منبثقة من جوهر آخر لم يولد منه.

    والسؤال الذى يفرض نفسه على مائدة البحث هو : ما هو تعريف الشخص ؟ هل هو شيء آخر غير العقل ؟  فإن كانت روح الإنسان عاقلة فهى شخص, وإن كانت غير عاقلة فهى نفس حيوانية بائدة.

     أما الدليل على أن العقل هو الشخص فهو قولهم أن الكلمة ( عقل إلوهيم ) هو الذى شخص روح المسيح الإنسانية حسب خلقيدونية , كما شخص الروح التى من روحين حسب ساويرس الأنطاكى.

     لهذا فإن فصل العقل عن الشخص فى الروح الإنسانية بزعم وجود روح انسانية عاقلة بلا شخصية  تدرك بها الأنا والذات بحيث يقوم اقنوم من جوهر أخر بتشخيصها ويصير عقلها والأنا الخاص بها هى أقوال خرافة منافية للمنطق والحق الكتابى وطبائع الأمور. أي أنها مقولة فاسدة نقلا وعقلا.

     وعلى طرف نقيض منها نادى نسطور بأن العقلين الإلهي والإنسانى معا يمثلان شخص الإتحاد باشتراكهما معا في وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة, بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, عانيا أن هذه الوحدة هي في كرامة اسم البنوة الجامعة للإبنين أي أنها وحدة شكلية لا تنفى حقيقة وجود جوهرين عاقلين يشخصان الجسد الواحد وهى بدعة ليس لها أى سند كتابى وبالتالي فهى باطلة نقلا وعقلا.

      وقد  تم حرم هذه البدعة  في مجمع أفسس الأول لمخالفتها الحق الكتابى القائل بأن يسوع المسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 6 - 12 ) بل ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 ) لهذا فإن يسوع المسيح الكائن في صورة إلوهيم والمساو للأب في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 - 6  ) هو الذى تجسد بالقول:

     " كل روح لا يعترف بيسوع المسيح ( اسم إلوهيم ) أنه قد جاء فى الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح " ( يوحنا الأولى 4 : 3 ).

     وعلى ذلك فإن القول بأن الكلمة لم يتخذ إنسانا ( عاقلا ) وإنما اتخذ ناسوتا غير مشخص ( أي روح  إنسانية غير عاقلة ) هو لغوا فارغا إلا أن كان يقصد بالناسوت الجسد فقط. فإن كان هذا مقصده فلماذا لا يسميه بمسماه الكتابى " جسد " .

     وأيضا فإن القول بأن الكلمة بعد أن اتحد بإنسان كامل الناسوتية أبطل عقله بالاتحاد به أو أن هذا الإنسان كان بلا عقل أصلا أو ليس شخص أصلا, فإنه بذلك يضاد المنطق النسطورى القائل بأن ما يترك لا يخلص, فكيف سيخلص الإنسان وفقا لهذا المنطق وقد لاشى الكلمة العقل البشرى  لهذا الإنسان أو تركه ولم يتحد به رغم أنه مصدر الإرادة والفكر فى الإنسان. بل هو الذى اضطرب وتألم وأسلم روحه الإنسانية حسب نسطور.

     ويستطرد نيافته قائلا:

     أن طبيعة المسيح واحدة ( أي روح الإئتلاف ) لها صفات الطبيعتين ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 145 ) .. ونحن نؤكد أن هناك أمرا جديدا قد نجم عن الإتحاد بين الطبيعتين ( الروحين ) لم يكن حادثا من قبل. هو الإله المتأنس أو هو السيد المسيح. فهذا اللقب الجديد لا يصح إطلاقه على الكلمة قبل التجسد. بل هو اللقب الذى عرف به منذ يوم التجسد فقط ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 146 ) .

    هذا معناه إنكار لاهوت المسيح ونفى الأزلية عنه وعن اسمه, وجعله مادة قابلة للإختلاط والإمتزاج والتغيير بحيث ينشأ عن هذا المزيج روح ممتزجة ليست إلهية ولا إنسانية, ثم يقول هذا الحادث الجديد هو الإله المتأنس!!!

     والواقع أن الإله المتأنس تعبير اصطلاحى معناه أن إلوهيم تأنس بإنسان وصاحبه، وهذا معناه وجود الطبيعتين معا بحسب معتقد نسطور, أما القول بطبيعة واحدة من الطبيعتين, فمعناه أن الطبيعة الواحدة عدمت الطبيعتين معا ونشأت طبيعة واحدة أما إلهية او انسانية او لاجنس لها وجميعها لا ينطبق عليها لفظ الإله المتأنس الذى فقد دلالته لأنه عدم الإله والإنسان معا.

     والسؤال هو هل الروح الإلهية والإنسانية موجودين في الطبيعة الواحدة من الطبيعتين ؟ إن كانا موجودين فلا يكونا قد امتزجا, وإن كانا قد تلاشيا فهذه أشنع من بدعة نسطور ومجمع خلقيدونية. ثم أين العقل البشرى؟ في مذهب يعقوب البرادعى ولماذا قام الكلمة مقامه في مذهب ساويرس الأنطاكى.

    من يقبل هذه التعاليم المتناقضة التي بعد أن تثبت الإختلاط والإمتزاج , تنفيه بحسب نسطور, وفى نفس الوقت تنكر لاهوت المسيح وتجرده من لاهوته بل ومن اسمه باعتباره اسما محدثا خاص بإنسان وليس أنه اسم إلوهيم الأزلى ( يوحنا 17 : 5 , 6 , 11 ) وتنادى بمسيح آخر بروح إنسانية حسب نسطور ومجمع خلقيدونية أو بروح ممتزجة ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بحسب ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى, ولا تعترف بأن المسيح هو حكمة إلوهيم الممسوح منذ الأزل ( الأمثال 8 : 12 , 23 ) وأن له روح واحدة إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 10 - 11 ).

     ويقول نسطور مهاجما يوحنا الإنجيلى منكرا تجسد الكلمة وولادته من العذراء مريم بقوله ما نصه:

     أولئك الذين يدافعون عن كفر أريوس يقولون أن كلمة إلوهيم المولود من الآب صار فى مرتبة أدنى من الآب بزعمهم بجسارة أنه ولد مثل الخليقة من امرأة.

     ثم إذ يتطفلون على سر تدبير الابن الوحيد الجنس بالجسد ( أى ينكرون حلوله في إنسان ) فانطبقت عليهم ذات الإتهامات الموجهة لرأى أبوليناريوس. لأنهم يؤكدون بشدة أن كلمة إلوهيم أخذ جسدا , ولم يتخذ إنسانا بجسد تحييه نفس إنسانية عاقلة .. وهم بفعلهم هذا يقعون فى أعظم جرم إذ يسلبون جسده الروح الإنسانية العاقلة ( الرسالة رقم 50  فقرة 17 ص 126 ).

    ويفند القديس أثناسيوس تعليم هذا المبتدع وكل تعاليم أصحاب الطبيعتين بالقول:

     أن الجسد كان يخص الكلمة ولا يوجد للجسد كيان إلا بالكلمة نفسه ( 1 ضد الأريوسيين 11 : 45 ص 86 ).

      كيف احتملوا أن يدعى روح الابن مخلوقا .. كيف لم يدركوا أنهم بفصلهم الروح عن الكلمة .. لا يبقى الثالوث واحدا بل مركبا من طبيعتين مختلفتين ( الرسالة الأولى إلى سرابيون ف 2 ص 13 , 14 ).

      لأنه أى شىء كان ينقص إلوهيم حتى يتخذ لنفسه ما هو غريب عنه فى الجوهر ليشاركه مجده ( الرسالة الثالثة إلى سرابيون ف 5 ص 121 ).

    فروح المسيح هو الروح القدس وهو غير منفصل عن الكلمة ( 1 سرابيون فصل 31 ص 67 ) ( 1 سرابيون فصل 11 , 31 ).

     والواقع أنه ليس جرم أعظم من إنكار لاهوت المسيح ورفض الحق الكتابى بأنه هو الذى تجسد باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وأنه أى يسوع المسيح جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) وأنه ليس إنسانا نظيرنا بحسب تجديف أصحاب الطبيعتين الذين نهايتهم بحسب أعمالهم.

  

 

 

الإعتراض الثامن

على أن الكلمة هو الذى تألم جسديا وليس روح إنسانية

 

المبحث الأول

الاعتراض على أن الذى اضطرب بالروح هو الكلمة

    يقول يوحنا الرسول :

      لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح ، وشهد وقال : الحق الحق أقول لكم : إن واحدا منكم سيسلمني ( يوحنا 13 : 21 ).

     من الواضح أن الروح التي اضطربت هي الروح القدس وعلة هذا الإضطراب أنه شهد بروح النبوة بأن واحد منهم سيسلمه. بقوله الحق الحق أقول لكم.

     وهذا القول لا يصدر عن روح إنسانية عادية لا تعرف المستقبل ولا النبوات.

     ثم كيف يتفق قول المعترض بأن روح المسيح الإنسانية العاقلة قد اضطربت, بحسب معتقد نسطور, مع قوله بأن روح المسيح كانت بلا شخصية لأنها تشخصت بالكلمة أو أن الكلمة صار هو المشخص لطبيعة من طبيعتين , فهل نفهم من هذا أن هذه الروح الممتزجة المشخصة بالكلمة إنسانية.

    ثم كيف تكون للمسيح روح إنسانية عاقلة وهو يعتقد أن روح المسيح واحدة من طبيعتين للكلمة المتأنس .

     أين العقل البشرى أو الروح الإنسانية العاقلة  في الطبيعة الواحدة من طبيعتين عاقلتين. هل انحل الإئتلاف بحيث صار في المسيح شخصين وروحين .

    ثم ما هو السند الكتابى لهذه البدع؟

    ثم كيف يتفق أن تكون روح الكلمة إنسانية؟ أليست هذه عين بدعة خلقيدونية القائمة على الخلط والمزج والملاشاة.  فإن كان الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية وفقا لأقوالك المتناقضة. فأين عقلها البشرى؟! وكيف اضطربت إنسانيا بدون عقل بشرى؟!

        ثم إذا كانت طبيعة المسيح واحدة من طبيعتين إلهية وإنسانية قبل الإمتزاج. فما هى جنسيتها بعد الإمتزاج هل هى إلهية أم إنسانية.

     ثم ما الفرق بين قول المعترض اليعقوبى بأن روح المسيح إنسانية مخلوقة, وتارة أنها انسانية مشخصة بالكلمة, وتارة أنها طبيعة واحدة من طبيعتين لا جنس لها مشخصة بالكلمة, وتارة أنها مشخصة بابن من ابنين, وبين شهود يهوه القائلين بأن روح المسيح هى روح ملائكية. أو بينه وبين اليهود القائلين أن روحه هي روح البعل. أليسوا جميعا مجدفين على روح المسيح الذى هو الروح القدس ( رومية 8 : 9 ) إن خلص هؤلاء المجدفين على روح المسيح الإلهية الذى هو الروح القدس فسيخلص هذا اليعقوبى. 

     إن هذا اليعقوبى لا يدرك أن روح المسيح الإنسانية العاقلة التى يمكن أن تضطرب وتصرخ وتتألم كما يعتقد هو لا وجود لها إلا فى مذهب نسطور الذى يميز بين الشخصين ويجمع بينهما فى وحدة اسم المسيح .

     أما فى المذهب الخلقيدونى فإن الروح الإنسانية تشخصت بالكلمة وبالتالى فإن الذى اضطرب هو الكلمة. الذى لاشى العقل البشرى وقام مقامه, والقول بغير ذلك معناه حل التركيب والعودة إلى دائرة النسطورية والروح الإنسانية العاقلة.

     أما روح المسيح فى المذهب اليعقوبى الذي يمثل مذهب المعترض القائل بطبيعة واحدة من طبيعتين مشخصة بابن من ابنين , ثم يزعم تارة أنها طبيعة مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى. فإن هذا  معناه عدم وجود العقل البشرى فى جميع مذاهب اصحاب الطبيعتين عدا مذهب نسطور .

     ثم كيف ننال الروح القدس من المسيح إن كانت روحه إنسانية أو ممتزجة وليست إلهية, وكيف نفخ فى تلاميذه قائلا اقبلوا الروح القدس وهو لا يملكه. لأن فاقد الشىء لا يعطيه.

    إن خلو جسد مسيح الأنطاكيين واليعاقبة من الروح القدس هو برهان فساد معتقدهم. لأن الروح من روحين لا جنس لها مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى ومشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى.

     وهذا يضاد الحق الكتابى الذى يعلنها تصريحيا بأن روح المسيح هى روح إلوهيم الذى يسكن فينا لنحيا به, وفى هذا يقول بولس الرسول:

       "  مع المسيح صلبت ( أى فى المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح بروحه المحيى ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى " ( غلاطية 2 : 20 ).

     فكيف يحيينا المسيح ويحيا فينا إن كانت روحه إنسانية أو ممتزجة وليست إلهية.

 

   

المبحث الثانى

هل قول المسيح إلهى إلهى لماذا تركتنى برهان انسانيته؟

يقول  أحد النساطرة من المنتمين للمذهب اليعقوبى :

     أن صرخة المسيح على الصليب " إلهى إلهى لماذا تركتنى " ( مرقس15 : 34 ). برهان إنسانيته.

 الرد

     إن صرخة ابن إلوهيم على الصليب إلهى إلهى لماذا تركتنى إنما كانت بهدف شحذ ذهن اليهود الذين يحفظون المزامير ويسمونها باسم أول آية منها. لكيما إذا أدركوا تلميحه يسترجعون كلمات مزمور " إلهى إلهى لماذا تركتنى " ( المزمور 22 ) فتنفتح أذهانهم ليدركوا أن الذى رفعوه على خشبة الصليب هو المسيح حقا وأنهم أتموا ويتممون فيه جميع ما تنبأ به داود النبى في هذا المزمور بروح المسيح المتكلم فيه ( بطرس الأولى 1 : 11 ) بالقول :

      جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أحصي كل عظامي وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسـمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعـون ( مزمور 22 : 16- 18 ) وأيضا ليبين بقوله إلهى إلهى لماذا تركتنى أنه الكلمة الأقنوم الثانى في الثالوث ليثبت أنه هو الذى تألم حقا فى جسد بشريتنا وليس روح إنسانية, بل هو بدون استحالة تقبل آلام الجسد وشعر بها عقليا بملىء إرادته.

 

النسطورية وبدعة مفارقة اللاهوت للناسوت عند التألم والصلب 

    أما ثيؤدورت أسقف قورش ففسر كلمات السيد المسيح على الصليب تفسيرا منحرفا  من مطلق بدعته بأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية, فزعم بأن المتكلم في هذه الحالة ليس الكلمة بل العقل البشرى الذى نحاه الكلمة منذ وجوده وقام مقامه فلم بدأت الآلام فارق الكلمة المسيح حتى تقع الآلام على الإنسان وحده , وفى هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورس ما نصه:

     وهو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد من قبل أن يطعن جسده بقدرة لاهوته. على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ويأخذها أيضا إذا شاء.

     وهذا معناه أن الكلمة فارق الروح الإنسانية منذ بدء الألام وحتى الموت موت الصليب.

     لأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية حسب ثيؤدورت أسقف قورش. فإذا بقى في الروح الإنسانية فسيكون هو الذى تألم, وهذا يضاد المعتقد النسطورى بكافة مذاهبه ( " الجامع للطبيعتين " ك 1 ق 3 ف 5 ص 66 والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى )

      وفى هذا يقول ثيؤدورت أسقف قورش الذى بعد أن علم بأن الكلمة شخص روح المسيح الإنسانية مبطلا عقلها البشرى, عاد وأثبت أن الكلمة لم يبطل الروح الإنسانية وإنما نحاها كرها عنها بقوله :

    بأن العقل البشرى لتلك الروح الإنسانية غلب من الأقوى وانقاد له , ولكن إذا خلا من الأفضل أظهر سلطان نفسه ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 5  ص 63 ).

     وقد حدث هذا الإخلاء عندما فارق الكلمة الروح الإنسانية العاقلة على الصليب من قبل أن يطعن جسدها بالحربة حتى لا يتألم تاركا العقل البشرى يتألم وحده بعد أن صار يدرك وجوده بعد أن خلا من الأفضل ( أي الكلمة ) الذى كان يفارق الروح الإنسانية تاركا تشخيصها لتشخص من عقلها الخاص في كل مرة تتألم فيها بقدرة لاهوته على أن يدع نفس ( روح ) ناسوته إذا شاء ( ليتركها تتألم وحدها ) ويأخذها أيضا إذا شاء ( بعد أن تنتهى الآلام حتى لا يتألم معها ) " ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 5  ص 66 ).

   من ذلك نرى الكلمة في المذهب الخلقيدونى هو المشخص للروح الإنسانية مبطلا عقلها البشرى, فإن فارق الكلمة الروح الإنسانية فإنها عندئذ تعود لتعقل وجودها للتألم وحدها بعقلها الخاص وتشعر بألام الجسد مثل الجلدات وإكليل الشوك والمسامير في اليدين والرجلين كما تشعر بطعنة الحربة في الجسد بحسب معتقد نسطور , أي انها عمليا تعود لذات معتقد نسطور الذى تم حرمه في مجمع أفسس الأول, وفى كل هذا كان الإنسان بدون الكلمة الذى فارقه هو الذى يتألم وحده.

   أما بحسب المذهب اليعقوبى فإن الطبيعة الواحدة من طبيعتين, لم تكن إنسانية ولا إلهية ومن ثم لا ينطبق عليها القول : أن لاهوته لم يفارق ناسوته لعدم وجود روح لاهوتية ولا روح ناسوتية , كما لا يوجد شخص لاهوتى أزلى ولا شخص ناسوتى زمنى  في المذهب اليعقوبى , وهذا ما أعلنه العلامة ابن المكين عمدة المذهب اليعقوبى بقوله:

    " أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار بهذا الإتحاد شيئا واحدا في الموضوع وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد , وهو حقيقة ثالثة ( أي ابن أو أقنوم جديد محدث ) لا يصح عليها أنها إنسانية فقط , ولا إلهية فقط, وليس هو غير كل من الإله والإنسان, ولذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين . أزلى وزمنى " ( العلامة ابن المكين " الحاوي " ص 45 ).

   ترى هل مازال المعترض مصرا على التمسك ببدعة أن لاهوته ( الكلمة ) لم يفارق ناسوته ( الروح الإنسانية ) لحظة واحدة ولا طرفة عين ؟

   وهل ادرك أن استخدام اليعاقبة لهذا المصطلح يترتب عليه حل الإئتلاف والعودة إلى معتقد نسطور القائل بأن الإتحاد بين الطبيعتين هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

     وهل أدرك أن اليعاقبة كالخلقيدونيين. تخلوا عن معتقداتهم في كيفية اتحاد الطبيعتين وقبلوا معتقد نسطور في أن اتحاد الطبيعتين هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير .

    وهذا معناه يا عزيزى أن جميعكم نساطرة.

 

المبحث الثالث

هل الطبيعة سواء إلهية أو إنسانية هي التي تأكل وتتألم أم الجسد؟

      يقول هذا اليعقوبى أننا لم نعط تفسيرا واحدا عن كيف جاع الكلمة وعطش وله طبيعة واحدة لاهوتية ( أي روح واحدة إلهية ) وعندما لم نجد حل نوقعها على الجسد أي الطبيعة الجسدية التي ننكر وجودها ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 289 ).

    من الواضح أن المعترض لا يستطيع أن يميز بين مفهوم الطبيعة العاقلة ( أى الروح العاقلة " فيزيس " ) والطبيعة الجسدية ( أي الجسد الحيوانى الحى بالدم " فيزيق " ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 276 ).

     هذا اليعقوبى يتصور بذات ذهنية غير المؤمنين بأننا عندما نقول بأن للكلمة المتجسد طبيعة واحدة إلهية أنه يأكل أو يتألم أو يموت بالروح الإلهية.

     وهل سيختلف المعنى لو قلنا أن للإنسان طبيعة واحدة إنسانية.

     هل يعتقد هذا اليعقوبى أن الإنسان سيأكل أو يتألم أو يموت بالطبيعة الإنسانية أي بالروح الإنسانية أم أنه سيأكل ويتألم ويموت بالجسد الذى تشخصه هذه الروح الإنسانية.

     هكذا الكلمة جاع بالجسد الذى اتخذه, ولو اتخذ انسان فلا يكون الكلمة الذى جاع بل الإنسان صاحب الجسد الذى حل فيه الكلمة.

    الروح القدس يسكن في أجسادنا المشخصة منا , لهذا فإن جوع أجسادنا تستشعره أرواحنا وليس الروح القدس الساكن فينا, فلو كان المسيح انسان مثلنا وحل فيه ملء إلوهيم مثلنا في الجسد ( أفسس 3 : 19 ) وجاع فلا يقال أن إلوهيم هو الذى جاع بل الإنسان الذى حل فيه إلوهيم هو الذى جاع.

    والواقع أن كل ما يقع على الجسد من ألم أو مرض أو جراح أو جوع  أو عطش أو خوف  تستشعره الروح المشخصة لهذا الجسد , ولكن لا يقع عليها شيء مما يقع على الجسد فهى لا تنزف لجرح الجسد ولا تمرض بمرض الجسد ولا تفنى بموت النفس الحيوانية التي في الدم  التي هي علة حياة الجسد , ولكنها تستشعر كل ما يحل بجسدها وتنفعل به وجدانيا ما دام حيا.

      وأيضا هل عندما يقال بأقنوم بطبيعتين ( أي بروحين إلهية وإنسانية ) في المسيح بحسب معتقد خلقيدونية, هل يعنى هذا الكلمة سيأكل بالطبيعتين أي بالروحين الإلهية والإنسانية أم انه سيأكل بالروح الإنسانية التي بلا شخصية أي عقل يشخصها منذ وجودها لأن الكلمة  شخصها وجعلها خاصة به منذ وجدت ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 277 ) وهى التعاليم التي قبلها المعترض اليعقوبى في مؤلفه متبنيا معتقد مذهب خلقيدونية القائل بأقنوم واحد بطبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 236 ).

    هذا اليعقوبى لا يستطيع أن يميز بين الطبيعة الإنسانية العاقلة ويشار إليها في اليونانية " فيزيس" وبين الطبيعة الجسدانية المادية ويشار إليها في اليونانية " فيزيق" .

      ونحن إذ ننكر وجود طبيعة إنسانية ( أي روح إنسانية عاقلة ) في المسيح. فلأننا نرفض بدعة حلول الكلمة في انسان نظيرنا له روح إنسانية عاقلة . إلا أننا  أبدا لم ننكر وجود الطبيعة الجسدانية ( فيزيق ) لأننا نعترف بالتجسد. أي بظهور إلوهيم في الجسد ( تيموثاوس 3 : 16 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) ولكننا نرفض القول بأنه ظهر في إنسان مثلنا , لأن يسوع المسيح  أتى فى الجسد ( يوحنا الأولى 4: 3 ) أي تجسد, والآتى في الجسد ليس انسان مثلنا تأنس به الكلمة كما يزعم هذا اليعقوبى .

    نسب إلينا هذا اليعقوبى باسلوبه الباطنى الذى يظهر خلاف ما يبطن أننا ننكر الطبيعة الجسدية ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 289 ) وبحسب ظاهر النص سيعتقد القارىء العادى أننا ننكر الجسد والتجسد حال أنه الذى ينكره بقوله بالتأنس أى حلول الكلمة فى روح انسانية عاقلة احتجب بها وتقمصها وتكلم من خلالها.

    وبداهة نحن لا ننكر وجود الطبيعة الجسدية الفيزيقة بل اثبتناها بل أن المعترض نفسه اعترض على قولنا أن الكلمة شاركنا في اللحم والدم محاولا اثبات أن الكلمة لم يتجسد وانما حل في انسان, ورغم أنه أثبت اننا قبلنا تعبير التجسد,  إلا  أنه إدعى علينا كذبا بأننا ننكر طبيعة الجسد ويقصد بها بداهة الطبيعة الفيزيقية أى المادية, فإن كنا قد ذكرنا مرارا وتكرار عن تمسكنا بمصلح التجسد ورفض مصطلح التأنس.

    وإن كنا ننكر الجسد حسب زعمه لمذا نسب إلينا زورا أيضا أننا نقول بالوجود السابق للجسد ( كتاب المعترض اليعقوبى فقرة 2 ص 135 ) مجموعة من المتناقضات  والأكاذيب والإفتراءات .

     أما تقاليد الناس التي يستند إليها هذا اليعقوبى منسوبة زورا للقديسين دون تمييز بين ما يتفق مع الحق الكتابى وما يتعارض معه لإثبات تعاليمه المضادة للحق الكتابى

    والواقع أن قول المعترض بأننه ننكر وجود الطبيعة الجسدية, يكشف عن ذهنية لا منطقية تخيلية تتخيل ما لم نقل به ويستنكره مناطحا الهواء, واما عن افتقاره للمنطق السليم فثابت بقبوله تعاليم أقر معلميه أنفسهم بأن ما يقررنه غير مفهوم ولا يمكن التعبير عنه بعبارات منطقية ومن ثم لا يمكن ادراكه أو قبوله ( الرسالة رقم 4 ف 3 , 6 ).

       وفى هذا يقول الأب فرنسيس فريه فى كتابه التجسد:

       صحيح أن منطقنا البشرى يقول لنا أنه لا توجد فى عالمنا طبيعة بشرية قائمة بدون اقنومها  الخاص بها وأن طبيعة المسيح البشرية هى الطبيعة الوحيدة التى ليس لها قيام بالذات وأنه لولا الوحى الإلهي لما عرفوا هذه الحقيقة ( الأب فرنسيس فرييه " التجسد " ف 3 ص 64 ).

     لقد جعل هذا الآب بدعة ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى التى اثبتها فى مؤلفه الجامع للطبيعتين  الذى اصدره سنة 445 ميلادية وحيا إلهيا والوحى برىء مما يدعون وإلا فليظهروه لنا. لهذا تم حرم بدعتهم في مجمع افسس الثانى وتجدد حرمها من قبل ديوسقوروس في مجمع خلقيديونية.

     من الواضح أن هذا اليعقوبى خلط بين مفهوم الطبيعة الإنسانية العاقلة أى الروح الإنسانية التي ننكر اتحاد الكلمة بها, وبين مفهوم الطبيعة الجسدية الحيوانية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أى الجسد الحى بالدم أي بالنفس الحية ( لاويين 17 : 14 ) التي يشترك فيها آدم ( تكوين 2 : 7 ) والحيوانات ( تكوين 1 : 30 ) إما جهلا منه أو تدليسا على القراء.

      ولكن يبدوا أن المعترض كمعلمه نسطور لديه ذات المشكلة في التمييز بين الروح الإنسانية العاقلة ( أي الطبيعة الإنسانية العاقلة ) وبين الجسد ( أي الطبيعة الجسدانية غير العاقلة ) إذ يعتقد أن الروح العاقلة مكون جسدى كالدم, وانها تتكون من خلية الزيجوت التي يتكون منها الجسد الحيوانى غير العاقل ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 267 ) وليس أنها خلق جديد بحسب الحق الكتابى القائل:

     " باسط السماوات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله " ( زكريا 12 : 1 ) الأمر الذى يرفضه المعترض ويستنكره ويعتبره غير علمى.

     وعلى هذا فنحن لا نرفض التجسد بحسب الحق الكتابى, ولكننا نرفض تعليم التأنس وإلإتحاد بإنسان ذي روح إنسانية عاقلة بحسب تعليم أصحاب الطبيعتين أي القائلين بروحين في المسيح, لأن الإتحاد بإنسان ليس تجسدا بل حلول في إنسان نظيرنا.

       فالكلمة اتحد أو اشترك في اللحم والدم ولم يتحد أو يشترك في إنسان وهذا ما أعلنه بولس الرسول محددا ما شاركنا فيه الكلمة على وجه التحديد بالقول :

      " فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما " ( العبرانيين 2 : 14 ) فالكلمة اتحد أو إشترك فيما نشترك فيه أو نتحد به أي اللحم والدم , ولم يشترك أو يتحد بأحد الأولاد الذين اشتركوا مثله في اللحم والدم.

     اما إذا اشترك الكلمة في إنسان مثلنا. فإن هذا الإنسان يصير مثلنا شريكا للطبيعة الإلهية  ( بطرس الثانية 1: 4 ) التي تسكن أجسادنا وتصيرنا هياكل لإلوهيم ( كورنثوس 3 : 16 ) الذى يسكن فينا بالروح القدس ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ). 

    علما بأن كلمة طبيعة في اليونانية " فيزيس " تعنى طبيعة روحية عاقلة فإذا أضفنا إليها كلمة إلهية يكون المقصود بها الروح القدس, وعكس الطبيعة العاقلة في اليونانية كلمة " فيزيق " وتعنى طبيعة مادية غير عاقلة, وينضوى تحتها الطبيعة الجسدية غير العاقلة . فالطبيعة الجسدية لا تخص البشر وحدهم بل تخص الحيوانات غير العاقلة أيضا.

  

 

الاعتراض التاسع

على أن الروح التى استودعها الابن في يد أبيه إلهية

يقول المعترض

    يهرب الكاتب من كلام الكتاب أنه اسلم الروح " الروح الإنسانية " التي له في يدى الآب ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 299 ).

       وتعليقا على هذا نقول لهذا اليعقوبى أين هو كلام الكتاب الذى يقول أن ابن إلوهيم أسلم روح إنسانية في يد أبيه.

 

    ويستطرد هذا اليعقوبى قائلا:         

     فعندما انزعج يسوع بالروح واضطرب ( يوحنا 11 : 33 )( يوحنا 13 : 21 ( فهل الروح القدس هو الذي انزعج واضطرب؟ وعندما قال الرب " يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( لوقا 23 : 46 ) هل كان يودع الروح القدس فى يدي الآب؟ وهل كان الروح القدس منفصلاً عن الآب حتى يستودعه يسوع في يديه؟ وهل انفصل عن الابن عندما أودعه في يدي الآب ؟!

   وتعليقا على هذا نقول لهذا المعترض. أن يدى الآب هما الابن الذى به صنع كل شيء ما يرى وما لا يرى, وأن الروح القدس الذى هو روح الابن هو أيضا روح الآب, وقد استودعه في يدى الآب أى في يد نفسه لأن يدى الآب هما الابن والروح القدس والابن هو صورة الآب بهاء مجده ورسم جوهره .

     أما قول المعترض هل انفصل الروح القدس عن الابن عندما أودعه في يدى الأب؟ فمردود بأن الثالوث غير منفصل في أي عمل يقوم به أي أقنوم من الأقانيم الثلاثة, والذى يتصور أنه عندما يحل الروح القدس علينا أنه انفصل عن جوهر الثالوث أو أن الابن في تجسده تجسد بمعزل عن الثالوث فهو جاهل بالكتاب المقدس والتقليد.

     لأن الأصل أن الجسد هو مسكن الروح لا تفارقه ولو مات. لأنها بالموت تحبس في جسد الموت في ظلمة أبدية, فتتألم معه, ثم في الدينونة تلقى في جهنم جسدا وروحا كجثة هامدة حيث نار لا تطفاء ودود لايموت, وهذه هي عقوبة الخطية ( اشعياء 66: 24 ).

    اما انتقال الروح لتكون مع المسيح فهى ميزة ينالها المعتمدون باسم المسيح حتى لا تمسك أرواحهم من جسد الموت , وهذا الإنتقال هو انتقال مؤقت يعودون بعده إلى أجسادهم عندما يقيمها الرب بروحه المحيى, عندئذ يظهرون معه في المجد.

   بالنسبة للسيد المسيح فإن روحه بموت الدم ( النفس الحية ) لم تمسك من جسد الموت عاجزة عن إحيائه مثل سائر البشر ( أعمال 2 : 24 ) بل أبطلت الموت ( العبرانيين 2 : 14 ) بأن صار الجسد محييا أي مقاما من الموت بالروح المحيى ( بطرس الأولى 3 : 18 ) الذى هو روح القيامة والحياة. لأن روح المسيح لم يكن روحا بشريا مثل أرواح البشر التي يمكن أن تمسك من الموت بل كان روحا محييا (  كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح باعث للحياة لأنه وحده روح القيامة والحياة الذى أعتقنا من ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ).

    لهذا وصف السيد المسيح جسد مجده بالجثة ( أي غير حى بالدم ) بالقول حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور؟

     ذلك أن روحه كانت في الجسد المائت حسب البشر . لكنه كان أي جسده محييا بروحه المحيى الذى هو روح الحياة الذى في المسيح يسوع .

      دعونا نسأل هذا اليعقوبى عن مصدر التعليم بأن المسيح كان إنسانا مثلنا بروح إنسانية عاقلة بالمخالفة لقول بولس الرسول الذى يعلنها صراحة بأنه لم يقبل إنجيله من إنسان بل بإعلان ( وحى ) يسوع المسيح. الذى جاء في الجسد بحسب اعلان القديس يوحنا .

    فإن كان المسيح يسوع مجرد انسان مثلنا . فما معنى قول الكتاب:  كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد فليس من إلوهيم وهذا روح ضد للمسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 ) . . فإن كان المسيح انسان مثلنا فكيف يقال أنه تجسد وظهر في الهيئة كإنسان إن كان هو إنسان بالطبيعة.

    فالمسيح وإن ظهر في الهيئة كإنسان إلا أنه لم يكن إنسانا من حيث الجوهر بل هو المسيح ابن إلوهيم الحى.

      لهذا يقول بطرس الرسول أن روح المسيح هو الروح القدس الناطق فى الأنبياء, كما أوضح بولس الرسول بأجلى بيان بأن يسوع المسيح هو صورة إلوهيم الكائن والمساو للأب في مجد اللاهوت الذى أخلى نفسه صائرا فى شبه الناس ( فيلبى 2 : 5 - 8 ).

     أما قول المعترض بأن روح المسيح الإنسانية العاقلة قد اضطربت. فلا دليل عليه حيث لم يقل الكتاب في أي موضع أن روح المسيح إنسانية بل على العكس أكد الكتاب في مواضع كثيرة على أن روح المسيح إلهية أزلية ناطقة في الأنبياء, وبداهة أن الكتاب ما كان يمكن أن يقول عن روح المسيح أنها إلهية وأزلية لو كان المسيح انسان مثلنا بروح إنسانية بحسب زعم النساطرة والخلقيدونيين , أو كانت روحه ممتزجة من روحين بحسب زعم الانطاكيين واليعاقبة .

    فهل لأن يسوع ابن إلوهيم  اضطرب بالروح القدس. صور لهم ذهنهم أنها إنسانية, وهل يفترق الأمر لو قيل أنها حزنت. ألم يقل الرسول لا تحزنوا الروح القدس. فهل نفهم من هذا أنه بما أن الروح القدس يحزن إذن هو مخلوق. أفق يا هذا ولا تحزن الروح القدس الذى يضطرب من هول ما تجدف به عليه.

      ثم أين في الكتاب نجد القول بأن المسيح اسلم روح إنسانية على الصليب .

      ثم اذا كان للمسيح روح إنسانية عاقلة بحسب معتقد نسطور. فهذا يضاد المعتقد اليعقوبى القائل بطبيعة من طبيعتين وابن من أبنين .

     والواقع أن هذا اليعقوبى قوض مذهبه في الطبيعة الواحدة من طبيعتين التى لا جنس لها بالقول أن روح المسيح  التى اضطربت انسانية مثله فى ذلك مثل جميع المذاهب النسطورية التى تهدم تعاليمها الخاصة عن الاختلاط والامتزاج فى جميع الأحوال التى يتألم فيها المسيح حتى يتألم الإنسان وحده بمعزل عن الكلمة الذى يفارقه فى الآلام, لهذا يزعمون ان الإنسان هو الذى تألم وحده وهو الذى قال على الصليب يا أبتاه فى يديك استودع روحى ويزعمون كذبا أن هذه الروح إنسانية بالمخالفة للحق الكتابى.

    وسؤالنا لهذا اليعقوبى الذى أبدل مجد إلوهيم الذي لا يموت , بشبه صورة الإنسان الذي يموت.

    من الذى صرخ قائلا يا أبتاه في يديك استودع روحى ؟ : إنسان مثلنا بروح انسانية عاقلة حسب نسطور, أم ابن إلوهيم الوحيد حسب الحق الكتابى.

    للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعرف أولا  من هو يسوع المسيح هل هو إنسان مثلنا بحسب زعم هذا اليعقوبى أم أنه ابن إلوهيم بحسب الحق الكتابى.

     يقول بولس الرسول :

     أن يسوع المسيح هو ابن إلوهيم ( كورنثوس الثانية 1 : 19 ).

     ويقول يوحنا الرسول :

     من اعترف أن يسوع هو ابن إلوهيم ، فإلوهيم يثبت فيه وهو في إلوهيم ( يوحنا الأولى 4 : 15 ).

     من الواضح أن هذا هو الإعتراف المطوب الذى على أساسه بنيت الكنيسة التى لن تقوى عليها أبواب الجحيم ( متى 16 : 14 - 18 ).

     من ذلك يتضح أن يسوع المسيح ليس انسان مثلنا بروح انسانية عاقلة تأنس بها الكلمة بحسب معتقد نسطور؟ بل هو حسب الحق الكتابى ابن إلوهيم الوحيد.

     والسؤال الآن من الذى بعد أن بذل دمه عنا قال يا أبتاه واستودع روحه فى يد ابينه الواحد معه فى الجوهر انسان بروح انسانية عاقلة أم ابن إلوهيم الذى بذله الآب عنا لكى نحيا به يقول الحق الكتابى:

     أن أبن إلوهيم هو الذى بذل دمه عنا ( رومية 8 : 32 ) ( يوحنا الأولى 1 : 7 + 4 : 10 ) وهو الذى مات على الصليب ( رومية 5 : 10 ) ( العبرانيين 6 : 6 + 10 : 29 ).

    إذن الذى تالم وبذل دمه عنا ومات هو الابن الوحيد الذى اسلم روحه فى يد ابيه.

     والواقع أن العقل البشرى لا وجود له إلا في مذهب نسطور الذى تم حرمه في مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية فكل من يتمسك بمعتقد نسطور ويقول مقولته الفاسدة المضادة للحق الكتابى هو تحت الحرم ذاته.

   أين هذه الضلالات من الحق الكتابى القائل بأننا افتدينا بدم المسيح ، الذي بروح أزلي قدم نفسه ( دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

    إن المعترض لا يدرك أنه بقوله أن الابن اسلم روحه الإنسانية على الصليب في يد الآب معناه أنه مخلوق وأن الآب مخلوق ايضا بسبب وحدة الجوهر .

   ولكن أنى له معرفة الحق الكتابى وكل اقواله مستمدة من تعاليم أصحاب الطبيعتين بكافة مذاهبهم دون أن يدرك حتى الفروق بينها .

     هل يعتقد هذا اليعقوبى أن إنسانا مثلنا هو الذى  فدانا وحمل خطايانا وتألم عنا. أهذا الإنسان ذي الروح الإنسانية العاقلة هو رب المجد الذى نمجد آلامه بالقول لك القوة والمجد والبركة والعزة.

    من الذى صلبه اليهود أيها النسطورى المجدف؟ آإنسان نظيرنا بعقل بشرى وروح إنسانية مخلوقة. أم رب المجد ( كورنثوس الأولى 2 : 8 ) أم لعل هذا الإنسان ذي العقل البشرى هو رب المجد. أم لعل العقل البشرى  أو الممتزج هو الكلمة.

   كيف يستطيع إنسان أن يموت عنا ويرفع عنا حكم الموت, ما لم يكن الذى صلب هو حقا رب المجد. لأنه تألم لأجلنا في الجسد حسبما تقول الأسفار المقدسة .. فالذى خلصنا هو إلوهيم بدمه ( أعمال 20 : 28 ) لأن فادينا هو إلوهيم قدوس إسرائيل ( أشعياء 43 : 14 + 47 : 4  ) ليس بموت آخر ولا وساطة إنسان ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد " ف 12  ص 89 ) . 

    إذا كان الذى تألم على الصليب هو إنسان مثلنا وكان الدم المسفوك هو دم إنسان نظيرنا حتى لو كان متحدا بإلوهيم. إذن نحن لم ننل الفداء من إلوهيم . وإنما نلناه بدم أخر وليس دم إلوهيم .. وعلينا أن نسجل هنا أن الذى خلصنا ليس الابن الوحيد بل آخر أي ذاك الذى سفك دمه لأجلنا ( المسيح واحد  ف 12 ص 85 . 86 ).

    ثم ماهى جنسية روح المسيح التى أسلمها على الصليب هل هى روح انسانية مخلوقة أم أنها روح إلهية أزلية  .

       إن كانت الروح التى استودعها المسيح انسانية مخلوقة فيكون المسيح نفسه انسان مثلنا ويكون دمه بلا قيمة كذبيحة ناقصة مقدمة بروح انسانية عاجزة عن احياء جسدها ومن ثم لا تقدر أن تحيى الذى يتقدم بها.

    أما إن كانت روح المسيح التى استودعها فى يد أبيه أزلية  فيكون المسيح هو الابن الوحيد الذى ارسله إلوهيم إلى العالم لكى نحيا ويكون دم المسيح الذى بروح أزلى الذى قدمه لإلوهيم بلا عيب قادر على تطهيرنا من الخطية وأحياء اجسادنا المائتة بروحه الأزلى الساكن فينا وفى هذا يقول بولس الرسول :

    فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( أى دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

      لأن الذى اقتنانا بدمه هو إلوهيم نفسه ( أعمال 20 : 28 ) وليس انسان.

     يقول لوقا البشير أن يسوع على الصليب صرخ بصوت عظيم قائلا :

     " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى ولما قال هذا أسلم الروح " ( لوقا 23 : 46 ).

      والسـؤال المطروح هـو إذا كان الثالوث واحدا فلماذا قال الابن بصوت عظيم : " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى ". 

     الواقع أن هذه الصوت العظيم كانت من أجلنا نحن ليعلن للمختارين بأن أرواحهم منذ هذه اللحظة لن تستودع فى جسد الموت لتحدر معه إلى القبر كما فى السابق بل سوف تستودع فى يدى الآب ( أى فى يدى المسيح صورة الآب ) لتكون مع المسيح فى الفردوس حتى اليوم الأخير. لأن حياتنا الآن صارت مستترة مع المسيح حتى متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ نظهر معه فى المجـد ( كولوسى 3 : 3 – 4 ).

      والواقع أن المسيح وإن مات موتنا على الصليب بسفك دمه إلا أن جسده كان محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى أى بالروح القدس ( بطرس الأولى 3 : 19 ) إذ لم يكن ممكنا أن الذى هو الحياة والمحيى يمسك من جسد الموت مثلنا ( أعمال1 : 24 ) لأنه وحده الذى له عدم الموت. لهذا إذ إلتقى الذى هو الحياة والمحيى بالموت فى جسده الخاص على الصليب أباد الموت أى ابتلعه كما تبتلع الظلمة من النور.

      وبهذا صار المسيح هو البداءة بكر من الأموات .. عاملا الصلح بدم صليبه .. ليحضرنا قديسين وبلا لوم أمامه ( كولوسى 1 : 18 - 22 ).

     لهذا عندما أحنى الرب رأسه معلنا تمام الفداء إنشق فى الحال حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ( كإعلان عن تمام المصالحة بإبطال الخطية والموت وردنا إلى الفردوس وبهذا زال الحجاب الفاصل بين إلوهيم

     لهذا فإن صرخة يسوع على الصليب " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى " ( لوقا 23 : 46 ) لم تصدر عن إنسان بل عن ابن إلوهيم الوحيد بقوله يا أبتاه الذى هو واحد معه فى الجوهر فى يديك أى فى صورة مجدك أستودع روحى أى الروح القدس المحيى الذى هو روح الآب أيضا ولما قال هذا أودع الروح.

     فالكتاب لم يقل ولما قال هذا " خرجت الروح " بل قال " أودع الروح " والتى ترجمت " أسلم الروح " أى أن ابن إلوهيم الوحيـد استودع روحه المحيى فى يدى الآب أى فى صورة مجده لأن يدى الآب ابنه المعبر عن كيانه الحقيقى.

         لأنه إن كانت روح الابن إنسانية حسب زعمكم فيكون أبيه أيضا إنسان لأن الابن محمول على أبيه الذى هو علة وجوده لأنه مولود منه وتكون روحه أيضا إنسانية لأنها منبثقة من آب مخلوق.

     فإذا استودع الابن روحه الإنسانية فى يد أبيه الذى هو واحد معه فى الجوهر فيكون قد أودع روحه فى يد نفسه, وإذ روحه غير محيية كسائر البشر. فإنها ستمسك فى جسد الموت كسائر البشر الراقدون تحت الثرى حتى اليوم.

     الوحيد الذى لم يكن للموت سيادة عليه هو المسيح لأنه الحياة والمحيى لهذا إذ مات جسده بموت الدم صار الجسد غير مائت بسبب روحه المحيى. إذ لم يكن ممكنا أن ناموس الموت يسود حيث شريعة روح الحياة فى المسيح يسوع التى أعتقت جسده وأجسادنا من الموت.   

     فحيث يسوع هناك الحياة ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) لأنه ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) بل صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 5 - 11 ).

     لذلك فإن صرخة ابن إلوهيم يا أبتاه فى يديك أستودع روحى كانت لأجلنا ليصير هو الأول فى كل شىء. لهذا كان أيضا باكورة الذين تستودع أرواحهم فى يدى الآب.

     لأن إلوهيم الآب كان فى صورة مجده أى فى المسيح مصالحا العالم لنفسه ( كورنثوس الثانية 5 : 19 ) لهذا كانت صرخته إعلان عن تمام هذه المصالحة بينه وبين البشر بقبول أرواحهم فى يديه ( أى فى صورة مجده ) لأن يدى الآب ابنه الذى هو واحد معه فى الجوهر.

      فصرخة ابن إلوهيم إذن كانت إعلانا عن تمام المصالحة بين إلوهيم والناس وأن أرواح البشر منذ هذه اللحظة لن تمسك من جسد الموت فى القبر كالسابق بل سوف تستودع فى يدى الآب الذى هو المسيح لتكون مع المسيح فى الفردوس حتى اليوم الأخير. لأن حياتنا الآن مستترة مع المسيح حتى متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ نظهر معه فى المجد ( كولوسى 3 : 3 - 4 ).

     لذات السبب أيضا ستر المسيح حياته إذ هو وحده الذى له عدم الموت. لهذا فإنه وإن مات موتنا على الصليب بسفك دمه إلا أن جسده كان محييا أى مقاما من الموت بروحه المحيى ( بطرس الأولى 3 : 19 ) إذ لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت مثلنا ( الأعمال 2 : 24 ) وبذلك أبطل موتنـا وابتلع الموت إلى غلبة, وبهذا صار المسيح هو البداءة بكر من الأموات عاملا الصلح بدم صليبه .. ليحضرنا قديسين وبلا لوم أمامه ( كولوسى 1 : 18 - 22 ).

     وبهذا بمجرد أن أحنى الرب رأسه معلنا تمام الفداء انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ( كإعلان عن تمام المصالحة وإبطال الموت وردنا إلى الفردوس ) فتزلزلت الأرض والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة ( أى أورشليم السمائية فردوس إلوهيم ) وظهروا لكثيرين ( متى 27 : 51 - 53 ). 

     فالمسيح وإن أبطل موت الجسد على الصليب بروحه المحيى إلا أنه لم يظهر قيامته فورا تدبيريا بل ستر حياته فى القبر لمدة يومين حتى يستر حياتنا نحن أيضا معه لمدة يومين ( أى ألفى سنة ) ثم متى أظهر المسيح قيامته للعالم أجمع عندئذ نظهر معه فى المجد.

     لهذا عندما يقول الابن للآب فى يديك أستودع روحى. فمن الواضح أن روح الابن هى روح الآب أيضا. لأن الابن مولود من الآب والروح القدس منبثق منه. أى أن الابن وروحه هما من الآب وبالآب.    

     أما يدى الآب فهى صورته. أى ابنه الذى هو صورة الأب. لهذا عندما أودع روحه فى يدى الآب فقد أودعها فى يد نفسه. لأنه صورة الآب من رآه فقد رأى الآب.   

     إن أى إنسان يؤمن بلاهوت المسيح ولم يتسمم ذهنه بعقائد أصحاب الطبيعتين. سيدرك البساطة التي في المسيح وأن روحه إلهية. لأنه إن كان الابن هو إلوهيم وهو واحد مع أبيه وروح قدسه. فمن البديهى أن تكون روح الابن المنبثقة من الآب إلهية.   إذ يستحيل أن تكون روح الابن منبثقة من آب آخر مخلوق.

   لأنه إن كانت روح الابن المنبثقة من الآب مخلوقة فسيكون الآب أيضا مخلوق, وهكذا يكون المولود منه. أما إن كان الآب أزلى فسيكون المولود منه أيضا أزلى وتكون روحه المنبثقة منه أزلية أيضا.

    ولا يوجد ابن مولود من آب, وروحه منبثقة من آب أخر. لأن الابن وروحه من الآب, وهما محمولان عليه وجودا وعدما.

     وبناء على ذلك ليقل لنا هذا اليعقوبى من هو الابن. هل هو الكلمة. أم العقل البشرى؟

     فإن كان الابن الذى قال " يا أبى " هو العقل البشرى وليس الكلمة فتلك بدعة نسطور, وإن كان هو الكلمة وكانت روحه إنسانية فتلك بدعة خلقيدونية. أما إن كان الابن هو الكلمة فوفقا للمذهب اليعقوبى تكون روحه الواحدة من روحين ليست إنسانية ولا إلهية . لأن الروح الواحدة التى هى مزيج من الروحين قد تلاشيا بالإمتزاج ونشأت طبيعة جديدة منهما.

   مما تقدم يثبت بالدليل والبرهان أن جميع مذاهب أصحاب الطبيعتين باطلة وهى برهان على عدم تحرر العقل البشرى من الخرافات وبقايا الأساطير اليونانية.

  


الاعتراض العاشر

على أن المسيح أحيا جسده لحظة موته بالروح القدس

      اعترض هذا اليعقوبى أيضا على قولنا:

    أن الروح القدس أحيا جسده المائت على الصليب ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 البند ثامنا ).

       وعلق في موضع آخر قائلا :

      هل معنى ذلك أن الروح القدس هو الذي أحيا الجسد فى اليوم الثالث؟

     واستطرد هذا اليعقوبى قائلا:

     أن الروح ( الإنسانية ) المتحدة باللاهوت هي التي ذهبت للجحيم وردت أبانا آدم وبنيه للفردوس بقوة اللاهوت المتحد بها وهي أيضاً التى عادت إلى الجسد في اليوم الثالث فكانت القيامة؟ كما يقول الكتاب :

     " مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح. الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن " ( بطرس الأولى 3 : 18 - 19 ).

    أي أنه مات بالجسد ولكن روحه ( الإنسانية ) كانت حية, وبهذه الروح نفسها ذهب وأعلن بشرى الخلاص للأرواح التى فى الجحيم، لذلك جاء هذا النص في الترجمة التفسيرية  " فمات بجسمه البشري، ثم عاد حيا بالروح ( الإنسانية ) " بهذا الروح نفسه، ذهب قديما وبشر الناس الذين أصبحت أرواحهم الآن في السجن.

    وأن الروح ( الإنسانية) المتحدة باللاهوت هي التي ذهبت للجحيم وردت أبانا آدم وبنيه للفردوس بقوة اللاهوت المتحد بها , وهي أيضاً التى عادت إلى الجسد في اليوم الثالث فكانت القيامة؟.

     ولم يكن مقصوداً بالروح هنا الروح القدس. لأنه إن كان الروح القدس هو الذي سيحينا عند الموت بدخوله فينا بدلاً من أرواحنا البشرية, فهذا يعنى أننا سنكون في حالة تجسد إلهي لسكنى الروح القدس فينا.

   من الواضح أن المعترض جاهل تماما بالحق الكتابى وبقواعد التفسير للنصوص الكتابية, لهذا يفسر آيات الكتاب من منظور بدعته الخاصة بغير علم  وبجهالة تصل إلى حد مضادة آيات الكتاب المقدس نفسه لهلاك نفسه ومن يتبعه.

       يقول بطرس الرسول :

     " مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح " ( بطرس الأولى 3 : 18 - 19 ).

     هذه الآية فسرها المعترض تفسيرا خاطئا بقوله بأن المسيح مات بالجسد ولكن روحه كانت حية لهذا جاء النص في الترجمة التفسيرية :

     " فمات بجسمه البشري، ثم عاد حيا بالروح "

     ويستطرد هذا المعترض قائلا أن هذه الروح لا  يقصد بها الروح القدس بل روح إنسانية .

     وردا على ذلك نقول له أن المقصود " بممات فى الجسد ولكن محيى فى الروح " أن المسيح رغم أنه كان ممات بالجسد كسائر البشر بموت الدم, ولكنه أى الجسد كان مقاما من الموت بالروح , والروح هنا معرفة بالف لام أى أنها روح إلوهيم وروح إلوهيم هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى, والروح المحيى هو وحده روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

     أما الترجمة التفسيرية فتقول أن الجسد مات حسب البشر ( أى بموت الدم ) وعاد حيا بالروح ".

    فكلمة عاد حيا , عائدة على الجسد المائت الذى عاد حيا, وليس الروح لأن الروح لم تمت .

    وجدير بالذكر أن كلمة " ولكن " في اللغة هي حرف عطف واستدارك يثبت لما بعده حكما مخالف لحكم ما قبله.

     ما قبله " الجسد مات " ( والجسد يموت بموت الدم ) ولكنه أي الجسد كان محييا أى مقاما من الموت بالروح, , والروح المحيى للجسد هو الروح القدس الرب المحيى , لهذا فإن المسيح وان مات موتنا بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد , إلا أن جسده بعد أن صار جسدا لروح الحياة الذى فى المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 )  لم يعد مخضعا للموت, لأن شريعة روح الحياة التى فى المسيح يسوع أبطلت موت جسده الخاص واعتقنتا نحن أيضا بموته الكفارى عنا من حكم الخطية والموت, فأخذ ما لنا أى الموت وأعطانا ماله أى الحياة بعد أن كفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس عن دمائنا المدنسة بشوكة الخطية والموت, ولكن إذ قد صار الجسد جسدا للقدوس الذى لا يموت فقد أباد بموته الموت وأبطل سلطانه ( العبرانيين 2 : 14 ).  

    مما تقدم يتضح أن الذى مات حسب البشر وعاد حيا هو الجسد. لأن الروح لا تموت ولم تمت حتى يقال أنها عادت حية, وإنما الذى عاد حيا هو الجسد الممات بموت الدم .

     مماتا فى الجسد ولكن محيى ( أي مقام من الموت ) فى الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

    فالممات حسب الدم, والمحيى أي المقام من الموت بحسب الروح, هو الجسد.

    وقوله محيى في الروح يعنى أنه أي الجسد أقيم من الموت بالروح القدس الرب المحيى لكونه وحده روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا, لهذا فإن قيامتنا هي بروح المسيح الكلمة المتجسد لكونه الوحيد الذى له روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح له القدرة على إحياء جسده وأجسادنا , لأنه إن إتحدنا معه في المعمودية في شبه موته نتحد أيضا بقيامته ( رومية 6 : 5 ).

    لهذا قال بولس الرسول مع المسيح صلبت ( أى فى المعمودية التى هى شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى ( بالروح القدس الذى هو روح المسيح ) ( غلاطية 2 : 20 ).

      أما إن كانت روح المسيح إنسانية بحسب زعم المعترض اليعقوبى , فلن تكون محيية للجسد على الإطلاق لأن أجساد البشر جميعا  تحيا بالنفس الحية أي الدم الذى هو نفس حيوانية هي علة إحياء أجساد البشر والحيوانات ( كورنثوس الأولى 15 : 44 , 45 , 50 ) ومن ثم فإن أجساد البشر لا تحيا بالروح الإنسانية التي تمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ) وتحدر مع جسدها إلى القبر كجثة عادمة الحياة ( اشعياء 66 : 24 ) إلى الأبد , ولو كان للروح الإنسانية هذه القدرة لما مات الإنسان أبدا ولما احتاج لروح إلوهيم الذى هو روح المسيح المحيى ليقيمه من الموت ( حزقيال 37 : 14 ) ( رومية 8 : 2 , 11 ) ( غلاطية 2 : 20 ).

     والسؤال المطروح الآن هو إذا أفترضنا أن روح المسيح إنسانية حسب زعم هذا اليعقوبى فأين نذهب بالحق الكتابى القائل بأن روح المسيح أزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) وأنه روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) إلهيا ( رومية 8 : 9 ).

    فإن كانت روح المسيح انسانية بحسب زعم هذا اليعقوبى فهل هى مشخصة بعقلها البشرى حسب نسطور, أم مشخصة باللوغوس حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية.

     وإن كانت روح المسيح إنسانية حسب زعم هذا اليعقوبى الذى يقول بطبيعة ( روح ) من طبيعتين ( روحين ) للكلمة المتجسد , فهذا معناه أن الطبيعة الإنسانية ابتلعت الطبيعة الإلهية وهى بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

     والواقع أن هذا المعترض اليعقوبى جاهل حتى بعقيدة مذهبه اليعقوبى الذى رغم أنه اثبته فى مؤلفه إلا أنه لا يميز بينه وبين عقائد المذاهب الأخرى  فسقط  فى جميع مذاهب أصحاب الطبيعتين لعدم تمييزه للفروق بينها.

    يقول اليعاقبة أن طبيعة المسيح من طبيعتين, وأن هذه الطبيعة الجديدة التى نجمت عن الاتحاد هي التي صارت تعرف بالمسيح  ( وهذا معناه نشوء روح جديدة من الروحين لم تكن موجودة من قبل, أى أنها روح محدثة وليست أزلية بما يتعارض مع الحق الكتابى بأن روح المسيح إلهية أزلية محيية ) ..  لهذا فإن اسم المسيح لا يصح إطلاقه على الكلمة قبل التجسد ( وهذا يتعارض مع الحق الكتابى بأن يسوع المسيح كائن منذ الأزل فى صورة إلوهيم إذ هو بهاء مجده ورسم جوهره,  وانه مساو للآب فى الجوهر ) بل هو اللقب الذى عرف به منذ يوم التجسد فقط ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 146 )( العلامة ابن المكين " الحاوي " ص 45 ).

    وبداهة أن عقائد اصحاب الطبيعتين فى ماهية روح المسيح تخالف المعتقد الأرثوذكسى القائم على الحق الكتابى وقانون الإيمان الرسولى والذى نقول فيه :

     " نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن إلوهيم الوحيد .. مساو للآب فى الجوهر ( فيلبى 2: 5 -6 ) .. نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ).

     إذن الروح المحيى الذى هو روح القيامة والحياة بحسب الحق الكتابى وقانون الإيمان الرسولى هو روح المسيح ( رومية 8 : 9 ) أى روح إلوهيم ( حزقيال 37 : 14 ) لا روح إنسانية. لأن الروح الإنسانية غير محيية ومحدودة , ومن ثم لا تقدر أن تحيى ولا نفسها,  الروح الوحيد المحيى للأجساد الذى هو روح القيامة والحياة هو روح المسيح ابن إلوهيم الوحيد الذى جاء لنحيا به ( يوحنا الأولى4 : 9 ).

     وحتى ان كانت روح المسيح إنسانية وكانت محيية للجسد فإنها بسبب محدوديتها لن تستطيع أن تحيينا , نقول هذا جدلا, لأن أجسادنا تحيا بالدم المائت لا بالروح , والواقع أن الروح الإنسانية لو كانت محيية للجسد لما خضع جسدها للموت مطلقا, لأن الجسد يحيا بالدم لا بالروح , لهذا كانت الحاجة إلى روح إلوهيم الذى هو روح المسيح المحييى ليقيم أجسدانا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ).

    لهذا أرسل الآب ابنه لنحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 )  لأن المسيح روحا محييا.

     إن هذا اليعقوبى يرفض الحق الكتابى مصرا على أن قيامة المسيح وقيامتنا هى بروح إنسانية. رغم أن هذه الروح الإنسانية العاقلة لا وجود لها فى الطبيعة الواحدة من طبيعتين ( روحين ) المشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو المشخصة بابن من ابنين حسب يعقوب البرادعى .

     وهذا معناه أن هذا اليعقوبى إما أنه يعتنق المذهب النسطورى لأنه يتكلم عن روح إنسانية عاقلة متحدة بالطبيعة الإلهية بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, واما أنه كيعقوبى يقول بطبيعة من طبيعتين بما يعنى أن الطبيعة الإنسانية لاشت الطبيعة الإلهية وهى بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا لقوله بطبيعة واحدة إلهية للكلمة المتجسد, فقالو له ما لم تقل مقولتنا بطبيعتين فهذا معنا أن الطبيعة الإلهية ابتلعت الطبيعة الإنسانية , فقال مقولته الشهيرة حاشا لى أن أقول أن ربنا من طبيعتين ( " البابا ديوسقوروس الإسكندرى حامى الإيمان " ص 87 ) وهى العقيدة التى يرددها كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى, والتى تخالف المعتقد الأرثوذكسى فى الطبيعة الواحدة الإلهية للكلمة المتجسد .

     ثم  يواصل هذا المعترض اعتراضاته بقوله:

     إن كان الروح القدس هو الذي سيحينا عند الموت بدخوله فينا بدلاً من أرواحنا البشرية, فهذا يعنى أننا سنكون في حالة تجسد إلهي لسكنى الروح القدس فينا.

    وهذا مردود بقول بولس الرسول :

   " أما تعلمون أنكم هيكل إلوهيم ، وروح إلوهيم يسكن فيكم " ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ) أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم ، الذي لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ).

     ويقول أيضا " فإنكم أنتم هيكل إلوهيم الحي ، كما قال إلوهيم : إني سأسكن فيهم وأسير بينهم ، وأكون لهم إلها ، وهم يكونون لي شعبا "( كورنثوس الثانية  6 : 16 ).

     مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركبا معا ، ينمو هيكلا مقدسا في الرب. الذي فيه أنتم أيضا مبنيون معا ، مسكنا لإلوهيم في الروح ( أفسس 2 : 20 – 22 ).

  بل أننا نلنا في أجسادنا كل ملء إلوهيم ( أفسس 3 : 19 ) ( كولوسى 2 : 10 ).

   ترى ألعلنا جميعنا صرنا مسحاء متجسدين لأننا نحيا بالروح القدس , والعجيب أن مذهب هذا اليعقوبى عدم الروح القدس الساكن فينا , لأن روح المسيح الواحدة من روحين بحسب المذهب اليعقوبى ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا. بل هي روح فريدة لا جنس لها.

   فإذا كانت روح المسيح إنسانية حسب زعم المعترض فكيف يسكن فينا ويحيينا وله روح إنسانية محدودة, وكيف يقبل عاقل أن تكون روح المسيح إنسانية مخلوقة أو ممتزجة ويزعم أن المسيح هو إلوهيم.

     وأيضا إن كان روح المسيح إنسانية محدودة أو ممتزجة فكيف ستسكن فينا وتحيينا وكيف يتفق هذا مع قول بولس الرسول فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في.

   كيف يحيا المسيح في بولس الرسول وروحه إنسانية محدودة أو ممتزجة بما يعنى أنها ليست روح بل عنصر مادى لأن الأرواح لا تمتزج ولا تختلط بغيرها, ولكن ما يمتزج ويختلط هو العناصر المادية وهذا ما لا يدركه أرباب البدع لهلاك أنفسهم .

   فهل صرنا في حالة تجسد إلهى بسبب حلول الروح القدس فينا ليحيى أجسادنا المائتة. هل أصبح إلوهيم متجسدا فينا بسبب هذه السكنى كما يزعم هذا اليعقوبى الحكيم في عينى نفسه.

    واضح أن هذا اليعقوبى الذى لا يعى أن ما يكتبه يضاد ويعارض الحق الكتابى الواضح والصريح ويصر على معارضته ومخالفته وانكاره بقوله أن قيامة المسيح وقيامتنا هى بروح إنسانية , متعاميا عن الحق الكتابى الواضح والصريح القائل :

     إلوهيم قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضا بقوته ( أى بروحه المحيى ) ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح .. أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 14 , 15 , 19 ) فقيامتنا هي بيسوع الذى اعتقنا بروح الحياة الذى فيه من حكم الخطية والموت ( كورنثوس الثانية 4 : 14  ) ( رومية 8 : 2 , 11 ).

     من هذه الآيات يتضح أن قيامة الرب وقيامتنا تحققت بقوة الرب أى بروحه المحيى الذى بسكناه فينا صارت أجسادنا هيكلا لإلوهيم بسبب روح المسيح الذى فينا, وأن حلول إلوهيم فينا ليس تجسد إلهى بل شـركة ( بطرس الثانية 1 : 4 ) واتحاد ( رومية 6 : 5 ) ( يوحنا 17 : 21 ) ليتم المكتوب " وأجعل روحى فيكم فتحيون " ( حزقيال 37 : 14 ).

     وفى هذا يقول بولس الرسول :  

     " أن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت .. لأنكم لستم فى الجسد بل فى الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح. فذلك ليس له ( أى ليس للمسيح ) وإن كان المسيح فيكم ( بروحه المحيى ) فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح فحياة بسبب البر ( بالمعمودية ) وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم. فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) ( كولوسى 2 : 12- 13 ).

     وأيضا فى ذات المعنى يقول بولس الرسول:

     عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضا بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ).

     هذه الآية واضحة الدلالة على أن الذى أقام جسد الرب يسوع هو روح يسوع نفسه بدليل قوله سيقيمنا نحن أيضا بيسوع.

     وفى هذا يقول بولس الرسول :

     " فأحيا لا أنا بل المسيح ( أى روحه المحيى ) يحيا فى " ( غلاطية 2 : 20 ).

      وهذا معناه أننا سنحيا بروح يسوع المسيح الذى فينا ( " رسائل أثناسيوس الرسولى عن الروح القدس " الرسالة الأولى ف 19 ص 60 ) ( القديس كيرلس الاسكندرى " شرح إنجيل يوحنا "  ك 2 ف 1 ص 172 ) ( القديس أمبروسيوس " الروح القدس " الكتاب الثالث ف 19 فقرة 149 ص 64) إن لم نكن مرفوضين.

     وفى هذا يقول بولس الرسول :

     " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم إن لم تكونوا مرفوضين " ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ).

     مما تقدم يتضح أن قيامة المسيح وقيامتنا لم تكن بإنسان ولا بروح إنسانية بل بقوة إلوهيم الذى يسكن فينا بروحه المحيى لنحيا به ويحيا فينا. لهذا فإن كل من يعترف بأن يسوع هو الرب, وأنه أقيم من الأموات بقوة الرب لا بقوة روح إنسانية خلص, وفى هذا يقول بولس الرسول:

     " لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن إلوهيم أقامه من الأموات. خلصت " ( رومية 10 : 9 ).

 


الإعتراض الحادى عشر

على أن المسيح أخفى قيامته على الصليب وأظهرها في اليوم الثالث

 

    العلة خلف هذا الاعتراض هو عدم ايمان المعترض بأن المسيح هو ابن إلوهيم الذى جاء إلى العالم لكي نحيا به ( يوحنا الأولى 4 : 9 ).

   لهذا فإن روح المسيح إذ هو روح الحياة المحييى للأجساد الذى سيحيى أجسادنا المائتة ويعتقنا من حكم الخطية والموت لم يكن ممكنا ان يمسك من الموت ( أعمال 2 : 24 ) أو أن يرى جسده فساد الموت ( أعمال 2 : 26 )

      لهذا إذا هو غير مائت بالطبيعة لهذا عندما إلتقى بالموت في جسده أبطله بروح الحياة التي فيه ولكنه ستر حياته كما ستر حياة الذين أقامهم معه في المعمودية التي هي شركة صلب وموت وقيامة مع المسيح , وفى هذا يقول بولس الرسول فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ورغم أنه يحيا بروح المسيح المحيى إلا أن حياته الآن مستترة مع المسيح الأمر الذى أوضحه بولس الرسول بقوله:

      لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في إلوهيم. متى أظهر المسيح حياتنا ، فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه في المجد ( كولوسى 3 : 3 – 4 ).

   مالذى يعنيه بولس الرسول بقوله أن حياتنا التي هي أصلا حياة المسيح مستترة مع المسيح , أن هذا معناه أن المسيح ستر حياته التي نحيا بها ولسبب ذلك صارت حياتنا نحن أيضا مستترة معه , ومتى أظهر المسيح حياتنا التي هي حياته, كما يقول بولس الرسول فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 )  فحينئذ نظهر نحن أيضا معه في المجد عند مجيئه الثانى.

     لأن المسيح في مجيئه الثانى سيظهر قيامته وانتصاره على الموت , لأنه ستر حياته عن العالم كله وأظهرها لشهود كثيرين ليشهدوا له بأن جسده لم يخضع لسلطان الموت ولم يمسك منه ولا للحظة بدليل أن جسده لم يرى فساد الموت الذى يدب في الجسد بمجرد موته , لأنه القدوس الذى لا يموت الذى ما أن التقى بالموت في جسده ابطله ( العبرانيين 2 : 14 ) كما تبطل الظلمة من النور متى التقت به.

     لهذا يقول بولس الرسول : أن المسيح وان صلب عن ضعف. أي بسبب قابلية الدم للموت. إلا أن جسد المسيح لم يكن ممكنا أن يمسك من الموت ( الأعمال 2 : 24 ) مثل سائر البشر ولا أن يخضع لسلطانه ولا للحظة واحدة. لهذا فإنه بمجرد موته أباد الموت بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ) كما تباد الظلمة من النور. لهذا رغم انه صلب وذاق موت الصليب إلا انه كان حيا على الصليب بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) ( كيرلس الإسكندرى " المسيح واحد "  ف 12 ص 88 ) أي بالروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 )

    لهذا وصف موت المسيح بأنه شبه موت ( رومية 6 : 5 ) لأنه رغم أنه مات بحسب الجسد نتيجة موت الدم , إلا  أن جسده كان محييا أي مقاما من الموت بسبب روح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

    وهذا ما أثبته التقليد عندما جاء يوسف ونيقوديموس ليكفنا جسد الرب حينئذ أخذ نيقوديموس العجب  لما رأى السيد مائتا واستولى عليه الذهول متسائلا كيف يموت رئيس الحياة الذى أقام لعازر من الموت بعد أربعة أيام. فصرخ قائلا " يارب. أين جبروتك؟ " وللحال سمع الصديقان يوسف ونيقوديموس الملائكة يسبحون إلوهيم قائلين قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الذى لا يموت عندئذ إلتفت إليه يسوع مبتسما. فارتعد نيقوديموس وصرخ قائلا يا من صلبت عنا إرحمنا [3].

    لأنه كيف كان ممكنا إقامة الدليل على أن الرب هو الحياة. لو لم يكن قد أحيا ما كان مائتا ( أي الجسد ) ( تجسد الكلمة 44 : 6 ص 135 ).

     وهكذا أدرك الصديقان يوسف ونيقوديموس سر التدبير فشرعا يكفنان الجسد الممات موتنا ( بموت الدم ) ولكن ( أي الجسد ) محيي ( أي مقام من الموت ) بالروح المحيى ( أي بالروح القدس ) ( بطرس الأولى 3 : 18 ) [4] وكانا  يسبحانه قائلين " قدوس إلوهيم قدوس القوى قدوس الحى الذى لا يموت الـذى صلب عنا إرحمنا ".



الاعتراض الثانى عشر

على أن قيامة المسيح بالروح القدس لا بروح إنسانية

 

     إنكر المعترض قيامة المسيح بالروح القدس ( رومية 8 : 9 - 11 ) زاعما أن القيامة بروح المسيح الإنسانية.

   وهذا مردود بإن الموت بمجرد أن إلتقى بجسد الحياة فقد سلطانه ولم يعد له وجود. ومن ثم فقد أبطل الكلمة الموت فورا بمجرد أن التقى به في جسده.

     وعلى ذلك فإن الكلمـة لم يكن فى حاجة إلى روح إنسانية مخلوقة لتعيد إليه الحياة بل أن هذه الروح الإنسانية ونحن الذى نحتاج إليه ليقيم أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     فهل لو أن روح المسيح الإنسانية كانت محيية أى قادرة على إبطال موت الجسد الحيوانى هل كنا نموت ونمسك من جسد الموت بحيث نحتاج إلى الروح القدس المحيى ليقيم أجسادنا من الموت.

     الواقع أن الروح الإنسانية العاقلة ليست محيية كروح إلوهيم لأنه وحده الرب المحيى, ولو كانت أرواحنا محيية وقادرة على إقامة أجسادها من الموت لما مات الإنسان أبدا لأن الروح لا تفنى ولا تفسد ولا تموت.

   أما النفس الحيوانية أي الحية بالدم الذى هو علية حياة الجسد فإنها هي التي بموتها يفقد الجسد نسمته أي قدرته التنفسية فيموت الجسد نتيجة موت الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت.

    ومن ثم فإن روح المسيح لم تكن روحا إنسانية تمسك من جسد الموت كروح أدم , بل كان روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح له القدرة على إقامة الجسد المائت من الموت ( بطرس الأولى 3 : 18 ) فروح المسيح هو روح الحياة الذى حررنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) لأنه روح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 )  أي بروحه الذى هو الروح القدس المالىء الكل بلاهوته.

      ومن ثم فإن المسيح لم يقم من الموت بعودة روح إنسانية إليه , لأنه لو كان للروح الإنسانية هذه القدرة لما امسكت من جسد الموت , المسيح وحده إذ هو روحا محييا هو وحده الذى لم يرى جسده فسادا, لأنه أبطل الموت بمجرد ان التقى به في جسده , فنحن لا نعبد انسان يمكن أن يمسك من الموت مثلنا , بل نعبد الحى الذى  وإن مات موتنا بموت الدم إلا أنه أبطله بروح الحياة الذى فيه .  

      والواقع أن التعليم بقيامة المسيح بروح إنسانية عاقلة هو معتقد نسطور,  ومن ثم فإن الذى صرخ على الصليب حسب نسطور هو العقل البشرى.

    ولو صح ذلك لما جاز للمخلوق أن يقول : يأبتاه في يديك استودع روحى . حتى لو امتلاء من الروح القدس من بطن أمه فإنه في هذه الحالة لن يفضل يوحنا المعمدان الذى سبقه وامتلاء من البطن من الروح القدس.

     أما بحسب معتقد خلقيدونية فإن روح المسيح الإنسانية رغم أنها مشخصة بالكلمة حسب معتقدهم , إلا أن الكلمة يفارقها عند الآلام حتى لا يتألم معها , وفى هذا يقول ثيؤدورت اسقف قورش في مؤلفه الجامع للطبيعتين ما نصه:

     " وهو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد من قبل أن يطعن جسده بقدرة لاهوته. على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ويأخذها أيضا إذا شاء".

     وهذا معناه أن الكلمة فارق الروح الإنسانية منذ بدء الألام وحتى الموت موت الصليب.

     لأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية حسب ثيؤدورت أسقف قورش. فإذا بقى فيها فسيكون هو الذى تألم, وهذا يضاد المعتقد النسطورى بكافة مذاهبه ( الجامع للطبيعتين ف 5 ص 66 والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ).

      أما في المذهب اليعقوبى الذى ينتمى إليه المعترض رسميا فإن روح المسيح من روحين وهذه الروح ليست أنسانية ولا إلهية ولا هما معا . كما أن هذه الطبيعة الممتزجة مشخصة بالكلمة حسب رأى ساويرس الأ نطاكى, وفى هذا يقول الأنبا غريغوريوس ما موجزه :

      أن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت تم فى أقنوم واحد ( هو شخص الكلمة ) وطبيعة واحدة جمعت بين صفات وخصائص اللاهوت والناسوت معا ( أى أنها طبيعة ممتزجة من طبيعتين  ليست إلهية ولا انسانية بل هى طبيعة جديدة تجمع صفات الطبيعتين ) كما زعم أن مركز الشخصية كان فى الكلمة. لأن الناسوت ( أي الروح الإنسانية ) غير مشخصة ( أي بلا عقل بشرى يشخصها لأن الكلمة أبطل العقل البشرى وقام مقامه في تشخيص الروح الممتزجة ) ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 121 ).

    وجدير بالذكر أن بدعة الروح الإنسانية غير المشخصة بعقلها البشرى هي بدعة ثيؤدورت اسقف قورش وهى تضاد بدعة الإتحاد الأقنومى بين شخصين إذا لا وجود لهذا الإتحاد في حالة عدم وجود الشخصية البشرية ومن ثم فإن بدعة الإتحاد الأقنومى أي اتحاد الأقنومين قاصرة على النساطرة واليعاقبة رغم اختلافهم حول كيفية هذا الإتحاد الأقنومى, فحسب نسطور هو اتحاد بين شخصين بدون اختلاط في كرامة البنوة ووحدة اسم المسيح . أما في اليعقوبية فالإتحاد الأقنومى هو اتحاد إئتلافى بين الأقنومين أو الشخصين ( إقنوم من أقنومين ) بحيث صار لأقنوم الإئتلاف الذهنية الإلهية والبشرية معا أي أنه عدم الإبنين معا , وفى هذا يقول العلامة اليعقوبى ابن المكين  ما نصه :

    " أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار بهذا الإتحاد شيئا واحدا في الموضوع وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد , وهو حقيقة ثالثة ( أي ابن جديد محدث ) لا يصح عليها أنها إنسانية فقط , ولا إلهية فقط, وليس هو غير كل من الإله والإنسان . ولذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين . أزلى وزمنى " ( الحاوي للعلامة ابن المكين ص 45 ).

      كما زعم هذا المعترض اليعقوبى أن جسد المسيح خضع  للموت مثلنا وانه قام بروح انسانية . منكرا الحق الكتابى القائل بأن المسيح وإن كان مماتا حسب الجسد ( بموت الدم بسبب ضعفه وقابليته للموت ) ولكنه أي الجسد كان محيىا ( أي مقاما من الموت ) في الروح, وهذا عين ما أشارت إليه الترجمة التفسيرية للكتاب المقدس بالقول " فمات بجسمه البشرى ثم عاد حيا بالروح " ( بطرس الأولى 3 : 18 )  ( وهذا برهان على أن قيامة المسيح كانت بالروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 – 1 ) .

     وأيضا فإن خضوع جسد المسيح للموت بمفارقة الروح الإنسانية ثم عودتها إليه في اليوم الثالث يعنى ان جسده رأى فسادا وظل في الفساد والموت حتى عادت إليه الروح الإنسانية في اليوم الثالث, بالمخالفة للحق الكتابى القائل أنه لم يكن ممكنا أن يمسك منه .. لأن داود يقول: .. ولا رأى جسده فسادا ( أعمال 2 : 24  , 31 ).

      وهذا معناه أن روح المسيح الذى هو الروح القدس لم يكن ممكنا ان تمسك من جسد الموت مثلنا, ولا رأى جسده فسادا لأنه لم يرى موتا, لأن الفساد يدب في الجسد في لحظة الموت. اما في المسيح فبمجرد أن التقى جسده بالموت أبطله ولاشاه لأنه الحياة والمحيى الذى ابتلع الموت ولاشاه عندما التقى به في جسده كما تبتلع الظلمة من النور عندما تلتقى به.

      لهذا إن كنا نحيا حسب الحق الكتابى بروح المسيح الذى هو الروح القدس. فمن باب أولى أنه أحيا جسده أولا بروحه المحيى ليكون باكورة الراقدين. لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ، لكنه حي بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ).

     وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى :  " أن المخلص قبل الموت الذى أتاه من البشر لكى يبيده نهائيا عندما يلتقى به في جسده " ( تجسد الكلمة فصل 22 : 3 )  

     ويقول أيضا : " لقد كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت مباشرة ويظهره حيا ولكن المخلص لم يفعل " ( تجسد الكلمة فصل 26 : 2 ).

     وهذا ما تشير إليه الثلاث تقديسات مظهرة حقيقة المسيح وأنه القدوس الذى لا يموت وليس إنسان حل فيه الكلمة بكيفية مختلف حولها بين أضداد المسيح.

   أما هذا المعترض اليعقوبى فرغم علمه بأن يسوع هو إلوهيم بحسب الحق الكتابى إلأ أنه حمق في فكره واستبدل يسوع المسيح الذى هو صورة مجد إلوهيم الذى لا يموت بشبه صورة إنسان يموت مثلنا زعم أنه هو يسوع المسيح  المولود من مريم وأن الكلمة حل في هذا الإنسان كما يحل في الأنبياء والقديسين ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21 ص 46 ) ( شرح تجسد الإبن الوحيد ف 7  ص 17, 18 ) لهذا وجبت عبادته. فأتقى وعبد المخلوق دون الخالق المبارك إلى الأبد آمين ( رومية 1 : 21 -25 ).

 

 

 

الإعتراض الثالث عشر

على أن الروح القدس سيقوم بإحياء الجسد عوضا عن الدم

      يقول المعترض اليعقوبى المذهب:

      رأى الكاتب أن المقصود بالطبيعة الإلهية في المصطلح الكتابى يقصد بها روح إلوهيم أي الروح القدس الذى هو روح الشركة , وأنه غاية هذه الشركة هو أن يحل الروح القدس محل الدم المائت في إحياء الجسد. ويرى المعترض أن هذا التعليم غير مقبول وغير معقول ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 259 ).

 

    وهذا مردود بأن المحقق كتابيا وجود جسد حيوانى أي جسد حى بالدم الذى هو نفس حية أو حيوانية, كما يوجد جسد روحانى أي جسد مقام من الموت بالروح القدس ( كورنثوس الأولى 15 : 44 – 49  ) الذى هو روح المسيح المحيى الذى سيمنح  أجسادنا المائتة, قوة حياة جديدة ليس من دم كما في الميلاد الأول بل من الروح القدس أي روح إلوهيم ( يوحنا 1 : 13 ) الحى الباقى إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ) الذى نأخذه في الميلاد الثانى والذى به نقوم مع المسيح من الموت بروحه المحيى أي بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ).

   وعلى ذلك فإن المقصود بتجديد الروح القدس هو تجديد الحياة ( رومية 6 : 4 -5 ) فنولد ثانيا ولكن ليس من دم كما في الميلاد الأول بل من إلوهيم أي من الروح القدس الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ).

   وهذا معناه أن الروح القدس هو الحياة الجديدة التى تحل محل الدم المائت فى إحياء الجسد وبهذه الحياة الجديدة نصير خليقة جديدة روحانية أى حية بروح إلوهيم, لأن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ( كورنثوس الأولى 15 : 50 ).

  

عدم فهم المعترض للمقصود بتجديد الروح القدس

      اعترض هذا اليعقوبى على قولنا بأن الروح القدس سيقوم مقام الدم المائت في إحياء الجسد وإقامته من الموت لعدم فهمه الحق الكتابى المتعلق بتجديد الروح القدس ومعناه تجديد الحياة بالروح القدس فنولد ليس من دم بل من إلوهيم أى من روحه.

     أي أننا سناخذ حياة جديدة بالولادة الثانية ليس من دم ( كما فى الميلاد الأول ) .. بل من إلوهيم ( أي روح إلوهيم ) ( يوحنا 1 : 13 ) مولودين ثانية لا من زرع يفنى ( لأن الدم المائت نتيجة الخطية يصنع من زرع الرجل كما جاء في سفر الحكمة 7 : 2 ) بل مما لا يفنى , بكلمة الوهيم الحية الباقية إلى الأبد ( بطرس الأولى 1 : 23 ).

     هذه الحياة الجديدة أخذناها بالقيامة مع المسيح في المعمودية ( رومية 6 : 4 ) التي فيها ولدنا ثانية لا من زرع يفنى ( كما في الميلاد الأول بالدم الذى أخذناه من آدم من خلال زرع الرجل الفانى بسبب الخطية ) بل مما لا يفنى, بكلمة إلوهيم الحية ( أي بروح إلوهيم غير الفانى الباقى إلى الأبد ) ( بطرس الأولى 1 : 23 ) الذى سيحيى اجسادنا المائتة ( بموت الدم الذى هو نفس حية )  بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 – 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

    الأمر الذى اعلنه أيضا بولس الرسول بقوله :

    إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ، ولا يرث الفساد عدم الفساد . هو ذا سر أقوله لكم : لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير ( أي نتحول من الجسد الحيوانى الحى بالدم إلى الجسد الروحانى المحيى أو المقام من الموت بالروح القدس ).

    وهذا ما أعلنه بولس الرسول أيضا قائلا :

    يزرع جسما حيوانيا ( أي حي بالدم ) ويقام جسما روحانيا ( أي محيي بالروح القدس ) يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني, هكذا مكتوب أيضا : صار آدم ، الإنسان الأول، نفسا حية ( أي حى بالدم الذى هو حياة متنفسة ) وآدم الأخير روحا محييا ( أي مقام بالروح القدس الرب المحيي ) لكن ليس الروحاني أولا بل الحيواني ، وبعد ذلك الروحاني .. فأقول هذا أيها الإخوة : إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ( كورنثوس الأولى 15 : 44 – 50 )  فإن جهل أحد ذلك فليجهل.

   مما تقدم يتضح وجود جسم حيوانى ( أي حى بالدم )  وجسم روحانى ( أي محييى بالروح القدس ) ..  ولكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى ثم بعد ذلك الروحانى .. لأن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت إلوهيم ( كورنثوس الأولى 15 : 44 , 46 , 50 ).

 لهذا إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت إلوهيم ( يوحنا 3 : 5 ) وهذا دليل على ان المولودين من الدم يموتون ولا يرثون الملكوت. أما المولودين ثانيا من الروح فهؤلاء هم ورثة الملكوت .

    ومعلوم كتابيا أن إلوهيم اعطى عربون الروح في قلوبنا ( كورنثوس الثانية 1 : 22 + 4 : 6 )( رومية 5 : 5 ).

     أي أننا أخذنا عربون الحياة الأبدية في قلوبنا بروح المسيح الساكن فينا , والمحقق علميا أن قلب الإنسان هو المضخة التي توزع الدم الذى يمد الجسد بالطاقة والحياة. كذلك فإن المسيح سيسكن قلوبنا ليحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

     وفى موضع آخر اعترض على قولنا:

      " أن حلول إلوهيم فى أجسادنا بأقنوم الروح القدس هو حلول شركة بالجوهر الإلهى ليمنح أجسادنا نعمة القيامة. لأن الأقنوم لا يحل بمعزل عن جوهره وإنما يقدم على الجوهر ليبين ما يخص الأقنوم من عمل فى الجسد الذى يحل فيه ".

      ثم يعلق على هذه الأقوال بقوله :

      نحن أصبحنا نشترك فى الجوهر الإلهى !! .. والعلة فى ذلك أنه مادام الروح يحل فينا فبالتالي يحل فينا بالجوهر أيضاً لأن الأقنوم لا يحل بمعزل عن جوهره.

     ويتسآل قائلا إذا كان الجوهر يحل فينا فإنه لا يحل بمعزل عن صفاته وخصائصه؟ فأين هذه الصفات والخصائص التي للجوهر الإلهى والتي تظهر فينا بسبب حلول الروح القدس فينا ؟؟ ويرى اننا شركاء الطبيعة الألهية في العمل مع الروح القدس على حد تعبيره.

    والواقع أنه كما أن من يقول عن الشركة في الطبيعة الإلهية بأنها شركة في الكيان ( الجوهر ) يكون مخطئا . كذلك أيضا يخطىء كل من يقول مقولة المعترض بأن شركاء الطبيعة الإلهية تعنى ان لنا شركة مع الطبيعة الإلهية في العمل والإرادة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 258 ).

    لأن الشركة في العمل والإرادة مع الطبيعة الإلهية قاصرة على الآب والابن. لهذا يقول الابن أبى يعمل وأنا أيضا أعمل, وعلى هذا فإن اشتراكنا في العمل مع الطبيعة الإلهية معناه ضمنا أننا شركاء في الطبيعة الإلهية .

     والواقع أن شركتنا مع الطبيعة الإلهية ليست شركة في العمل والإرادة بل هي شركة ننالها كنعمة مجانية مع كل الذين استنيروا بالمعمودية الواحدة وصاروا شركاء الروح القدس ( العبرانيين 6 : 4 ) .

       فالروح القدس هو روح الشركة الذى بحلوله في قلوبنا ( كورنثوس الثانية 1 : 22 ) ( أفسس 3 : 17 ) ( غلاطية 4 : 6 ) يحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :9 -11 ) ( حزقيال 37 : 14 ) والذى به نصير هياكل للروح القدس أي للطبيعة الإلهية, وبموجب هذه الشركة يقول بولس الرسول:

    فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) .

    وبداهة أن الروح القدس عندما يحل فينا لا يحل بمعزل عن صفاته وخصائصه. لأن من صفات الروح القدس أنه روح الشركة ومن خصائصه أنه روحا محييا وبحلوله فينا يمنح أجسادنا المائتة الحياة لأن خاصية روح الحياة التي في المسيح يسوع قد اعتقتنا وحررتنا من حكم الخطية والموت .. بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

    لاحظ قول بولس الرسول : أحيا لا أنا ( أي ليس بعملى ولا بإرادتى ولا بقوتى ) بل بقوة وعمل وإرادة المسيح الذى يحيا في . هي هبة مجانية لم نأخذها بسبب أعمال في بر عملناها بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى الذى نلنا فيه الحياة الجديدة بالروح القدس بالقيامة مع المسيح من الموت في المعمودية. فإن كنا قد متنا معه نؤمنا أننا سنحيا معه أيضا.  

    وعلى هذا فإن قول المعترض بأن المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية انها تعنى شركة في العمل والإرادة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 258 - 259 ) غير صحيح . فهناك فرق بين عمل إلوهيم داخل الإنسان, وعمله مع الإنسان من خارج, مثال ذلك قول بولس الرسول : فإننا نحن عاملان مع إلوهيم ( بولس يغرس وأبلوس يسقى وإلوهيم ينمى ) ( كورنثوس الأولى 3 : 9 ) أو أن إلوهيم يشهد معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس, حسب إرادته ( العبرانيين 2 : 4 ).

       ثم بعد ان اعترض على قولنا بأن شركاء الطبيعة الإلهية تعنى شركاء الروح القدس عاد وأثبت ما قلناه في عبارات مطولة موجزها بانها تعنى أن لنا شركة مع الاب والابن والروح القدس .. وأننا صرنا شركاء الروح القدس بالقول أن الذين استنيروا مرة ( أي اعتمدوا ) صاروا شركاء الروح القدس ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 259 - 260 )  .

      فنحن شركاء مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ( يوحنا الأولى 1 : 3  ) وشركاء الروح القدس ( العبرانيين 6 : 4 ) أي شركاء الطبيعة الإلهية ( بطرس الثانية 1 : 4 ) وشركاء إلوهيم ( يوحنا الأولى 1 : 5 -6 ) فإن كنا قد صرنا حسب الحق الكتابى شركاء للأب والابن والروح القدس فقد صرنا شركاء للجوهر الإلهى القائم على أقانيم الثالوث, وهذا حق كتابى.

   فحلول إلوهيم في أجسادنا بأقنوم الروح القدس. هو حلول نصير به شركاء للجوهر الإلهى في الجسد الذى يصير بموجب هذه الشركة مسكنا وهيكلا للروح القدس , وليس شركاء في الجوهر الإلهى.

   المعترض لا يميز بين القول اننا شركاء للجوهر الإلهى أو الطبيعة الإلهية, وبين القول أننا شركاء في الجوهر الإلهى أو في الطبيعة الإلهية, وعدم تمييزه لهذا الفرق هو مشكلته الخاصة.

    إن القول بحلول إلوهيم في أجسادنا لها معناها الواضح . إنها تعنى أن أجسادنا صارت هيكلا للروح القدس, وبهذه السكنى صارت لنا شركة مع إلوهيم في الجسد. ليحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

     لهذا يقول بولس الرسول:

    فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) .

    فكيف يحيا المسيح فينا؟ أليس بالروح القدس المحيى الذى هو روح الشركة.

    والواقع نحن لم نقل بأننا شركاء الطبيعة الإلهية في الكيان كما نرفض قوله بأننا شركاء معه فى العمل الداخلى بموجب هذه الشركة بحسب اعتقاد المعترض , لأن الشركة في الكيان أي الجوهر تجعلنا أحد أوجه الثالوث, وشركاء معه في العمل والإرادة بإحياء الجسد المائت بموجب هذه الشركة باطل نقلا وعقلا.

    فالشركة في العمل مع الطبيعة الإلهية تجعلنا مثل إلوهيم القائل أنا أعمل وأبى أيضا يعمل. فنحن لسنا شركاء إلوهيم في العمل بل أنه يعمل معنا ليعضدنا وليس أننا نعمل معه لنعضده أو لنحيى معه أجسادنا المائتة .

     فشركتنا مع المسيح والروح القدس هي شركة في الجسد نقبل فيها عمل النعمة.

    فالرسول لم يقل أيها الأخوة شركاء الطبيعة الإلهية في الجوهر أو في العمل بل قال:

    كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى ( أي أسرار الكنيسة  وعلى رأسها سر المعمودية ) ..  اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة ( أي الحياة الأبدية بروح المسيح المحيى ) لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية ( بطرس الثانية 1 : 3 – 4 ).

    فنحن شركاء الطبيعة الإلهية بسبب روح الحياة الساكن فينا أى في الجسد ليحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ).

   لأنننا بسكنى الروح القدس فينا صرنا هياكل للروح القدس , وغاية هذه السكنى أن يحيى المسيح أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا . فأى عمل نشترك فيه مع إلوهيم ألعلنا نحيى أجسادنا المائتة . إن شركتنا مع الروح القدس هي شركة في الجسد كما هو مكتوب : فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فما هو العمل الذى اشترك فيه مع الابن في إحياء وإقامة جسدى من الموت حتى أكون شريكا للروح القدس في العمل.

     إن عملى قاصر على قبول النعمة بالإيمان, ولكن هذا لا يجعلنى شريكا في العمل مع الطبيعة الإلهية التي تسكن جسدى وتقيمه من الموت وتجعل من جسدى هيكلا للروح القدس. لهذا فنحن بهذا المعنى شركاء في الجسد لا في العمل ولا في الكيان أي الجوهر.

    أما شركتنا مع إلوهيم في الجسد فهى لإحياء جسدى فأحيا لا أنا ( أي ليس بقوتى ولا بعملى معه ) بل المسيح يحيا في ( أي أن الذى يمنحى الحياة هو المسيح كما هو مكتوب لى الحياة هي المسيح ) . 

     والواقع أن من يعتقد بأن الروح القدس عندما يسكن فينا يحل بمعزل عن جوهره هو شخص فاقد لأبسط مقومات المنطق السليم.

      يرفض المعترض القول بأن  الروح القدس يحل فينا بجوهره, ولم يبين لنا كيف يحل فينا بدون جوهره أي بدون الآب المنبثق منه.

     إن هذا اليعقوبى لا يدرك ما يعنيه القول بأن الروح القدس منبثق من الآب,  ولا يفهم أن هذا معناه أن الروح لا يحل فينا إلا بالآب المنبثق منه, وأنه عندما يحل فينا بروحه فإنه يحل أيضا بالابن المولود من الآب الناطق بروحه في الأنبياء.

     إذن الثالوث غير منفصل ولا يحل أقنوم بمعزل عن جوهره أي بمعزل عن الآب الذى هو جوهر وأقنوم في نفس الوقت .

   ويستطرد المعترض اليعقوبى قائلا:

     إذا كان الجوهر يحل فينا فإنه لا يحل بمعزل عن صفاته وخصائصه. فأين هذه الصفات والخصائص ولماذا لا تظهر فينا بسبب حلول الروح القدس فينا؟

 

     وردا على هذا اليعقوبى نقول له:

     ماهى الصفات والخصائص التى يجب أن تظهر فى الإنسان بسبب حلول الروح القدس فينا بجوهره.

     هل يظن مثلا أنه بسبب حلول الروح القدس في الإنسان يصير أزليا أو غير محدود أو قادرا على كل شيء.

     هل يعتقد أن الروح القدس بحلوله فينا يمتزج مع أرواحنا مكونا طبيعة جديدة بحسب مذهبه اليعقوبى.

     آهذه هى الصفات والخصائص التى يترجاها من سكنى الروح القدس فينا.

    أسمع أيها اليعقوبى. إن الصفات والخصائص التى ننالها كنعمة هى كما يلى :

    إن الروح القدس بحلوله فينا يصيرنا هيكلا للروح القدس, وأعضاء فى جسد المسيح ( كورنثوس الأولى 12 : 27 ) الذى سيحيي أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( حزقيال 37 : 14 ).

      فمن خصائص الروح القدس أنه روح محيى أي روح حياة تحيى جسد من تسكنه. لهذا سيعطينا قيامة من الموت بالميلاد الثانى. فنولد ثانيا ليس من دم يموت كما فى الميلاد الأول. بل مما لا يموت بكلمة إلوهيم الحية ( بالروح المحيى ) الباقية إلى الأيد. لأن إلوهيم أرسل ابنه لكى نحيا به أى بروحه المحيى.

     لهذا يقول الكتاب أننا هياكل إلوهيم وروح إلوهيم يسكن فينا. لنحيا به ويحيا فينا. فكيف يسكن إلوهيم فينا. أبكيل أم بروحه, وكيف يحل فينا بروحه. هل يحل بمعزل عن الآب المنبثق منه . هل يمكن للروح القدس أن يوجد بدون علة وجوده . لا شك أن الروح القدس يحل فينا بالآب. لأن الروح غير منفصل عن الآب وكلمته. لهذا عندما يقول المسيح نأتى أنا وأبى ( يوحنا 14 : 23 ) فإن الروح يأتى معهما ويسكن فينا ( رسائل أثناسيوس عن الروح القدس ص 87 ) فالثالوث لا يمكن تجزئته. فحيث الأقنوم هناك الثالوث كاملا, فمن يأخذ روح إلوهيم يأخذ كل ملء إلوهيم ( أفسس 3 : 19 ) ( كولوسى 2 : 10 ).

     " من ذلك يتضح أنه بسكنى يسوع المسيح ابن إلوهيم فى أجسادنا تصير لنا شركة مع الآب والروح القدس فى الجسد المقام من الموت بالروح القدس المحيى.

     هذا هو مفهوم الشركة وليس كما يحسب قوم أنها شركة فى اللاهوت لأن هذه الأخيرة قاصرة على أقانيم إلوهيم. أما شركتنا مع الروح القدس فهى شركة فى الجسد الذى به نصير هياكل للروح القدس المحيى الذى هو روح المسيح ".

 

  

 

الاعتراض الرابع عشر

  على أن المسيح نزل إلى باطن الأرض بروحه الإلهية

    اعترض هذا اليعقوبى أيضا على قول أثناسيوس الرسولى القائل:

    أن الرب نزل بروحه القدوس إلى أقسام الأرض السفلى وبشر من فيها وسبى الجحيم .. وحين كان جسده معلقا على الصليب .. تفتحت القبور ( الأنبا ايسيذورس "  الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 270 ).

      وأن هذا برهان على أن المسيح أبطل موت الجسد على الصليب وفتح لنا أبواب الفردوس بدلالة انشقاق حجاب الهيكل إلى إثنين من فوق إلى إسفل .. والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ( من عصر ما قبل الطوفان الذى به انتهى العالم الأول ) وخرجوا من القبور بعد قيامته ( متى 27 : 51 – 53 ) لأنه باكورة الراقدين بمعنى أنه أول المقامين من الأموات بالجسد الممجد أي المحيى بالروح القدس. 

      ويعلق المعترض قائلا : الشاهد الذى ذكره الكاتب لتدعيم قوله هذا. هو لأثناسيوس الرسولى, وبالرجوع إلى المستشهد به . أي إلى كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة الجزء الثانى ص270

     ثم يذكر النص الذى لأثناسيوس الرسولى محل الإقتباس وعقب عليه بمقولة من لنسطور منسوبة لأبيفانيوس أسقف قبرص يقول فيه  :

    " أن النفس ( أى الروح الإنسانية العاقلة حسب نسطور ) نزلت باللاهوت إلى الجحيم " ( الخريدة النفيسة الجزء الثانى ص 270 ).

     بأى وجه نتصور أن الروح الإنسانية نزلت باللاهوت  إلى الجحيم هل بحسب نسطور أم بحسب رؤيته الخاصة, هل نزلت باللاهوت المحتجب بها كأنها جسد أو حجاب وليست روح لا تسكن ولا تشخص من غيرها, أم نزلت باللاهوت مصاحبة.

   الواقع أن الروح الإنسانية بموت الجسد الحيوانى تمسك منه كما فى سجن إلى الأبد,  إذ لا قدرة لأرواح البشر أن ترى أو تسمع أو تتحرك بدون الجسد الحيوانى الحى بالدم , لهذا صنع لها إلوهيم جسدا ونفخ في  انفس نفس حياة فصار آدم نفسا حية كسائر الأحياء الحيوانية من ذوات الأنفس الحية.

    ومن ثم فإن القول بنزول روح إنسانية لا قدرة لها على الحركة ولا على إحياء الجسد المائت هو تعليم باطل نقلا وعقلا.

    ثم بعد أن ساق المعترض بعضا من تعاليم نسطور المنسوبة زورا للقديسين والمضادة للحق الكتابى مستهدفا منها إثبات أن العذراء لم تلد ابن إلوهيم بل إنسان ذي روح إنسانية عاقلة اتحد به الكلمة من بطن أمه, وبموته فارقت نفسه الإنسانية الجسد ونزلت باللاهوت المتحد بها إلى الجحيم. استطرد قائلا :

   كل هذه الأقوال صحيحة وشارحة للتدبير الذى تم على الصليب. لماذا بمكر يأخذ الكاتب قول القديس أثناسيوس الرسولى فقط ( من كتاب الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة ) ويعوجه ويحور فيه ليخرج بمفهوم يرضى أفكاره ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 299 , 200 ).

     وكأنه يتعين علينا عند إقتباس فقرة معينة من كتاب ما . أن نقتبس الكتاب كله ؟!!

      لماذا كل هذا؟ هل لأننا اقتبسنا من الكتاب المذكور مقولة للقديس أثناسيوس الرسولى يثبت فيها أن روح المسيح هو الروح القدس  بحسب الحق الكتابى.

     وكأنه يتحتم علينا عند أقتباس فقرة معينة تخدم بحثنا من كتاب ما وحتى لا نتهم بالمكر. يتعين علينا أن نأخذ ما قبلها وما بعدها من أقوال قد لا تمت للبحث بصلة.

     والواقع إن النص الذى اقتبسناه لأثناسيوس الرسولى هو نص صحيح لم يلحقه التحريف, ببرهان توافقه مع الحق الكتابى ومع موضوع بحثنا. لهذا كان بديهيا أن نقتبس منه بإيجاز ما يتفق مع موضوع بحثنا " وهو أن روح المسيح هو الروح القدس " لأنه وحده الغير محدود القادر أن يملاء الكل, وأن نلتفت عن التعاليم الهرطوقية المضادة للحق الكتابى التي دسها الهراطقة على كتابات الآباء والتي تزعم أن روح المسيح التي نزل بها إلى طبقات الأرض السفى هي روح إنسانية محدودة احتجب بها اللاهوت.

    والواقع الذى لا يدركه المعترض لتتلمذه على كتب ومؤلفات الهراطقة المضادة للحق الكتابى, هو أن أرواح البشر وفقا للحق الكتابى تسكن الجسد الحيوانى لتحيا وتتحرك من خلاله مادام حيا بالدم , فإذا مات فإنها تعجز عن أن تصعد أو تنزل أو تتحرك بل تقبض من جسد الموت كما في سجن كجثة عادمة الحياة إلى الأبد ( اشعياء 66 : 24 ).

     فهل تستطيع روح إنسانية محدودة لا قدرة لها على إقامة جسدها من الموت أن تملاء الكل أو أن تحيى جسدها أو تحيينا .

    الواقع أن الروح الوحيد القادر وحده على الصعود إلى أعلى السموات والنزول إلى طبقات الأرض السفلى هو الروح القدس لأنه وحده الذى يميت ويحيي . يهبط إلى الهاوية ويصعد ( صموئيل الأول 2 : 6 ) أما الإنسان الذى ينزل إلى الهاوية ( أى الحفرة أو القبر ) فلا يصعد ( أيوب 7 : 9 ).

     ولو كان للمسيح روح إنسانية عاقلة مثلنا بحسب زعم الهراطقة وكان لهذه الروح الإنسانية القدرة على الصعود إلى أعلى السموات والنزول إلى أسفل الهاوية, وإقامة جسدها من الموت, لكانت لأرواحنا جميعا هذه القدرة, فإن قيل أنه صارت لروحه هذه القدرة لأن إلوهيم حل فيه بكل ملء اللاهوت , فمردود بأن كل ما ناله كإنسان بالملء من كل ملء إلوهيم قد نلناه ( أفسس 3 : 19 ) فصرنا جميعا جسد واحد وروح واحد ( أفسس 4 : 4 ) هو روح المالىء الكل الذى يحينا بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :9 ) فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا ( غلاطية 2 : 20 ).

   فهل روح المسيح الذى يحيينا ويحيا فينا هي نفس إنسانية احتجب بها اللاهوت حسب زعم هذا الضد للمسيح  .

    من هو الذى يملاء الكل ؟ ( أفسس 4 : 10 ) آروح إنسانية محدودة ومخلوقة أم الروح القدس ؟ من هو الذى نزل إلى طبقات الأرض السفلى وصعد فوق جميع السموات. آروح إنسانية لا تستطيع أن تفارق جسدها المائت فتمسك منه ( أعمال 2 : 24 ) كما في سجن فتحدر مع جسدها المائت إلى القبر ( تكوين 42 : 38 ) أم الروح القدس الذى به نحيا ونتحرك ونوجد ( أعمال 17 : 28 ) .

   والواقع أن الروح الإنسانية حتى وإن كانت بارة فإن الملائكة ( مزمور 18 : 10 ) هي التي تحملها وتصعد بها إلى الفردوس ( لوقا 16 : 22 ) أي أن الروح الإنسانية لا تستطيع في ذاتها أن تتحرك أو تصعد أو تنزل بمفردها لأنها غير متحركة في ذاتها, لهذا تحتاج إلى مركبة الجسد الحيوانى أى الحى بالدم لتتحرك به, فإذا مات بموت الدم تعجز عن تحريكه وإقامته فتمسك منه ( أعمال 2 : 24 ).

   أما الروح القدس المحيى  فهو وحده القادر على أن يبيد بالموت سلطان الموت ( أي أن يبطل الموت بموته على الصليب بروح الحياة الذى فيه ) .. وأن يعتقنا نحن أيضا من حكم الخطية والموت ( العبرانيين 2 : 14 - 15 ) وأن يقيم أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :  2 , 11 ) وأن ينزل إلى طبقات الأرض السفلى, وهو وحده القادر أن يسبى سبيا, ويكرز للأرواح التي في السجن بحسب الحق الكتابى ( بطرس الأولى 3 : 18 ).

   وبداهة أن الروح المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) هو الروح القدس, وهذا ما أعلنه الحق الكتابى وفسره القديس العظيم أثناسيوس الرسولى بقوله:

     أن الرب .. نزل بروحه القدوس إلى الجحيم  ( أي إلى طبقات الأرض السفلى ) وبشر من فيها .. وسبى الجحيم .. وحين كان جسده معلقا على الصليب .. تفتحت القبور. [5]

    وهذه الكلمات ما هي إلا تفسير لقول بطرس الرسول عن المسيح ابن إلوهيم أنه تألم .. مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح . الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن. إذ عصت قديما، حين كانت أناة إلوهيم تنتظر مرة في أيام نوح  ( بطرس الأولى 3 : 18 – 20 ).

   فالمسيح وفقا للنص الكتابى كان مائتا حسب الجسد بموت الدم, ولكنه أي الجسد كان مقاما من الموت بالروح القدس المحيى . الذى فيه أيضا نزل إلى طبقات الأرض السفلى ليكرز للأرواح التي في السجن .. إذ عصت قديما ( أي في العالم الأول الذى فنى بالطوفان ) هؤلاء أصعدهم الرب من قبورهم, بعد قيامته ( متى 27 : 52  - 53 ) لأن الطوفان كان بمثابة نهاية العالم الأول.

      ويقول بولس الرسول أيضا :

     " وأما أنه صعد فما هو إلا إنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى. الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات ، لكي يملأ الكل " ( أفسس 4: 9 -10 ) ( صموئيل الأول 2 : 6 ).

      والسؤال للمعترض :

    هل الروح الذى يملاء الكل هي روح إنسانية محدودة احتجب بها اللاهوت , وأنى للمخلوق أن يصعد فوق جميع السموات لكى يملاء الكل .

    وهل يجوز وصف الروح القدس الذى يملاء الكل بأنه روح إنسانية, وهل للروح الإنسانية المحدودة القدرة أن تملاء الكل لتحييه.

     هل يتفق هذا التعليم مع قول بولس الرسول :

     " وأما أنه صعد فما هو إلا إنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى. الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات ، لكي يملأ الكل " ( أفسس 4 : 9 -10 ).

     بالطبع لا. لأن التعليم بنزول نفس إنسانية احتجب بها اللاهوت إلى الجحيم هو من مخترعات نسطور المضادة للحق الكتابى التي ليس لها أي سند كتابى إلا في مخيلته المريضة.

      فإذا كانت الروح الإنسانية التي احتجب بها اللاهوت حسب تعليم نسطور هي التي نزلت إلى الجحيم ( تجسد ربنا يسوع المسيح  ف 17 ص 42 ) فيكون أنها أيضا التى صعدت إلى أعلى السموات. لكى تملاء الكل.

     فهل يمكن لنفس إنسانية محدودة أن تملاء الكل .

     هذا التعليم بأن نفس إنسانية يسكنها اللاهوت ( الجامع للطبيعتين ف 4 ص 52 ) نزلت إلى الجحيم وصعدت إلى السماء. ليس فقط ليس له أى سند كتابى . بل هو مضاد للمنطق والعقل السليم وبالتالي فإن مثل هذا التعليم هو ضد الإيمان وهو وبدعة هلاك.

      لهذا فإن الذى يقول أن روح إنسانية نزلت متحدة باللاهوت إلى الجحيم وبالتالي صعدت معه أيضا لتملاء الكل . ليقل لنا من هو الذى يجلس عن يمين الآب ( أي في صورة الآب ) في الأعالى ( ابن إلوهيم أم إنسان بروح إنسانية عاقلة ) ومن هو الذى يشترك مع الآب في الربوبية. أليس هذا إفتراء وتطاول أن نجعل من العبد مساويا للرب. والمخلوق ينال ذات الكرامة مع الخالق, والعبد الخاضع للعبودية يجلس مع ملك الكل الذى هو فوق الكل ( المسيح واحد ف 12 ص 92 - 93 ).

      إنها لعنة أن نأتى بروح إنسانية محدودة وممسكة من جسد مائت في القبر, ونصعدها مع الروح المحيى ( روح القيامة والحياة ) إلى أعلى السموات . لكى تملاء الكل.

      هذا هو الخداع والتضليل الذى يحول  سر عبادتنا العظيم إلى عبادة إنسان بروح إنسانية عاقلة.

     ولكن الحق الذى لا يستطيع المعترض أن يدركه هو أنه لو كان الذى فدانا إنسانا مثلنا لظلت البشرية في الموت ( 2 ضد الأريوسيين ف 21 : 69 ص 107 ).

     لهذا جاء المسيح لكى يقربنا إلى إلوهيم. مماتا ( أي الدم ) في الجسد,  ولكن ( أي الجسد المائت ) محيى ( أي مقام من الموت ) في الروح ( أي الروح القدس الرب المحيى ) الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن إذ عصت قديما ( بطرس الأولى 3 : 18 - 20 ) الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات، لكي يملأ الكل ( أفسس 4 : 10 ).

    وهذا معناه أن الروح القدس المحيى الذى هو روح الحياة الذى في المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 ) لم يفارق الجسد المائت على الصليب بل أحياه بأن أقامه من الموت بروحه المحيى الذى به أبطل موت جسد البشرية, والذى فيه أيضا نزل إلى طبقات الأرض السفلى دون أن يفارق الجسد إذ هو غير محدود, وهذا برهان لاهوته, ولم ينزل بروح إنسانية كما يزعم النساطرة. بل وهو في الجسد المحيى على الصليب كرز للأرواح التي في السجن. وهذا ما أعلنه القديس أثناسيوس الرسولى بقوله:

     فالمسيح الذى هو واهب الحياة للآخرين ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ) لا يمكن أن يسود عليه الموت, وهذا كان يمكن أن يحدث لو كان المسيح إنسانا عاديا كما تعتقدون أنتم. بل هو بالحقيقة ابن إلوهيم لأن جميع الناس خاضعون للموت ( 2 ضد الأريوسيين ف 15 : 16 ص 32  ).

     وهو ما أعلنه أيضا بولس الرسول قائلا:

     لأنه وإن كان قد صلب من ضعف ( إشارة إلى موت الصليب ) لكنه حي ( أي الجسد ) بقوة إلوهيم ( أي بالروح القدس المحيى ) ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ).

      وفى هذا يقول القديس كيرلس عمود الدين:

    هكذا صارت نهاية الموت.لأن الذى بالطبيعة هو الحياة ( أي إلوهيم ) لم يقبل أن يخضع جسده للفساد. لأنه لم يكن ممكنا أن يسود الموت على المسيح ( أعمال 2 : 24 ) ( المسيح واحد ف 12 ص 100 ).

     ويقول أيضا:

     لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيى. كذلك الابن أيضا يحيى من يشاء ( يوحنا 5 : 21 ) لهذا قال لليهود أنقضوا هذا الهيكل ( قاصدا هيكل جسده ) وفى ثلاثة أيام أقيمه, وبالفعل بمجرد أن مات حسب الجسد على الصليب. صارت نهاية الموت. لأن الذى بالطبيعة هو الحياة. لم يقبل أن يخضع جسده للفساد. لأنه لم يكن ممكنا أن يسود الموت على المسيح (  أعمال 2 : 24 ) ( المسيح واحد ف 12 ص 100 ).

     فالمسيح الذى هو واهب الحياة للآخرين ( رومية 8 : 2 , 9 -11 ) لا يمكن أن يسود عليه الموت, وهذا كان يمكن أن يحدث لو كان المسيح إنسانا عاديا كما تعتقدون أنتم. بل هو بالحقيقة ابن إلوهيم لأن جميع الناس خاضعون للموت ( 2 ضد الأريوسيين ف 15 : 16 ص 32  ).

  

  

الاعتراض الخامس عشر

حول المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية

المقصود بشركاء الطبيعة الإلهية

        دأب المعترض على أن ينسب إلينا أخطاء وإدعاءات غير صحيحة مثل قوله : أن من أخطأئنا الخلط في شرح تعبير " شركاء الطبيعة الإلهية ". ثم بعد أن أفرد عدة صفحات فى تفنيد هذا الخطأ المزعوم من منظور بدعته الخاصة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 258 – 261 ) عاد واثبت برأتنا مما نسبه إلينا زورا بقوله: أننا تهربنا من الخطأ البين الذى سقط  فيه بعض الكتاب المعاصرين ( المرجع السابق ص 261 )

    ثم إن كنا قد تهربنا من الوقوع في الخطأ المذكور. فلماذا نسب إلينا الوقوع في هذا الخطأ تحت عنوان بالخط العريض ؟! ثم يعقب عليها بتعاليم تثبت جهله بمفهوم الطبيعة الإلهية منكرا قولنا أن الطبيعة الإلهية يقصد بها الروح القدس روح الشركة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 :  2 , 11 ).

 

يقول المعترض :

  أننا وقعنا في الخطأ الذى وقع فيه بعض الكتاب المعاصرين في فهم وشرح شركة الطبيعة الإلهية. بأنها شركة في الكيان وليست شركة في العمل والإرادة ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 258 ).

   واستطرد المعترض قائلا :

    فكما يقول بعض الكتاب : أنه بالروح القدس الذى أخذه التلاميذ في يوم الخمسين أصبح الجميع في هذا الملء الجديد مشاركين للطبيعة الإلهية, وهكذا تظهر الكنيسة أنها قائمة .. فى عمق كيانها أنها وحدة بين اللاهوت والناسوت بواسطة الروح القدس كامتداد للوحدة الأقنومية التي تمت في المسيح ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 258 ).

    والواقع أن ما استنتجه المعترض هو تحميل للنص فوق ما يحتمل وهو يكشف عن جهل المعترض بالمصطحات اللاهوتية .

     أما ما نسبه لبعض الكتاب ( لو صح ما نسبه إليهم فكان يصح ان يصفهم بالجهال لا الكتاب )  لأن حلول الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين هو حلول مواهب وليس حلول شركة .

    لأن حلول الشركة نناله في المعمودية الواحدة. كما هو مكتوب : لأن الذين استنيروا مرة ( أي نالوا المعمودية الواحدة  التي لا تتكرر ) .. صاروا شركاء الروح القدس .

     أما حلول الروح القدس في يوم الخمسين فهو حلول مواهب وليس حلول سكنى , ولا يجوز الخلط بينهما.

     فحلول الشركة هو حلول سكنى وليس حلول مواهب , وحلول السكنى هو الذى يصير الكنيسة جسدا للمسيح وهيكلا للروح القدس الذى هو روح المسيح الواحد.

        فالكنيسة هي جسد المسيح وليست أقنوم, ولا علاقة لها ببدعة الإتحاد الأقنومى بين شخصين . لأن الروح القدس لن يتحد مع عقولنا بل أجسادنا بروحه المحيى الذى هو روح القيامة والحياة.

       لهذا لا يجب على المعترض أن يقيس شركتنا مع الروح القدس من منظور بدعته الخاصة بالإئتلاف بين طبيعتين أو أقنومين . لأن الحلول في الجسد شيء, والإئتلاف  بين روحين أو عقلين شيء آخر.

      ثم بعد أن أفرد المعترض ثلاث صفحات يفند فيها هذا الخطأ الذى زعم كذبا وزورا اننا وقعنا فيه عاد في ص 261  واثبت برأتنا مما نسبه إلينا زورا بالقول :

   لقد تهرب الكاتب من الخطأ الذى وقع فيه بعض الكتاب المعاصرين إذ قال وليس كما يحسب قوم أنها شركة في جوهر اللاهوت لأن هذه الأخيرة قاصرة على أقانيم الذات الإلهية ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 261 ).

     إذن ما هو وجه اعتراضه ؟ إن كنا قد تهربنا من الوقوع في هذا الخطأ على حد تعبيره؟ هل يعترض على تهربنا منه؟!

    الواقع أن اعتراضه هو على قولنا أن المقصود باننا صرنا شركاء الطبيعة الإلهية هو أننا صرنا شركاء الروح القدس و ذلك بقوله:

    " لقد تهرب الكاتب من الخطأ الذى وقع فيه بعض الكتاب المعاصرين إذ قال : وليس كما يحسب قوم أنها شركة في جوهر اللاهوت لأن هذه الأخيرة قاصرة على أقانيم الذات الإلهية .. ولكنه تردى في فهم الطبيعة الإلهية بأن المقصود بها الروح القدس "  ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 261 ).

    رغم أن كلمة طبيعة في اليونانية ( فيزيس ) تعنى طبيعة روحية عاقلة  سواء كانت هذه الطبيعة إلهية أو بشرية , ولا معنى أخر لها.

       كما اعترض على قولنا أن الروح القدس يقوم مقام الدم المائت في إحياء الجسد واقامته من الموت بقوله عن هذا التعليم بأنه رأى غير مقبول وغير معقول ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 259 ).

     والواقع أن ما يعتبره غير معقول هو بديهية لأن الجسد الحيوانى يحيا بالدم الذى هو نفس حية والكتاب يقول لحما ودما لا يرثا ملكوت إلوهيم , وأيضا يوجد جسم حيوانى أي حى بالدم وجسم روحانى أي مقام بالروح القدس الذى سيحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا .

    فما وجه الخطأ في القول سنحيا بروح إلهنا عوضا عن الدم المائت .

     الكتاب نفسه يقول أننا ولدنا ثانيا ليس من دم بل من إلوهيم. والمقصود بالولادة هنا هو نوال حياة جديدة ليس من دم يموت كما في الميلاد الأول  بل مما لا يموت بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد أي بالروح القدس الذى هو روح الكلمة .

       وعندما نقوم من الموت لن نقوم بالدم الذى يحيى الجسد لأن هذا فنى بالخطية . بل سنقوم بجسد مقام أي محيى من الموت بالروح القدس الساكن فينا .

       هذه القيامة هي حياة جديدة وميلاد ثان  ليس من دم ( كما في الميلاد الأول ) بل من إلوهيم ( أي بروح إلوهيم  ).

      الذين ولدوا ليس من دم بل من إلوهيم ولدوا , وأيضا مولودين ثانيا ليس من زرع يفنى ( الزرع هو الذى يصنع منه الدم الذى يفنى ) بل بكلمة إلوهيم الحية الباقية إلى الأبد.

  

 

الإعتراض السادس عشر

على أن روح الإنسان لا تحييى الجسد بل الدم

 

   يقول المعترض اليعقوبى في مؤلفه ص 268 وما بعدها ما نصه:  

     إنناا نقلل من دور الروح الإنسانية في الحياة الأبدية, ولإثبات دور الروح الإنسانية خلط بينها وبين روح إلوهيم, ناسبا ما لإلوهيم للروح البشرية ونصب نفسه مفسرا للكتاب المقدس فوقع في جملة أخطأ تفسيرية ولاهوتية نعرض لها فيما يلى:

 

أولا  : تفنيد خطأ القول بأن السلوك بالروح يعنى الروح الإنسانية

     يقول المعترض اليعقوبى ما نصه:

     " إذا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع ، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح " ( رومية 8 : 1 ).

     ورأى من منظور بدعته الخاصة أن المقصود بالسلوك حسب الروح هو السلوك بـالروح الإنسانية  وليس بروح المسيح الإلهية .

     من الواضح عدم صحة هذا التفسير الغير مقبول من أي  شخص يكتب في العلوم اللاهوتية. فالباحث الذى لا يستطيع أن يميز بين روح إلوهيم والروح الإنسانية. أو متى يكون الكلام عن روح إنسانية ومتى يكون عن الروح الإلهية. لا يصح أن يكتب في العلوم اللاهوتية.

    لأن الروح المقصودة في هذه الآية هى روح المسيح الإلهية التي ينكرها المعترض معتبرا أن هذا تعليم أبوليناروى .

     إذن الفيصل والحكم الذى يحدد المقصود بالروح في هذه الآية هو الكتاب المقدس نفسه.

     ولو تابع المعترض قراءة النص الكتابى كاملا لأدرك المقصود بالسلوك حسب الروح في هذه الآية.

    وفى هذا يقول بولس الرسول مستطردا :

    " نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح .. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا إلوهيم. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح ، إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم . ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ، فذلك ليس له, وإن كان المسيح فيكم ، فالجسد ميت بسبب الخطية ، وأما الروح فحياة بسبب البر . وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم ، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم. فإذا أيها الإخوة نحن مديونون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد. لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون ، ولكن إن كنتم بالروح ( روح إلوهيم ) تميتون أعمال الجسد فستحيون. لأن كل الذين ينقادون بروح إلوهيم ، فأولئك هم أبناء إلوهيم " ( رومية 8 : 4 – 14 ).

   إذن السالكين حسب الروح هم الذين ينقادون بروح إلوهيم الساكن فيهم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح ( أى روح إلوهيم )  فذلك ليس له ( أي ليس له حياة مع المسيح ).

       ونرجو ألا يحمق المعترض في فكره ويتهم القديس بولس الرسول بأنه هرطوقى مثل أبوليناريوس أو أنه يستخدم مؤلفات أبوليناريوس على أنها أرثوذكسية دون أن يدرى. سيما أنه قال : أن روح المسيح إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) وأنه أى المسيح ليس إنسان لأن بولس لم يقبل الإنجيل من إنسان ( غلاطية 1 : 1 . 11 -12 ) وأن يسوع المسيح هو الكائن منذ الأزل في صورة إلوهيم وانه مساو لإلوهيم في الجوهر ( فيلبى 2 : 5 – 6 )  .

 

ثانيا  : تفنيد بدعة أن الروح الإنسانية هي التي تحيى الجسد لا روح إلوهيم

      جاء المعترض بنصوص أخرى من الكتاب المقدس لا يفهم معناها معتقدا أنها تدعم وجهة نظره المضادة للمنطق والحق الكتابى زاعما بأن الروح الإنسانية العاقلة هي التي تحيى الجسد لا روح إلوهيم بقوله:

    الروح هو الذى يحيى. أما الجسد فلا يفيد شيئا. الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة ( يوحنا 6 : 63 ).

     والواقع أن الروح الذى يحيى في هذه الآية ليست روح إنسانية كما يتصور المعترض اليعقوبى. لأن الإعتقاد بأن الروح الإنسانية  محيية للجسد هو معتقد نسطور. أما المعتقد اليعقوبى  فلا توجد به روح إنسانية ولا إلهية  بل روح واحدة ممتزجة من الروحين لا جنس لها أى انها روح ليست انسانية ولا إلهية.

     وبعيدا عن هرطقات نسطور والبرادعي فإن الرب يقول فى هذه الآية التي أتى بها المعترض ما نصه أن :

    الروح هو الذى يحيى. أما الجسد فلا يفيد شيئا. الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة ( يوحنا 6 : 63 ).

     والمعنى هو أن من يأكل جسد المسيح المكون من لحم ودم وكأنه جسد انسان مثلنا لن يفيد شيئا لكونه سيتناوله تحت عارض الخبز والخمر وكأنه طعام بائد غير مميز جسد الرب ( كورنثوس الأولى 11 : 29 ).

   ولكن الذى يؤمن بأنه يأكل جسد ودم الرب تحت عارض الخبز والخمر الذى يتحول إلى جسد ودم حقيقى لرب المجد بتقديس الروح القدس ( رومية 15 : 16 ) فإن من يأكله يحيا به لأن الروح القدس الذى هو روح المسيح هو الذى يحيي لأنه روح القيامة والحياة لهذا قال :

     من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي ، وأنا حي بالآب ، فمن يأكلني فهو يحيا بي ( يوحنا 6 : 56 - 57 ).

     مما تقدم يتضح أن الروح الذى يحيى في هذه الآية ليست روح إنسانية كما يتصور المعترض بل الروح القدس الرب المحيى الذى هو روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 9 - 11 ) الذى نأخذه فى المعمودية الواحدة التى لا تتكرر لغفران الخطايا ( أعمال 2 : 32 ).

    لهذا رسم لنا الرب سر التناول من جسده ودمه لغفران الخطايا التالية على المعمودية حتى لا ينزع منا الروح القدس فى الدينونة , لهذا فإن من يتناول من جسد الرب ودمه يثبت فى الروح القدس الذى هو روح المسيح, ويثبت الروح القدس فيه ( يوحنا 6 : 56 ) فنحيا إلى الأبد.

     وعن روح المسيح الذى نأخذه فى المعمودية يقول بولس الرسول:

     وأما أنتم فلستم فى الجسد ( أى أن حياتنا لم تعد بحسب الدم المائت ) بل في الروح إن كان روح إلوهيم ساكنا فيكم, ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له , وإن كان المسيح فيكم ( أى بالمعمودية التي هي شركة صلب وموت ودفن وقيامة مع المسيح ) فالجسد ميت ( بموت الدم ) بسبب الخطية ( الكائنة فى الدم المدنس بشوكة الخطية والموت ) وأما الروح ( أي روح المسيح المحيى الذى هو روح الحياة ) فحياة ( أي قيامة من الموت ).

   لأن المسيح  آدم الأخير روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) أي روح قادر على اقامة أجسادنا من الموت بروح الحياة الذى فيه ( رومية 8 : 2, 9 – 11 ).

       وهذا معنى قول الرب : الروح هو الذى يحيى , وبداهة أن الروح الذى يحيى هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى الذى هو روح الحياة الذى في المسيح يسوع الذى أعتقنا من حكم الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) بإحياء أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 11 )  أي اننا سنقام من الموت بيسوع ( كورنثوس الثانية 4 : 14 ) أى بروح يسوع الذى أخذناه فى المعمودية التى هى شركة صلب وقيامة مع المسيح,  لهذا يقول بولس الرسول :

     مع المسيح صلبت ( أى فى المعمودية ) فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) .

      وأيضا فإن قوله : الكلام الذى اكلمكم به روح وحياة إنما يشير إلى روح الحياة في المسيح يسوع ( رومية 8 : 2 ) لهذا قال : أنا هو القيامة والحياة . من آمن بي ولو مات فسيحيا ( يوحنا 11 : 25 ).

    أما المعترض فقد اعتقد أن الروح الذى يحيى هو الروح الإنسانية.

    والواقع أن المسيح لو كان إنسان عادى مثلنا بحسب زعم المعترض, وكانت روحه إنسانية مثلنا. لما تجاسر على القول:  

    بأن الروح ( أي روحه الذاتي ) هو الذى يحيى, وأن الكلام الذى يكلمنا به هو روح وحياة, ولما تجاسر على القول: أنا هو القيامة والحياة. لأن روح إلوهيم وحده هو روح القيامة والحياة لأنه وحده  الروح المحيى للأجساد المائتة ( حزقيال 37 : 14 ).

     أما الروح الإنسانية فغير محيية للجسد. ولو كان للروح الإنسانية هذه القدرة لما كنا في حاجة لروح المسيح الإلهية لتحيينا وتقيم أجسادنا المائتة من الموت بروحه الساكن فينا. ولما قال بولس الرسول فأحيا  لا أنا بل المسيح يحيا في. أي بروح المسيح المحيى الذى هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى.

    لهذا يقول بولس الرسول:  أنه يوجد جسم حيوانى. أي حى بالدم الذى هو علة حياة الجسد ( تكوين 9 : 4 ) ويوجد جسم روحانى أي حى بروح إلوهيم الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا في مجيئه الثانى الذى فيه نتغير فنموت حسب الدم ونحيا بحسب الروح في طرفة عين, ولكن ليس الروحانى أولا بل الحيوانى ثم بعد ذلك الروحانى ( كورنثوس الأولى 15 : 44 -50 ).

    لهذا إن كانت روح المسيح إنسانية حسب المعترض فستمسك من جسد الموت مثل سائر البشر . لأن أرواح البشر غير محيية للجسد,  ولو كان للروح الإنسانية هذه القدرة ما استطاع الموت أن يمسكنا لحظة واحدة. أما إن كان روح المسيح هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى فإن كلامه سيكون حقا روح وحياة لمن يؤمن به. لأنه بالإيمان سيعتمد على اسم الرب ويأخذ روح المسيح فيحيا لا هو بل المسيح يحيا فيه بروح قدسه.

     لأن إلوهيم أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به .. بعد أن كفر بنفسه عن خطايانا ( يوحنا الأولى 4 : 9 – 10 ) .

 

ثالثا  : تفنيد بدعة أن روح إلوهيم تسكن أرواحنا وليس أجسادنا

     يستطرد المعترض في  الخلط بلا تمييز بين روح إلوهيم والروح الإنسانية قائلا :

     الذى فيه أنتم أيضا مبنيون معا مسكنا لإلوهيم في الروح ( أفسس 2 : 32 ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 268 ).

      أي اننا جميعا مبنيون مسكنا لإلوهيم في الروح الإنسانية, وليس اننا جميعا نبنى بروح إلوهيم الذى يوحدنا بروحه الساكن فينا والذى به نصير مسكنا لإلوهيم أي هيكلا له.

      وفى هذا يقول بولس الرسول:

      أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم ، الذي لكم من إلوهيم ( كورنثوس الأولى 6 : 19 )

     ألستم تعلمون أنكم أنتم هياكل إلوهيم وروح إلوهيم يسكن فيكم ( كورنثوس الأولى 3 : 16 )  وبهذا المعنى نحن مسكن لإلوهيم بالروح أى بروح إلوهيم وليس بروح إنسانية. لأن الجسد يصير هيكلا لإلوهيم بحلول الروح القديس فيه وليس بروح انسانية.

     ويستطرد المعترض في تفسيره روح إلوهيم بأنها انسانية قائلا :

    لكي يدانوا حسب الناس بالجسد ، ولكن ليحيوا حسب إلوهيم بالروح  ( بطرس الأولى 4 : 6 ).

    وهو يعتقد أن الروح المحيى هو روح إنسانية.

   والواقع أن المقصود من هذه الآية أننا ندان حسب الناس بموت الدم المدنس بالخطية وشوكة الموت, ولكننا نحيا حسب إلوهيم بروحه المحيى الذى هو الروح القدس الرب المحيى لأنه وحده روح القيامة والحياة الذى سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 : 11 ) .

     أي أننا نحيا حسب إلوهيم بالروح القدس, وليس بالدم المائت بسبب الخطية ولا بروح إنسانية غير محيية ولا قدرة لها على إحياء الجسد وإقامته من الموت كما قدمنا.

     الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس الرب المحيى حسب الحق الكتابى وقانون الإيمان الرسولى. لأنه هو وحده روح القيامة والحياة. أما أروح البشر فغير محيية وبموت الجسد تمسك منه إلى الأبد ( إشعياء 66 : 24 ) اما المسيح فهو وحده الذى لم يكن ممكنا ان يمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) لأنه روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) .

    مما تقدم يتضح أن الجسد المائت لا يقام من الموت إلا بالروح القدس الذى نأخذه في المعمودية التي فيها ننال الميلاد الثانى الذى فيه نولد ليس من دم ( كالميلاد الأول ) بل من إلوهيم ( يوحنا 1 : 13 ) ( بطرس الأولى 1 : 23 ) الذى يقيمنا بروحه المحيى من الموت قيامة أولى معه بالمعمودية ( كولوسى 2 : 12 ) لهذا قيل مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى . هؤلاء ليس للموت الثانى سلطان عليهم ( رؤيا 20 : 6 ).

   ثم تمادى هذا اليعقوبى في جهالاته بعدم التمييز بين روح إلوهيم  والروح الإنسانية بقوله :

     فدخل في روح وأقامنى على قدمى ( حزقيال 3 : 43 ).

     وأيضا : وأجعل فيكم روحا فتحيون وتعلمون أنى أنا الرب ( حزقيال 31 : 6 )

     وأيضا : فتنبأت كما أمرنى الرب فدخل فيهم روح فحييوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ( حزقيال 37 : 10  ) .

       كل هذه الآيات رغم أنها تتكلم عن روح واحد هو روح إلوهيم روح القيامة والحياة  الذى يحيى أجساد الموتى  ويقيمها من الموت,

     إلا أن المعترض يرى أنها خاصة بروح انسان وليس بروح إلوهيم .

     المعترض لم يلحظ أن حزقيال النبى  في الآية الأولى يتكلم عن روح دخل فيه وأقامه على قدمه, والروح الذى دخل في حزقيال النبى وأقامه هو روح إلوهيم وليس روح إنسانية.

     في الآيتين التاليتين لم يلحظ المعترض أن حزقيال النبى لم يقل : فعادت أرواح البشر فقاموا من الموت بل قال : فدخل فيهم روح ( روح واحدة فى جميعهم وليس أرواحا كثيرة ) فحييوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا ( حزقيال 37 : 10  ) .

    ولنفرض انه لم يلحظ الفرق بين الروح والأرواح  فإنه لو أكمل قرأة الآيات حتى العدد ( 14  ) لعرف من هو الروح الذى احياهم جميعا. أنه روح الرب القائل :

      وأجعل روحي فيكم فتحيون ( حزقيال 37 : 14  ).

      المعترض يرفض أن يصدق الحق الكتابى بأننا سنحيا بروح إلوهيم بحسب الحق الكتابى لأن هذا المعتقد يهدم معتقده بأن قيامة المسيح كانت بعودة الروح الإنسانية إليه في اليوم الثالث كما جاء في كتب النساطرة ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ص 38 ) ( الجامع للطبيعتين ص 101 , 108 ) المنسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى والتي اعتمد عليها في اثبات بدعته بأن قيامة المسيح كانت في اليوم الثالث بروح إنسانية, وليس أن الرب ابطل الموت فورا بروحه المحيى على الصليب إذا لم يكن ممكنا ان يمسك منه ولا للحظة وإلا لفسد جسده. لأن الفساد يدب في الجسد بمجرد الموت, أما جسد المسيح فلم يرى جسده فسادا ولا موت لأن جسده وإن كان مماتا بموت الدم إلا أنه كان محييا أي مقاما من الموت بالروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) أى بقوة إلوهيم ( كورنثوس الثانية 13 : 4 ) الذى هو الروح القدس إذ لم يكن ممكنا أن يمسك منه ( أعمال 2 : 14 ) .

     ولكن وبفرض صحة نسبة هذه الكتب المزورة للقديس أثناسيوس الرسولى. فإن بولس الرسول يقول :

       إن بشرناكم نحن ( أي بولس الرسول وتلاميذ المسيح ) بغير ما بشرناكم به فليكن أناثيما أي محروما.

       ومع ذلك فإن الكتاب المقدس يفسر نفسه بنفسه وقد أوضح الرب بنفسه ماهية روح القيامة والحياة الذى يحيى أجساد الموتى بقوله :

     فتعلمون أني أنا الرب عند فتحي قبوركم وإصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي, وأجعل روحي فيكم فتحيون ( حزقيال 37 : 13 -14 ).

   وهذا ذات ما أعلنه بولس الرسول بقوله:

   وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم ، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ( رومية 8 : 11 ).

  

 

الإعتراض السابع عشر

على رفض بدعة خلقيدونية القائلة بأقنوم واحد بطبيعتين

      يقول المعترض

     نتيجة رفض الكاتب الإعتراف بوجود روح إنسانية عاقلة في السيد المسيح, وكذلك تصميمه على أن مصطلح طبيعة ( فيزيس في اليونانية ) يعنى روح اضطر إلى الخروج بتعبير غريب بالقول بطبيعة واحدة لاهوتية ( روح واحدة إلهية ) وعدم وجود أقنوم واحد ( أي ابن واحد ) بطبيعتين ( أي بروحين إلهية وإنسانية بحسب معتقد خلقيدونية ) وبالتالي لا إتحاد أقنومى ( أي بين شخصين في شخص واحد ) بين طبيعتين ( روحين ) مختلفتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 135 , 236 ).

    ثم يستطرد المعترض قائلا :

    فالإنسان هو أقنوم واحد من طبيعتين الجسد والروح. أي طبيعة واحدة مركبة من طبيعتين, وأقنوم الإنسان هو شخصه ( أي عقله ) مع طبيعته المركبة التي يحملها ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 226 ).

    الرد

     من الواضح جهل المعترض بالفروق بين المذاهب النسطورية المختلفة فالقول بأقنوم واحد بطبيعتين هو معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية القائل بأن اقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعتين أى الروحين الإلهية والإنسانية معا فى جسد الإنسان يسوع المسيح قبل أن يلاشى الكلمة عقله ويقوم مقامه فى تشخيص روحه الإنسانية.

     اما بدعة الإتحاد الأقنومى بين أقنومين أو ابنين من جوهرين مختلفين فهى من اختراع نسطور الذى انكر ولادة الكلمة من العذراء بالقول أن العذراء ولدت الإنسان يسوع المسيح بجسد محى بنفس عاقلة الذى به إذ اتحد الكلمة أقنوميا يقال أنه ولد حسب الجسد, وبموجب هذا الإتحاد الأقنومى يكون الكلمة قد وحد شخصا من البشر بجوهره, ولكن اذا رفضنا الإتحاد الأقنومى بين الابنين لسبب تعذر ادراكه أو عدم قبوله نسقط فى التعليم بإبنين.

     اما قول المعترض بأن الإنسان هو أقنوم واحد من طبيعتين الجسد والروح فلا يصدر من شخص مبتدىء فى علم اللاهوت , لأن الأقنوم مجرد هو احد أقانيم الجوهر, ومن ثم فهو غير الشخص, والطبائع فى المصطلح الخريستولوجى يقصد بها الطبيعة العاقلة " فيزيس "  وليس الطبيعة المادية الجسدانية " فيزيق " .

    ومن ثم يجوز القول بأن الإنسان هو شخص مركب من روح وجسد أى من طبيعة روحية عاقلة وطبيعة مادية جسدانية.

    ويقول المعترض أيضا أن الأقنوم الواحد هو نتاج اتحاد أقنومى بين اقنومين وأن اقنوم الإنسان شخصه ( أي عقله ) ومن ثم فهو يرى أن الإتحاد الأقنومى بين شخصين ينتج شخص واحد, وهذا معناه إما أن الشخصين إئتلفا في شخص واحد عدم الشخصين معا بحيث نشأ شخص جديد ليس هو أيا منهما ولا هما معا حسب معتقد يعقوب البرادعى , وإما أن أحد الشخصين ابتلع الآخر ولاشاه, وواضح أن المعترض يخلط بين المذهب النسطورية المختلفة بعدم تمييز . 

    اما اعتراض المعترض على معنى كلمة فيزيس في اليونانية وعدم تمييزه بين الفيزيس والفيزيق  فهذا شانه . لأن جهل المعترض بالفرق بين المصطلحين  هو كجهله بين الفرق بين الروح والنفس الحيوانية, فإن كان المعترض يجهل أن المصطلح فيزيس في اليونانية يعنى طبيعة عاقلة فننصحه ومن يؤيده أيا كانت رتبته أن يترك علم اللاهوت لأهله . لأن الذى يجهل الفرق بين المصطلح فيزيس ( طبيعة عاقلة ) ( بطرس الثانية 1 : 4 ) وفيزيق ( طبيعة مادية ) في اليونانية أو يجهل الفرق بين الروح ( زكريا 12 : 1 ) والنفس ( لاويين 17 : 11 , 14 ) والجسد ( تسالونيكى الأولى 5 : 23 ) فإن مثل هذا لا يقام لرأيه وزن أيا كانت رتبته أو درجته العلمية.

      وأما قوله :

     اننا بقولنا " طبيعة واحدة لاهوتية " معناه عدم وجود " اقنوم واحد بطبيعتين وبالتالى لا إتحاد أقنومى بين طبيعتين مختلفتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 236 ).

    فإننا رغم أننا اوضحنا سلفا ان مقولة  الأقنوم بطبيعتين هى معتقد خلقيدونية وأن مقولة الإتحاد الأقنومى بين اقنومين هى بدعة نسطور,  فإننا سنرد عليه بطرق مختلفة عله يدرك ما نقوله:

    الواقع أن قولنا بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد . معناه أن للكلمة المتجسد روح واحدة إلهية , وهذا ببساطة هو المعتقد الأرثوذكسى المتفق مع الحق الكتابى .

    أما التعليم بـ " اقنوم واحد بطبيعتين, أى بشخص واحد بروحين فهذا معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, لهذا نحن نرفضه كما رفضه البابا ديوسقوروس وحرم القائلين به في مجمعى أفسس الثانى وخلقيدونية .

    اما القول بأقنوم واحد من اقنومين فهذا معتقد يعقوب البرادعى والذى يختلف عن معتقد نسطور بالإتحاد الأقنومى بين الإبنين أى بين شخصين بزعم أن الكلمة وحد شخصا من البشر بنفسه, والذى يترتب على رفضه حسب نسطور السقوط فى عبادة ابنين, والواقع ان هذه الأقوال كانت علة حرم نسطور لسقوطه فى عبادة ابنين سواء قال باتحاد اقنومى أو لم يقل.

    أما قول المعترض باقنوم بطبيعتين تارة , وتارة باقنوم واحد من طبيعتين  فيكشف عن جهل المعترض بالفرق بين " بطبيعتين "  و " من طبيعتين ".

    لأن القول بأقنوم بطبيعتين يعنى شخص بروحين وهو معتقد خلقيدونية . أما القول بأقنوم من طبيعتين فهو جهالة والصواب أن يقول بأقنوم من اقنومين أو بطبيعة من طبيعتين.

     وعلى هذا فإن قول المعترض بأننا بقولنا " طبيعة واحدة لاهوتية " معناه عدم وجود  اقنوم واحد بطبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 236 ) يكشف عن جهله بأن بدعة " أقنوم واحد بطبيعتين " هى معتقد ثيؤدورت أسقف قورش ومجمع خلقيدونية  القائل : بأن للمسيح طبيعتين متميزتين في أقنوم واحد ( الانبا غريغوريوس " ما بين الإسكندرية وروما وبيزنطة " ص 35 , 36 ) وهى البدعة التي حرمها البابا ديوسقوروس في مجمع أفسس الثانى وجدد حرمها في مجمع خلقيدونية.

       وجدير بالملاحطة أن كلمة اقنوم هنا لا تعنى وجه ( هييوستاسيس باليونانية ) بل تعنى شخص ( برسبون باليونانية ) وبعبارة أخرى أن قوام أى شخص ابن إلوهيم الوحيد جامع للطبيعتين ( الروحين ) ( كمال البرهان على حقيقة الإيمان ك 1 ق 3 ص 53 ).

      أما قول المعترض :

     بأن الإنسان هو أقنوم واحد من طبيعتين الجسد والروح. أي طبيعة واحدة مركبة من طبيعتين, وأقنوم الإنسان هو شخصه ( أي عقله ) مع طبيعته المركبة التي يحملها ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 226 ).

     هذه الأقول  تكشف عن جهل المعترض بالمصطلحات اللاهوتية ودلالتها, لهذا سنكتفى على الرد على بعضها بإيجاز كالتالى :

     المحقق أن اتحاد الروح الإنسانية بجسدها الخاص لا يجعلهما طبيعة واحدة ( روح واحدة ) مركبة من طبيعتين (روحين ) بل أن الإنسان هو المركب من طبيعتين, واحدة روحية ( فيزيس ) والأخرى جسدية ( فيزيق ) وليس من طبيعتين عاقلتين ( ديو فيزيس ) بحسب معتقد النساطرة والخلقيدونين.

     والواقع أن اتحاد الطبيعتين ( أى الروحين ) لا يقصد بهما الروح والجسد كما يزعم المعترض بل يقصد بهما الطبيعتين ( أي الروحين ) الإلهية والإنسانية معا, ما لم يتم تخصيصهم بالقول بأن الإنسان مركب من طبيعة روحية عاقلة ( فيزيس ) وطبيعة جسدية مادية ( فيزيق ) ومن ثم لا يقال عن الإنسان أنه مركب من طبيعة واحدة.من طبيعتين والذى يعنى روح واحدة ممتزجة من الروحين فالروح الواحدة ليست مركبة وإنما ممتزجة وفقا للبدع أصحاب الطبيعة الواحدة من الطبيعتين . لأن المصطلح من طبيعتين يعنى إمتزاج الطبيعتين فى طبيعة جديدة.

     وعلى هذا فإن هذه الخزعبلات التي ذكرها المعترض لا صلة  لها بالمصطلحات اللاهوتية مطقا ولا يقاس عليها .

    فلا يوجد في علم اللاهوت شيء اسمه اقنوم ( شخص ) من طبيعتين.

     فعند اليعاقبة يقال أقنوم من اقنومين أو ابن من ابنين .

    والطبيعتين في المصطلح اللاهوتى يقصد بهما الروحين الإلهية والإنسانية.

      وعلى ذلك فإن الخزعبلات التي ذكرها المعترض عن طبيعة واحدة مركبة من طبيعتين هما الروح والجسد فهى أقوال لا تصدر من شخص يفترض فيه أنه عالم لاهوتى.  

    أما لو قيل بطبيعة واحدة من طبيعتين بحسب المذهب اليعقوبى فهذا معناه أن هذه الطبيعة الممتزجة من الطبيعتين ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بل هي طبيعة لا جنس لها خاصة بالمسيح على حد زعم اليعاقبة وهى طبيعة تجمع خواص الطبيعتن ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 145 , 146 ) دون ان تكون أيا منهما أو معا .

    والواقع أن القول بأن طبيعة المسيح واحدة يعنى أنها إلهية, أما الطبيعة التي لها صفات الطبيعتين فهى ليست طبيعة واحدة بل طبيعة ممتزجة من طبيعتين.

      يزعم المعترض اليعقوبى ايضا أن المصطلح " فيزيس " في علم الخريستولوجى لا يعنى الجوهر الروحانى العاقل بل يعنى الإنسان روحا وجسدا .

     والواقع أن المصطلح " فيزيس " يعنى  طبيعة عاقلة ( فيزيس ) أي روح سواء كانت إلهية أو إنسانية ولا يقتصر مفهومها أو دلالتها على الروح الإنسانية وحدها مطلقا فهذه جهالة لا يمكن قبولها حتى من متطفل على العلوم اللاهوتية .

       أما الإنسان فيتكون من طبيعة عاقلة ( فيزيس ) أي روح , وجسد مادى ( فيزيق ).

      وفى الحوار الخريستولوجى عندما يستخدم الهراطقة تعبير " ديو فيزيس " أى طبيعتين عاقلتين يقصد بهما الروحين الإلهية والإنسانية, وبداهة أن الروح الإلهية لا جسد لها مثل الروح الإنسانية, ومن ثم فإن الطبيعة الإنسانية وحدها هى المقصودة دون الجسد.  

     لأنه من البديهى أن الروح الإنسانية أى الطبيعة الإنسانية لا تعنى الروح والجسد فهذا جائز خارج اطار علم الخريستولوجى . لأن الطبيعة فى هذا العلم يقصد بها تحديدا الروح العاقلة سواء إلهية أو انسانية.

   والكتاب عندما استخدم تعبير شركاء الطبيعة الإلهية فمن الواضح أن الطبيعة الإلهية طبيعة روحية عاقلة غير مركبة من روح وجسد.

    وقد صارنا شركاء الطبيعة الإلهية بحلولها فى قلوبنا لتمنح أجسادنا نعمة القيامة من الموت بروح المسيح المحيى . فنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا.

    لهذا عندما يقول اللاهوتيون طبيعة واحدة للكلمة المتجسد فواضح أن الطبيعة الواحدة ( فيزيس ) للكلمة يقصد بها الروح القدس وهى غير الجسد الفيزيقى أي المادى الذى تجسدت فيه . لهذا نستخدم كلمة متجسدة.

     حتى الخلقيدونيين انفسهم نجدهم يقولون بأقنوم بطبيعتين للكلمة المتأنس أي المصاحب لإنسان, وكلمة انسان هنا تشير إلى كونه مركب من جسد ودم وروح.



المبحث الأول

هل للمسيح روح إنسانية غير مشخصة بعقلها البشرى؟

    يقول المعترض نقلا عن نيافة الأنبا بيشوى ما نصه:

    جاء أقنوم ( شخص ) كلمة إلوهيم للتجسد .. وشخص الطبيعة ( الروح ) البشرية في أقنومه الخاص.

    ويستطرد قائلا:

     السيد المسيح لم يأخذ شخصا ( عقلا ) بشريا , ولكنه أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية من العذراء التي ولدته.

     وفى نفس المعنى يقول:

    " أن الناسوت ليس شخص رغم أنه انسان كامل ؟! " ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 277 ).

    ويستطرد قائلا

     أقنوم الكلمة أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية .. وصارت خاصة به شخصيا. طبيعة ( روح ) واحدة من طبيعتين ( روحين ).

   لا يوجد اتحاد أقنومى بين اللاهوت والناسوت في الوجود كله . إلا في تجسد كلمة إلوهيم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

 

     والواقع أن هذه الأقوال مردودة بأن الإتحاد الأقنومى لا يقوم إلا بين أقانيم كل جوهر عاقل على حدة , وهذه الأقانيم ( الأوجه ) هي اقنوم الوجود ( الجوهر أو الآب أو الأصل أو المصدر ) وهو موجود إما بذاته ( أزلى ) أو بغيره ( مخلوق ) ومنه بالنسبة للجواهر العاقلة فقط  يولد العقل الناطق بالكلمة, وتنبثق الروح.

      ومن ثم فلا يوجد اتحاد أقنومى بين أقنومين من جوهرين مختلفين. لأن جميع الأقانيم قائمة على جوهر وجودها فلا تنفصل عنه ولا تتحد بغيره.

      وعلى ذلك فإن بدعة الإتحاد الأقنومى أو البرسبونى أي الإتحاد بين ابنين في شركة اسم المسيح كشخصية اعتبارية تجمع بين الابنين هو معتقد نسطور .

     والواقع أن هذه الشركة بين الأشخاص تحت مسمى واحد جائزة بين شخصين منفصلين في كيان خارجى بحيث يكون لهذا الكيان شخصية اعتبارية تمثل الشخصين معا بحيث أن كل ما يقوله أيا من هذين الشخصين ينسب للشخصية الاعتبارية, ولكن هذه الشركة غير مقبولة إذا تعلقت بوجود شخصين في جسد انسان واحد, لأن هذا معناه أن أحد الشخصين أقوى من الأخر فتقمصه وتكلم من خلاله كرها عنه, وهذا الحلول التشخيصى في جسد إنسان ينزه إلوهيم عنه.

      ثم يستطرد المعترض قائلا :

    بأن المقصود " بعبارة الإتحاد الأقنومى. الأقنوم الواحد  .

    الواقع أنه لو كان المقصود بالإتحاد الأقنومى الأقنوم الواحد بحسب قول هذا المبتدع لترتب على ذلك إما إئتلاف الأقانيم الثلاثة في أقنوم واحد بما معناه أنهم بالإمتزاج لاشوا بعضهم بعضا بحيث نشأ أقنوم جديد ليس أيا منهم أو معا بحسب بدعة يعقوب البرادعى, وإما أن أحدهما ابتلع الإقنومان الآخران ولم يبق غير أقنوم واحد بما يتنافى مع مفهوم الإتحاد الأقنومى الذى يفترض فيه حفظ تمايز الأقانيم في الجوهر الواحد , لأن الأقنوم هو ما يقوم به الجوهر فإذا أبطلنا أي أقنوم فقد لاشينا الجوهر كاملا, ومن ثم فإن جميع هذه الأقوال باطلة نقلا وعقلا.

       والخلاصة أن الإتحاد الأقنومى لا يعنى الأقنوم الواحد. لأن مصطلح الإتحاد الأقنومى قاصر على مفهوم وحدة الجوهر مع تمايز أقانيمه التي يقوم عليها  الجوهر الواحد.

    اما بحسب نسطور فيقصد بالإتحاد الأقنومى, الإتحاد بين ابنين أو شخصين في كيان اعتبارى واحد يسميه شخص الإتحاد أو برسبون الإتحاد, وشخص الإتحاد حسب نسطور هو اسم المسيح الذى تشترك فيه الطبيعتين العاقلتين. مع بقاء الشخصين أي العقلين عقل الكلمة والعقل البشرى قائمين كل بعقله الخاص في جسد المسيح, وهذا الإتحاد بين شخصين كل قائم بعقله الخاص, لا وجود له في المذهب الخلقيدونى حيث أن شخص الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح, أما في المذهب اليعقوبى فإن الأقنوم الواحد من أقنومين هو المشخص للطبيعة الواحدة ( الممتزجة ) من طبيعتين ومن ثم فلا يوجد شخصين متحدين في شخص اعتبارى جامع لهما في مذهب البرادعى , هذا التضاد في تفسير كيفية اتحاد الطبيعتين بين النساطرة بكافة مذاهبهم هو برهان ضلالهم جميعا, وأن تعاليمهم ليس لها أي سند كتابى, بل هي قائمة على تعاليم الناس, وهذا علة اختلافهم.

     ثم يستطرد المعترض قائلا:

     أقنوم الكلمة أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية .. وصارت خاصة به شخصيا .. طبيعة واحدة من طبيعتين ( روحين ) ..  في التجسد نؤمن ونعلم بالأقنوم الواحد ( أي أقنوم الكلمة بحسب معتقد خلقيدونية ) ففيما يخص تجسده فإنه .. أخذ جسدا حقيقيا محييا بروح عاقلة ( حسب معتقد نسطور ) من الطبيعة المخلوقة التي للعذراء مريم " كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

    إن أول ما يؤخذ على هذه المتناقضات هو قوله أن للكلمة طبيعة واحدة من طبيعتين ( روحين ) هو أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن تكون من طبيعتين لأن هذا معناه أن إما أن احدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى, وإما أن الطبيعتين لاشيا بعضهما البعض وهذا هو المستفاد من القول : " طبيعة واحدة من طبيعتين " والصحيح الذى يتفق مع المذهب اليعقوبى هو القول بالطبيعة الممتزجة من طبيعتين.

     لأن القول بطبيعة واحدة من طبيعتين معناه أن أحدى الطبيعتين ( الروحين ) ابتلعت الأخرى. فإن كان للمسيح روح واحدة إلهية فتكون قد ابتلعت الطبيعة الإنسانية حسب البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا باعتباره من أصحاب الطبيعتين وأن واحدة من الطبيعيتين ابتلعت الأخرى. حال كونه من أصحاب الطبيعة الواحدة الإلهية. أي لم يقل بإثنين وأن واحدة ابتلعت الأخرى أو لاشتها كما تصور أصحاب الطبيعتين.  

    أما إن كانت روح المسيح الواحدة من روحين إنسانية حسب زعم المعترض فإنه يكون قد وقع في بدعة هي على طرف نقيض من البدعة المنسوبة لأوطيخا وتكون الروح الإنسانية العاقلة هي التي ابتلعت الطبيعة الإلهية . 

   أما الطبيعة الواحدة من طبيعتين حسب المذهب اليعقوبى فهى طبيعة ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بل هي طبيعة لا جنس لها خاصة بالمسيح حسب معتقدهم.

     هذه الأقوال المنافية للمنطق والتي تصور الأرواح العاقلة بما فيها روح إلوهيم نفسه بأنها أرواح مادية قابلة للمزج والخلط والملاشاة والتغيير جميعها تكشف عن ذهنية وثنية متأثرة بأساطير اليونان عن أنصاف الآلهة الأسطورية والواقع أن هذه التصورات جميعا إنما هي من سفه العقل.

     ويعتبر ثيؤدورت أسقف قورش هو أول من نادى بالروح الإنسانية غير المشخصة بعلقلها البشرى في مؤلفه " الجامع للطبيعين " وقد أخذ بهرطقته المجتمعين في خلقيديونية الذين حرمهم القديس ديوسقوروس حامى الإيمان.

    هذه الأقوال المنافية للمنطق والمضادة لصورة التعليم الصحيح, إذ  ليس لها أي سند كتابى فإنها لا تخرج عن كونها بدع هلاك وتجاديف على الذات الإلهية إذ تدخل على جوهر إلوهيم الإختلاط والتغيير والتشويش وتجعله كالمادة التي تقبل الإختلاط والإمتزاج أى الإئتلاف والتغيير. دون أي سند كتابى.

    لهذا فإن مثل هذه التجاديف مكانها الحقيقى حريق النار أيا كان قائلها ولو كان ملاك من السماء .

   فهذه التجاديف هي في حقيقتها تعاليم وتجاديف ضد المسيح لتفريغ الإيمان المسيحى من مضمونه الخلاصى. حتى يهلك جنس البشر بتعاليم بشر مضادة للحق الكتابى.   

     هذه التجاديف هي ذات التجاديف التي أقرها مجمع خلقيدونية  كمعتقد كنسى ( المسيح الإله والإنسان ب 7 ص 61 ) وحرمها القديس ديوسقوروس حامى الإيمان مرتان مرة في مجمع أفسس الثانى وجدد حرمها في مجمع خلقيدونية.

     هذه العقيدة الفاسدة هي عين العقيدة الواردة في رسالة لاون التي يقول فيها " وإذ قد حفط التمييز بين الطبيعتين والجوهرين , وقد اجتمعا في الأقنوم الواحد " وهى ذات مقولة ثيؤدورت أسقف قورش عن " اقنوم الكلمة الجامع للطبيعتين ".

    ألم يحرم لاون في رسالته الشهيرة القديس أوطيخا متهما إياه زورا بأنه يعتقد بأن للمسيح طبيعة واحدة ( إلهية ) من طبيعتين. لعدم اعترافه بوجود طبيعتنا ( أي الروح الإنسانية ) في جسد المسيح.

   الذى يريد أن يقنعنا أن شخصين عاقلين صارا بالإتحاد شخصا واحدا هو بلا إدراك أو تمييز ومثل هذا الشخص لا يقام لرأيه وزن.

     وفى رسالة محرفة للقديس كيرلس عمود الدين يرد فيها على مقولة نسطور القائل بأننا إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أي بين شخصين من طبيعتين مختلفتين ) .. نسقط في التعليم بإبنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 )  فجاء رد القديس كيرلس عليه في الفقرة الوحيدة الصحيحة بالرسالة والتي يقول له فيها :

    إنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى ولو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( الأقانيم التي من طبائع مختلفة ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه . بل أنه صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) والكلمة إذ قد صار جسدا لا يكون آخر. إنه اتخذ دما ولحما مثلنا ( الرسالة رقم 4 ف 7 ص 65 ) وباقى الرسالة كمقدمتها هي لنسطور وتناقض هذه الفقرة الصحيحة والوحيدة التى للقديس كيرلس بهذه الرسالة .

     الإنسان الذى يملك ذرة منطق. لا يمكنه أن يقبل مقولة من يقول بأن الكلمة لم يأخذ شخصا ولكنه اخذ الطبيعة البشرية الغير مشخصة وشخصها بأقنومه الخاص.

   وهذا معناه أن الكلمة أخذ روح إنسانية غير عاقلة وشخصها بالكلمة حسب بدعة مجمع خلقيدونية  ثم يعود ويقول أن الكلمة أخذ جسدا محييا ( أي  جسد مقام من الموت ) بروح إنسانية عاقلة حسب بدعة نسطور. رغم أن الروح الوحيد المحيى هو الروح القدس الرب المحيى. لأنه وحده روح القيامة والحياة .

    فإذا اتخذ الكلمة إنسان عاقل فكيف يقال أنه اتخذ إنسان بلا شخصية ليشخصه بعقله.

       إثبات الشىء ونقيضه هي فلسفة سوفسطائية لا منطقية قائمة على مفاهيم خاطئة ومغالطات.

   هذه التعاليم هي تعاليم السفسطائى ثيؤدورت أسقف قورش التي أوردها في مؤلفه الجامع للطبيعتين المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى وفيه يثبت الشىء ونقيضه أي أنه يقول شيء ويبطن خلافه. فالتمييز بين الشخصية والعقل في الأشخاص الطبيعية مستحيل, والدليل أن عقل الكلمة هو الذى شخص روح المسيح الإنسانية التي قيل أنها بلا شخصية أي بلا عقل. والروح التي بلا عقل هي روح حيوانية بائدة أي أنها مجر نفس حية أو حيوانية. لأن الذى يميز النفس الحيوانية غير العاقلة عن النفس العاقلة. هي العقل المشخص لها. 

 اما قول المعترض  بأن المقصود " بعبارة الإتحاد الأقنومى يعنى الأقنوم الواحد ..

       فهو قول لا يقول به عاقل.

     لأن المقصود بالإتحاد الأقنومى هنا ليس اتحاد أوجه الثالوث بل يقصد به الإتحاد بين ابنين من جوهرين مختلفين في شخص واحد أو ابن واحد من الابنين, وهذا التعليم مرفوض نقلا وعقلا.

     لأن الإتحاد الأقنومى لا يكون إلا بين أقانيم ( أوجه ) الجوهر الواحد , وهذا الاتحاد الأقنومى بين أوجه الثالوث . لا يجعل الثالوث أقنوما واحدا, ولا يبطل أحد أوجه الثالوث. كما لا يوجد ولا يمكن أن يوجد اتحاد إقنومى بين أقنومين ( وجهين ) من جوهرين مختلفين.

      وعلى هذا فإن قول المعترض بأن الإتحاد الأقنومى يعنى الأقنوم الواحد. هو قول لا يقول به ولا يقبله عاقل.

      لأن هذا معناه إمكانية وجود أتحاد أقنومى ( بين شخصين ) من جوهرين مختلفين في  جوهر واحد. 

    وبفرض إمكانية حدوث اتحاد بين اقنومين مختلفين بحيث صاوا أقنوما واحدا. فهذا معناه أن أحد الأقنومين ابتلع الآخر ولاشاه.

    فالقول بالإتحاد الأقنومى بين أقنومين من جوهرين مختلفين هو لغوا فارغا.

    ثم ما الداعى لمقولة الإتحاد الأقنومى أي بين شخصين في المعتقد الخلقيدونى إذا كانت الروح الإنسانية أصلا وجدت بلا شخصية أي بلا عقل تدرك به ذاتها حسب معتقد ثيؤدورت أسقف قورش وحسبما نادى أحد أساقفة اليعقوبية مؤخرا.   

    كما أن هذا الإتحاد بين الشخصين لا محل له في بدعة الجوهر من جوهرين.

     ويستطرد المعترض في تفسير بدعة الإتحاد الأقنومى بين شخصين قائلا :

   مما سبق صار واضحا أنه يوجد إتحاد أقنومى ( طبيعى ) بين اللاهوت والناسوت عند التجسد, وعلى نفس النمط بين الجسد والنفس في البشر ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 245 ).

     من الواضح أن المعترض يجهل أن الإتحاد الأقنومى الطبيعى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد. أما الإتحاد الأقنومى المزعوم بين شخصين من جوهرين مختلفين  فهو انفصالى بحسب بدعة نسطور ولا محل له في المذهبين الخلقيدونى ( لعدم وجود الشخص البشرى ) واليعقوبى ( لأن شخص المسيح واحد شخصين, وليس اثنين متحدان في وحدة اسمية حسب نسطور  ) كما قدمنا .

     كما يستخدم المعترض كلمة اتحاد أقنومى بمعنى اتحاد بين شخصين أي ابنين, ويقول أن هذا الاتحاد بين الأشخاص هو على قياس حلول روح الإنسان في جسدها الخاص لتشخصه .

   لنرى مدى المشابهة بين حلول روح إلوهيم في إنسان عاقل, وحلول روح الإنسان في جسدها الخاص.

  لا شك أن المشابهة والقياس فاسدين, ووجه الفساد أن روح الإنسان لا تحل في إنسان عاقل.  بل في جسد خاص بها تصيره جسدها الخاص بها وحدها دون شريك , وعليه فحتى تكون المشابهة صحيحة نقول : أن روح إلوهيم حل في جسد خاص به وشخصه. كما أن روح الإنسان تحل في جسد خاص بها وتشخصه, وهذا ما أعلنه الحق الإلهى القائل إذ قد تشارك الأولاد ( أرواح البشر ) في اللحم والدم. اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ).

   أما هذا اليعقوبى فيرى أن الاتحاد الأقنومى الذى بين شخصين عاقلين هو مثل اتحاد الروح العاقلة  بالجسد المادى.

   والسؤال لهذا اليعقوبى: هل الجسد المادى اقنوم  ؟ وهل اتحاد الروح بالجسد اتحاد أقنومى ؟

   واضح ان المعترض يجهل مفهوم كلمة أقنوم في الأساس.

   ويقول هذا اليعقوبى أيضا أن الكلمة شخص الروح الإنسانية منذ وجودها زاعما أنها كانت بلا عقل منذ وجودها, وهذا التعليم هو تعليم مذهب خلقيدونية وهو يتنافى مع المعتقد اليعقوبى القائل بأقنوم من الأقنومين بذهية إلهية وبشرية.

    من الواضح أن هناك سوء استخدام للمصطلحات اللاهوتية اليونانية  فتارة تستخدم بمعنى وجه أي أقنوم وهو المعنى الحقيقى وتارة يستخدمونها بمعنى شخص وهذا الإستخدام هو إما من قبيل عدم الفهم أو سوء الترجمة, وبرهان ذلك قول نسطور في رسالة محرفة منسوبة زورا للقديس كيرلس بما نصه :

     " ولكن إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى ( أي بين ابنين أو شخصين ) نسقط في التعليم بإبنين ( الرسالة رقم 4 ف 6 ص 15 ) فرد عليه القديس كيرلس مبينا أن المقصود بالإتحاد الأقنومى بأنه اتحاد بين شخصين بقوله :

   أنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( أي بين اقنومين ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة وحد شخصا من البشر بنفسه ( وهذا ما يعبر عنه بالإتحاد الأقنومى ) بل أنه صار جسدا والكلمة إذا صار جسدا. لا يكون آخر. أنه اتخذ لحما ودما مثلنا ( الرسالة 4 ف 7 ص 16 ).

    لهذا لا يجب استخدام المصلطح أقنوم في الحوار اللاهوتى إلا بمعنى واحد ومحدد وهو " وجه " ولا يستخدم إلا بين أقانيم الجوهر الواحد.

   أما عند الحديث عن الإتحاد بين الأشخاص والاتحاد التشخيصى فإن اللغات ليست قاصرة عن بيان المعنى الصحيح إلا إذا أريد به التضليل.

    وسوف نقدم هنا مثالا عمليا على كيف يدلس نسطور في كتاباته على غير المدققين بحيث يظهر تعليمه وهو يهاجم معلمى الأرثوذكسية أنه على الإيمان المستقيم وأنهم هراطقة حال كونه هو المهرطق والضد للمسيح .

    يقول نسطور في مؤلفه ظهور المسيح المحيى ما نصه :

   وحيثما وردت كلمة الجسد فإن الإشارة تتضمن كيان ( جوهر ) الإنسان كله , وفى حالة المسيح يصبح استخدام كلمة جسد يعنى بلا خطية ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ص 40 ).

     وهذا معناه أنه حيث وردت كلمة جسد فتشير إلى المسيح  كإنسان.

     وبداهة أن كلمة جسد مجردة يقصد بها اللحم والدم الذى يشترك فيه البشر والحيوانات ولا تعنى جسد بروح انسانية مطلقا وحتى لو تم تحديد الجسد بأنه جسد المسيح فإن روح المسيح ليست إنسانية بل إلهية أزلية بحسب الحق الكتابى.

    لهذا يقول نسطور مهاجما القديس كيرلس الذى يؤمن بأن المسيح ليس انسان حسب الجوهر قائلا:

   أما هؤلاء الذين نفند أرائهم .. يطلقون على جسد المسيح أوصافا مثل " غير مخلوق" " وسمائى " وأحيانا يقولون أن الجسد ( يقصد به المسيح ) من ذات جوهر اللاهوت ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 2 ص 15 ).

    ونحن نؤمن حسب قانون الإيمان الرسولى والحق الكتابى أن المسيح هو بالفعل مولود غير مخلوق وأنه نزل من السماء ( كورنثوس الأولى 15 : 47 ) وأنه من ذات جوهر اللاهوت ومساوى للآب في الجوهر ( فيلبي 2 : 5 - 8 ) وهذا ما يرفضه النساطرة لاعتقادهم الفاسد بأن المسيح مجرد إنسان مثلنا اتحد به ابن إلوهيم. فسقطوا في بدعة أنكار لاهوت المسيح وسقط في عبادة إنسان استبدل به مجد إلوهيم الذى لا يموت, بشبه صورة انسان يموت , وهذا عين ما اتهمه به القديس كيرلس فانطلق يدافع عن نفسه ضد القديس كيرلس قائلا :

     لأنكم تتهموننا بأننا نقول بأننا نؤمن بإبنين وتدعوننا عابدين الإنسان ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 21  ص 48 ).

    وهو ما اتهم به القديس كيرلس عمود الدين نسطور في العديد من كتاباته ومؤلفاته منها على سبيل المثال قوله عن نسطور ما نصه :

    وإذ قالوا ليسا ابنين بل ابن واحد يجلس مع الآب . فمن هو ذاك الذى من نسل داود أم الواحد مع الآب في الجوهر. وكيف إذا صح تقسيم الواحد إلى إثنين يتم خلاص العالم ( المسيح واحد ف 7 ص 39 ) لماذا يجعلون الخدمة الإلهية عبادة إنسان بسيط مثلنا ( المسيح واحد ف 7 ص 41 ).

     مما تقدم يتضح أن روح  المسيح  ليست إنسانية بل إلهية أزلية وهذا ما أعلنه بولس الرسول بقوله:

    فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه ( دمه ) لإلوهيم بلا عيب ( العبرانيين 9 : 14 ).

   بولس الرسول يعلن تصريحيا بأن روح المسيح روح أزلى وأيضا أن المسيح روحا محييا ( أي روحا باعثا للحياة ) ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) والروح الباعث للحياة هو الروح القدس الرب المحيى حسب قانون الإيمان الرسولى. لهذا ما أن إلتقى بالموت في جسده أباده فورا لأن شريعة الروح المحيى في المسيح يسوع أحيت جسده وأحيتنا معه مبطلا ناموس الخطية والموت ( رومية 8 : 2 ) فالمسيح وإن مات  موتنا حسب الجسد القابل الموت بسفك دمه  ولكنه أي جسده إذ صار جسدا للذى هو بالطبيعة روحا محييا عاد إلى الحياة فورا بالروح المحيى. كما هو مكتوب مماتا في الجسد ولكن ( أي الجسد ) محيى ( أي مقام من الموت ) بالروح ( بطرس الأولى 3 : 18 )  

     كما أعلن بولس الرسول تصريحيا وفى غير موضع بأن المسيح ليس إنسان ( غلاطية 1 : 12 ) وإنما ظهر في الهيئة كإنسان باشتراكه معنا في اللحم والدم وأن روح المسيح هو روح إلوهيم ( رومية 8 : 9 ) المحيى ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) روح المعونة ( فيلبى 1 : 19 ).

     فهل  بولس الرسول أبولينارى؟! لأنه يعترف بأن روح المسيح إلهية أزلية ناطقة في الأنبياء .

      والسيد المسيح نفسه أعلن أنه بروح إلوهيم يخرج الشياطين ( متى 12 : 28 ) وقال أيضا أن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد ، بل هو مستوجب دينونة أبدية.  لأنهم قالوا : إن معه روحا نجسا ( مرقس 3 : 29 – 31 ).

     ويدخل في باب التجديف أيضا القول أن روح الكلمة إنسانية أو ممتزجة من روحين.

      ومعلوم أن ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى وضع مؤلفا مطولا يقع فى أربع كتب بعنوان " الشحاذ " أو المتسول هاجم فيه معتقد أوطيخا فى الطبيعة الواحدة الإلهية للمسيح الكلمة المتجسد باعتباره أبوليناري من اصحاب الطبيعة الواحدة فنسبوا إليه زورا القول بطبيعتين وأن الطبيعة الإلهية ابتلعت الإنسانية وحرموه على هذا الأساس, وقد أثبت مجمع أفسس الثانى أرثوذكسية أوطيخا وأنه يقول بطبيعة واحدة إلهية للمسيح الكلمة المتجسد ولما يقل ما نسبه أليه أصحاب الطبيعتين من منظور بدعتهم الخاصة. كما ثبت لدينا براءته مما نسب إليه بمجمع فلبيانوس أسقف القسطنطينية من واقع أعمال المجمع ذاته. رغم ما لحقها من تزوير, وأما عن إدانة أوطيخا في مجمع خلقيدونية مع القديس ديوسقوروس  لتمسكهم بصيغة الإيمان الأرثوذكسى  فلا نعترف بهذه الإدانة ولا بالمجمع أصلا. وبالتالى نرفض كل ما نسبه هذا المجمع لهذين القديسين.

 

تفنيد بدعة أن الناسوت ليس شخصا

    يقول المعترض بأنه لا يوجد اتحاد اقنومى في الوجود كله إلا في تجسد كلمة إلوهيم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241  ).

     وفى نفس المعنى يقول الأنبا غريغوريوس:

     أن النساطرة وقعوا فى خطأ جسيم لأنهم اعتقدوا أن الكلمة اتخذ إنسانا وفى هذه الحالة لا يكون العمل الكفارى للمسيح خلاصا للجنس البشرى بأسره وإنما يصير الخلاص لفرد واحد فقط, وهذه هى النتيجة الوخيمة التى تسلم إليها بدعة نسطور وتعليمه الفاسد. لأن الكلمة لم يتخذ إنسانا , وإنما اتخذ ناسوتا واتحد به, ونحن نعنى هنا الناسوت غير مشخص ( الجسد الحيوانى وحده هو الذى بلا شخصية حيث يشخص من الروح الذى تسكنه وتجعله خاصا بها وحدها , أما الروح فمشخصة بعقلها فإن ابطلناه أبطلنا وجودها ) الناسوت بخصائصه وصفاته من دون تعيين بشخص أو فرد بذاته ( هذه الصفات تخص الجسد وحده ومع ذلك جعلها الأنبا غريغوريوس خاصة بالروح الإنسانية زاعما أنها روح غير مشخصة بعقلها البشرى لأن الكلمة قام بتشخيصها بحسب معتقد مذهب خلقيدونية ) ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 120 , 121 ) .

    من الواضح أن الأنبا غريغوريوس يستخدم مفاهيم باطنية تظهر خلاف ما تبطن لا يفهمها إلا هو والنساطره ومن لهم معرفة بالعقاد النسطورية أما عامة المؤمنين فسيفسرونها بما يتفق ومعتقداتهم.

     هذه البدعة أخذ بها المعترض اليعقوبى ورددها بلا فحص بقوله نقلا عن الأنبا بيشوى : بأن  الكلمة ابن إلوهيم حينما جاء ليتحد بالإنسان لم يتخذ شخصا بشريا . بل شخص الطبيعة البشرية ( أي الروح الإنسانية ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).  

   وهذا معناه أن أقنوم  أو شخص الكلمة قام بتشخيص الروح الإنسانية منذ وجودها حسب زعم اليعاقبة الخلقيدونيين , ومن ثم فلا محل للأتحاد الأقنومى المزعوم بين أقنوم الابن الأزلى وأقنوم الابن الزمنى  بحسب المعتقد اليعقوبى . كما ورد في كتاب العلامة اليعقوبى ابن المكين " الحاوي " ص 45  والذى يقول فيه :

   أنه باتحاد الابن الأزلى بالابن الزمنى صارا  شيئا واحدا ( أي شخصا واحدا ) هو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح - وهذا الشخص من شخصين - لا يصح عليه انه انسان فقط ولا إله فقط ولا هما معا .

    ثم لم يلبث المعترض بعد أن قال أن الكلمة لم يتحد بشخص بشرى . أن هدم هذه المقولة بالقول باتحاد اقنوم الكلمة بأقنوم الابن البشرى بما نصه:

     لا يوجد اتحاد اقنومى ( أي بين الإبنين ) الإلهى والبشرى في الوجود كله إلا في تجسد كلمة إلوهيم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).  

   والواقع أن بدعة الإتحاد الأقنومى بين ابنين اتحدا معا فيما يعرف بشخص الإتحاد أو برسبون الإتحاد هو في الأصل معتقد نسطور ( الإصطلاحان طبيعة وأقنوم ص 39 ) لأن شخص الإتحاد عند نسطور معناه اشتراك الشخصين في وحدة اسم المسيح دون أن يعنى هذا أن الشخصين صارا واحد وإنما يعنى أن كل منهم قائم بذاته تحت وحدة اسم المسيح . لهذا يقول ان اسم المسيح لا يصح أن يطلق على الكلمة قبل الإتحاد بالمسيح ( ظهور المسيح المحيى ف 2 ).

     وأما الإتحاد الأقنومى  بين الابنين الإلهى والبشرى  بحسب المعتقد اليعقوبى فيعنى أن الأقنومين امتزجا في ابن واحد من الابنين لا يصح أن يقال عنه أنه إلهيا ولا إنسانيا ولا هما معا بل هما الشخص المسمى يسوع المسيح ( العلامة ابن المكين " الحاوي " ص 45 ).

        مما تقدم يتضح أن المعترض اليعقوبى يجمع بين شتات التعاليم المتناقضة والمتعارضة للمذاهب النسطورية المختلفة دون أن يدرك مدى تعارضها مع مذهبه اليعقوبى .

       والواقع أن من المغالطات التي يستخدمها النساطرة هو أنهم عند وصفهم  الناسوت لا يحددون المقصود به هل يقصد به الناسوت الداخلى أى الروح, أو الناسوت الخارجى أى الجسد, أم الناسوت مطلقا بمعنى الإنسان جسدا ونفسا وروحا.

    ومن ثم فإن تحديد المقصود بالناسوت يكون من خلال معرفة المقصود بها فى الجملة فى ضوء معتقدات المذاهب النسطورية المختلفة الواردة فى كتاباتهم نفسها, وليس بما يتبادر للفهم.

   ولنأخذ مثالا على ذلك قول المعترض اليعقوبى:

   " أن الناسوت ليس شخصا ( هنا يكون المتبادر من القول بالناسوت غير المشخص الجسد الحى بالدم, ولكنهم يعنون بالناسوت غير المشخص الروح الإنسانية غير المشخصة بعقلها البشرى لأن الكلمة حسب زعمهم شخصها باقنومه منذ وجودها, وهذا معتقد مجمع خلقيدونية الذى أخذ به ساويرس الأنطاكى ورفضه يعقوب البرادعى ) رغم أنه إنسان كامل ( الإنسان الكامل هو الذى يكون مركبا من جسد ودم وروح عاقلة تشخصها فإن كانت الروح غير عاقلة فلا يكون الإنسان كاملا  ) لم يوجد قط منفصلا " ( هو يعنى أن الروح الإنسانية التى لم توجد قط غير مشخصة بأقنوم الكلمة الذى شخصها منذ وجدت ) وغالبا أنه لا يدرك ما يكتبه لأنه كتبه باسلوب مبهم دون تفسير.  

     ويزعم أننا نحن الذين لم نستطع أن نفهم هذا المصلح بالشكل السليم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 277 ).

     حسنا نحن في إنتظار أن يقدم لنا المعترض الفهم الصحيح لهذا المصطلح المضاد للمنطق السليم بصفته من علماء اللاهوت على المذهب اليعقوبى.

     والواقع ان انتظارنا لا طائل منه لأنه لم يبين لنا كالعادة المفهوم الصحيح لهذه العبارة التي اقتطعها من نص لثيؤدورت أسقف قورش النسطورى يثبت فيها معتقد خلقيدونية دون أن يفهم المعترض معناها . تاركا لنا أن نشرحها له.

    حسنا سنشرح له هذا المصطلح الذى يعنى باختصار أن العذراء لم تلد الكلمة وإنما ولدت الإنسان يسوع المسيح الذى بحسب بدعة ثيؤدورت لم يكن مشخصا بعقله البشرى بل بالكلمة الذى شخصه منذ وجد, وبالتالى فإن الإنسان يسوع المسيح لم يوجد قط منفصلا عن الكلمة, وبعبارة أخرى أن نفس المسيح الإنسانية العاقلة كانت بلا شخصية منذ وجودها. أي أنها كما يقول ثيؤدورت أسقف قورش: كانت هي النفس الإنسانية الوحيدة التي بلا شخصية أي بلا إدراك لذاتها أو جوهرها منذ وجودها . لأن الكلمة قام بتشخيصها منذ وجودها, وهذا هو المقصود بالقول لم توجد قط منفصلة ( أي أنها مشخصة بالكلمة منذ وجودها ) ( الجامع للطبيعتين ق 3 ف 4 ص 51 , 53 ).

   وأما عدم منطقية هذا المصطلح فواضح من القول :

   الناسوت ليس شخصا ( أي ليس له عقل يشخصه ) رغم أنه إنسان كامل ( كيف يكون إنسان أصلا وهو ليس شخصا أي ليس له الأنا أي العقل الذى به يدرك ذاتيته ) هذا التضاد وعدم المنطقية في إثبات الشىء ونقيضه في نفس الوقت. هي السمة المميزة للهراطقة الذين حق فيهم القول: " أناس فاسدة أذهانهم ، ومن جهة الإيمان مرفوضون, لكنهم لا يتقدمون أكثر، لأن حمقهم سيكون واضحا للجميع " ( تيموثاوس الثانية 3 : 8 – 9 ).

      ومن الأدلة القاطعة على فساد ذهن الهراطقة ما سجله  ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى في مؤلفه " الجامع للطبيعتين "  والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3 فصل 4 ص 52 بقوله ما نصه:

   " فعلى هذا خالطت كلمة إلوهيم الخالق جوهرية الإنسان كاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمانية , وصار كلمة إلوهيم بقوامه ( شخصه ) قواما ( شخصا ) لذلك الناسوت الذى كمل جوهره ( وجوده ) بتقويم ( تشخيص ) كلمة إلوهيم إياها . لأنها لم تخلق ولم تكن شيئا إلا بقوام ( شخص ) كلمة إلوهيم " ( الجامع للطبيعتين فصل 4 ص 52 ).

     فالروح الإنسانية التي كملت بتشخيص الكلمة لها يعنى أنها كانت ناقصة لأهم ما يميز الإنسان عن الحيوان. ومع ذلك يقول وكأنه نسى ماقاله بأنها غير كاملة بأنه أخذ ناسوت كامل أي ذي عقل يشخصه فإن لم يكن ذي شخصية فلا يكون أنسان من الأساس.

     ولا نعرف من أي مصدر أتى ثيؤدورت بالتعليم بأن هذه الروح الإنسانية حسب زعمه. كانت الروح الوحيدة التي بلا عقل بشرى يشخصها. لأن الكلمة كان عقلها منذ وجودها. لأن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للتعليم وكل ما يخالفه هو بدعة هلاك.

     هذا التعليم عينه هو ما أخذ به الأب لويس برسوم الخلقيدونى المذهب في مؤلفه " المسيح الإله والإنسان " بقوله :

     اقتضت حكمته أن تكون هناك طبيعة بشرية ( روح بشرية ) من غير اقنومها ( عقلها ) البشرى الخاص.. وهى الإعجوبة الفريدة في نوعها التي تقوم باتحاد اللاهوت بالناسوت في أقنوم الكلمة الإلهى ( الأب لويس برسوم " المسيح الإله والإنسان" ب 7 ص 61 ).

     ولا نعرف عن أي حكمة يتكلم فهذا التعليم ليس له أي سند كتابى بل هو ضلالة مصدرها حكمة سفلية تناقض الحق الكتابى وتنادى بأساطير يونانية بأن عقل الإله صار عقلا لروحين في جسد واحد.

     والسؤال هو كيف سيخلص العقل البشرى بحسب المبدأ النسطورى بأن ما لا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص . إذا كان الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية منذ وجودها. أي أن هذه الروح الإنسانية عدمت عقلها الخاص منذ وجودها حيث قام الكلمة مقامه في تشخيصها منذ وجودها.

     وهذا معناه أن العقل البشرى المشخص للروح الإنسانية لن يخلص حسب بدعة خلقيدونية. لأن الكلمة ابطله منذ وجوده وقام مقامه في تشخيصها.

     فإن قالوا بوجوده فقد هدموا معتقدهم وسقطوا في بدعة نسطور.

    واستطرد المعترض اليعقوبى يشرح المعتقد الخلقيدونى كمعتقده الخاص دون ادراك لتعارضة مع معتقده اليعقوبى بالقول:

   بأن السيد المسيح لم يأخذ شخصا ( ابنا ) بشريا ولكنه أخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية  من العذراء التي ولدته, وأن أقنوم الكلمة اخذ الطبيعة ( الروح ) البشرية وأعاد صياغتها لتصير خاصة به شخصيا ( أي قام بتشخيصها ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ) نقلا عن الأب فرانسيس فرييه الخلقيدونيى المذهب في مؤلفه " التجسد " ص 65  وما بعدها.

     ثم وبعد قوله أن الكلمة أخذ طبيعة بشرية غير عاقلة وشخصها بأقنومه, أضاف قوله : " طبيعة واحدة من طبيعتين " وهذا معتقد ساويرس الأنطاكى .

     ومن ثم فلا محل لمن يقول  بالطبيعة الواحدة الإلهية للكلمة المتجسد أن ينسب إليه القول بأن احدى الطبيعتين ابتلعت الأخرى أو لاشتها . لأن هذا القول قاصر على أصحاب الطبيعة من طبيعتين, فإن قيل إن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين إلهية, فهذا معناه أنها لاشت الطبيعة الإنسانية والعكس صحيح .

     ثم وكعادة المعترض اليعقوبى فى قول الشىء ونقيضه أو النكوص عنه هدم المعترض مقولة أن الكلمة لم يأخذ شخصا بشريا أي عقلا بشريا حيث قام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية بحسب  معتقد خلقيدونية الذى وفقا له لا يوجد سوى اقنوم أو شخص واحد إلهى ومن ثم لا يجوز القول أن أقنوم الكلمة اتحد بأقنوم العقل أو الابن البشرى المشخص للروح الإنسانية لعدم وجوده أصلا  فى الروح الإنسانية التى شخصها الكلمة وصار هو عقلها منذ وجدت ومن ثم فهذا يتعارض مع قول المعترض اليعقوبى :

    لا يوجد اتحاد أقنومى ( أي بين ابنين أو شخصين عاقلين ) بين اللاهوت والناسوت في الوجود كله إلا في تجسد كلمة إلوهيم.

       من الواضح أن بدعة الإتحاد الأقنومى والتى تعنى الإتحاد بين شخصين عاقلين  هو مصلح نسطورى كونه يعتقد بوجود شخصين متحدين معا في كرامة البنوة ووحدة اسم المسيح .

    وبداهة أن الإتحاد الأقنومى أي الذى بين شخصين من جوهرين مختلفين بحسب ضلالة أصحاب الطبيعتين هو بين ابنين أي انه بين شخصين أو أقنومين وهذا معتقد نسطور أما بحسب بدعة خلقيدونية فإن طبيعة المسيح كانت الطبيعة الوحيدة التي بلا شخصية أي بلا أقنوم بشرى يشخصها, ومن ثم فإن أقنوم الكلمة لم يتحد بالأقنوم البشرى , لأن الطبيعة البشرية للمسيح كانت بلا أقنوم بشرى يشخصها منذ وجدت , ومن ثم فلا يوجد سوى أقنوم واحد هو اقنوم الكلمة لعدم وجود أقنوم الشخص البشرى ليتحد به, ومن ثم فالقول بالإتحاد الأقنومى أي بين شخصين عاقلين هو مصطلح خاص ببدعة نسطور وحدها , أما بحسب خلقيدونية فلا يوجد سوى أقنوم واحد هو المشخص للطبيعتين ومن ثم فلا محل للقول بالإتحاد الأقنومى وهذا هو معتقد ساويرس الأنطاكى أيضا .

     أما بالنسبة لبدعة البرادعى القائل باقنوم من أقتومين وجوهر من جوهرين , فمن الواضح أن احد الأقنومين بالإمتزاج لاشى الآخ أو أنهما لاشيا بعضهما البعض, ومن ثم فلا اتحاد بين شخصين كل قائم بعقله الخاص فى وحدة اسم البنوة بحسب المذهب اليعقوبى , لأن الإتحاد الأقنومى بين الشخصين بحسب نسطور قائم على أساس وجود العقلين متحدين بحسب الأقنوم في وحدة اسم المسيح وكرامة البنوة, بدون امتزاج او اختلاط أو تغيير .

      أما يعقوب البرادعى فيقول بأن المسيح أقنوم من أقنومين , وطبيعة من طبيعتين, وهذا يؤول لإمتزاج الأقنومين والطبيعتين في طبيعة واحدة وأقنوم واحد ممتزجين .

      ومن ثم فإن المعترض يجمع بين الأضداد غير مميز الإختلافات بين المذاهب النسطورية المختلفة.

     إذ لا يجتمع القوال بأن روح المسيح الإنسانية كانت بلا  أقنوم بنوة يشخصها منذ وجودها ( حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية ) مع قوله, بأنه لا يوجد اتحاد اقنومي ( بين ابنين ) أي بين شخصين في الوجود كله إلا في تجسد كلمة إلوهيم ( حسب نسطور ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

   وهو ما عبر عنه المعترض بقوله : بأن التجسد والإتحاد الأقنومى ( اتحاد ابنين وشخصين عاقلين ) قد  تلازما في التجسد.

     وبداهة أن اتحاد الكلمة بإنسان عاقل إتحادا تشخيصيا  ليس تجسد بل تأنس أو تقمص ينزه عنه إلوهيم.

     تضاد وتناقض وهى السمة المميزة لكافة كتابات أصحاب الطبيعتين.

     ثم في سوء استخدام للمصطلحات اللاهوتية يقول المعترض :

    ولكن الإتحاد بين روح الإنسان ( طبيعة عاقلة أي فيزيس باليونانية ) وجسده ( طبيعة جسدانية أي فيزيق باليونانية ) هو اتحاد طبيعى ( أي بين طبيعتين أي روحين ) وأقنومى ( أي بين أقنومين أي شخصين عاقلين ).

      من الواضح عدم تمييز المعترض بين متى يكون الإتحاد الطبيعى مقصود به انه بحسب الأصل أو الخلقة, وبين أنه بين روحين, وكذا عدم فهم المعترض لمعنى قوله " اتحاد أقنومى بين روح وجسد " غير مدرك أن الجسد ليس أقنوم ( أي ليس شخص أو وجه من أوجه الجواهر العاقلة ).

    من الأخطاء اللاهوتية المنسوبة للمعترض والنساطرة عموما هو قولهم بتجسد المسيح بحسب الحق الكتابى ( يوحنا الأولى 4 : 2 ) بما يعنى أن المسيح هو نفسه الكلمة حال كونهم ينكرون ذلك, لأن المسيح عند النساطرة بكافة مذاهبهم ليس هو الكلمة. بل هو الإنسان الذى تأنس به الكلمة , لهذا نراهم يقولون بأنه لا يجوز استخدام اسم المسيح منسوبا للكلمة قبل التجسد ( " ظهور المسيح المحيى " ف 2 ) ( الأنبا غريغوريوس " علم اللاهوت المقارن " ص 146 ) ومن ثم لا يجوز ان يقال أن المسيح تجسد إن كان هو نفسه الجسد بحسب معتقدهم الفاسد ( ظهور المسيح المحيى ف 18 ص 40 ).

     ومن ثم فالقول بتجسد المسيح معناه إقرار ضمنى بلاهوته وأنه نفسه الكلمة المتجسد وهذا يضاد معتقدهم , ومن ثم فإن إقرارهم به هو من إما من باب الخطأ  أو الجهل .

     وأيضا في نفس صفحة  236 من مؤلفه يقول المعترض:

     أنه في ناسوت المسيح حل كل ملء اللاهوت جسديا في أحشاء العذراء مريم ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 236 ).

     وصحة الآية  مع سياقها هي :

     انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل ، حسب تقليد الناس ، حسب أركان العالم ، وليس حسب المسيح . فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا, وأنتم مملوؤون فيه ( كولوسى 2 : 8 - 10 ).

    المعترض ألحق كلمة " ناسوت " إلى المسيح لقلب الحقائق الإلهية وتحويل سر العبادة من عبادة المسيح الكلمة المتجسد إلى عبادة انسان يدعى يسوع المسيح نال حلولا إلهيا بكل ملء إلوهيم الذى نحن أيضا مملؤون فيه بالمعمودية .

   لأن الذى يأخذ الروح القدس يأخذ ملء اللاهوت. لأن الثالوث غير منفصل. فحيث الأقنوم هناك الثالوث كاملا.

   وهذا ما أوضحه بولس الرسول في الآية المتقدم بيانها. فرغم قولنا أن الكلمة تجسد إلا أنه لم يحل بمعزل عن الآب والروح القدس.

     فهذه الآية كما نرى هي للرد على الهراطقة  في كل زمان ومكان هؤلاء الذين يعتقدون ان حلول الابن كان بمعزل عن أبيه والروح القدس.  وإنما قدم الابن في التجسد لسبين الأول أنه صورة إلوهيم بهاء مجده وصورة جوهره, والثانى لأنه الأقنوم المشخص للجسد الذى اتخذه وصيره خاصا به وحده دون أن يحل في إنسان كما يزعم المعترض . لهذا كما يقول بولس الرسول أن إلوهيم ، بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما ، بأنواع وطرق كثيرة.  كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ، الذي جعله وارثا لكل شيء ، الذي به أيضا عمل العالمين. الذي ، وهو بهاء مجده ، ورسم جوهره ، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ، بعد ما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا ، جلس في يمين العظمة في الأعالي ( العبرانيين 1 : 1 - 3 ).

   فإلوهيم كلمنا قديما من خلال أباء وأنبياء أي بشر أما الآن فكلمنا من خلال ابنه الذى به خلق العالمين الذى هو نفسه وليس آخر الذى صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا  وليس من خلال انسان نبى جاء إليه الكلمة كما جاء للأنبياء قديما الذى بحسب زعم المعترض أنه إنسان مثلنا له روح إنسانية عاقلة وأنه نال ملء اللاهوت الذى نحن أيضا مملؤن منه.

      هذه البدع التي  تزعم أن الكلمة حل في إنسان بكل ملء اللاهوت أو التي تفصل بين الكلمة وجوهره وروحه الإلهية هي ما حذر منه بولس الرسول على الوجه السابق .

    والغريب أن المعترض في ردوده لإُثبات أن يسوع المسيح إنسان مثلنا نال حلولا إلهيا استخدم آيات تثبت لاهوت المسيح وتهدم معتقده. من ذلك اقتباسه قول يوحنا الرسول:

   كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد ليس من إلوهيم وهذا روح ضد المسيح ( يوحنا الأولى 4 : 3 )

    فالمعترض الذى ينكر تجسد الكلمة ومجيئه فى الجسد بحسب نسطور الذى يعتقد أن العذراء ولدت الإنسان يسوع المسيح ذى الروح الإنسانية العاقلة نراه يأتى بالآية التى تثبت لاهوته لإثبات انسانيته.

    لأنه أن كان يسوع المسيح انسان مولود من مريم حسب زعم المعترض فلا يقال انه جاء في الجسد .          

    هناك فرق بين القول أن يسوع المسيح ( إلوهيم ) جاء في الجسد, وبين القول بأن أنسان حل فيه إلوهيم . لأن التجسد لا يكون بحلول الكلمة فى انسان بل بمجيئه هو نفسه فى الجسد فإن كان الذى ظهر فى الجسد هو إلوهيم وكان الذى جاء فى الجسد هو يسوع المسيح فيكون يسوع المسيح هو إلوهيم الذى جاء فى الجسد.

     أما إن كان المولود من العذراء انسان مثلنا يدعى يسوع المسيح فلا يقال أنه جاء فى الجسد وإلا جاز ليوحنا المعمدان المملوء من البطن من الروح القدس أن يقال عنه أنه ايضا جاء فى الجسد كما يجوز لكل أنسان أن يقول أنه جاء فى الجسد .

    الوحيد الذى يقال عنه انه جاء فى الجسد هو الذى بلا جسد منذ الأزل هو الذى عند مجيئه في الجسد يقال أنه تجسد.

    هناك فرق بين ان نعبد المسيح الكلمة المتجسد المولود من الآب قبل كل الدهور , وبين ان نعبد مخلوق مثلنا يدعى يسوع المسيح له روح إنسانية مثلنا ونال حلولا إلهيا فإن هذا الحلول لن يصيره إلها يعبد بل هيكلا لإلوهيم مثلنا. لأننا نحن أيضا هيكل إلوهيم، وروح إلوهيم يسكن فينا ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ).

    القول أن انسان هو الذى بذل عنا وأنه هو الذى ولد وتألم بالصليب وقام من الموت يضاد كلمة إلوهيم القائل :

       لأنه هكذا أحب إلوهيم العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية,  لأنه لم يرسل إلوهيم ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص به العالم, الذي يؤمن به لا يدان ، والذي لا يؤمن قد دين ، لأنه لم يؤمن باسم ابن إلوهيم الوحيد ( يوحنا 3 : 16 ) الذى هو اسم المسيح ( يوحنا 6 : 69 ) ( يوحنا 9 : 30 ).

  

الطبيعة الواحدة الممتزجة الجامعة لخصائص الطبيعتين

   يقول المعترض ما نصه:

   أن الطبيعة الواحدة المتجسدة لإلوهيم الكلمة تجمع خصائص الطبيعتين بغير امتزاج ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 ).

     والواقع أن قول المعترض اليعقوبى بطبيعة واحدة متجسدة للكلمة هو تدليس وتضليل لأن اليعاقبة لا يقولون بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد بل بطبيعة واحدة من طبيعتين. بما يعنى أن هذه الطبيعة الواحدة هى مزيج من الطبيعتين.

     أما قوله بأن هذه الطبيعة الواحدة ( الممتزجة من الطبيعتين ) تجمع خصائص الطبيعتين بغير امتزاج , فمردود بأنه إذا كانت الطبيعة الواحدة الممتزجة تجمع خصائص الطبيعتين فهذا برهان على أن هذه الطبيعة الواحدة هى ميزج من الطبيعتين ولسبب الإمتزاج صارت تجمع صفات وخصائص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة بما يعنى أن الطبيعتين بالإمتزاج لاشيا بعضهم البعض ونشأت طبيعة جديدة ليست إلهية ولا انسانية بل طبيعة لا جنس لها خاصة بالمسيح  حسب زعمهم,  فإن نفى المعترض إمتزاج الطبيعة الجامعة لخصائص الطبيعتين رغم ثبوت الإمتزاج , فهذا معناه أن الطبيعتين قائمتين كل بعقلها الخاص حسب بدعة نسطور, وإن تشخصتا بالكلمة فهذه بدعة مجمع خلقيدونية, وهاتين البدعتين تم حرمهما فى مجمعى أفسس الأول والثانى المسكونيان.

   ويقول المعترض أيصا ما نصه:

   " أن حلول مواهب الروح القدس في سر المسحة لا يؤدى إلى اتحاد اقنومى بين الإنسان والروح القدس, ولكن الإتحاد بين روح الإنسان وجسده هو اتحاد طبيعى وأقنومى " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 ).

    فى الواقع نحن لا نعرف ماذا نقول : أقوال لا يمكن قبولها حتى من متطفل على علم اللاهوت.

   من الواضح جهل المعترض المطبق في التمييز بين مصطح الحلول بالأقنوم أو الجوهر وبين مصطح الإتحاد الأقنومى الذى لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الواحد, وكذا جهله لمفاعيل الحلول النوعى للروح القدس في كل سر من أسرار الكنيسة السبعة .

    فحلول اقنوم الروح القدس على انسان في سر المسحة هو حلول مواهب, وليس حلول اتحاد وشركة كالذى نلناه في المعمودية التي فيها متى اتحدنا مع المسيح في شبه موته ، نصير أيضا بقيامته ( رومية 6 : 5 ) .

    فاتحادنا مع الروح القدس الذى هو روح المسيح هو اتحاد ليس في جوهر اللاهوت بل في الجسد الذى به نصير شركاء الطبيعة الإلهية أي شركاء الروح القدس الذى يحيى اجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

      وبهذه الشركة أحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( ليس في جوهرى بل في جسدى ليمنحه نعمة القيامة ).

    أما قول المعترض :

   " ولكن الإتحاد بين روح الإنسان وجسده هو اتحاد طبيعى وأقنومى " ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 ).

   فمردود بأن جهل المعترض بالمصطلحات اللاهوتية واضح بدليل لأن الإتحاد بين روح الإنسان وجسده يكون الإنساني .

    ولا علاقة للإتحاد بين الروح والجسد بالإتحاد الطبيعى والأقنومى أى الذى بين طبيعتين ( روحين ) واقنومين ( شخصين أو ابنين ) عاقلين .

     وأيضا لا يوجد اتحاد طبيعى أو أقنومى بين روحين وشخصين عاقلين من جوهرين مختلفين إلا فى اذهان الهراطقة .

      ويستطرد المعترض قائلا :

      أن الوحدة بين اقانيم الثالوث تسمى الوحدة في الجوهر بين الأقانيم, ويقصد بعبارة الإتحاد الإقنومى الأقنوم الواحد. هناك فرق بين التعبيرين. في التجسد نعلم بالأقنوم الواحد. في التجسد أخذ جسدا من العذراء محييا بروح عاقلة ليتحد به اقنوم الكلمة .. فالتجسد والإتحاد الأقنومى تلازما بلا فارق زمنى ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 , 242  ).

    الاتحاد الأقنومى الذى يستخدمه هذا اليعقوبى هو اتحاد أشخاص ( برسبون ) وليس اتحاد أوجه ( هيبوستاسيس) أي انه اتحاد  بين شخصين من طبيعتين وجوهرين مختلفين في جسد واحد, وهذا الإتحاد لا يجعلهم شخص واحد إلا أن يبتلع احدهما الآخر وهذا يتنافى مع فكرة الإتحاد الأقنومى.

   لهذا يقول أن التجسد والإتحاد الأقنومى وصحته البرسبونى تلازما بلا فارق زمنى بما يعنى أن التجسد واتحاد شخص الكلمة بالشخص البشرى تما في لحظة واحدة .

   ثم يقول  : ويقصد بعبارة الإتحاد الأقنومى الأقنوم الواحد.

   لو كانت هذه القاعدة التي وضعها هذا اليعقوبى صحيحة فإنه بتطبيقها على الثالوث يكون معناه أن أقانيم الثالوث إمتزجوا في أقنوم واحد .

    أما بحسب بدعته الخاصة فيقول أن روح المسيح إنسانية عاقلة, وهذا يقضى على بدعة الإتحاد الأقنومى بين الابنين لأن المقصود بها بحسب قوله: الأقنوم الواحد ( أي الأبن الواحد ) وهذا معناه إما أن احد الإبنين ابتلع الآخر ولاشاه, واما أنهما امتزجا ونشأ عن هذا الإمتزاج أو الإئتلاف ابن جديد ليس أيا منهما .

     ثم يقول المعترض:

   الطبيعة الواحدة للابن المتجسد الذى تأنس هو ما نعترف به دون ان يتضمن هذا الإعتراف أي احتمال للاختلاط أو الإمتزاج أو التغيير ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 251 , 252  ).

 هذه الأقوال هي إما نتاج جهل عظيم بالمصطلحات اللاهوتية أو سفسطة فارغة التي تجمع نفايات متعارضة ومتناقضة .

 فالطبيعة الواحدة للابن المتجسد هى المعتقد الأرثوذكسى بأن الابن الوحيد الذى جاء فى الجسد له طبيعة واحدة إلهية, إضافة المصلح الذى تأنس يعنى الذى تأنس بإنسان له روح انسانية عاقلة  بدون اختلاظ ولا امتزاج وهذا معتقد نسطور, وهذه العقائد لا علاقة لها بمعتقد أصحاب الطبيعة الواحدة من طبيعتين والتى تعنى امتزاج الطبيعتين فى طبيعة جديدة قد تكون إلهية أو انسانية أو لا جنس لها. 

       ثم يستطرد المعترض قائلا  :

     يقول نيافة الأنبا بيشوى :

     " أن  الطبيعة الواحدة المتجسدة لإلوهيم الكلمة . تجمع خصائص الطبيعتين ( أى انها ممتزجة ) بغير امتزاج, ولم تهدم خصائص الطبيعتين بسبب الإتحاد, ولكن كل هذه الخصائص تنسب إلى الكلمة المتجسد الواحد بسبب إتحاد الطبيعتين ) ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ) ( هذا معتقد ساويرس الأنطاكى ).

        القول عن الطبيعة الواحدة بأنها تجمع خصائص الطبيعتين يعنى أنها طبيعة ممتزجة من الطبيعتين.

    وهذه الطبيعة الممتزجة من طبيعتين التى تجمع خواص وصفات الطبيعتين هى طبيعة جديدة لا جنس لها عدمت الطبيعتين معا بدليل أنها ليست إلهية ولا إنسانية .

    يقول نيافة الأنبا بيشوى ما نصه:

  " الطبيعة الواحدة المتجسدة لإلوهيم الكلمة . تجمع خصائص الطبيعتين  بغير امتزاج , ولم تهدم خصائص الطبيعتين ( الروحين ) بسبب الإتحاد, ولكن كل هذه الخصائص تنسب إلى الكلمة المتجسد الواحد. بسبب إتحاد الطبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

    والواقع أن القول بأن الطبيعة أى الروح الواحدة من روحين تجمع خصائص الروحين الإلهية والإنسانية معا يعنى أنهما امتزجا وهذا يتعارض مع القول بأنها تجمع خصائص الطبيعتي بغير امتزاج كيف ؟! لأن اجتماع خصائص الطبيعتين فى طبيعة واحدة لا يكون إلا بالإمتزاج والإختلاط  حتى يصيرا واحد , فإن لم يمتزجا فيكون كل منهما قائم بذاته وهذه بدعة  نسطور ومجمع خلقيدونية, وعليه فإن القول بأن الروح  الواحدة من روحين لم تهدم خصائص الطبيعتين ( الروحين ), هو باطل لأن الروح الممتزجة محدثة.

     والواقع أن الطبيعة الواحدة من طبيعتين بما أنها ليست إلهية ولا إنسانية فهذا معناه انهما تلاشيا معا ونشأت طبيعة جديدة هى طبية المسيح حسب زعم أصحاب الطبيعة من طبيعتين .

     مما تقدم يتضح أن الروح الواحدة الممتزجة من طبيعتين بحسب معتقدهم لا جنس لها. لأن الطبيعتين لاشيا بعضهم بعضا بالإمتزاج,  ونشأت حقيقة جديدة ليست أيا منهما أو معا .

     والسؤال هنا إذا كانت الطبيعة الإنسانية العاقلة قد تلاشت بالإمتزاج  فكيف ستخلص بحسب المبدأ النسطورى القائل مالا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص.

 

  تجديف القائلين بأن روح المسيح الذى جاء فى الجسد إنسانية

   يرى نسطور أن الكلمة اتحد بنفس إنسانية عاقلة. دون أن يبطل عقلها أو يلاشيه ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 15 . 16 ص 39 ) .

    وهذا معناه أن الكلمة سكن روح إنسانية عاقلة واحتجب بها , وبهذه السكنى اتحد الإبنان في وحدانية  اسم المسيح .

     وقد رأى نسطور أن تعليم الاتحاد بسكنى روح إلوهيم في روح بشرية في وحده اسم المسيح هو  فوق العقل , والواقع أن هذه البدعة ليست فقط فوق العقل بل هي فضلا عن كونها بدعة إذ لا سند كتابى فإنها أيضا تضاد ليس فقط صورة التعليم الصحيح بل أيضا العقل والمنطق. لأنه حتى الأمور التي فوق العقل هي منطقية.

     والواقع أن العلة الأولى لسقوط الهراطقة في البدع المتنوعة هو سوء استخدامهم للمصطلحات اللاهوتية بحيث يفسرونها بحسب هواهم دون ضابط , وليس بحسب معناها الإصطلاحى الدقيق والمحدد. لهذا نراهم يقعون في العديد من المتناقضات المنافية للمنطق السليم ويبررون عدم منطقيتها بأنها فوق العقل رغم أن ما يقررونه هو ضمن صلاحيات العقل.

    هناك ثلاثة أمور فقط هي التي تعلو فوق المفاهيم البشرية  هذه الأمور الثلاثة هي " الأزلية " أي ما ليس له بداية , و " اللازمن " و " عدم المحدودية " . أما الثالوث وخطة الفداء فمغلقان فقط على الذين فيهم  إله هذا الدهر الذى هو ضد المسيح الذى أغلق أذهانهم عن روية إنارة مجد المسيح الذى هو صورة إلوهيم. الذى ظهر في الهيئة كإنسان, ولم يتخذ انسان كما يزعم اضداد المسيح . 

    وقد هاجم نسطور دون أن يقصد المعتقد الخلقيدونى القائل بأن الكلمة صار هو العقل للنفس الإنسانية, ورأى أن هذا معناه أن نفسه لم تكن نفسا بشرية إذ لم يكن لها إدراك بشرى. لأنها كانت تفكر بواسطة الكلمة الذى صار عقلا لها . وهذا تجديف ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 16 ص 39 ) .

    والواقع أن نسطور لم يهاجم ثيؤدورت أسقف قورش صاحب هذه البدعة, وإنما كان يهاجم القديس كيرلس باعتباره أبولينارى لرفضه بدعة التأنس ومهاجمة تعاليم نسطور في كتاباته بقوله " وأنا أظن أنه من أجل هذا التعليم الملتوى كتب يوحنا الحكيم: والكلمة صار جسدا ( يوحنا 1 : 14 ) أما تعليم الهراطقة فقد حول سر التدبير أي التجسد إلى ما هو عكس التجسد تماما .. وإذا اقترن ( اتحد ) الابن بإنسان, وقدمه إلى اختبار الموت. ثم أصعده إلى السموات  وأجلسه عن يمين الأب. فما هو عرشه, وإذ قالوا ليس ابنين بل ابن واحد يجلس مع الآب. فمن هو ذاك ؟ . الذى من نسل داود. أم الواحد مع الآب في الجوهر , وكيف _ إذا صح تقسيم الواحد إلى إثنين _ يتم خلاص العالم؟ ( المسيح واحد  ف 7 ص 39 ). 

   ولأن الجسد عند نسطور مركب من روح إنسانية وجسد فقد اعتقد أن قول القديس كيرلس بأن الكلمة صار جسدا ( وصار جسدا عند نسطور تعنى أنه حل في إنسان ذي روح إنسانية عاقلة ) ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 12 ص 42 ) لهذا اعتقد أن القديس كيرلس يقول بأن الكلمة شخص الروح الإنسانية التي هي بدورها مشخصة للجسد,  وهى البدعة التي قال بها ثيؤدورت أسقف قورش في مؤلفه الجامع الطبيعتين والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ف 4  ص 51 , 56 ) ثم هدم بدعته بقوله : " ما لم يؤخذ لم يبر .. فكان إذا خلا العقل ( البشرى ) من الأفضل (  أي الكلمة ) أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى وينقاد له. فصار العقل الإنسانى ( أي الروح الإنسانية العاقلة ) مأوى ( مسكن ) للاهوت المخالط له والبشر ( الجسد ) مأوى للعقل ( الروح الإنسانية العاقلة ) .. فخالط كلمة إلوهيم .. كيان البشر .. كيانا كليا مقوما بأقنوم كلمة إلوهيم " ( الجامع للطبيعتين ف 5  ص 63 - 64 ).

     مما تقدم يتضح أن عدم المنطقية هي السمة المميزة للهراطقة . فثيؤدورت أسقف قورش بعد أن زعم أن الكلمة شخص الروح الإنسانية. عاد بعد أن تذكر أن ما لا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص إلى اختراع مقولة جديدة زعم فيها أنه إذا خلا العقل البشرى من الأفضل أي الكلمة أظهر العقل البشرى سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى وينقاد له. فصار العقل الإنسانى ( الروح الإنسانية العاقلة ) مسكن للاهوت المخالط له ( رغم أن الروح ساكن لا مسكن ) و البشر ( أي الجسد ) مسكن للعقل ( أي الروح الإنسانية العاقلة ) .. فخالط كلمة إلوهيم .. كيان البشر.. كيانا كليا مقوما ( أي مشخصا ) بأقنوم كلمة إلوهيم "

     وقد أوضح ثيؤدورت أسقف قورش أن الكلمة سكن الروح الإنسانية العاقلة كحجاب وشخصها. وأن الروح الإنسانية المشخصة بالكلمة تسكن الجسد ( الجامع للطبيعتين ف 4  ص 52 ) وفى ذات المعنى نسطور ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 17 ص 42 ) ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ص 38 ) .

    وقد اشترك كل من ثيؤدورت ونسطور في إثبات بدعة أن قيامة المسيح بالجسد كانت بعودة الروح الإنسانية من الجحيم لتتحد بجسده في القبر, وبذلك يبيد الموت بالموت ( ظهور المسيح المحيى ف 17 ص 38 ) ( الجامع للطبيعتين ص 101 , 108 ).

       ويفسر الأب لويس برسوم الخلقيدونى كيفية تشخيص الكلمة لروح إنسانية بلا عقل بشرى بقوله :

     أن بطرس على سبيل المثال له الطبيعة البشرية. لأنه مثلى ومثلك مركب من نفس روحانية وجسد مادى, ولكن بطرس يتميز عنى وعنك بالأنا أي الشخصية أو الأقنوم. فالناسوت طبيعة عامة. أما الأقانيم أي الأشخاص فهى بطرس وبولس ومرقس ويوحنا إلخ .. ( الأب لويس برسوم " المسيح الإله والإنسان" باب 7 ص 61 ).

     الصياغة المنطقية لهذه المصطلحات معناها أن الأقنوم أو الشخص هو الروح الإنسانية العاقلة التي هي أنا وأنت وبطرس ويوحنا , والتي يتميز بها كل إنسان عن غيره  إلخ .. وأن المقصود بالناسوت ( الخارجي ) كطبيعة عامة نشترك فيها جميعا هي الجسد.

    والواقع أن الكلمة وفقا للحق الإلهى شاركنا في مكونات الجسد أي اللحم والدم, وهذا ما أوضحه بولس الرسول بقوله : فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما ( العبرانيين 2 : 14 ).

      أما ثيؤدورت فقد صور له ذهنه الفاسد أن الكلمة حل في روح إنسانية وقام بتشخيصها مبطلا عقلها البشرى, وحتى لا يتهمه خصومه بأن الكلمة ابتلع العقل البشرى ولا شاه تفتق ذهنه المريض عن مقولة أن العقل البشرى لتلك الروح الإنسانية غلب من الأقوى وانقاد له , ولكن إذا خلا من الأفضل أظهر سلطان نفسه ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 5  ص 63 ) وقد حدث هذا عندما فارق الكلمة الروح الإنسانية العاقلة على الصليب من قبل أن يطعن جسده  حتى لا يتألم الكلمة تاركا العقل البشرى يتألم وحده بعد أن صار يدرك وجوده بعد أن خلا من الأفضل ( أي الكلمة ) الذى فارق الروح الإنسانية ولم يعد يشخصها في كل مرة تتألم فيها بقدرة لاهوته على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ( ليتركها تتألم وحدها ) ويأخذها أيضا إذا شاء ( بعد أن تنتهى الآلام حتى لا يتألم معها ) " ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين " منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 5  ص 66 ).

      وإذ هو غريب عن الروح القدس فقد صور له ذهنه الفاسد أن الروح الإنسانية العاقلة يمكن أن تكون مسكنا للروح مثل الجسد بحيث يمكن للوغوس عوضا عن أن يتجسد. أن يسكن الروح الإنسانية العاقلة ويحتجب بها , وهى بدورها تحتجب بالجسد وتشخصه.

     فصارت الروح الإنسانية عند الهراطقة  حجاب ومسكن مثل الجسد يمكن أن تسكن وتشخص من عقل غريب عنها.

     والواقع أن الروح الإنسانية العاقلة جوهر روحانى بسيط لا يقبل النقص أو الإضافة.

  لأن الروح الإنسانية العاقلة تعقل وجودها وحياتها بعقلها الذى هو الأنا.

  والعقل والروح محمولان على جوهر وجودهما . وهذا الجوهر لا يشخص بعقل غريب عنه.

    بعبارة أخرى أن كل الطبائع العاقلة قائمة بأقنوم وجودها الذى يتولد منه العقل وينبثق منه الروح.

    وبداهة أنه متى كان العقل محمول على أقنوم وجوده فيستحيل أن يصير عقلا لجوهر آخر.

   وعلى هذا فإن جميع بدع أصحاب الطبيعتين القائمة على الإتحاد بين اقانيم من جوهرين مختلفين هي محض مجادلات نظرية مضادة للمنطق والعقل والحق الكتابى ولا وجود لها إلا في فكر أصحاب الأذهان الفاسدة.

  لأن الابن ( أي صورة الآب وكلمته المعلنة لذاته ) ولدت منه أزليا. أي أن وجود الابن محمول على أقنوم الأب, والروح القدس الذى هو حياة الآب منبثق من الآب, ومحمول عليه أيضا.

    وهذا معناه أن أقنوما العقل والحياة محمولان على أقنوم وجودهما.

    وبناء عليه فإن الكلمة المولود من الأب لا يمكن أن يصير مولودا من آب مخلوق وبعبارة أخرى لا يمكن أن يستمد وجوده من مخلوق حتى يصير عقلا لروح منبثقة من هذا المخلوق .     

    من الواضح أن هذه البدعة المنافية للعقل والمنطق. تدخل التشويش والتغيير على جوهر إلوهيم وتجعله مركبا من خالق ومخلوق.

    وللإيضاح سنفترض وجود شمسان . جرم الشمس الأولى يتولد منه شعاع نور وينبثق منه حرارة. أي أن الشعاع بنوره وحرارته يصدر من جرم الشمس الأولى.

   أما جرم الشمس الثانية فليس له شعاع ( عقل ) وبالتالي ليس له حرارة ( روح ). فهل يصح أن يسمى هذا الجرم العادم الشعاع والحرارة أنه شمس؟ بداهة لا . لأن الشمس لا تسمى شمسا إلا إذا كانت تشع نورا وحرارة.

   والآن هل أستطيع أن أخذ شعاع من النور الصادر من الشمس الأولى وأعزل عنه حرارته, وأجعله مولودا أو صادرا من الشمس الثانية حتى يصير شعاعا لها ويستمد حراراته ووجوده منها . بداهة لا.

    فإذا كانت المادة التي هي بالطبيعة قابلة للإمتزاج والإختلاط والتغيير تأبى هذا التركيب فكيف ننسبه لروح إلوهيم. 

   خلاصة التعليم الخلقيدونى أن الكلمة لم يأخذ العقل البشرى في الإتحاد بالروح الإنسانية حتى لا يقع في بدعة نسطور القائل بشخصين عاقلين في المسيح , ولكنهم يصيران عاقلان عند الآلام عندما يفارق الكلمة أي الأفضل الروح الإنسانية فيظهر العقل البشرى سلطانه , وهذه ردة لبدعة نسطور التي تم حرمها في مجمع أفسس الأول أم بدعة ثيؤدورت التي أخذ به مجمع خلقيدونية فتم حرمها في مجمع أفسس الثانى وتجدد حرمها في خلقيدونية.

     أما  قول المعترض بأن الإنسان ليس شخصا ولكنه إنسان كامل. لم يوجد منفصلا قط. فهي أقوال سفسطائية بلا معنى, ولكنها تمثل الفكر الخلقيدونى الذى جعل الروح الإنسانية بلا شخصية ليشخصها الكلمة, ورغم أن هذه الروح غير مشخصة بعقلها البشرى يقال أنها طبيعة إنسانية كاملة , كيف وهى بلا شخصية أي بلا عقل بشرى يشخصها؟ لا تسل فهذه هي العقيدة التي نادى بها المجتمعين في مجمع خلقيدونية  والتي أثبتها ثيؤدورت أسقف قورش النسطورى في مؤلفه الجامع للطبيعتين ص 52 , 56 شارحا معتقده في أن روح المسيح الإنسانية كانت هي الروح الوحيدة التي بلا شخصية وأنها لم توجد قط منفصلة لأن الكلمة شخصها منذ وجودها وصار قواما لها, وأن التوحيد هو بالقوام أي بأقنوم الإبن أو الكلمة المشخص للطبيعتين الإنسانية والإلهية.

     ولا نعرف من أي جحيم سفلى جاء بهذه التعاليم بأن روح المسيح الإنسانية _ بفرض وجودها أصلا _ كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية ؟  وما هو سنده الكتابى لها ؟! نقول هذا جدلا , إذ من غير المتصور أن يكون لمثل هذه الخرافات والخزعلات أي سند كتابى.

 

الإتحاد الأقنومى وبدعة الإتحاد بين شخصين

   وهذا واضح مما جاء في الرسالة الرابعة حيث جاء فيها إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى بسبب عدم قبوله ( الرسالة 4 ف 6 ص 15 ) نسقط في التعليم في بإبنين وأوضح أن المقصود بهذا الإتحاد هو اتحاد ابن إلوهيم مع الإنسان ليس كإثنين بل كواحد متحد مع الإنسان الخاص به. وكأن هذا الإنسان جسد يسكن.

    باعتبار أن الكلمة يسكن الروح كمسكن, والروح رغم أنها ساكن لا مسكن تسكن الجسد. فإذا اعتبرنا الروح مسكن أو هيكل  فكيف يسكن الهيكل هيكلا مثله.

   وإذا كانت الروح ساكن لا مسكن فكيف سكنها روح إلوهيم.

وقد فند القديس كيرلس بدعة الإتحاد الأقنومى في ذات الرسالة بقوله :

     أنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( أي الإتحاد الأقنومى ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة وحد شخصا من البشر بنفسه. بل أنه صار جسدا والكلمة إذا صار جسدا. لا يكون آخر. أنه اتخذ لحما ودما مثلنا ( الرسالة 4 ف 7 ص 16 ).

الإتحاد الأقنومى عند النساطرة ليس أتحاد أوجه لأن هذا خاص بأقانيم الجوهر الواحد. أما الإتحاد الشخصى ( اأقنومى ) عند النساطرة فهو اتحاد أشخاص ويسمى  إتحاد شخصى( برسبون الإتحاد )

من دراسة مذاهب أصحاب الطبيعتين وجد أن الإتحاد الأقنومى ( أي إتحاد الأوجه الثلاثة في الجوهر الواحد ) لم يقل به النساطرة ولا الخلقيدونيين ولا اليعاقبة بالمفهوم الذى ذكره المعترض" الإتحاد الأقنومى ( Hypostatic Union ) " من أنه اتحاد طبيعى حقيقى  شخصى. اتحد ابن إلوهيم بطبيعتنا وجعلها خاصة به وحده . فتحقق فيه اتحاد حق بين اللاهوت والناسوت ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 276 ).

     لأن هذا الإتحاد هو إتحاد أوجه وهذا لا يكون إلا بين أقانيم الجوهر الروحانى العاقل ولا يكون أبدا  بين جوهرين مختلفين لأن هذا  معناه أنهم  صاروا جوهر واحد مسدس الأقانيم, وهذا يدخل على جوهر إلوهيم التشويش والتركيب وهذا باطل نقلا وعقلا.

    الإتحاد الأقنومى بين جواهر عاقلة بدعة لا سند كتابى لها ويكفى هذا لضحدها لأن المعمودية هي باسم الأب والابن والروح القدس إله واحد حق وأى إضافة لجوهر الثالوث بدعة مرفوضة نقلا وعقلا.

    فالذى يقول أنه في المسيح وحده حدث اتحاد أقنومى ندعوه ليقدم الدليل أو فليصمت.

   كما نسب البعض للخلقيدونيين قولهم بأربعة أقانيم بإضافة الروح الإنسانية لجوهر إلوهيم بفرض عزل الروح الإنسانية عن مصدر وجودها البشرى. أما إذا أضبفت ويجب أن تضاف فيكون هناك خمسة أقانيم أما أقنوم العقل البشرى فقد قالوا أن نفس المسيح الإنسانية بلا عقل بشرى. والنفس غير العاقلة هي نفس حيوانية.

     وقد حدث هذا اللبس نتيجة الفهم الخاطىء أو الترجمة الخاطئة للاتحاد الأقنومى لأن الترجمة الصحيحة والتي نجدها في كتابات نسطور هي قوله بشخص الإتحاد أو برسبون الإتحاد أو أقنوم الإتحاد. 

    لنفترض أن هناك اتحاد أقنومى بين شخصين فإن هذا الإتحاد لا يبطل الإبنين أي العقل البشرى والكلمة.

    كما أن الإتحاد الأقنومى في الثالوث هو اتحاد في وحدة الجوهر. فهل الإتحاد الأقنومى بين شخصين هو اتحاد في وحدة الجوهر. أم ان هذا يؤدى إلى حدوث تشويس في جوهر الثالوث بأضافة أقنوم العقل البشرى إليه فيحوله من ثالوث لرابوع وهو ما لم يقل به أحد من الهراطقة.

   إذن الإتحاد الأقنومى اتحاد شخصين في برسبون أو شخص الإتحاد .

     وهذا يمكن تبينه من الرسالة رقم 4 ف 6 وفيها يقول نسطور إذا رفضنا الإتحاد الأقنومى .. نسقط في التعليم بإبنين.

    فرد عليه القديس كيرلس بذات الرسالة رقم 4  ف 7 قائلا:

    أنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وحد شخصا من البشر بنفسه بل أنه صار جسدا.

 

الإتحاد الأقنومى كيف يكون بين شخص إلهى وشخص بشرى لا وجود له

      يقول المعترض في مؤلفه ما معناه:

    أن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية أي بلا عقل بشرى منذ نشأتها ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت قسم 3 ف 4 ص 56 ).

     ثم ناقض نفسه بالقول بوجود اتحاد أقنومى بين العقلين الإلهى والبشرى وأن هذا الإتحاد لا وجود له في الوجود كله إلا في تأنس الكلمة بالإنسان يسوع المسيح .

     والسؤال لهذا اليعقوبى إن كانت الطبيعة البشرية بلا أقنوم بشرى أصلا بحسب معتقد خلقيدونية الذى تبناه . فما المقصود بالإتحاد الأقنومى الذى يكون بين شخصين من جوهرين مختلفين. إن كانت روح المسيح الإنسانية بلا  شخصية بشرية من الأساس. فعلى أي أساس قام الإتحاد الأقنومى أو البرسبونى بين شخصين أحدهم غير موجود أصلا بحسب المعتقد الخلقيدونى الذى تبناه هذا اليعقوبى ومن ينهج منهجه.

     ثم أن فكرة الإتحاد الأقنومى بحسب الفكر النسطورى قائمة على أساس اشتراك الأقنومين في اسم المسيح وكرامة البنوة باعتبارهما مشتركين في اسم المسيح الواحد وجسده. وهذا الإتحاد الأقنومى بين شخصين بحسب نسطور لا وجود له في الفكر الخلقيدونى لأن الشخص البشرى لا وجود له من الأساس, ومن ثم فإن من يقولون بهذا الإتحاد من الخلقيدونيين هم جهلة بمعتقدهم .

      والغريب أنه كما أن الخلقيدونيين ينسبون تعاليمهم المنحرفة بأن للمسيح طبيعتين إلهية وإنسانية مشخصتين بأقنوم الكلمة لكل من القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين ( المسيح الإله والإنسان ب 6  ف 2 ص 47 ) نجد الأنطاكيين واليعاقبة ينسبون بدعتهم فى الطبيعة الواحدة من طبيعتين المشخصة بالكلمة بحسب ساويرس الأنطاكى أو بابن من ابنين بحسب البرادعى لذات القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين .

     إلا أن المحقق تاريخيا أن مصدر وتاريخ نشأة هذه البدع معروف تاريخيا. فالبدعة الأولى هي لثيودورت أسقف قورش اثبتها فى مؤلفه الجامع للطبيعتين الذى اصدره سنة 445 ميلادية , والثانية لساويرس الأنطاكى الذى نادىبها سنة 513 ميلادية عندما رفض معتقد خلقيونية بأن أقنوم الكلمة بطبيعتين فقال بل هو المشخص " لطبيعة من طبيعين " وتبعه يقوب البرادعى رفض أن يكون اقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة من الطبيعتين فعلم بأن في المسيح " أقنوم من أقنومين, وطبيعة من طبيعتين  أي جوهر من جوهرين ( ابن كبر " مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة " ص 296 - 297 , 306 – 309 ) ( ابن كمونة  " تنقيح الأبحاث للملل الثلاث " ص 52 -  53 ) ونسبة  عقيدة " الطبيعة من طبيعتين "  والتى تعنى امتزاج الطبيعتين فى طبيعة واحدة ممتزجة أو فى طبيعة واحدة من الطبيعتين هى حقيقة ثابتة تاريخيا في جميع المراجع التاريخية القديمة فكيف تنسبها للقديس كيرلس عمود الدين.

   ولنفترض كما يزعم الهراطقة أن القديس كيرلس عمود الدين نادى ببدعة خلقيدونية في مجمع أفسس الأول.  فلماذا حرمها القديس ديوسقوروس في مجمعى أفسس الثانى وجدد حرمها في مجمع خلقيدونية.

   أما لو نادى القديس كيرلس عمود الدين ببدعة ساويرس الأنطاكى و يعقوب البرادعى في مجمع أفسس الأول لحرمه النساطرة ليس كأبولينارى من أصحاب الطبيعة الواحدة اللاهوتية,  بل كمبتدع من أصحاب الطبيعة الواحدة الممتزجة من طبيعتين مع تسميتها باسمه كمبتدع, عوضا عن نسبتها لأوطيخا لأنه قال أنها إلهية ولم يقل أنها ليست انسانية ولا إلهية أى انها طبيعة من طبيعتين لا جنس لها , وهذا معتقد كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى.

       وجدير بالذكر أن روح المسيح الإنسانية عند الخلقيدونيين والروح الممتزجة الممتنعة الجنس كونها غير إلهية ولا انسانية عند ساويرس الأنطاكى مشخصة بالكلمة, أما عند البرادعى فمشخصة بابن من ابنين , وهذا معناه أن الكلمة ابتلع العقل البشرى ولاشاه وقام بتشخيص الروح الإنسانية عند الخقيدونيين, والروح الممتزجة عند الأنطاكيين, أما عند اليعاقبة فإن الأقنومين بالإمتزاج نشأ أقنوم جديد عدم الأقنومين معا.

   وعليه فإن قول المعترض بروح إنسانية عاقلة في المسيح بعد القول بأنه طبيعة من طبيعتين مشخصة بالكلمة حسب الأنطاكى, ومشخصة بأقنوم من اقنومين حسب البرادعى. معناه أن الطبيعة الإنسانية بما انها من طبيعتين فهذا معناه أنها اابتلعت الطبيعة الإلهية, وهى بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا.

      والواقع أن الروح الواحدة من روحين للكلمة عند الانطاكيين. تعنى أن هذه الروح ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا.

    فأين الروح الإنسانية العاقلة من الروح الواحدة من طبيعتين الخاصة بالكلمة المتأنس.  لقد ابتلعت وتلاشت مع الطبيعة اللاهوتية ذاتها, وهذا باطل نقلا وعقلا.

    والواقع أن الإتحاد الأقنومى بحسب الأصل هو مصطلح غايته اثبات العلاقة بين أوجه الجوهر الواحد, ومن ثم فلا اتحاد اقنومى بين شخصين من جوهرين مختلفين في جوهر واحد أو كيان واحد.

    فبدعة الإتحاد الأقنومى بين شخصين أو عقلين أو ابنين في  شخص الإتحاد بحسب نسطور هو ضلالة ولا تعنى ما ذهب إليه نسطور من أن الإتحاد بين الشخصين هو اتحاد في وحدة اسم المسيح باعتباره الإسم المشترك أو الجامع للشخصين في شخص واحد هو شخص الإتحاد بحسب معتقده .

    والواقع أن الأخذ ببدعة الإتحاد الأقنومى بين شخصين أحدهما لا وجود له بحسب ثيؤدورت, برهان على تبنى الخلقديونيين واليعاقبة للمصطلحات النسطورية بلا فهم رغم تعارضها مع معتقداتهم الخاصة.

    فالمحقق عند الخلقديدونيين وساويرس الأنطاكى أن روح المسيح الإنسانية كانت منذ وجودها بلا شخصية أي بلا عقل بشرى. لأن الكلمة شخصها منذ وجودها, بما معناه أنه نحى عقلها البشرى وقام بتشخيصها منذ وجودها.

    وعلى ذلك فإن ما ذهب إليه أحد أساقفة اليعقوبية استنادا إلى كتابات ثيؤدورت أسقف قورش التي يقول فيها:

  " وصار كلمة إلوهيم بقوامه قواما لذلك الناسوت الذى كمل جوهره بتقويم ( تشخيص ) كلمة إلوهيم إياها. لأنها لم تخلق ( أي الروح الإنسانية ) ولم تكن شيئا إلا بقوام كلمه إلوهيم .. الجامع لجوهرين مختلفين " ( ثيؤدورت في مؤلفه " الجامع للطبيعتين " المنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ك 1 ق 3 ف 4 ص 52 ).

     ولكن ثيؤدورت لم يبطل العقل البشرى بل نحاه رغم أن السائد أن روح المسيح الإنسانية كانت بلا عقل بشرى منذ وجودها . لهذا صار الكلمة هو المشخص أو الجامع للروحين الإنسانية والإلهية في شخص واحد.

    فإن عاد وقال بوجود العقل البشرى ولكن تم تنحيته منذ وجوده. فهذا معتقد نسطور القائل بشخصين وروحين في المسيح, ومن ثم فإن إثبات وجود العقل البشرى في المسيح هو ردة للنسطورية وهدم لبدعة ثيؤدورت القائل بأن الكلمة هو المشخص للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا .

     ومن ثم فإن القول بوجود العقل البشرى ولو متنحيا هو إقرار بوجود عقلين وروحين متحدين معا بحسب نسطور وهو ما أعلنه ثيؤدورت بقوله :

     " فكان إذا خلا العقل ( البشرى ) من الأفضل (  أي من الكلمة ) أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى وينقاد له. فصار العقل الإنسانى ( أي الروح الإنسانية العاقلة ) مأوى ( مسكن ) للاهوت المخالط له والبشر (  الجسد ) مأوى للعقل ( الروح الإنسانية العاقلة ) .. فخالط كلمة إلوهيم .. كيان البشر .. كيانا كليا مقوما بأقنوم كلمة إلوهيم " ( الجامع للطبيعتين ك 1  ق 3 ف 5  ص 63 - 64 ).

    واما عن مفارقة الكلمة للإنسان العاقل ليتألم وحده فهو ما أعلنه ثيؤدورت بقوله :

    " وهو الذى ترك نفس ناسوته حين أراد من قبل أن يطعن جسده بقدرة لاهوته. على أن يدع نفس ناسوته إذا شاء ويأخذها أيضا إذا شاء" ( " الجامع للطبيعتين " لثيؤدورت والمنشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى ك 1 ق 3  ف 5 ص 66 ).

     وهذا معناه أن الكلمة لم يتألم تاركا إنسانا مثلنا ليتألم عنا منذ بدء الألام وحتى الموت موت الصليب.

     لأن الكلمة هو المشخص للروح الإنسانية حسب ثيؤدورت أسقف قورش. فإذا بقى فيها فسيكون هو الذى تألم, وهذا يضاد المعتقد النسطورى بكافة مذاهبه

   باطلا يتكلم . فما دام العقل البشرى موجودا في الروح الإنسانية حتى لو تم تنحيته بالأقوى. فهذا لا ينفى وجوده سيما عندما خلا من الأقوى عندما فارقه على الصليب , وهذه بدعة نسطور.

   والواقع أن الحلول التشخيصى في جسد انسان ليس تأنس ( مصاحبة كما يأتنس انسان بصاحبه ولا تعنى حلوله فيه أو تشخيصه إياه ) ولا تجسد , بل تقمص ينزه عنه إلوهيم .

   فالأرواح النجسة عندما تتسلط على انسان تنحى روحه وتتكلم من خلاله وتتحكم في جسده دون أن يستطيع مقاومتها لأنها تغلب من الأقوى.

     لهذا قال الرب :

     " إن كنت أنا بروح إلوهيم أخرج الشياطين ، فقد أقبل عليكم ملكوت إلوهيم.  أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته ، إن لم يربط القوي أولا ( متى 12 : 28 – 29  ).

   والغريب أن يستخدم ثيؤدورت أسقف قورش ذات المصطلحات المستخدمة في عمليات التقمص الشيطانى في شرحه تقمص الكلمة للعقل البشرى وتنحيته قهرا عنه بالقول:

     فكان إذا خلا العقل البشرى من الأفضل أظهر سلطان نفسه, ولكنه كان يغلب من الأقوى وينقاد له ويفعل ما يريد ( " الجامع للطبيعتين " لثيؤدورت أسقف قورش. منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " الكتاب الأول  قسم 3  فصل 5 صفحة  63 ). 

     مما تقدم يتضح أن العقل البشرى موجود في بدعة ثيؤدورت وإن كان متنحيا كرها عنه كما في حالات التقمص , ومن ثم فإن الإتجاه الذى يحاول الفصل بين العقل والشخصية لتبرير مقولة ثيؤدورت بأن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي لم تكن شخصا منذ وجودها . هو اتجاه قائم على فهم خاطئ لمقولة ثيؤدورت أسقف  قورش الذى عنى بأن الروح الإنسانية غير مشخصة بعقلها البشرى ليس انها كانت بلا عقل بشرى منذ وجودها , بل أنها منذ وجودها تشخصت بالكلمة الذى نحى العقل البشرى وقام مقامه.

    لهذا زعموا أن الشخص غير العقل . رغم أنهم يشخصون الروح الإنسانية بعقل إلوهيم , وهذا تناقض . لهذا حتى نقبل بهذه المقولة السوفسطائية المنافية للعقل والمنطق يلزم أن نلغى عقولنا التي تشخصنا.

    فإذا كان العقل ليس هو الشخصية فكيف تشخصت الروح الإنسانية بعقل إلوهيم أي الكلمة. إن كان الكلمة ( عقل إلوهيم ) ليس شخصا.

     ولهذا فإن بدعة الإتحاد بين شخصين عند الخلقيدونيين وساويرس الأنطاكى غير جائز القول بها لأنهم يقولون أن روح المسيح كانت بلا شخصية أي بلا أقنوم بشرى عاقل منذ وجودها. فعن أي اتحاد أقنومى أي بين شخصين يتكلمون.

     أيا كان الأمر فإن مجرد القول بأن الكلمة هو المشخص للروح البشرية معناه أن أقنوم الكلمة لاشى أو نحى أو أبطل العقل البشرى وقام مقامه وبالتالي فإن العقل البشرى لن يخلص وفقا لمقولة نسطور الشهيرة ما لا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص.

     فإن قالوا بأن الإتحاد لم يبطل العقل البشرى بل نحاه, فهذا معناه أنهم يبطنون عقيدة نسطور, وهذا معناه وجود شخصين في المسيح. 

   أيا كان الأمر فهم على الحالتين محرومين.

     وقد فند القديس كيرلس بدعة الإتحاد الأقنومى ( بين شخصين مختلفين ) في الرسالة رقم 4 وهى رسالة نسطورية بالكامل ولا يوجد بها أي تعليم أرثوذكسى سوى الفصل رقم 7  والتي تفند الفكر النسطورى المتعلق بالإتحاد الإقنومى بالفصل رقم 6 بالرسالة  بقوله:

     أنه لن يكون نافعا بأى طريقة أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا. حتى لو أقر البعض بالإتحاد بين الأشخاص ( أي الإتحاد الأقنومى بين ابنين ) لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة وحد شخصا من البشر بنفسه. بل أنه صار جسدا والكلمة إذا صار جسدا. لا يكون آخر. أنه اتخذ لحما ودما مثلنا ( الرسالة 4 ف 7 ص 16 ).

   كما فند هذه البدعة أيضا بقوله:

      كيف يمكن لأقنومين ( شخصين ) يختلفان تماما أن يوجدا معا في جوهر واحد ( كيرلس الإسكندرى " شرح إنجيل يوحنا " ك 2 ف 1 ص  161 ).

     كما فند القديس كيرلس بدع القائلين بتأنس الكلمة بالإنسان المولود من مريم. معتبرا أن هذا التعليم هو الكفر بعينه ( المسيح واحد ف 7  ص 37 – 39 ) .

   أيا كان الأمر فإن جميع مذاهب أصحاب الطبيعتين لا تخرج عن كونها تصورات نظرية لا وجود لها في الواقع إلا في مخيلة مبتدعيها, وهى أبعد ما تكون عن صورة التعليم الصحيح.

 

المبحث الثانى

سقوط بدعة مالا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص

يقول المعترض اليعقوبى

     " أن مالا يتخذه الله الكلمة فإنه لم يعالجه ولكن ما تم توحيده بلاهوته فهذا يخلص ..  بمعنى أن مالا يتحد بالله الكلمة لا يخلص ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 297 و298 ).

  الرد

     الواقع أن مقولة : " ما لا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص " هي لنسطور القائل بأن الإتحاد بين الطبيعتين العاقلتين ( أي الروحين ) هو بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

   فالكلمة حسب نسطور أتحد بانسان عاقل بأن احتجب بروحه الإنسانية دون أن يشخصها أو يمتزج بها , لأن كل روح مشخصة بعقلها الخاص وقائمة بذاتها لأن الإتحاد كما قدمنا وبحسب معتقده بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

    أما الخلقيدونيين وساويرس الأنطاكى واليعاقبة فأدخلوا الخلط والإمتزاج والملاشاة بين الطبيعتين ( الروحين ) والأقنومين ( أى الشخصين بحسب المفهوم النسطورى ).

 

  أين الشخص البشرى في المذهب الخلقيدونى؟

     والواقع فإن قاعدة نسطور الشهيرة بأن " لا يخلص من الإنسان إلا مأخذه الكلمة فى الإتحاد بالإنسان " لا وجود لها إلا في معتقد نسطور نفسه. لأن المسيح عند نسطور هو إنسان ذى روح إنسانية عاقلة ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 135 ) أي أن روح المسيح الإنسانية بحسب نسطور مشخصة بعقلها البشرى . أما عند ثيؤدورت أسقف قورش فإن روح المسيح الإنسانية كانت منذ وجودها بلا شخصية أي بلا عقل بشرى يشخصها لأن الكلمة قام بتشخيصها منذ وجودها, وهذه هي العقيدة المعلنة رسميا.  أما ما يبطنوه فإن الروحين العاقلتين كل قائمة بعقلها الخاص ولكن الكلمة نحى العقل البشرى  وقهره  وأبطل وجوده وقام مقامه في تشخيص الروح الإنسانية.

    وقد أخذ الخلقيدونيين  بمعتقد ثيؤدورت أسقف قورش وقالوا مقولته بأن روح المسيح الإنسانية كانت بلا شخصية منذ وجودها وأن الكلمة شخص هذه الروح الإنسانية وقام مقام العقل البشرى بها, وبهذا لاشوا العقل البشرى في هذه الروح الإنسانية التي صارت مشخصة بالكلمة.

      وبداهة أنه لا توجد روح غير عاقلة أو بلا شخصية إلا النفس الحيوانية. فإذا لاشينا شخصية أي إنسان فإننا نكون قد لاشينا وجوده أصلا.

    ووفقا لمقولة نسطور الشهيرة " مالم يؤخذ في الإتحاد لا يخلص " فإن الروح الإنسانية وفقا لثيؤدورت ومجمع خلقيدونية كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية منذ وجودها, وهذا معناه أن العقل البشرى لن يخلص لأن الكلمة صار هو المشخص للروح الإنسانية, ومن ثم فإنه لم يأخذ العقل البشرى أو الشخص البشرى في الإتحاد لأنه قام مقامه.

    والقول بأن الشخص غير العقل, رغم أن العقل هو المشخص لجوهر وجوده, ثابت ضدهم بإقرارهم بأن عقل إلوهيم هو الذى قام بتشخيص الروح الإنسانية عوضا عن عقلها البشرى, ومن ثم لا يمكن فصل العقل عن قدرته التشخيصية  وإلا جاز تشخيص الروح الإنسانية بدون الكلمة أيضا, بما أن العقل غير الشخص, أقوال لا تمت للمنطق أو العقل السليم بصلة, والواقع أن خبل الفصل بين الشخص والعقل لا يقل عن خبل تشخيص الكلمة لروح إنسانية غير مشخصة بعقلها الخاص حسب زعمهم.

     لأنه إن صح أن نفصل بين العقل والشخصية بحيث يكون للروح الإنسانية عقل  بلا  شخصية.  فكيف شخص الكلمة الروح الإنسانية , أليس بعقله . لنفصل الشخصية عن الكلمة وندعه يشخص الروح الإنسانية كما يزعمون.

     هذه البدعة أخذ بها أيضا المعترض اليعقوبى مقتبسا من الأنبا بيشوى قوله :

     أن أقنوم الكلمة .. شخص الطبيعة البشرية في أقنومه الخاص .. لم يأخذ شخصا بشريا .. أخذ الطبيعة البشرية وصاغها فيه وصارت خاصة به شخصيا ( وهذه بدعة خلقيدونية ) ثم أضاف القول : طبيعة واحدة من طبيعتين ( وهذه بدعة ساويرس الأنطاكى التي نسبها للقديسين أثناسيوس الرسولى وديوسقوروس ) ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 241 , 295 - 296 ).

      أيا كان الأمر فإن القول بأن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية لأنها تشخصت بأقنوم الكلمة منذ وجودها بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية, ومن ثم لم تعقل وجودها بعقلها الخاص منذ وجدت لأن الكلمة شخصها كما يشخص طبيعته الإلهية, فصار هو المشخص للروحين الإنسانية والإلهية معا, وهو التعليم المعبر عنه اختصارا بأن أقنوم الكلمة بطبيعتين بحسب معتقد ثيؤدورت أسقف قورش ومجمع خلقيدونية .

     هذه البدعة الخاصة بتشخيص الكلمة لروح المسيح الإنسانية مبطلا عقلها البشرى انكرها نسطور في مؤلفه " تجسد ربنا يسوع المسيح " المنسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى والذى اعتمد عليه المعترض في مؤلفه ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 304 – 314 ) حيث نجد فيه تفنيدا لمقولة الأنبا بيشوى المستمدة من المذهب الخلقيدونى, وفى هذا يقول نسطور ( أو أثناسيوس بحسب رأى المعترض ) ما نصه :

     " اذا افترضتم أن الكلمة صار العقل الانساني للروح الإنسانية .. فهذا يعني أن روحه لم تكن روحا بشرية ولم يكن لها إدراك بشري لأنها كانت تفكر بواسطة الكلمة الذي صار عقلا لها, فهذا تجديف لأن من يتصور بأن عديم التغير قد تغير .. هو كافر " ( تجسد ربنا يسوع المسيح ف 16 ص 39 ).

   لأن الأناجيل تقول عن يسوع أنه " اضطرب بالروح " وقد أعلن الرب أنه يعنى عقله الإنسانى ( حسب معتقد نسطور الذى ينسب إلى الرب كذبا أنه أعلن أنه يعنى عقله الإنسانى, وهذه فرية لا سند كتابى لها ) بقوله نفسى قد اضطربت " ( تجسد ربنا يسوع المسيح فقرة 15 , 16 ص 39 - 40 ).

    بهذا التعليم قوض نسطور القائل بروح إنسانية عاقلة في المسيح أو أثناسيوس حسب رأى المعترض كل من بدعة ثيؤدورت ومجمع خلقيدوينية , وكذا بدعة كل من ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى.

    والواقع أن تشخيص الكلمة للطبيعة الإنسانية هو معتقد مجمع خلقيدونية ( الأب فرنسيس فرييه الخلقيدونى " التجسد " ص 52 و64 ) والذى نجده في كتابات ثيؤدورت أسقف قورش ( الجامع للطبيعتين لثيؤدورت منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1 ق 3  ف 4 ص 52  منسوب أيضا للقديس أثناسيوس الرسولى ).

    إذن القول بتشخيص الكلمة للروح الإنسانية هو تجديف بحسب معتقد نسطور , لأن  معناه حسب معتقد نسطور أن العقل البشرى لن يخلص لأن الكلمة لم يأخذه في الإتحاد.

    وكما هو معروف فإن القديس كيرلس حرم بدعة نسطور فى مجمع أفسس الأول. مثبتا العقيدة ة الأرثوذكسية التى بحسب الحق الكتابى بأن يسوع المسيح كائن منذ الأزل في صورة إلوهيم وهو بهاء مجده ورسم جوهره ومن ثم فإنه بحسب الجوهر ليس إنسان ( غلاطية 1 : 1 , 12 ) وإنما ظهر فى الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 7 - 8 ) باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) لكى بروحه الأزلى ( العبرانيين 9 : 14 ) الذى هو روح المسيح الناطق فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ) يقدم دمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 ) فداءا عنا. مماتا به فى الجسد ولكن محيى ( أي الجسد ) فى الروح ( بطرس الأولى 3 : 18 ) ( كورنثوس الأولى 15 : 44 - 50 ) الذى به سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 - 11 ) ( حزقيال 37 : 14 ).

     أما معتقد ثيؤدورت فقد حرمه القديس ديوسقوروس فى مجمع أفسس الثانى وجدد حرم القائلين به فى مجمع خلقيدونية.

 

  أين الشخص البشرى في مذهب ساويرس الأنطاكى؟

      تبنى ساويرس الأنطاكى معتقد مجمع خلقيدونية القائل بأن طبيعة المسيح الإنسانية كانت الطبيعة الوحيدة الغير مشخصة بعقلها البشرى. حيث قام الكلمة بتشخيصها منذ وجودها , أي أن الكلمة ترك العقل البشرى ولم يوحده بذاته, فمن ثم صار الكلمة بحسب المعتقد الخلقيدونى هو المشخص للطبيعة الإنسانية فضلا عن الإلهية التي يشخصها بحسب الأصل.

     وهكذا بنى ساويرس الأنطاكى معتقده على ذلك معتقد مجمع خلقيدونية بأن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة الغير مشخصة بعقلها البشرى لأنها تشخصت بالكلمة منذ لحظة وجودها في بطن العذراء, لهذا عندما إئتلف الوهيم بالروح الإنسانية  التي بلا عقل بشرى يشخصها , نشأت طبيعة واحدة من الطبيعتين مشخصة بالكلمة لعدم وجود العقل البشرى, ومن ثم فإن الكلمة لم يمتزج بالشخص البشرى لتشخيصه الروح الإنسانية منذ وجودها, في حين إمتزجت الطبيعتين في طبيعة واحدة من الطبيعتين مشخصة بالكلمة, وفى هذا يقول ساويرس الأنطاكى :

     أن المسيح ليس بطبيعتين بحسب معتقد خلقيدونية .. بل بطبيعة واحدة ( ممتزجة ) من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( " رسائل القديس ساويرس الأنطاكى " الرسائل أرقام 14 , 18 ص 105 , 108 - 109 ).

       مما تقدم يتضح عدم خلاص العقل البشرى في مذهبي خلقيدونية وساويرس الأنطاكى.  

      وعلة ذلك أن الابن البشرى او الشخص البشرى المشخص للروح الإنسانية عند الخلقيدونيين وساويرس الأنطاكى لا وجود له, ومن ثم لن يخلص حسب معتقد نسطور .

    لأن القاعدة الأولى للخلاص عند نسطور هي أن مالا يأخذه الكلمة في الإتحاد بالإنسان يسوع المسيح لا يخلص .

    فإذا لم يأخذ الكلمة العقل البشرى في الإتحاد فإنه يكون قد فدى الحيوانات لا البشر. لأن النفس غير العاقلة عند النساطرة هي نفس حيوانية. فيكون الكلمة قد فدى الحيوانات إذا لم يأخذ العقل البشرى.

    والقاعدة الثانية عند نسطور هو أن الإتحاد بدون اختلاط ( تركيب ) ولا امتزاج ( إئتلاف ) ولا تغيير سواء بالملاشاة أو الإضافة أو النقص .

    ولكن عند الخلقيدونيين واليعاقبة الشخص البشرى لا وجود له رغم أنه عند نسطور هو جوهر عمل الفداء لأن الشخص البشرى هو الذى يتألم . فكيف يكون المسيح الإنسان المولود من مريم إنسان كامل, وقد فقد أهم شيء يميز الإنسان عن الحيوان آلا وهو العقل أو الشخصية البشرية المشخصة للجسد الحى بالدم.

    ثم بعد أن لاشوا العقل البشرى جعلوا الكلمة أي عقل إلوهيم هو المشخص للروح الإنسانية عند الخلقيدونين وروح الإئتلاف التي ليست إنسانية عند اليعاقبة .

     كما فند  نسطور ( من منظور بدعته الخاصة ) بدعة يعقوب البرادعى القائل بروح واحدة من روحين ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا بما نصه :

      باطلة هى سفسطتكم كيف يتم الموت وكيف حل سلاسل الموت إذا كان الكلمـة لم يأخذ لنفسه الجسـد والروح الإنسانية. كيف يستطيع المسيح ذلك إذا لم يكن قـد أخذ لنفسه وبلا خطية ذات الذى أخطأ بالفكر أى النفس العاقلة. فإذا لم يأخذ النفس الإنسانية العاقلة يظل الموت يملك عليها. لأنه على أى شىء ملك الموت أليس على النفس العاقلة التى أخطأت فكريا, والتى قيل عنها النفس التى تخطىء تمـوت. من أجل ذلك أسلم المسيح نفسه العاقلة عوضا عن كل نفس وقدم نفسه ( أى نفسه الإنسانية العاقلة حسب نسطور ) فدية عن الكل ( تجسد ربنا يسوع المسيح فقرة 19 ص 43 - 44 ).    

    هذه هي عقيدة نسطور التي رغم فسادها بقولها بروح إنسانية عاقلة في المسيح, وخلطه بين الروح الخالدة والنفس الحية المائتة أي الدم, إلا أن أقواله تهدم المذهب اليعقوبى وتقوض اركانه.

     والغريب أن المعترض رغم أنه يعقوبى المذهب ومن القائلين  " بروح واحدة من روحين تجمع خصائص الروحين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا, نراه يتمسك بمعتقد نسطور القائل بأن للمسيح نفس إنسانية عاقلة, وهو ما أدى لسقوطه في بدعة جديدة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا بقوله أن الروح الواحدة من روحين, هي روح إنسانية عاقلة, بما يعنى أن الروح الإنسانية العاقلة ابتلعت الروح الإلهية ولاشتها . رغم أن هذه البدعة تضاد معتقده الرسمي.

    وهى بدعة تناقض البدعة المتقدم بيانها القائلة بأن الروح الواحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة حسب ساويرس الأنطاكى أو بكلمة من كلمتين حسب البرادعى, وليس بشخص بشرى.

  

أين الشخص البشرى في المذهب اليعقوبى ؟ 

    بناء علي ما تقدم وبفرض صحة ما قاله نسطور وقبله المعترض اليعقوبى  بأن مالا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص. فما نظن أن أحد من القائلين بأن الكلمة هو المشخص للطبيعة الإنسانية بحسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية , أو القائل بأن الكلمة هو المشخص للطبيعة الواحدة من طبيعتين بحسب ساويرس الأنطاكى, أو المشخصة بأقنوم واحد ( مياهيبوستاسيس ) من أقنومين بحسب يعقوب البرادعى  يمكنه أن يخلص.

     لأن الابنين أي العقلين الإلهى والبشرى في المذهب اليعقوبى الذى يمثل المعتقد الرسمي لهذا اليعقوبى الجاهل بمعتقده قد لاشيا بعضهما بعضا ونشأ عقل جديد وابن جديد , ومن ثم فإنه وفقا للمنطق النسطورى القائل بأن ما لا يأخذه الكلمة في الإتحاد لا يخلص, لن يخلص احد في المذهب اليعقوبى, لأن الكلمة نفسه بحسب هذه الضلالة لم يعد إلهيا ولا إنسانيا, لأأن الجوهرين بالإئتلاف عدما بعضهما البعض وفى هذا يقول العلامة ابن المكين ما نصه :

    " أن الابن الأزلى اتحد بالابن الزمنى وصار بهذا الإتحاد شيئا واحدا في الموضوع وهو الشخص المشار إليه بيسوع المسيح له المجد , وهو حقيقة ثالثة ( أي ابن جديد محدث ) لا يصح عليها أنها إنسانية فقط , ولا إلهية فقط, وليس هو غير كل من الإله والإنسان .. ولذلك قالوا أنه جوهر من جوهرين . أزلى وزمنى " ( الحاوي للعلامة ابن المكين ص 44 , 45 ).

      وأيضا فإن الطبيعة الواحدة من روحين تجمع خصائص الطبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 241 ).

      فكيف ستخلص الروح الإنسانية إن كانت الروح الممتزجة من الروحين لم تعد إنسانية .

     لأشك أن الموت سيملك عليها وفقا لمعتقد نسطور القائل :

     اذا لم يأخذ ( الكلمة ) نفسا انسانية يظل الموت " يملك " على الإنسان الداخلي ( أي الروح ) ( نسطور " تجسد ربنا يسوع المسيح " ف 19 ).

     أما ساويرس الأنطاكى فيقول على خلاف المذهب اليعقوبى:

    بأن الطبيعة الواحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة ( أى أن الكلمة لم يمتزج بالعقل البشرى بل ابتلعه ولاشاه وقام منفردا بتشخيص الروح الواحدة من الروحين ) وهذه الطبيعة الجديدة تجمع خواص الطبيعتين دون أن تكون أيا منهما على حدة أو معا ( وهذا ما يتفق فيه يعقوب البرادعى مع معلمه ساويرس الأنطاكى ) هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين والمشخصة بالكلمة هى الشخص المسمى المسيح حسب معتقد ساويرس الإنطاكى.

   مما تقدم يتضح أنه لا توجد في الطبيعة الواحدة من طبيعتين - بحسب معتقد ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى - روح إنسانية عاقلة. فكيف ستخلص الروح الإنسانية إن عدمت وجودها بعد الإئتلاف والإمتزاج.

    فإن قال بعدم الإمتزاج بزعم أن الطبيعتين وإن إمتزجتا فكل قائمة بذاتها وبشخصها الخاص بزعم أن الإتحاد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير , فهذه بدعة نسطور. أما القول بالإمتزاج دون تحديد ماهية الطبيعة الممتزجة من الطبيعتين هل هى انسانية أم إلهية فهو القول بطبيعة جديدة لا جنس لها وهذا باطل نقلا وعقلا , وهذه هى بدعة ساويرس الأنطاكى ويعقوب البرادعى, وإن قيل انها إلهية فهى البدعة المنسوبة زورا لأوطيخا , وإن قيل انها إنسانية بعد الإئتلاف فهى البدعة التى سقط فيها المعترض اليعقوبى بجهالة .

    وأيضا فلا وجود للعقل البشرى عند اصحاب الطبيعة الواحدة من طبيعتين, لأن هذه الطبيعة الواحدة من طبيعتين مشخصة بكلمة إلوهيم عند ساويرس الأنطاكى وبعقل من عقلين عند يعقوب البرادعى .

    عجيب أمر هذا اليعقوبى الذى يدافع عن اليعقوبية ومعتقدها فى الروح الواحدة من روحين تارة, وتارة أخرى يدافع عن معتقد ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية في الأقنوم الجامع للطبيعتن أى الروحين الإلهية والإنسانية معا , وتارة ثالثة يدافع عن معتقد نسطور في تأنس الكلمة بإنسان ذي روح إنسانية عاقلة .

     وإذ يجمع بين الأضداد سقط في بدعة جديدة بقوله بأن روح المسيح الواحدة من طبيعتين هي روح إنسانية. تارة يجعلها عاقلة ( حسب نسطور ) وتارة يجعلها بلا عقل بشرى يشخصها لأن الكلمة قام بتشخيصها ( حسب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية ).

        والواقع أن التعليم بروح من روحين للمسيح لا جنس لها . لا تثبت أمام كلمات بولس الرسول المثبتة لروح المسيح الإلهية الأزلية بقوله :

     " فكم بالحري يكون دم المسيح ، الذي بروح أزلي قدم نفسه ( أي دمه ) لإلوهيم بلا عيب " ( العبرانيين 9 : 14 ) ( بطرس الأولى 1 : 19 )( لاويين 17 : 11 -14 ).

    فهل دم المسيح  الذى بروح أزلى بذله عنا, هي روح إنسانية أم ممتزجة , وهل الروح الإنسانية أو الممتزجة من روحين أزلية أى لا بدأة لها.

      ثم كيف يكون المسيح هو إلوهيم وروحه ليست أزلية بل إنسانية أو ممتزجة؟

     فالمسيح  الذى نؤمن به بحسب المعرفة المعلنة كتابيا. له جوهر واحد أزلى لا يقبل إئتلافا أو تركيبا أو امتزاجا .

      لأن من يظن أن للمسيح روحا إنسانية أو أن الكلمة يمكن أن يشخص روح انسانية عاقلة, أو أن الروح القدس يمكن أن يمتزج بروح إنسانية هو مجدف على روح المسيح الذى هو روح إلوهيم ( رومية 8 : 9 ) الذى هو الروح القدس.

     لأن روح المسيح ليست إنسانية ولا ممتزجة بل هي روح النبوة, وهذا ما أعلنه بطرس الرسول مثبتا أن روح المسيح هو الروح القدس الناطق فى الأنبياء بقوله:

     " الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء.. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم ، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح ، والأمجاد التي بعدها " ( بطرس الأولى 1 : 10 - 12 ).

       مما تقدم يتضح أن مبدأ لا يخلص من الإنسان إلا  ما اتحد به الكلمة . هو مبدأ ابتدعه نسطور حتى يلزم من يسمعه أن يعتقد معتقده فى أن الكلمة لم يتجسد, وإنما حل فى إنسان مثلنا يدعى المسيح ليخلصه روحا وجسدا, وقد أخذ ثيؤدورت أسقف قورش هذا المبدا وقننه بقوله:

  " أن اقنوم الكلمة بكل اللاهوت أخذ كل ما للناسوت.. لكى يهب الخلاص بالكل للكل . لأنه ما لم يؤخذ لم يبر " ( الجامع للطبيعيتن ك 1 ق 3 ف 5 ص 63 ).

     وهو ما جاء في رسالة نسطورية منسوبة زورا لغريغوريوس النزينزى جاء فيها قوله:

    " ما لا يؤخذ لا يمكن أن يُشفى، فإن ما صار متحداً بالوهيم هذا فقط يُخلَّص " ( الرسالة إلى كلدونيوس ).

     والواقع أن التعليم بحلول إلوهيم في إنسان والإتحاد به لا يسمى تجسدا بل حلول في إنسان نظيرنا . إذ لو كان حلول إلوهيم في إنسان يسمى تجسدا لصارت لإلوهيم تجسدات كثيرة لأنه يسكن في الملائكة والبشر بروحه ليمنحهم الحياة الأبدية.

    التجسد حسب الحق الكتابى المعلن تصريحيا : هو أنه كما أن أرواح البشر تشترك في اللحم والدم هكذا اشترك الكلمة في اللحم والدم ليكون مثلنا ( العبرانيين 2 : 14 ) وليس أنه اشترك أو اتحد أو حل في انسان ولو كان هذا الحلول بملء إلوهيم لأننا نحن أيضا ننال ملء إلوهيم ( أفسس 3 :  19 ) ( كولوسى 2 : 10  ) في المعمودية ( رومية 6 : 3 – 8 ) ( رومية 8 : 2 , 9 – 11 ).

    لهذا قال بولس الرسول : إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما أي في اللحم والدم .

       وعلى ذلك فإن المعتقد النسطورى باتحاد الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح ليقدمه للموت عنا حتى يخلص الإنسان جسدا وروحا هو بدعة هلاك , لأنه في هذه الحالة لا يكون العمل الكفارى بموت المسيح كإنسان نظيرنا خلاصا للجنس البشرى كله, ولا خلاصا لنفسه.

    لأن روح المسيح إن كانت إنسانية مثلنا فإنها ستمسك مثل أرواحنا في  جسد الموت الذى يحيا بالدم لا بالروح الإنسانية.

   ومن ثم فإن تقدمته لن تزيد عن كونها ذبيحة حيوانية لا تخلص إلى التمام هذا بفرض أن العذراء ولدت انسان مثلنا بدم طاهر بلا عيب ولا دنس. ثم حل فيه الكلمة حسب زعم نسطور.

    لأنه حتى أن كان دم المسيح بلا عيب ولا دنس وكانت روحه إنسانية, فإنها ستكون غير محيية ومحدودة, ومن ثم فإنها بسبب محدوديتها فإنها حتى وان كانت روحا محييا للجسد, فإنها لن تستطيع إلا أن تحيى جسدها فقط , ولكن إذ هي أيضا غير محيية فإنها ستمسك من الموت كسائر أرواح البشر.

    وبداهة أنه لو كانت أرواح البشر محيية . أي لها القدرة على أقامة الجسد من الموت بعد موت الدم الذى هو علة إحياء الجسد. لما متنا أبدا, ولما احتجنا إلى روح المسيح المحيى ليحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 2 , 11 ).

     الروح الوحيد المحيى أي القادر على إحياء أجساد البشر هو روح إلوهيم ( حزقيال 37 : 14 ) أي الروح القدس الرب المحيى لأنه وحده روح الحياة . هذا الروح هو روح المسيح المحيى. فروح المسيح ليست إنسانية كما يعتقد نسطور بل هي بحسب الحق الكتابى روحا محييا ( كورنثوس الأولى 15 : 45) إلهيا ( رومية 8: 9 ) أزليا ( العبرانيين 9 : 14 ) ناطقا في الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ).

     فروح المسيح المحيى هو روح القيامة والحياة.

    إما إن كانت روح المسيح إنسانية وليست إلهية بحسب الحق الكتابى لعجزت عن أن تسكن فينا أو تحيينا لأنها محدودة.

     إن كانت روح المسيح إنسانية فإنها تكون محدودة ولا تستطيع أن تسكن فينا وتحيينا ويكون بولس الرسول كاذبا عندما قال فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في ( غلاطية 2 : 20 ) لأنه إن كان لروح المسيح الإنسانية هذه القدرة فستكون لأرواحنا أيضا .

      مما تقدم يتضح أن معتقد نسطور في اتحاد الكلمة بإنسان يدعى يسوع المسيح حتى يخلص الإنسان روحا وجسدا هو بدعة تضاد الحق الكتابى الواضح والصريح. لأن الذى يحتاج إلى الفداء هو الدم لا الروح, وأيضا الذى يحتاج إلى الخلاص بالقيامة من الموت هو الجسد الذى سقط تحت حكم الموت الأبدى بموت الدم الذى هو علة حياة الجسد وليس الروح الخالدة , لهذا فإن الذى يحتاج إلى القيامة من الموت هو الجسد لأنه هو الذى يحتاج إلى حياة جديدة ليس من دم يموت كما في الميلاد الأول بل مما لا يموت بروح إلوهيم الحى إلى الأبد .

     والسؤال المنطقى هو : مالذى سقط تحت حكم الموت الأبدى, ويحتاج إلى الخلاص بالقيامة من الأموات. الروح الإنسانية أم الجسد البشرى ؟

     من الذى صدر ضده الحكم : موتا تموت ( تكوين 2 : 17 ) لأنك تراب ، وإلى تراب تعود ( تكوين 3 : 19 ) الجسد أم الروح الإنسانية؟

     من الذى يدفن مع المسيح في المعمودية ويقوم معه. الروح البشرية أم الجسد البشرى؟

     بداهة أن الذى يدفن مع المسيح ويقوم من الموت بروحه المحيى هو الجسد كما هو مكتوب :

    فإن كان روح المسيح ساكنا فيكم فالذى أقام المسيح من الأموات سيحيى أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا ( رومية 8 : 9 -11 ).

    وضح إذن أن الجسد المائت هو الذى يحتاج للقيامة من الموت. أما الروح الإنسانية فهى خالدة لا تموت وإنما تمسك من جسد الموت ( أعمال 2 : 24 ) ( أشعياء 66 : 24) لهذا فإن حاجتها للخلاص هي بقيامة جسدها المائت. بأن يرفع عنها الحكم : موتا تموت ( تكوين 2 : 17 ) لأنك تراب، وإلى تراب تعود ( تكوين 3 : 19 ) أي أن ما نحتاجه للقيامة من الموت ليس روح إنسانية , لأن قيامة الجسد لا  تكون بالروح الإنسانية التي تمسك منه,  بل بروح المسيح الذى هو وحده روح القيامة والحياة لأنه وحده روح إلوهيم.

 

 تفنيد بدعة نسطور عن خلاص الحيوانات إذ لم يتحد الكلمة بالعقل البشرى؟

     يقول نسطور أن الكلمة اذ أخذ الجسد فقط دون  الجوهر العاقل فإنه فيكون قد خلص الحيوانات وحدها .       

     وهذا مردود بأن أجساد الحيوانات غير مشخصة بأرواح عاقلة تمسك منها عند موتها كأجساد البشر الحيوانية التي تحتاج للخلاص بإقامة أجسادها من الموت .

    أما أرواح البشر فخالدة وهى خلق جديد لأن إلوهيم يخلقها داخل جسد كل انسان وهذا ما أعلنه الرب بنفسه بقوله :

     يقول الرب باسط السماوات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله ( زكريا 12 : 1 ) .

    ومن ثم فإن الروح خلق جديد وهى خالدة لا تموت, وهى كروح غير مادية لا ترث الخطية كالجسد.

    لهذا قيل عن الجسد وحده أنه جسد الخطية ( رومية 6 : 6 ) ( رومية 8 : 3 ) لهذا جاء ابن إلوهيم في شبه جسد الخطية ( رومية 8 : 3 ) ليبطل جسد الخطية ( رومية 6 : 6 ) لأن الذي مات ( بموت دم الخطية ) قد تبرأ من الخطية,  فإن كنا قد متنا مع المسيح ، نؤمن أننا سنحيا أيضا معه ( رومية 6 : 7 - 8 ).

    مما تقدم يتضح أن الخطية في الجسد وليس في الروح ومن ثم فإن حكم الموت صدر ضد الجسد لا الروح. لأن الجسد الحى بالدم قابل للموت , أما الروح فخالدة لا تفنى ولا تموت ومن ثم فإن حكم الموت لم يصدر ضدها بل ضد النفس الحيوانية أي الحية بالدم. لهذا قيل بدون سفك دم لا تحصل مغفرة.

      أم الروح الخالدة فلا يصدر ضدها حكم بالفناءالأبدى. بل تسقط من النعمة كالملائكة الذين سقطوا, ومن ثم فإن الأرواح لا تفتدى لأن افتداء روح واحدة معناه فنائها مع روح من يفتديها, وهذا باطل نقلا وعقلا.

    لهذا فإن الفداء لا يكون إلا بسفك دم طاهر بلا عيب ولا دنس تكفيرا عن دم تنجس بالخطية وشوكة الموت التي أفسدت دمه نتيجة الأكل من الشجرة المحرمة. فصارت خلايا الدم مستنزفة حتى الموت بسبب شوكة الموت العاملة فيها , ومن ثم أصبحت خلايا الدم غير قادرة على تجديد نفسها بعد أن كان في مقدورها أن تجدد نفسها إلى مالانهاية .

    فالدم أي النفس الحية أو الحيوانية التي هي علة حياة الجسد هي التي سقطت تحت حكم الموت ومن ثم صار الجسد حتى يقوم من الموت في حاجة إلى قوة حياة جديدة عوضا عن تلك التي فنت بسب الخطية وشوكة الموت.

     لهذا فإن الجسد وحده لا الروح هو الذى كان في احتياج لحياة جديدة وميلاد ثان ليقوم من الموت.

     لهذا أخذ المسيح مالنا أي اللحم والدم, ليكفر بدمه الطاهر عن دمائنا المدنسة بالخطية وشوكة الموت , ومنحنا ماله أي روح الحياة المحيية التي أقامت أجسادنا المائتة بروحه الساكن فينا.

    في ضوء ما تقدم إذا افترضنا جدلا أن الروح الإنسانية العاقة تحتاج إلى الفداء, فمن الواضح أن الروح الممتزجة التى تجمع خصائص الطبيعتين بحسب مذهب يعقوب البرادعى ليست إنسانية ولا إلهية ولاهما معا, وبالتالي لا تصلح للتكفير عن روح إنسانية.

      وأيضا العقل المشخص للروح الإنسانية بحسب مذهب ثيؤدورت ومجمع خلقيدونية ليس إنسانيا, ومن ثم لا يصلح للتكفير عن العقل البشرى .

    كما أن مفهوم الفداء معناه فناء الحياة للفادى والمفتدى معا , فإذا صدر حكم الموت ضد الروح وليس الدم فقد وجب فناءها كالدم ولا فداء لها.

      والواقع أن حكم الموت والفناء لو كان قد صدر ضد الروح  وليس الدم فينبغى أن الروح تفنى وتموت كالدم, فإن فنت الروح فأى فداء يترجاه العدم.

     أما إن صدر حكم الموت ضد الحياة التي في الدم التي هي علة حياة الجسد عندئذ يمكن فدائها بأن يشترك ابن الوهيم في اللحم والدم إنما بلا خطية ليكفر بدمه الذى بلا عيب ولا دنس ( بطرس الأولى 1 : 18 – 19 ) عن دمائنا  التي تدنست بالخطية وشوكة الموت. 

     وهذه بديهية لأن الدم الطاهر يكفر عن الدم النجس فإذا كان دم المسيح طاهرا وبلا عيب ولا دنس فهذا معناه وبمفهوم المخالفة أن دمائنا غير طاهرة ومعيبة ومدنسة بالخطية وشوكة الموت.

     لهذا قيل أن الدم يكفر عن النفس أي الدم, لأن نفس الجسد دمه هو بنفسه ( لاويين 17 : 11 - 14 ) لأن الدم هو النفس ( تثنية 12 : 23 ) وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( العبرانيين 9 : 22 )

     ومن ثم فإن التعليم بحاجة الروح الإنسانية للفداء هو بدعة مضادة للحق الكتابى المثبت بأن الفداء تم بدم المسيح وحده لا بروح إنسانية محدودة بحسب زعم المعترض.

    أما عن قول المعترض اليعقوبى بأن المسيح اضطرب بروحه الإنسانية العاقلة أو أن المسيح اسلم روحه الإنسانية عوضا عن كل روح, أو أنه نزل إلى الجحيم بروح انسانية أو أنه أقام جسده في اليوم الثالث بعودة الروح الإنسانية إليه . مع قوله بطبيعة واحدة من الطبيعتين . معناه إما سقوطه في بدعة على طرف نقيض من البدعة المنسوبة لأوطيخا. أو انه حل الإتحاد أو الإتلاف وعاد لمربع النسطورية التي تم حرمها في مجمع أفسس الأول.

      وفى هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولى:

      لأنه أى شىء كان ينقص إلوهيم حتى يتخذ لنفسه ما هو غريب عنه فى الجوهر ليشاركه مجده ( الرسالة الثالثة إلى سرابيون ف 5 ص 121 ).

     ويقول القديس أمبروسيوس أن روح المسيح هو الروح القدس وهو غير منفصل عن الكلمة ( 1 سرابيون فصل 31 ص 67 ) ( 1 سرابيون فصل 11 , 31 ).

     والواقع أن اسم يسوع المسيح لا يخص انسان بل هو اسم إلوهيم الذى جاء فى الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) باشتراكه معنا فى اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وبذلك أخلى نفسه آخذا شكل العبد ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) .

 

هل كان أثناسيوس الرسولى نسطوريا أم خلقيدونيا أم أنطاكيا أم يعقوبيا

 

     مما لا شك  فيه أن العقل أو الشخصية هي التي تميز الروح الإنسانية العاقلة عن النفس الحيوانية غير العاقلة.

    فهل لا يدرك المعترض حقا أن الكلمة بتشخيصه الروح الإنسانية بحسب المعتقد الخلقيدونى يكون قد ترك العقل البشرى ولم يأخذه في الإتحاد وهو ما يتحقق فقط بحسب المذهب النسطورى الذى تم حرمه فى مجمع أفسس الأول.

    لأن القول بأقنوم واحد ( أي أقنوم الكلمة ) بطبيعتين ( إلهية وإنسانية ) بحسب المذهب الخلقيدونى معناه أن الكلمة قد ترك العقل البشرى ولم يأخذه في الإتحاد.

    ألم يفهم المعترض أن ترك العقل البشرى معناه عدم خلاصه وفقا للقاعدة التي أثبتها نسطور والتي تبناها المعترض في مؤلفه بقوله :

    أن مالم يتخذ بواسطة إلوهيم الكلمة لا يخلص. فإذا اتخذ الكلمة جسدا فقط.  فإن الجسد هو الذى سيخلص, وإذا اتخذ الجسد والروح إذن سيخلص الجسد والروح ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 297 و298 ).

    وبما أن المعترض أخذ بمقولة نسبها للقديس أثناسيوس الرسولى مفادها أن الكلمة هو المشخص للطبيعة الواحدة من طبيعتين ( كتاب المعترض اليعقوبى ص 295 – 296 ).

    فهذا معناه أن الكلمة لم يأخذ العقل البشرى كما أن الروح الإنسانية عدمت وجودها بالإئتلاف بالروح الإلهية , وهذا معناه فناء الإنسان روحا وعقلا في البدعة المنسوبة لأثناسيوس الرسولى في حين انها لساويرس الأنطاكى.

       والعجيب أن كل تعاليم المذاهب النسطورية التي رغم تعارضها وتناقضها نجدها منشورة في مؤلفات أو كتابات منسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى , ودليل ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يلى :

    ( 1 ) القول بروح إنسانية عاقلة في المسيح , وهذا معتقد نسطور ( نسطور " تجسد ربنا يسوع المسيح " فصل 20 ) ( نسطور " ظهور المسيح المحيى " ف 1 ) كتابين منسوبين زورا للقديس أثناسيوس الرسولى .

    ( 2 ) القول بأن أقنوم الكلمة هو المشخص والجامع للطبيعتين الإنسانية والإلهية في المسيح, وهذا معتقد ثيؤدورت أسقف قورش,  ومجمع خلقيدونية ( ثيؤدورت " الجامع للطبيعتين ". منشور تحت عنوان " كمال البرهان على حقيقة الإيمان " ك 1  ق 3 ف 4 صفحة 52 ) منسوب زورا للقديس أثناسيوس الرسولى. 

     ( 3 ) القول بان أقنوم الكلمة هو المشخص للطبيعة الواحدة من طبيعتين, وهذا معتقد ساويرس الأنطاكى منسوب للقديس أثناسيوس الرسولى ( كتاب المعترض اليعقوبى  ص 295 – 296 ).

    هذه التعاليم الخاصة بالمذاهب النسطورية , نجدها جميعا رغم تعارضها منسوبة زورا للقديس أثناسيوس الرسولى.

     فكيف سيخلص العقل البشرى بحسب معتقدات مجمع  خلقيدونية وساويرس الأنطاكى واليعاقبة وفقا للقاعدة التي وضعها نسطور لتبرير اتحاد الكلمة بإنسان عاقل بقوله: بأن مالا يؤخذ في الإتحاد لا يخلص.

     ولكن الأمر لم يقتصر بالنسبة لبدعة يعقوب البرادعى على عدم وجود العقل البشرى, بل على عدم وجود الإنسان كله روحا وعقلا لأن الطبيعة الممتزجة من طبيعتين  المشخصة بأقنوم من الأقنومين الإلهى والبشرى قد لاشيا بعضهما البعض ونشأت طبيعة جديدة وشخص جديد ليس أيا منهما على حدة أو معا.

     والواقع أن الكتاب المقدس لم يرد به في أي موضع أي تعليم يثبت أي عقيدة من عقائد أصحاب الطبيعتين فلا يوجد أي نص يستدل منه على أن الكلمة شخص روح إنسانية سواء كانت عاقلة أو غير عاقلة , أو أن روح المسيح الإنسانية كانت الروح الوحيدة التي بلا شخصية منذ وجودها,  أو أن روح إلوهيم إئتلفت بروح إنسانية مكونة روح واحدة من الروحين. كما لم يرد أي نص أو حتى إشارة تفيد وجود أي اتحاد بين الطبائع أو الأقانيم أو الأشخاص ولو من بعيد.

     والواقع أن الكتب المقدسة لو تضمنت مثل هذه التعاليم الإسطورية  القائمة على الخلط والتركيب والإئتلاف بين الجواهر العاقلة لرفضت ككتب الغنوسيين المضادة للحق الكتابى والمنطق والعقل السليم.

      إنما الكتاب المقدس يعلن عن المسيح تصريحيا بأنه ابن إلوهيم وصورته غير المنظورة ( كولوسى 1 : 15 ) وأنه هو نفسه وليس آخر إبن الإنسان الذى نزل من السماء ولم يزل في السماء, وهذا لا يعنى أن الجسد نزل من السماء, بل يعنى أن صورة المسيح الإنسانية كإبن انسان هي صورة إلوهيم ( فيلبى 2 : 6 ) بهاء مجده ورسم جوهره , وهي صورة روحية أزلية نزل بها من السماء إلى بطن العذراء وأخذ منها جسدا وصوره على صورته التي كانت له قبل نزوله من السماء وتجسده من الروح القدس ومن مريم العذراء ليظهر في الهيئة على شبه صورة الإنسان الذى خلقه المسيح على صورته كشبهه ونفخ في أنفسه نسمة الحياة, لهذا فإن نفس انوفنا مصدره نفخة المسيح في أنف آدم ( مراثى أرميا 4 : 20 ) فالمسيح ظهر في الهيئة كإنسان صائرا في شبه الناس ( فيلبى 2 : 7 ) وهذه المشابهة لا تعنى أبدا أن روحه إنسانية , لأننا نحن أيضا خلقنا على شبه صورة إلوهيم فهل يستدل من ذلك أن أرواحنا صارت إلهية, رغم أن المشابهة في الصورة هي من حيث الشكل الخارجي دون الجوهر.

    مما تقدم يتضح إن روح المسيح من حيث الجوهر لم تكن إنسانية بل إلهية, أزلية,  محيية, ناطقة في الأنبياء, لأن المسيح من حيث الجوهر غير مخلوق ومساو للآب  في الجوهر.

    فالمسيح جاء في الجسد وظهر في الهيئة كإنسان, صائرا في شبه الناس وهو إلوهيم الظاهر في الجسد, ومن ثم فهو لم يأتي إلى إنسان, ولم يظهر في إنسان, ولم يحل في إنسان بروح إنسانية عاقلة بحسب زعم نسطور.

      ولكن المعترض إذ هو جاهل بالفروق بين مذاهب أصحاب الطبيعتين  فقد سقط في جميعها وقبلها جميعا , وأما إلى الحق فلم يقبل, ورفض صورة التعليم الصحيح  بأن يسوع المسيح جاء في الجسد ( يوحنا الأولى 4 : 2 - 3 ) ( يوحنا الثانية 7 ) ( فيلبى 2 : 5 - 11 ) باشتراكه معنا في اللحم والدم ( العبرانيين 2 : 14 ) وأنه ليس إنسان ( غلاطية 1 : 6 - 12 ) وإنما ظهر في الهيئة كإنسان ( فيلبى 2 : 5 – 11 ) وأن روحه إلهية ( رومية 8 : 9 ) أزلية ( العبرانيين 9 : 14 ) محيية ( كورنثوس الأولى 15 : 45 ) ناطقة فى الأنبياء ( بطرس الأولى 1 : 11 ).

     والواقع أننا لا نعرف ما الذى يحاول هذا المعترض أن يثبته في مؤلفه. أيحاول إثبات صحة بدعة نسطور القائلة بأن مولود العذراء هو انسان يدعى يسوع المسيح بروح إنسانية عاقلة تأنس به الكلمة , أم إثبات بدعة مجمع خلقيدونية بأن أقنوم الكلمة جامع للطبيعتين الإلهية والإنسانية معا , أم إثبات بدعة ساويرس الأنطاكى القائل بأن الطبيعة الواحدة من طبيعتين مشخصة بالكلمة , أم إثبات بدعة يعقوب البرادعى بأن طبيعة المسيح الواحدة من طبيعتين ليست إنسانية ولا إلهية ولا هما معا وأنها مشخصة بأقنوم واحد من أقنومين , أم تراه يريد اثبات بدعته الخاصة بأن روح المسيح قائمة فى طبيعة إنسانية من طبيعتين أى أنها ابتعلت الطبيعة الإلهية وفساد بدعته واضح ولا يحتاج لتعليق, أيا كان الأمر وفى جميع الإحوال فإنه بجهالة يناطح صخرة إيماننا بأن يسوع هو المسيح ابن إلوهيم الحى ( متى 16 : 16 -18 )( يوحنا الأولى 2 : 22 ) الذى جاء في الجسد ( يوحنا 4 : 3 ).

 


حقوق الملكية الفكرية وضوابط النشر

1 -

جميع حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف مجدي صادق راغب

2 -

نأذن بترجمة ونشر جميع مؤلفاتنا لأي لغة بشرط تحميلها من موقعنا الرسمي:

https://magdysadek.blogspot.com

وبشرط الأمانة في الترجمة, وعدم استغلال الترجمة تجاريا, وارسال نسخة من الترجمة إلينا لنشرها.

3 -

يحظر علي الغير بيع أي من مؤلفاتنا, أو اشتراط التسجيل أو الإشتراك أو طلب بيانات القارىء أو بريده الإلكتروني مقابل تحميل الكتاب أو قرأته, كما يحظر نشر أو تداول نسخ قديمة من مؤلفاتنا الأمر الذي يتعين معه علي الناشر الحصول علي أحدث اصدار بتحميله من موقعنا الرسمي. 

4 -

أي مخالفة لهذه البنود يخرج العمل عن نطاق الأذن الممنوح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 










Magdy Sadek

مجدي صادق

باحث ومؤلف في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية

 

     حائز علي ليسانس في الحقوق, وعلي دبلوم في العلوم اللاهوتية, وعلي دبلوم معهد الدراسات القبطية في التاريخ القبطي, شغل وظيفة كبير باحثين قانونيين بدرجة مدير عام , كما عمل مدرسا بمعهد الدراسات القبطية في الفترة من عام 1992 حتي 1998, كما قام بنشر العديد من المقالات بجريدة العامل المصري عن "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" و"الديانات الجديدة التي تغزو العالم" وغيرها من الأبحاث في المدة من سنة 2000 حتي 2006

 

     اصدر مكتبة بحثية في العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية  تضم 112 كتابا اكثرهم مبيعا (1) "الكتاب المقدس مفتاح العلم وأسرار الكون" (2) "العقائد والمذاهب المنحرفة" (3) "المسيح الدجال الخطر القادم" (4) "جبل نيبو وعلامات المنتهي الكبري" (5) "المجىء الثاني علي الأبواب" (6) "أسرار الكنيسة السبعة" (7) "صلاة العذراء حالة الحديد" (8) "أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة المسيحية" (9) "التاريخ الحقيقي لمصر القديمة" (10) "التفسير الصحيح لقانون الإيجارات الجديد مع بيان أسباب بطلانه في ضوء الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا".

 

   يتسم منهجه البحثي بالتحليل المنطقي المجرد الذي قاده للكشف عن حقائق جوهرية في مجالات العلوم اللاهوتية والقانونية والتاريخية, وهي حقائق مدعومة بالشواهد المثبتة لصحتها من مصادرها الأصلية.

 

    حظيت مؤلفاته باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والبحثية, حيث اتخذها بعض الباحثين والكتاب مرجعا في رسائل الماجستير والدكتوراه والعديد من المؤلفات, كما كانت محورا للتناول الصحفي والأكاديمي, وأثارت حراكا فكريا واسعا, مما يعكس قوة وتأثير ما يطرحه من قضايا, وبالرغم من التباين في وجهات النظر حول أبحاثه, فقد حققت مؤلفاته انتشارا جماهيريا كبيرا حيث تجاوزت مبيعاتها علي منصة جوجل بلاي وحدها  أكثر من 300 ألف نسخة. 

Magdy Sadek

 



[1]   -  رسالة أثناسيوس الرسولى الأولى عن الروح القدس إلى سرابيون فصل 26 ص 76

    -  رسالة أثناسيوس الرسولى الثالثة عن الروح القدس إلى سرابيون فصل 3  ص 114

    -  رسالة أثناسيوس الرسولى الرابعة عن الروح القدس إلى سرابيون فصل 3 ص 130 

[2]   -  شرح إنجيل يوحنا الأصحاح الأول للقديس كيرلس عمود الدين ( بتصرف )

[3]   -  القمص إبراهيم جبره " الثلاث تقديسات " ص 15 , 16   

[4]   -  كتاب الحياة.  ترجمة تفسيرية 

[5]   -  الأنبا ايسيذورس " الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة " الجزء الثانى ص 270 ( بتصرف )